سورة الفرقان — الآية ١٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق الضَّحّاك- قال: لَمّا عيَّر المشركون رسولَ الله ﷺ بالفاقة قالوا: ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾؛ حزِن رسولُ الله ﷺ، فنزل جبريل، فقال: إنّ ربَّك يُقرِئك السلامَ، ويقول: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾. ثم أتاه رضوان خازِن الجِنان، ومعه سفط من نور يتلألأ، فقال: هذه مفاتيح خزائن الدنيا. فنظر النبيُّ ﷺ إلى جبريل كالمستشير له، فضرب جبريلُ بيده إلى الأرض: أن تواضع. فقال: يا رضوان، لا حاجة لي فيها. فنُودي: أن أرفع بصرك. فرفع، فإذا السموات فتحت أبوابها إلى العرش، وبدت جنةُ عدن، فرأى منازلَ الأنبياءَ، وعَرَفَهم، وإذا منازله فوق منازل الأنبياء، فقال: «رضيتُ». ويرون أنّ هذه الآية أنزلها رضوان: ﴿تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرًا من ذلك﴾ الآية

سورة لقمان — الآية ١٥

عن سعد بن أبي وقاص -من طريق مصعب- قال: نزلت فِيَّ هذه الآية: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾، كُنتُ رجلًا بَرًّا بأمي، فلمّا أسلمتُ قالتْ: يا سعد، ما هذا الذي أراك قد أحدثتَ؟! لَتَدَعَنَّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتُعَيَّر بي، فيُقال: يا قاتلَ أُمِّه. قلتُ: لا تفعلي، يا أُمَّه؛ فإنِّي لا أدعُ ديني هذا لشيء. فمكثتْ يومًا آخر وليلة لا تأكل، فأصبحتْ قد جهدتْ، فمكثت يومًا آخر وليلة لا تأكل، فأصبحت وقد اشتد جهدُها، فلما رأيتُ ذلك قلتُ: يا أُمَّه، تعلمين -واللهِ- لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئتِ فكلي، وإن شئت فلا تأكلي. فلمّا رأت ذلك أكلت؛ فنزلت هذه الآية

سورة الشورى — الآية ٥١

عن يونس بن يزيد، قال: سمعتُ الزّهري سُئِل عن قول الله: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ الآية. قال: نزلت هذه الآية تعمُّ مَن أوحى الله إليه من النّبيّين، فالكلام: كلام الله الذي كلّم به موسى من وراء حجاب، والوحي: ما يوحي الله به إلى نبي من أنبيائه، فيُثبت الله ما أراد من وحيه في قلب النبيِّ فيتكلم به النبيُّ ويبيّنه، وهو كلام الله ووحيه، ومنه ما يكون بين الله ورسله لا يكلّم به أحدٌ من الأنبياء أحدًا من الناس، ولكنه سرُّ غيبٍ بين الله ورسله، ومنه ما يتكلّم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدِّثون به الناس حديثًا، ويبيّنون لهم أن الله أمرهم أن يبيِّنوه للناس ويبلغوهم، ومن الوحي ما يرسل الله به مَن يشاء من اصطفى من ملائكته فيكلّمون أنبياءه، ومن الوحي ما يرسل به إلى مَن يشاء، فيوحون به وحيًا في قلوب من يشاء من رسله

سورة الحجرات — الآية ١

قال عطاء الخُراسانيّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ نَزَلتْ في قصّة بِئر مَعُونة، وقتل الثلاثة الذين لقوا الرجلين السُلَمِيَّين اللذين اعتريا إلى بني عامر، وأخذهم مالهما، وكانا مِن أهل العهد، فلما أتوا رسول الله ﷺ وقد سبق الخبر إليه، فقال: «بئس ما صنعتم، هما مِن أهل ميثاقي، وهذا الذي معكم مِن كسوتي». قالا: يا رسول الله، إنهما زعما أنهما مِن بني عامر، فقلنا: هذان ممن قتل إخواننا، فقتلناهما لذلك. وأتاه السُلَمِيّون، فقال رسول الله ﷺ: «لا قوَد لهما؛ لأنهما اعتريا في عدوِّنا، ولكنّا نَدِيهما». فوداهما رسولُ الله ﷺ، وأنزل عز وجل في ذلك: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ حين قتلوا الرجلين

سورة الحجرات — الآية ١

عن مقاتل بن حيّان -من طريق بكير بن معروف- قال: بلَغنا -والله أعلم- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾: يعني بذلك في شأن القتال، وما يكون من شرائع دينهم. يقول: لا تَقضوا في ذلك شيئًا إلا بأمْر رسول الله ﷺ، وذلك أنّ رسول الله ﷺ بعَث سريّة، واستَعمَل عليهم مُنذر بن عمرو الأنصاري. فذكر قصة قتْل بني عامر لتلك السّريّة، وهم أصحاب بئر مَعُونة، ورجوع ثلاثة منهم إلى المدينة، وأنهم لقوا رجلين مِن بني سُلِيم جائيين مِن عند رسول الله ﷺ، فقالوا: مَن أنتما؟ فاعتزيا إلى بني عامر، فقال النَّفر: إنّا ثائرون بإخواننا. فقتلوهما، فأتَوا النبي ﷺ، فأخبروه الخبر، فكره النبي ﷺ قتْلهما؛ فنَزَلتْ هذه الآية، يقول: لا تقطعوا دونه أمرًا، ولا تُعجّلوا به

