اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿ولا تقعدوا بكل صراط توعدون... ﴾ على قولين: الأول: أنّهم كانوا قطاعين للطرق على الناس عمومًا. الثاني: أنهم كانوا قطاعين لطريق المؤمنين خصوصًا الذين كانوا يقصدون شعيبًا. وقد رجّح ابنُ كثير (٦/٣٤٩) القول الأول مستندًا إلى دلالة العموم، حيث قال: «لأنه قال: ﴿بكل صراط﴾، وهي الطرق». ولم يذكر ابنُ جرير (١٠/٣١٢) إلا القول الثاني، وهو أنهم كانوا يتوعدون من يأتي شعيبًا، ويُهَدِّدونه بالقتل
علَّقَ ابنُ كثير (٧/٣٩٨) على الأقوال المتعددة في تفسير قوله: ﴿ببدنك﴾ بقوله: «كلُّ هذه الأقوال لا منافاة بينها». وقال ابنُ جرير (١٢/٢٨٣): «إن قال قائل: وما وجه قوله: ﴿ببدنك﴾؟ وهل يجوز أن ينجيه بغير بدنه، فيحتاج الكلام إلى أن يقال فيه: ﴿ببدنك﴾؟ قيل:كان جائزًا أن ينجيه بهيئته حيًّا كما دخل البحر. فلما كان جائزًا ذلك قيل: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾؛ ليعلم أنه ينجيه بالبدن بغير روح، ولكن ميّتًا»
ذكر ابنُ جرير (١٣/١٢٣) أنّ المتكأ يعني: ما يُتَّكأ عليه من النمارق والوسائد. ثم وجَّه (١٣/١٢٤) تفسير المتكأ بالطعام بقوله: «فسّر بعضهم المتكأ بأنّه: الطعام، على وجه الخبر عن الذي أُعِدَّ من أجله المتكأ، وبعضهم عن الخبر عن الأترج، إذ كان في الكلام: وآتت كلَّ واحدة منهن سكينًا؛ لأنّ السكين إنما تعد للأترج وما أشبهه مما يقطع به. وبعضهم على البزماورد». وبنحوه قال ابنُ عطية (٥/٧٧)
علَّقَ ابنُ عطية (٥/٣٩٩-٤٠٠بتصرف) على كلام ابن عباس هذا بقوله: «في هذا نظر؛ لأن أداء الفرائض هي الإسلام حسبما فسره رسول الله ﷺ في حديث سؤال جبريل عليه السلام، وذلك هو العدل، وإنما الإحسان التكميلات والمندوب إليه، حسبما يقتضيه تفسير النبي ﷺ لسؤال جبريل عليه السلام، بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». فإن صحَّ هذا عن ابن عباس فإنما أراد: أداء الفرائض مُكَمَّلَة»
نقل ابنُ عطية (٧/٦١) عن مجاهد في معنى: ﴿فَمِنهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾، قال: «يريد: منهم مقتصد على كفره». ثم وجَّهه بقوله: «أي: مَن يسَلِّم لله تعالى، ويفهم نحو هذا من القدرة، وإن ضلَّ في الأصنام من جهة أنه يعظِّمها بسيرته ولسانه». ووجَّه ابنُ كثير (١١/٨٠) تفسير مجاهد للمقتصد بالكافر بقوله: «كأنه فسر المقتصد ها هنا بالجاحد، كما قال تعالى: ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إلى البَرِّ إذا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]»
اختلف أهلُ التفسير في من المراد بقوله: ﴿هُمْ دَرَجاتٌ﴾؛ فذهب بعضُهم: إلى أنّهم أهل الرضوان وأصحاب السخط. وذهب آخرون: إلى أنهم أهل الرضوان. وذَهَبَ ابنُ عطية (٢/٤١٢) أنّ المراد بقوله: ﴿هُمْ دَرَجاتٌ﴾ القولَ الثانيَ الذي قال به السُّدِّيُّ ومجاهد: متبعي الرضوان. أي: لهم درجات كريمة عند ربهم. وفي الكلام حذف مضاف، تقديره: هم ذوو درجات، أو: هم أهل درجات
ذكر ابن كثير (١١/٢٩٦) هذا الحديث من رواية ابن أبي حاتم بسنده عن أبيه، عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا، ثم استدرك بأنه: «حديث ضعيف الإسناد، وتفسير الآية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى؛ بعيد، ولعله مقحم في الحديث مِن بعض الرواة؛ فإنّ أصله ثابت في الصحاح وغيرها»
