قال ابنُ جرير (٨‏/‏٢٤-٢٥) مُبَيِّنًا معنى الآية: «يعني -جَلَّ ثَناؤُه- بقوله: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾: ولا تَسْتَحِلُّوا الشَّهرَ الحرام بقتالكم به أعداءَكم من المشركين، وهو كقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٧]». واستدلّ له بأثر ابن عباس وقتادة، ولم يُورِد غيرهما

علَّق ابنُ كثير (٥‏/‏١٩٠) على هذا الأثر بقوله: «وفيه فائدة، وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو جرير بن عبد الله البجلي». وذكر أنّ قوله: فكره الله سمل الأعين، فأنزل الله هذه الآية. منكر؛ لِما ورد في الصحيح عند مسلم أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصًا

ذكر ابنُ جرير (٨‏/‏٥١٤) تفسير السدي الأمر بالجزية، ثم ذكر أنه يُحتمل أن يراد غيرها، ثم قال معلِّقًا: «غير أنه أيُّ ذلك كان فهو مما فيه إدالة المؤمنين على أهل الكفر بالله وبرسوله، ومما يسوء المنافقين ولا يسرهم؛ وذلك أنّ الله تعالى قد أخبر عنهم أنّ ذلك الأمر إذا جاء أصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين»

قال ابنُ جرير (٨‏/‏٥٩١) موجِّهًا معنى الآية على قول ابن زيد: «فتأويل الكلام إذن: لعن الذين كفروا من اليهود بالله على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ولعن والله آباؤهم على لسان داوود وعيسى ابن مريم؛ بما عصوا الله فخالفوا أمره، ﴿وكانوا يعتدون﴾: وكانوا يتجاوزون حدوده»

على هذا القول -الذي قاله مجاهد، ومقاتل- فالنبي ﷺ أُمِرَ أن يقول هذه المقالة للكفرة الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فتجيء الآية على هذا جوابًا لكلامهم. وهو ما علَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٣٣٠) عليه بقوله: «فـ﴿شَهِيدٌ﴾ على هذا التأويل خبر لـ﴿الله﴾، وليس في هذا التأويل مبادرة من السائل إلى الجواب المراد بقوله: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أي: في تبليغي»

وجَّه ابنُ عطية (٤‏/‏٣٤٢) هذا القول الذي قاله الضحاك، وسفيان، وإبراهيم من طريق منصور، وابن أبزى، وسعيد بن جبير، فقال: «والمسكين: السائل، يُعطى في المدينة وغيرها، وهذا القول هو حكاية الحال وقت نزول الآية، وأما منذ زالت الهجرة فاستوى الناس، وتعطى الزكاة لكل مُتَّصِف بفقر»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٤١٨) أنّ فرقة قالت: إنّ رفع ﴿التائبون﴾ إنّما هو على الابتداء وما بعده صفة، إلا قوله: ﴿الآمِرُونَ﴾ فإنّه خبر الابتداء، كأنه قال: هم الآمرون. وانتقده مستندًا للسياق، فقال: «وهذا حسن، إلا أنّ معنى الآية ينفصل مِن معنى التي قبلها، وذلك قلق. فتأمَّله»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٦٠٦ بتصرف) روايةً تَنُصُّ على «أنّ جبريل عليه السلام كان مختصًّا بإهلاك قرية لوط، وميكائيل عليه السلام مختصًّا بتبشير إبراهيم عليه السلام بإسحاق عليه السلام، وإسرافيل عليه السلام مختصًّا بإنجاء لوط عليه السلام ومَن معه». ثم استدرك عليها بقوله: «وهذه الآية تقضي باشتراكهم في البشارة بإسحاق عليه السلام»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٣٢٧) في معنى ﴿خصيم﴾ احتمالين، فقال: «يحتمل: أن يريد به الكفرة الذين يختصمون في الله، ويجادلون في توحيده وشرعه. ذكره ابن سلام عن الحسن البصري. ويحتمل أن يريد أعمّ من هذا». ثم علَّق بقوله: «على أن الآية تعديد نعمة الذهن والبيان على البشر، ويظهر أنها إذ تقرر في خصام الكافرين ينضاف إلى العبرة وعيد ما»

قال ابنُ عطية (٥‏/‏٣٧٦): «وقوله ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا﴾ فِيهِ لفظ عام لأنواع كفر الكفرة؛ من الجحد بالله تعالى، أو بالقيامة، أو بالنبوءات، أو غير ذلك، ولكن الإشارة في هذه الآية إنما هي لجحدهم الربوبية، وتشريكهم الأصنام في الألوهية، يدل على ذلك أخذه بعد هذا في إثبات العبر الدالة على أن الأنعام وسائر الأفعال إنما هي من الله تعالى، لا من الأصنام»