لم يذكر ابنُ جرير (٥‏/‏٤٣٦) إلا ما جاء في هذا القول من أنّ ﴿إلى﴾ بمعنى: مع، ووجَّهَه مستندًا إلى لغة العرب بقوله: «وإنما حَسُنَ أن يقال: ﴿إلى الله﴾ بمعنى: مع الله؛ لأن من شأن العرب إذا ضموا الشيء إلى غيره، ثم أرادوا الخبر عنهما بضم أحدهما مع الآخر إذا ضم إليه؛ جعلوا مكان»مع«:»إلى«أحيانًا». وخالف ابنُ عطية (٢‏/‏٢٣٤) ابنَ جرير، حيث ذهب إلى أنّ ﴿إلى﴾ في الآية ليست بمعنى: مع، وإنما هي للدلالة على الغاية، فقال مُعَلِّقًا على قول مَن جعلها بمعنى: مع: «نعم، إنّ»مع«تسد في هذه المعاني مَسَدَّ»إلى«، لكن ليس يباح من هذا أن يقال: إن»إلى«بمعنى»مع«، حتى غلط في ذلك بعض الفقهاء في تأويل قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة:٦]، فقال: ﴿إلى﴾ بمعنى»مع«، وهذه عجمة، بل ﴿إلى﴾ في هذه الآية غاية مجردة، وينظر هل يدخل ما بعد ﴿إلى﴾ فيما قبلها من طريق آخر». وبنحوه قال ابنُ كثير (٣‏/‏٦٧). ويكون معنى قوله: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ عندهما، أي: من يتبعني أو من ينصرني في السبيل إلى الله

رَجَّح ابنُ عطية (٢‏/‏٤٠١) هذا القولَ الذي قال به مجاهد وابن إسحاق مستندًا إلى تأويل أهل التأويل، فقال بعد ذكره لهذا القول: «فالإشارة بـ﴿ذلك﴾ إلى هذا المعتقد الذي لهم، جعل الله ذلك حسرةً؛ لأنّ الذي يتيَقَنَّ أنّ كلَّ موتٍ وقتل فبأجلٍ سابق يجد بردَ اليأس والتسليم لله تعالى على قلبه، والذي يعتقد أنّ حميمه لو قعد في بيته لم يمت يتحسَّرُ ويتلهف، وعلى هذا التأويل مشى المتأولون، وهو أظهر ما في الآية». ثم ذكر بعد ذلك قولَ مَن قال: الإشارة بـ﴿ذلك﴾ إلى انتهاء المؤمنين ومخالفتهم الكافرين في هذا المعتقد، فيكون خلافهم لهم حسرة في قلوبهم. وقولَ مَن قال: الإشارة بذلك إلى نفس نهي الله تعالى عن الكون مثل الكافرين في هذا المعتقد؛ لأنّهم إذا رأوا أنّ الله تعالى قد وسمهم بمعتقدٍ وأمر بخلافهم كان ذلك حسرةً في قلوبهم. ثُمَّ أفاد (٢‏/‏٤٠١) احتمال الآية للقولين، فقال: «ويحتمل عندي أن تكون الإشارة إلى النهي والانتهاء معًا»

رجَّحَ ابنُ جرير (٨‏/‏١٧) بدلالة السياق أنّ الذي استثناه الله عز وجل بقوله:﴿إلا ما يتلى عليكم﴾ هو المذكور في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ الآية، وهو قول مجاهد، وقتادة، والسّدّيّ، وأحد قولي ابن عباس، فقال: «أوْلى التأويلَيْن في ذلك بالصواب تأويل مَن قال: عَنى بذلك: إلّا ما يُتْلى عليكم مِن تحريم الله ما حَرَّمَ عليكم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآية؛ لأنّ الله عز وجل استثنى مِمّا أباح لعباده مِن بهيمة الأنعام ما حَرَّمَ عليهم منها، والَّذي حَرَّمَ عليهم منها ما بَيَّنَهُ في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾، والخنزير وإن كان حَرَّمَه الله عز وجل علينا فليس مِن بهيمة الأنعام فيُسْتَثنى منها، فاستثناء ما حرم علينا مِمّا دخل في جُمْلَةِ ما قبل الاستثناء أشبه من استثناء ما حَرَّمَ مِمّا لم يدخل في جُمْلَةِ ما قبل الاستثناء». وبمثله قال ابنُ كثير (٥‏/‏١٠)

