لم يذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏٦٨-٦٩) غير قول عبد الرحمن، وقول قتادة، وابن عباس من طريق علي

لم يذكر ابنُ جرير (٢٤‏/‏١٢٧) غير قول عبد الرحمن بن زيد، وقول ابن عباس من طريق علي

قال ابنُ جرير (١٩‏/‏٥١٠-٥١١): «خُلِقَ ابنُ آدم من تراب وماء ونار وهواء، والتراب إذا خُلِطَ بماءٍ صار طينًا لازبًا». وقال ابنُ عطية (٧‏/‏٢٧٤) بعد أن نقل كلام ابن جرير هذا: «وهو اللازم، أي: يلزم ما جاوره ويلصق به، وهو الصلصال كالفخار، وعَبَّرَ ابن عباس وعكرمة عن اللازب بالحُرِّ، أي: الكريم الجيِّد، وحقيقة المعنى ما ذكرناه، يقال: ضربة لازم، وضربة لازب، بمعنى واحد»

لم يذكر ابنُ جرير (١٤‏/‏٢٩٢) غير قول علي. ووجّهه ابنُ عطية (٥‏/‏٣٨٢) بقوله: «وهذا في الأغلب، وهذا لا ينحصر إلى مدة معينة، وإنما هو بحسب إنسان وإنسان، والمعنى: منكم من يرد إلى أرذل عمره؛ ورب من يكون ابن خمسين سنة وهو في أرذل عمره، ورب ابن مائة وتسعين ليس في أرذل عمره»

بيّن ابنُ جرير (١٩‏/‏٥٥) أن المراد بقوله: ﴿أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم﴾ هم أهل الكفر والنفاق، ثم قال: «وذُكِر أن الذي وصف بهذه الصفة كان بدريًّا، فأحبط الله عمله». وأورد قول ابن زيد. وذكر ابنُ عطية (٧‏/‏١٠٣) قول ابن زيد، وانتقده بقوله: «وهذا فيه ضعف»

أفادت الآثارُ الاختلافَ في معنى قوله تعالى: ﴿فإذا أحصنّ﴾ على قولين: أحدهما: أنّ معناه: فإذا أسلمْنَ. وهذا قول عمر، وابن مسعود، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والسدي، وسالم، والقاسم. والآخر: أنّ معناه: فإذا تزوجْنَ. وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وغيرهم. ورجَّحَ ابنُ كثير (٣‏/‏٤٣٤) القولَ الثاني استنادًا إلى السياق، فقال: «الأظهر -والله أعلم- أنّ المراد بالإحصان هاهنا: التزويج؛ لأن سياق الآية يدل عليه، حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم﴾ والله أعلم. والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أنّ المراد بقوله: ﴿فإذا أحصن﴾ أي: تزوجن». ثم أورد على كلٍّ من القولين إشكالًا على مذهب الجمهور، فقال: «يقولون: إنّ الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرًا. مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حدَّ على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك». وذكر أجوبة يطول ذكرها هنا، فلتراجع. وانتَقَدَ ابنُ جرير (٦‏/‏٦٠٧-٦٠٨) قولَ مَن قصرها على التزويج؛ لأنها في سياق الفتيات المؤمنات، وبيّنَ أنّ الآية تحتمل التأويلين استنادًا إلى صحته لغةً وعقلًا، فقال: «غير مستحيل في الكلام أن يكون معنى ذلك: ومن لم يستطع منكم طولًا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات، فإذا هنَّ آمنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصفُ ما على المحصنات من العذاب. فيكون الخبرُ مبتدأ عما يجب عليهنّ من الحدّ إذا أتين بفاحشة بعد إيمانهن، بعد البيان عما لا يجوز لناكحهن من المؤمنين من نكاحهن، وعمن يجوز نكاحه له منهن. فإذ كان ذلك غير مستحيل في الكلام، فغيرُ جائز لأحد صَرْف معناه إلى أنه التزويج دون الإسلام، من أجل ما تقدّم من وصف الله إيّاهن بالإيمان»