سورة الحجرات — الآية ٦

عن يزيد بن رُومان -من طريق محمد بن إسحاق-: أنّ رسول الله ﷺ بعَث إلى بني المُصْطَلق بعد إسلامهم، الوليد بن أبي مُعيط، فلما سمعوا به رَكبوا إليه؛ فلما سمع بهم خافهم، فرجَع إلى رسول الله ﷺ، فأخبَره أنّ القوم قد همُّوا بقتْله، ومنعوا ما قَبِلهم من صَدقاتهم، فأكثَر المسلمون في ذِكر غزوتهم، حتى همَّ رسول الله ﷺ أن يَغْزُوَهم، فبيْنا هم في ذلك قَدِم وفْدهم على رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك حين بعثْتَه إلينا، فخرجنا إليه لنُكرمه، ولنؤدّي إليه ما قَبِلنا من الصدقة، فانشَمَرَ راجعًا، فبَلَغنا أنه يزعم لرسول الله ﷺ أنّا خرجنا إليه لنقاتله، وواللهِ، ما خرجنا لذلك. فأنزل الله في الوليد بن عُقبة وفيهم: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخر الآية

سورة الممتحنة — الآية ١٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ صالَح أهل مكة يوم الحُدَيبية، وكَتب بينه وبينهم كتابًا، فكان في الكتاب أنّ مَن لَحِق أهل مكة من المسلمين فهو لهم، ومَن لَحق منهم بالنبي ﷺ ردّه عليهم، وجاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ اسمها: سُبَيعة بنت الحارث الأَسلمية -في المُوادعة-، وكانت تحت صيفيّ بن الرّاهب مِن كفار مكة، فجاء زوجها يَطلبها، فقال للنبي ﷺ: رُدّها علينا، فإنّ بيننا وبينك شرطًا. فقال النبي ﷺ: «إنما كان الشّرط في الرجال، ولم يكن في النساء». فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾... فتزوّجها عمر بن الخطاب، ويُقال: تزوّجها أبو السّنابل بن بَعكك بن السّباق بن عبد الدّار بن قُصي...

ذكر ابنُ جرير (١‏/‏٦٣٩-٦٤٠): أنّ تأويل قوله: ﴿ولا هم ينصرون﴾: أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. ثم ذكر أقوالًا أخرى لم يسندها في معنى ﴿ولا هم ينصرون﴾، فقال: «وقد قال بعضهم في معنى قوله: ﴿ولا هم ينصرون﴾: وليس لهم من الله يومئذ نصير ينتصر لهم من الله إذا عاقبهم. وقد قيل: ولا هم ينصرون بالطلب فيهم والشفاعة والفدية». ثم رجَّح مستندًا إلى النظائر، وأحوال النزول القول الأول بقوله: «والقول الأول أولى بتأويل الآية؛ لِما وصفنا مِن أنّ الله -جل ثناؤه- إنما أعلم المخاطبين بهذه الآية أنّ يوم القيامة يوم لا فدية لمن استحق من خلقه عقوبته، ولا شفاعة فيه، ولا ناصر له، وذلك أنّ ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخبر أنّ ذلك يوم القيامة معدوم لا سبيل لهم إليه»

توقَّف ابنُ جرير (٢‏/‏٢٢) في تحديد المراد بـ(مصر) في الآية، وجوَّزَ كلا القَولَيْن، وقال: «والذي نقول به في ذلك: إنّه لا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول ﷺ يقطع مجيئه العذر». وانتقد ابنُ كثير (١‏/‏٤٢٨) كلامَ ابن جرير، وتوقّفَه في المراد بـ(مصر) في الآية، فقال: «وهذا الذي قاله فيه نظر، والحق أن المراد مصرًا من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك؛ لأنّ موسى عليه السلام يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه. ولهذا قال: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ أي: ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه»

ذَهَبَ ابنُ جرير (٤‏/‏٤٧٧) إلى أنّ الآية تحتمل كلَّ تلك الأقوال في المراد بالبقية التي تركها آل موسى وآل هارون؛ لعدم وردود نصٍّ يمنع من إرادةِ شيء منه، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُهُ- أخْبَرَ عن التابوت الذي جعله آيةً لصدق قول نبيه عليه السلام الذي قال لأمته: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ أنّ فيه سكينةً منه، وبقيَّةً من تَرِكة آل موسى وآل هارون. وجائز أن يكون تلك البَقِيَّةُ: العصا، وكسر الألواح، والتوراة، أو بعضها والنعلين، والثياب، والجهاد في سبيل الله، وجائز أن يكون بعض ذلك. وذلك أمرٌ لا يُدْرَكُ عِلْمُه من جهة الاستخراج، ولا اللغة، ولا يُدْرَك علم ذلك إلا بخبرٍ يوجب عنه العلم، ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك للصفة التي وصفنا. وإذ كان كذلك فغيرُ جائزٍ فيه تصويبُ قول وتضعيفُ آخر غيره؛ إذ كان جائزًا فيه ما قلنا من القول»