ذَهَبَ ابنُ جرير (٨‏/‏٢٩-٣٠) مستندًا إلى السياق إلى أنّ المراد بقوله تعالى: ﴿ولا القلائد﴾: نَهْي مِن الله عن اسْتِحْلال حُرْمَةِ المُقَلَّدِ هَدْيًا كان ذلك أو إنسانًا، فقال: «والذي هو أوْلى بتأويل قوله: ﴿ولا القَلائِدَ﴾ إذ كانت معطوفة على أول الكلام، ولم يكن في الكلام ما يدُلُّ على انقطاعها عن أوله، ولا أنّه عَنى بها النَّهْي عن التَّقَلُّد أو اتِّخاذ القلائد من شيء؛ أن يكون معناه: ولا تُحِلُّوا القَلائِد. فإذا كان ذلك بتأويله أوْلى فمَعْلُوم أنّه نَهْيٌ مِن الله -جَلَّ ذِكْرُهُ- عن اسْتِحْلال حُرْمَة المُقَلَّدِ هَدْيًا كان ذلك أو إنسانًا، دُون حُرْمَة القِلادة، وأنّ الله -عزَّ ذِكْرُه- إنّما دَلَّ بتحريمه حُرْمَةَ القِلادةِ على ما ذَكَرْنا مِن حُرْمَةِ المُقَلَّد، فاجْتَزَأَ بِذِكْرِهِ القَلائِد مِن ذِكْرِ المُقَلَّدِ؛ إذْ كان مَفْهومًا عند المُخاطَبِينَ بذلك معنى ما أُرِيد به. فمعنى الآية إذ كان الأمر على ما وصفنا: يا أيُّها الذين آمنوا، لا تُحِلُّوا شَعائِر الله، ولا الشَّهر الحرام، ولا الهَدْي، ولا المُقَلَّدَ بِقِسْمَيْهِ بِقَلائِد الحرم»

أفادت الأقوال اختلاف السلف فيمن عُني بقوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ على خمسة أقوال: الأول: عُني به: أبو بكر وأصحابه. الثاني: عُني به: رهط أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما من أهل اليمن. الثالث: عُني به: أهل اليمن جميعًا. الرابع: عُني به: الأنصار. الخامس: عُني به: أهل القادسية. وقد رجّح ابنُ جرير (٨‏/‏٥٢٤) القول الثاني منها لدلالة السنّة، وذكرَ أخبارًا في أنّ الآية لَمّا نزلت أومأَ النبيُّ ﷺ إلى أبي موسى الأشعريّ، وقال: «هم قومُ هذا». واستدرك ابنُ تيمية (٢‏/‏٤٩٨) على القول بكونها في أهل اليمن بقوله: «وأهل اليمن مِمَّن جاء الله بهم لَمّا ارتدَّ مَن ارتد إذ ذاك. وليست الآية مختصة بهم، ولا في الحديث ما يوجب تخصيصهم، بل قد أخبر الله أنه يأتي بغير أهل اليمن كأبناء فارس، لا يختص الوعد بهم»