أفادت الآثارُ الاختلاف في سبب قول المقتول لأخيه: ﴿ما أنا بباسط يدي... ﴾ على قولين: الأول: لأن الله حرم عليهم قتل النفس ظلمًا. والثاني: لأنّ الله فرض عليهم ألاَّ يمتنع مَن أُريد قتله ممن أراد منه ذلك. ورجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٣٣٠-٣٣٣) القول الأول الذي قاله ابن عباس، وعبد الله بن عمرو مستندًا إلى القرآن، والإسرائيليات، ودلالة العقل، فقال: «فأما الامتناع من قتله حين أراد قتله فلا دلالة على أنّ القاتل حين أراد قتله وعزم عليه كان المقتول عالِمًا بما هو عليه عازم منه، ومحاوِلٌ مِن قتله، فترك دفعه عن نفسه، بل قد ذكر جماعةٌ من أهل العلم أنه قتله غيلة؛ اغتاله وهو نائم، فشدخ رأسه بصخرة. فإذا كان ذلك ممكنًا، ولم يكن في الآية دلالة على أنه كان مأمورًا بترك منع أخيه من قتله؛ لم يكن جائزًا ادعاء ما ليس في الآية إلا ببرهان يجب تسليمه». وذكر أنّ قول المقتول لأخيه: ﴿فتكون من أصحاب النار... ﴾ دلالة على أن الله كان قد أمر ونهى، ووعد وأوعد بعد أن أهبط آدم إلى الأرض، وإلا لما قال ما قال. وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٣‏/‏١٤٦)، ولم يذكر مستندًا، ثم قال: «ومَن هنا يقوى أنّ قابيل إنما هو عاصٍ لا كافر، لأنه لو كان كافرًا لم يكن للتحرج وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أنّ المتحرج يأبى أن يُقاتل مُوَحِّدًا، ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة، ونحو هذا فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه». وقال ابنُ كثير (٥‏/‏١٦٧) معلِّقًا: «ولهذا ثبت في الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنّه كان حريصًا على قتل صاحبه»»

اختلف المفسرون في معنى قول الأنبياء: ﴿لا علم لنا﴾ على أربعة أقوال: الأول: لم يكن ذلك من الرسل إنكارًا، ولكنهم ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم، ثم أجابوا بعد أن ثابت إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم. والثاني: لا علم لنا إلا ما علمتنا. والثالث: معنى ﴿ماذا أجبتم﴾: ماذا عملوا بعدكم؟ وماذا أحدثوا؟ والرابع: قالوا لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏١١٢) القول الأخير الذي قاله ابن عباس من طريق علي مستندًا إلى دلالة القرآن، والعقل، فقال: «لأنه -تعالى ذِكْرُه- أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب﴾، أي: أنك لا يخفى عليك ما عندنا من علم ذلك ولا غيره من خفي العلوم وجليِّها. فإنما نفى القوم أن يكون لهم بما سئلوا عنه من ذلك علم لا يعلمه هو -تعالى ذكره-، لا أنهم نفوا أن يكونوا علموا ما شاهدوا، كيف يجوز أن يكون ذلك كذلك وهو -تعالى ذكره- يخبر عنهم أنهم يخبرون بما أجابتهم به الأمم، وأنهم سيشهدون على تبليغهم الرسالة شهداء، فقال -تعالى ذكره-: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة:١٤٣]». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٣‏/‏٢٩٤) مستندا إلى دلالة العقل، فقال: «لأنه يتخرج على التسليم لله تعالى ورد الأمر إليه، إذ قوله: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ لا علم عندهم في جوابه إلا بما شوفهوا به مدة حياتهم، وينقصهم ما في قلوب المشافهين من نفاق ونحوه، وما ينقصهم ما كان بعدهم من أمتهم، والله تعالى يعلم جميع ذلك على التفصيل والكمال. فرأوا التسليم له والخضوع لعلمه المحيط». ووجَّهه (٣‏/‏٢٩٤) بقوله: «وهذا حسن، كأن المعنى: لا علم لنا يكفي وينتهي إلى الغاية». وعلَّق عليه ابنُ كثير (٥‏/‏٤١١) بقوله: «ولاشك أنه قول حسن»، ثم ذكر أنه من باب التأدب مع الله

