علّق ابنُ عطية (٨‏/‏٥٤٠) على ما جاء عن مجاهد، وابن الزُّبير، وابن عباس، والحسن، فقال: «وذهب أُبيّ بن كعب، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وغيرهم إلى أن المراد: ﴿إلى طَعامِهِ﴾ إذا صار رجيعًا؛ ليتأمل حيث تصير عاقبة الدنيا، وعلى أي شيء يتفانى أهلها، وتستدير رحاها، وهذا نظير ما روي عن ابن عمر: أنّ الإنسان إذا أحدث فإنّ ملكًا يأخذ بناصيته عند فراغه، فيردّ بصره إلى نحوه موقفًا له ومعجبًا، فينفع ذلك مَن له عقل»

جمع ابنُ جرير (١‏/‏٦٢٢) بين قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وقول أبي العالية ومجاهد وابن زيد بقوله: «يعني بقوله: ﴿إلا على الخاشعين﴾: إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده»

علّق ابنُ عطية (٦‏/‏٥٩٩) على ما جاء في قول ابن زيد، فقال: «وقال ابنُ زيد: ﴿اللَّغْوَ﴾ هاهنا: ما كان بنو إسرائيل كتبوه في التوراة مِمّا ليس من عند الله -تبارك وتعالى-. وهذه المهادنة هي لبني إسرائيل الكفار منهم»

وجَّه ابنُ عطية (٧‏/‏٢٠٢) قول ابن عباس، وابن شهاب الزهري، وقتادة بقوله: «وإنما ذَكَر هذه الأشياء من ذَكَرها على جهة المثال، لا أن المقصود هي فقط، وإنما مثلوا بأشياء هي زيادات خارجة عن الغالب المعتاد الموجود كثيرًا»

قال ابنُ جرير (١٩‏/‏٤٠٧): «وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: (فَأَعْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) بالعين، بمعنى: أعشيناهم عنه، وذلك أنّ العشا بالليل، وهو أن يمشي بالليل ولا يبصر». وبنحوه ابنُ عطية (٧‏/‏٢٣٦-٢٣٧)

لم يذكر ابنُ جرير (٢٣‏/‏١٠) غير قول قتادة، ومجاهد، وابن عباس من طريق علي. وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٣٢١) ما أفاده قول مجاهد وما في معناه، ثم علّق بقوله: «وليس هذا الفعل في التَّغابُن من اثنين، بل كتواضع وتحامل»

اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿ومَن كفر فأمتعه قليلًا﴾ مَن قائله؟ وما وجه قراءته؟ على قولين: أحدهما: قائل هذا القول ربُّنا -تعالى ذِكْرُه-، وقرأ قائلو هذه المقالة ذلك: ﴿فَأُمَتِّعُه﴾ بتشديد التاء ورفع العين. والآخر: قائل ذلك إبراهيم عليه السلام على وجه الدعاء، وقرأ قائلو هذه المقالة ذلك: (فَأَمْتِعْهُ) بتخفيف التاء وسكون العين، على الدّعاء. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢‏/‏٥٤٦) القولَ الأولَ، وهو قول أُبَيِّ بن كعب وقراءته، ومجاهد من طريق سفيان بن عيينة، ورجَّحَ قراءتَه لاستفاضة النقل بتصويب تلك القراءة. وانتَقَدَ القراءةَ الثانية لشذوذها، فقال: «والصواب من القراءة في ذلك عندنا والتأويل ما قاله أبي بن كعب وقراءته؛ لقيام الحجة بالنقل المستفيض وراثةً بتصويب ذلك، وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بمن كان جائزًا عليه في نقله الخطأ والسهو على مَن كان ذلك غير جائز عليه في نقْله. وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: قال الله: يا إبراهيم، قد أجبتُ دعوتك، ورزقتُ مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم متاعًا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطرّ كفارهم بعد ذلك إلى عذاب النار». وانتَقَدَها ابنُ كثير (٢‏/‏٧٦) أيضًا؛ لشذوذها، ومخالفتها السياق، فقال: «هي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة، وتركيب السياق يأبى معناها -والله أعلم-؛ فإن الضمير في ﴿قال﴾ راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في ﴿قال﴾ عائدًا على إبراهيم، وهذا خلاف نظم الكلام»