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٥٤) أنّ قوله تعالى: ﴿لجمعهم﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يخلقهم مؤمنين. الثاني: أن يُكسِبهم الإيمان بعد كفرهم بأن يشرح صدورهم. وذكر أنّ مكي والمهدي قالا بأن الخطاب بقوله: ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ للنبي ﷺ والمراد به أمته، وانتَقَده مستندا لظاهر لفظ الآية، بقوله: «وهذا ضعيف لا يقتضيه اللفظ». ثم نقل أنّه قيل: إن نوح وُقِّر لسنه وشيبته، وأنه قيل بأن الحمل جاء أشد على محمد ﷺ لقربه من الله تعالى ومكانته عنده كما يحمل العاقب على قريبه أكثر من حمله على الأجانب. ثم قال مستندًا للسياق: «والوجه القوي عندي في الآية هو أنّ ذلك لم يجئ بحسب النبيين، وإنما جاء بحسب الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما، وبيَّن أن الأمر الذي نهى عنه محمد ﷺ أكبر قدرًا وأخطر مواقعة من الأمر الذي واقعه نوح ﷺ»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في قائل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ على قولين: الأول: أنها قولٌ من الله عز وجل فيه فصل القضاء بين إبراهيم عليه السلام وبين المشركين من قومه. الثاني: أنها من قول قوم إبراهيم عليه السلام لإبراهيم عليه السلام حين قال لهم: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأَمْنِ﴾. وقد رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٣٦٩) القول الأول، وهو قول ابن زيد، وابن إسحاق، وانتَقَد قولَ ابن جريج مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «لو كان مِن قول قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الأوثان ويُشركونها في عبادة الله لكانوا قد أقرُّوا بالتوحيد، واتبعوا إبراهيم على ما كانوا يخالفونه فيه من التوحيد، ولكنه كما ذكرتُ من تأويله بَدِيًّا». ووافقه ابنُ عطية (٣‏/‏٤٠٧) مستندًا إلى الأفصح لغة، والأظهر سياقًا، فقال: «وهذا هو البيِّن الفصيح الذي يرتبط به معنى الآية، ويحسن رصفها، وهو خبرٌ من الله تعالى»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٢٨٧): «نَصَّ اللهُ تعالى في هذه الآية على المشركين وعلى المسجد الحرام، فقاس مالكٌ رحمه الله وغيرُه جميعَ الكفار مِن أهل الكتاب وغيرِهم على المشركين، وقاس سائرَ المساجد على المسجد الحرام، ومنع مِن دخول الجميع في جميع المساجد. وكذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله، ونزع في كتابه بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور:٣٦]. وقال الشافعي: هي عامة في الكفار، خاصة في المسجد الحرام. فأباح دخولَ اليهود والنصارى والوثنيين في سائر المساجد. ومن حُجَّته حديثُ: ربط ثمامة بن أثال. وقال أبو حنيفة: هي خاصة في عبدة الأوثان، وفي المسجد الحرام. فأباح دخول اليهود والنصارى في المسجد الحرام وغيره، ودخول عبدة الأوثان في سائر المساجد. وقال عطاء: وصْفُ المسجدِ بالحرامِ، ومنعُ القُرْبِ؛ يقتضي منعَهم مِن جميع الحرم»

اختُلِف في قراءة قوله: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾؛ فقرأها قوم: (مِنَ الصّادِقِينَ)، ووجهوا معنى الآية إلى أنه صِدْق الحديث. وقرأ آخرون: ﴿مع الصادقين﴾ ووجهوا المعنى إلى أنّه أعم من صدق الحديث، وأنّه بمعنى الصحة في الدين والتَّمَكُّن في الخير. ورجَّح ابنُ جرير (١٢‏/‏٧٠) مستندًا إلى رسم المصحف القولَ الثانيَ دون الأول الذي قاله ابن مسعود، فقال: «والصحيح من التأويل في ذلك هو التأويل الذي ذكرناه عن نافع والضحاك [سيأتي في تفسير الآية]، وذلك أنّ رسوم المصاحف كلها مجمعة على: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾، وهي القراءة التي لا أستجيز لأحد القراءة بخلافها، وتأويل عبد الله -رحمة الله عليه- في ذلك على قراءته تأويل صحيح، غير أن القراءة بخلافها». وذكر أنّ قائلي هذا القول وجهوا المعنى إلى ما وجههوه إليه؛ لأنّ كون المنافق مع المؤمنين غير نافِعِه بأي وجوه الكون كان معهم إن لم يكن عامِلًا عَمَلَهم، وإذا عمل عملَهم فهو منهم، وإذا كان منهم كان وجْه الكلام أن يُقال: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين

اختلف السلف في الأرض التي عناها الله بقوله: ﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ على قولين: الأول: أنها أرض الجنة. والثاني: أنها أرض الدنيا. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٤٣٤) القول الأول مستندًا إلى أقوال السلف. ورجّح ابنُ القيم مستندًا إلى النظائر والسنة القول الثاني، بقوله: «وهذا هو القول الصحيح، ونظيره قوله تعالى في سورة النور [٥٥]: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾. وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: «زُوِيَت لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». ونقل ابنُ القيم قولًا آخر في الآية، فقال:»وقالت طائفة من المفسرين: المراد بذلك: أرض بيت المقدس، وهي من الأرض التي أورثها الله عباده الصالحون«. ثم انتقده قائلًا:»وليست الآية مختصة بها""