اختلف في معنى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أمر الله: فرائضه وأحكامه. الثاني: أنه وعيدٌ من الله لأهل الشرك به. الثالث: خروج رسول الله ﷺ. الرابع: أنه القيامة. ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏١٥٩) مستندًا إلى السياق القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أنه عقَّب ذلك بقوله: ﴿سبحانه وتعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، فدل بذلك على تقريعه المشركين به، ووعيده لهم». وانتقد القول الأول مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية والواقع، وعلَّل ذلك بقوله: «فإنه لم يَبْلُغنا أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ استعجل فرائض قبل أن تُفرَض عليهم؛ فيقال لهم مِن أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. وأما مستعجلو العذاب من المشركين فقد كانوا كثيرًا». وكذا ابن كثير (٨‏/‏٢٨٩) فوصفه بأنه قولٌ عجيب. وكذا ابنُ عطية (٥‏/‏٣٢٥)، فقال: «ويُبعِده قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾؛ لأنّا لا نعرف استعجالًا إلا ثلاثة: اثنان منها للكفار في القيامة، وفي العذاب، والثالث للمؤمنين في النصر وظهور الإسلام». ثم وجَّهه بقوله: «وقوله: ﴿أتى﴾ -على هذا القول- إخبارٌ عن إتيان ما سيأتي، وصح ذلك على جهة التأكيد». ووجَّه (٣‏/‏٣٧٧ ط. دار الكتب العلمية) القول الرابع بقوله: «ومن قال: إن الأمر القيامة. قال: إن قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ردٌّ على المكذبين بالبعث القائلين متى هذا الوعد». وزاد ابنُ عطية (٥‏/‏٣٢٥) قولين آخرين: الأول: أنه نصر محمد ﷺ. والثاني: أنه تعذيب كفار مكة بقتل محمد عليه الصلاة والسلام لهم وظهوره عليهم. ووجَّه القول الثاني منهما بقوله: «ومن قال: إن الأمر تعذيب الكفار بنصر محمد ﷺ وقتله لهم. قال: إن قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ردٌّ على القائلين: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ ونحوه من العذاب، أو على مستبطئي النصر من المؤمنين في قراءة من قرأ بالتاء -وهي قراءة الجمهور- على مخاطبة المؤمنين، أو على مخاطبة الكافرين، بمعنى: قل لهم: فلا تستعجلوه»

اختُلِف في معنى: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: وللاختلاف خلقهم. الثاني: وللرحمة خلقهم. وفرق ابنُ عطية (٥‏/‏٣٤) بين قول ابن عباس ومالك وبين قول الحسن، بينما جعلهما ابن جرير قولًا واحدًا. ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏٦٤٠-٦٤١) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- ذَكَر صنفين من خلقه: أحدهما: أهلُ اختلافٍ وباطلٍ، والآخر: أهل حقٍّ. ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، فعمَّ بقوله: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ صفة الصِّنفين، فأخبر عن كلِّ فريقٍ منهما أنه مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له. فإن قال قائل: فإن كان تأويل ذلك كما ذَكَرتَ فقد ينبغي أن يكون المختلفون غير ملومين على اختلافهم؛ إذ كان لذلك خلقَهُم ربُّهم، وأن يكون المتمتِّعون هم الملومين؟ قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى الكلام: ولا يزال الناس مختلفين بالباطل من أديانهم ومللهم، ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فهداه للحقِّ ولعلمه، وعلى علمه النافذ فيهم قبل أن يخلقهم -أنه يكون فيهم المؤمن والكافر، والشقيُّ والسعيد- خلقهم، فمعنى اللام في قوله: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ بمعنى: على، كقولك للرجل: أكرمتك على بِرِّك بي، وأكرمتك لبرِّك بي». ونقل ابنُ عطية عن فرقة أنّ المعنى: «ولشهود اليوم المشهود -المتقدم ذكره- خلقهم». ونقل عن فرقة أخرى: أنّ «»ذلك«إشارة إلى قوله قَبْلُ: ﴿فَمِنهُمْ شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾، أي: لهذا خلقهم». ثم استدرك عليهما قائلًا: «وهذان المعنيان وإن صحّا فهذا العَوْدُ المتباعد ليس بجيِّد». وعلَّق على قول مالك: خلقهم ليكون فريق في الجنة، وفريق في السعير. بقوله: «فجاءت الإشارة بـ»ذلك«إلى الأمرين معًا: الاختلاف والرحمة، وقد قاله ابن عباس، واختاره الطبري، ويجيء عليه الضمير في ﴿خَلَقَهُمْ﴾ للصنفين». وعلَّق على قول الحسن: خلقهم للاختلاف. بقوله: «ويعترض هذا بأن يقال: كيف خلقهم للاختلاف؟ وهل معنى الاختلاف هو المقصود بِخَلْقِهم؟ فالوجه في الانفصال أن نقول: إنّ قاعدة الشرع أنّ الله عز وجل خلق خلقًا للسعادة وخلقًا للشقاوة، ثم يسَّر كُلًّا لِما خُلِق له، وهذا نصٌّ في الحديث الصحيح، وجعل بعد ذلك الاختلاف في الدين على الحق هو أمارة الشقاوة، وبه تعلَّق العقاب، فيصح أن يحمل قوله هنا: وللاختلاف خلقهم. أي: لثمرة الاختلاف وما يكون عنه من الشقاوة». وعلَّق ابنُ كثير (٧‏/‏٤٩٠) على القول الثاني بقوله: «ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾» [الذاريات: ٥٦]