بَيَّن ابنُ جرير (٦/٥٣٨) معنى الآية استنادًا إلى أقوال السلف، فقال: «يعني بذلك -تعالى ذِكْرُه-: لا تعضلوا نساءكم لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن مِن غير ريبة ولا نشوز كان منهن، ولكن عاشروهن بالمعروف وإن كرهتموهن، فلعلكم أن تكرهوهن فتمسكوهن، فيجعل الله لكم في إمساككم إياهُنَّ على كُرهٍ منكم لَهُنَّ خيرًا كثيرًا، مِن ولد يرزقكم منهن، أو عطفكم عليهن بعد كراهتكم إياهُنَّ»
قال ابن كثير (٣/٤١١): «استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى: ﴿وبناتكم﴾؛ فإنها بنتٌ فتدخل في العموم، كما هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل. وقد حكي عن الشافعي شيءٌ في إباحتها؛ لأنها ليست بنتًا شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية»
اختلف في الخيانة التي كانت ممن ذكرته الآية؛ فقال بعضهم: كانت سرقة سرقها. وقال آخرون: جحوده وديعة كان أودعها. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٤٧٠) مستندًا إلى الأشهر في اللغة القول الثاني الذي قاله السدي، وعكرمة، وابن جريج، والضحاك، فقال: «لأن ذلك هو المعروف من معاني الخيانات في كلام العرب، وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من معاني كلام العرب ما وجد إليه سبيل أولى من غيره»
اختلف المفسرون في القربان هل كان عن أمر الله أم لا؟ وجمع ابنُ جرير (٨/٣٢٦) بينهما باندراجهما في العموم، فقال: «إنّ الله -عزَّ ذكره- أخبر عباده عنهما أنهما قد قرَّبا، ولم يخبر أنّ تقريبهما ما قرَّبا كان عن أمر الله إياهما به، ولا عن غير أمره. وجائز أن يكون كان عن أمر الله إياهما بذلك، وجائز أن يكون عن غير أمره. غير أنه أيُّ ذلك كان فلم يُقَرِّبا ذلك إلا طلب قربة إلى الله -إن شاء الله-»
علّق ابنُ عطية (٣/٦١١) على قول ابن عباس، وقول مجاهد، وقتادة، والسدي في معناه مِن أنّهم كانوا يخوفون الناس ويتوعدونهم أن يأتوا شعيبًا. بقوله: «وما بعد هذا من ألفاظ الآية يشبه هذا القول». وبيَّن ابنُ عطية أيضًا أنّ الضمير في قوله: ﴿من آمن به﴾ عائد على هذا القول على شعيب. ثم بيّن احتمال عوده على اسم الله -تبارك وتعالى-، أو على السبيل في لغة من يُذكِّر السبيل
قال ابنُ جرير (١٠/٣٨٢) مُعَلِّقًا على قول من فسر الطوفان بالمطر: «ومن الدلالة على أنّ المطر الشديد قد يسمى طوفانًا قول الحسن بن عرفطة:غير الجدة من آياتها... خرق الريح وطوفان المطرويروى: خرق الريح بطوفان المطر. وقول الراعي:تضحي إذا العيس أدركنا نكائثها خرقاء يعتادها الطوفان والزؤدوقول أبي النجم:قد مد طوفان فبث مددا... شهرًا شآبيب وشهرًا بَرَدا»
قال ابنُ جرير (١٠/٦١٩) مُبَيِّنًا معنى الآية: «ويعني بقوله: ﴿فلما أثقلت﴾: فلمّا صار ما في بطنها من الحمل -الذي كان خفيفًا- ثقيلًا، ودَنَتْ ولادتُها. يُقال منه: أثقلت فلانة. إذا صارت ذات ثِقْل بحملها، كما يقال: أتْمَرَ فلان. إذا صار ذا تَمْر». واستدلَّ بأثر السديّ، ولم يذكر غيره. وبنحوه قال ابنُ عطية (٤/١٠٨)، وابنُ كثير (٦/٤٨٠)
علّق ابنُ عطية (٤/١٩١) على أقوال السلف في الآية فقال: وهذه المعاني تتلازم كلها، وقال الحسن: «حتى لا يكون بلاء». وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين الفئة الباغية، وعلى سائر ما ذكرناه من الأقوال يكون المعتزل في فسحة، وعلى هذا جاء قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «أما نحن فقد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأما أنت وأصحابك فتريدون أن نقاتل حتى تكون فتنة»
قال ابنُ كثير (٧/٤٠٣): «اختلف المفسرون: هل كشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي؟ أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط؟ على قولين: أحدهما: إنما كان ذلك في الحياة الدنيا، كما هو مقيد في هذه الآية. والقول الثاني: فيهما؛ لقوله تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين﴾ [الصافات:١٤٧-١٤٨] فأطلق عليهم الإيمان، والإيمان مُنقِذ من العذاب الأخروي، وهذا هو الظاهر»
قال ابنُ عطية (٥/ ٣٩٦-٣٩٧): «مقصد الآية: الفرق بين ما يحل بهم وبين رزايا الدنيا، فإن الإنسان لا يتوقع أمرًا من خطوب الدنيا إلا وله طمع في أن يتأخر عنه، وفي أن يجيئه في أخفِّ ما يُتَوَهَّم برجائه، وكذلك متى حلَّ به كان طامعًا في أن يخف، وقد يقع ذلك في خطوب الدنيا كثيرًا، فأخبر الله تعالى أنّ عذاب الآخرة إذا عاينه الكافر لا طماعية فيه بتخفيف ولا تأخير»