عن محمد بن كعب القُرَظيّ -من طريق عمرو بن قتادة- في الآية، قال: مَن يعمل مِثقال ذرّة مِن خير مِن كافر يرى ثوابها في الدنيا، في نفسه وأهله وماله وولده، حتى يَخرج من الدنيا وليس عنده خير، ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ مِن مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده، حتى يَخرج من الدنيا وليس عليه شيء
رجَّح ابنُ القيم (١/١٣٢) مستندًا إلى النظائر قول مجاهد، وقول ابن عباس، فقال: «قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: على قلوبنا غشاوة، فهي في أوعية، فلا تعي ولا تفقه ما تقول. وهذا هو الصواب في معنى الآية؛ لتكرر نظائره في القرآن، كقولهم: ﴿قُلُوبُنا فِي أكِنَّةٍ﴾ [فصلت:٥]، وقوله تعالى: ﴿كانَتْ أعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف:١٠١]، ونظائر ذلك»
رجَّح ابنُ جرير (٢/٢٣٣-٢٣٤) مضمون هذا الأثر بقوله: «وأولى التأويلات في قوله: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ بالصواب:... هو أنّ الله أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد، ولذلك نصب قوله: ﴿فقليلا﴾ لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره، ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون»
قال ابن جرير (٢/٢٩٩) مُستدلًّا بأقوال السَّلَف في معنى هذه الآية: «فمعنى الكلام: فإن جبريل نزّل القرآنَ على قلبك يا محمد مصدِّقًا لما بين يدي القرآن. يعني بذلك: مصدِّقًا لما سَلَف من كُتُب الله أمامه، ونزَل على رسله الذين كانوا قبل محمد ﷺ. وتصديقه إياها: موافقة معانيه معانيها؛ في الأمر باتِّباع محمد ﷺ، وما جاء به من عند الله، وفي تصديقه»
قال ابن عطية (١/٣٠٦) مُعَلِّقًا على هذا القول: «قرأ جمهور الناس: ﴿راعنا﴾ من المراعاة، بمعنى: فاعِلْنا، أي: أرعنا نرعك، وفي هذا جفاءٌ أن يخاطب به أحدٌ نبيَّه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره، فقال من ذهب إلى هذا المعنى: إن الله تعالى نهى المؤمنين عنه لهذه العلة. ولا مدخل لليهود في هذه الآية على هذا التأويل، بل هو نهي عن كل مخاطبة فيها استواء مع النبي ﷺ»
علَّقَ ابن تيمية (١/٣٢٦) على هذا القول بقوله: «هذا إن أراد به اعترافهم بأنه ربهم، وأنهم إذا اضطُرُّوا دَعَوُا اللهَ مخلصين له الدين، فهو من جنس قول عكرمة، وإلا فالإخلاص الذي أُمِروا به -وهو أن يعبدوا الله مخلصين له الدين- إنّما قام به المؤمنون، وهذا إنما يكون على قول من يزعم أن الآية خاصة، ولم يذكر ابن أبي حاتم هذا صريحًا عن أحد من السلف إلا أن يُتَأَوَّل على ذلك قول ابن عباس أو قول سعيد»
قال ابنُ تيمية (١/٣٣٩) في معنى ﴿يتلونه﴾: «قيل: هو من التلاوة بمعنى الاتِّباع، كقوله: ﴿والقمر إذا تلاها﴾، وهذا يدخل فيه من لم يقرأ. وقيل: بل من تمام قراءته أن يفهم معناه ويعمل به، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا»
وجَّه ابنُ جرير (٢/٧٢٨ بتصرف) تأويلَ الآية على هذا القول الذي قال به ابن عباس من طريق عطاء، وأنس، وعطاء، ومجاهد، وعبد الله بن الزبير، فقال: «وأما الذين زعموا أنّ الطواف بهما تَطَوُّعٌ لا واجب؛ فإنّ الصواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم: فمَن تَطَوَّع بالطواف بهما فإنّ الله شاكر تَطَوُّعَه ذلك، عليم بما أراد، ونوى الطائف بهما كذلك»
علَّق ابنُ جرير على هذا المفهوم، فقال ٤/١٩٣: «وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة قول من قال: لا نكاح إلا بوليٍّ من العَصَبَة، وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- مَنَعَ الوَلِيَّ مِن عَضْلِ المرأة إن أرادت النكاح، ونهاه عن ذلك، فلو كان للمرأة إنكاحُ نفسها بغير إنكاح وليِّها إيّاها، أو كان لها تولية مَن أرادت توليته في إنكاحها؛ لم يكن لنهي وليها عن عضلها معنًى مفهوم...»
لم يذكر ابن جرير (٥/٥٤٦) غير هذا القول. وذكر ابن عطية (٢/٢٧٤) أن الآية تحتمل معنيين: أحدهما: هذا القول. والثاني هو: بثوا الأمر عند أممكم واشهدوا به. ثم قال: «وشهادة الله تعالى هذا التأويل، وهي التي في قوله: ﴿وأَنا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ هي إعطاء المعجزات، وإقرار نبوءاتهم». ثم علّق (٢/٢٧٤) بقوله: «القول الأول هو إيداع الشهادة واستحفاظها، والقول الثاني هو الأمر بأدائها»