اختُلِف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يعود على وليِّ المقتول، وهو المنصور على القاتل، والمعنى: إنه كان منصورًا بتمكينه من القَوَد. الثاني: أنه يعود على المقتول، والمعنى: إنه كان منصورًا بقتل قاتله. الثالث: أنه يعود على دم المقتول، والمعنى: إن دم القتيل كان منصورًا، أي: مطلوبًا به. ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٥٨٩) مستندًا إلى دلالة اللغة، والدلالة العقلية القولَ الأول، وهو قول قتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنه هو المظلوم، ووَلِيُّه المقتول، وهي إلى ذِكْرِه أقربُ من ذِكْر المقتول، وهو المنصور أيضًا؛ لأن الله -جلَّ ثناؤه- قضى في كتابه المُنَزَّل أن سلَّطه على قاتل وليِّه، وحكَّمه فيه بأن جعل إليه قتْلَه إن شاء، واستبقاءَه على الدِّيَة إن أحبَّ، والعفوَ عنه إن رأى، وكفى بذلك نصرةً له من الله، فلذلك قلنا: هو المعنيُّ بالهاء التي في قوله: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾». ورجَّح ابنُ عطية (٥‏/‏٤٧٣) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، وهو قول مجاهد، فقال: «وهو أرجح الأقوال؛ لأنه المظلوم، ولفظة النصر تقارن أبدًا الظلم، كقوله عليه الصلاة والسلام: «ونَصْر المظلوم، وإبْرار القَسم». وكقوله ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». إلى كثيرٍ من الأمثلة». ونقل قولًا عن أبي عبدة: أن الضمير يعود «على القاتل؛ لأنه إذا قُتِل في الدنيا وخلص بذلك من عذاب الآخرة فقد نُصِر». ثم انتقده قائلًا: «وهذا ضعيفٌ بعيد المقصد»

قوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ اختلف المفسرون فيه على قولين: الأول: معناه: اطرحوا لهم من الكتابة بعضها. ثم اختلفوا في المقدار؛ فقيل: الربع. وقيل: الثلث. وقيل: النصف. وقيل: العشر. وقيل: جزء من الكتابة غير مقدر. والثاني: بل المراد من قوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾: هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكوات. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٢٨٩ بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الثاني الذي قاله الحسن، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبوه، ومقاتل بن حيان، وإبراهيم، وبريدة، فقال: «لأنّ قوله: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ أمرٌ مِن الله -تعالى ذِكْرُه- بإيتاء المكاتَبين من ماله الذي آتى أهل الأموال، وأمر الله فرض على عباده الانتهاء إليه، ما لم يخبرهم أنّ مراده الندب... فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن أخبرنا في كتابه ولا على لسان رسوله ﷺ أنه ندب؛ ففرض واجب. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحجة قد قامت أن لا حقَّ لأحدٍ في مال أحد غيره من المسلمين إلا ما أوجبه الله لأهل سُهْمان الصدقة في أموال الأغنياء منهم، وكانت الكتابة التي يقتضيها سيد المكاتب من مكاتبه مالًا من مال سيد المكاتب؛ فيفاد أنّ الحق الذي أوجب الله له على المؤمنين أن يؤتوه من أموالهم هو ما فرض على الأغنياء في أموالهم له من الصدقة المفروضة، إذ كان لا حقَّ في أموالهم لأحد سواها». وذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٢٣٠) أنّ القول الأول أشهر

ذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏٣٠٤-٣٠٥) أنّ لفظ «السعي» في الأصل اسم جنس، وأنّ من شأن أهل العُرف إذا كان الاسم عامًّا لنوعين، فإنهم يفردون أحد نوعيه باسم، ويبقى الاسم العام مختصًّا بالنوع الآخر، كما في لفظ «ذوي الأرحام» فإنه يعمّ جميع الأقارب مَن يَرث بفرضٍ وتعصيب، ومَن لا فرض له ولا تعصيب، فلما ميّز ذو الفرض والعصبة، صار في عُرف الفقهاء ذوو الأرحام مختصًّا بمن لا فَرض له ولا تعصيب. ثم بيّن أنه بسبب هذا الاشتراك الحادث غلط كثير من الناس في فهم الخطاب بلفظ السعي من هذا الباب، فإنه في الأصل عامٌّ في كل ذهاب ومُضِيّ، وهو السعي المأمور به في القرآن، وقد يخص أحد النوعين باسم المشي، فيبقى لفظ السعي مختصًّا بالنوع الآخر، وهذا هو السعي الذي نهى عنه النبي ﷺ حيث قال: «إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسعون، وأْتُوها وأنتم تمشون». ونقل عن عمر أنه قال بنحو قول ابن مسعود، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا إنّ صح عنه فيكون قد اعتقد أنّ لفظ السعي هو الخاص». ثم قال: «ومما يشبه هذا: السعي بين الصفا والمروة؛ فإنه إنما يُهرول في بطن الوادي بين الميلين. ثم لفظ السعي يُخصّ بهذا، وقد يُجعل لفظ السعي عامًّا لجميع الطواف بين الصفا والمروة، لكن هذا كأنه باعتبار أنّ بعضه سعي خاص»