قال يحيى بن سلّام: فانطلق موسى نحو فرعون، وأوحى الله إلى هارون أن يستقبل أخاه، فاستقبله، فأتيا باب فرعون، فقالا للبواب: اذهب، فأخبِر فرعون أنّ بالباب رسولَ رب العالمين. فدخل عليه البوابُ، فقال: إنّ بالباب رجلًا مجنونًا يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال له فرعون: أتعرفه؟ قال: لا، ولكن معه هارون. وكان هارون عندهم معروفًا، وكان موسى قد غاب عنهم زمانًا مِن الدهر، قال فرعون: اذهب، فأدخِلْهُ. فدخل عليه، فعرفه. في تفسير الحسن. وقال بعضهم: كأنّه عرف وجهه ولم يثبت مَن هو، فقال: مَن أنت؟ فقال: أنا رسول رب العالمين. فقال: ليس عن هذا أسألك، ولكن مَن أنت، وابن مَن أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران. وقد كان ربّاه، وكان في حِجْره حتى صار رجلًا، فقال له فرعون: ﴿ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين﴾ وأنت لا تَدَّعي هذه النبوة، ﴿وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين﴾ [الشعراء:١٨-١٩] بي أنِّي إله. في تفسير الحسن. وبعضهم يقول: مِن الكافرين لنعمتنا، أي: فيما ربَّيناك
عن علي بن أبي طالب، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ عن تفسير المقاليد. فقال: «يا عليّ، سألتَ عظيمًا، المقاليد هو أن تقول عشرًا إذا أصبحت وعشرًا إذا أمسيت: لا إله إلا الله، والله أكبر، سبحان الله، والحمد لله، أستغفر الله، ولا حول ولا قُوَّة إلا بالله، هو الأول والآخِر والظاهِر والباطِن، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. من قالها عشرًا إذا أصبح، وعشرًا إذا أمسى أعطاه الله تعالى خصالًا سِتًّا؛ أولهن: يحرسه من إبليس وجنوده فلا يكون لهم عليه سلطان، والثانية: يُعطى قنطارًا في الجنّة أثقل في ميزانه من جبل أُحد، والثالثة: يرفع الله له درجة لا ينالها إلّا الأبرار، والرابعة: يزوّجه الله من الحور العين، والخامسة: يشهده اثنا عشر ألف ملَك يكتبونها في رقٍّ مَنشُور يشهدون له بها يوم القيامة، والسادسة: كان كمن قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ومن حجّ واعتمر وقبل الله حجّه وعمرته، وإن مات من يومه أو ليلته أو شهره طُبع بطابع الشهداء، فهذا تفسير المقاليد»
علَّق ابنُ عطية (٣/٣٧٠ ط: دار الكتب العلمية) (٥/٣١٠) على قول مجاهد، والضحاك، وقتادة بقوله: «وقيل غير هذا مِمّا هو قريب منه، وهذا كله تفسير بالمعنى، وأما تفسير اللفظة فإنّ المعاني التي تكون في الإنسان وغيره من خير أو شرٍّ يلوح عليه وسْم على تلك المعاني، كالسكون والديانة والهيبة التي تكون عن الخير ونحو هذا، فالمُتَوَسِّم هو الذي ينظر في وسْم المعنى لِيَسْتَدِلَّ به على المعنى، وكأنّ معصية هؤلاء أبقت من العذاب والإهلاك وسْمًا، فمَن رأى الَوْسم استدلَّ على المعصية به، واقتاده النظر إلى تجنب المعاصي؛ لِئَلّا ينزل به ما نزل بهم». واستشهد ببيتٍ من الشعر. وعلَّق ابنُ تيمية (٤/١٣٦) على قول مجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد بقوله: «وكل هذا صحيح، فإنّ المتوسِّم يجمع هذا كله». وعلَّق ابنُ القيم (٢/١٠٦) على قول ابن عباس من طريق علي، وقول مجاهد، وقتادة، ومقاتل، بقوله: «ولا تنافي بين هذه الأقوال؛ فإن الناظر متى نظر في آثار ديار المكذبين ومنازلهم، وما آل إليه أمرهم؛ أورثه فِراسة وعبرة وفكرة»