سورة الحجرات — الآية ٢

عن أنس بن مالك -من طريق ثابت- قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ إلى قوله: ﴿وأنتم لا تشعرون﴾ وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت، فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ، حبط عملي، أنا مِن أهل النار. وجلس في أهله حزينًا، فتفقَّده رسولُ الله ﷺ، فانطلق بعضُ القوم إليه، فقالوا له: تفقَّدك رسولُ الله ﷺ، ما لك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي، وأجهر بالقول، حبط عملي، وأنا من أهل النار. فأتوا النبيَّ ﷺ، فأخبروه بما قال، فقال: «لا، بل هو من أهل الجنّة». قال أنس: وكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنَّط ولبس كفنه، فقال: بئسما تُعوِّدون أقرانكم. فقاتلهم حتى قتل

سورة الجمعة — الآية ٣

عن محمد بن كعب القُرَظيّ -من طريق أبي معشر-:... ﴿والسّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأَنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وأخذ عمرُ بيده، فقال: مَن أقرأك بها؟ قال: أُبيّ بن كعب. قال: لا تَفارقني حتى أذهب بك إليه. قال: لما جاءه قال عمر: أنتَ أقرأتَ هذه الآية؟ قال: نعم. قال: أنتَ سمعتَها من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، قد كنتُ أظنّ أنّا قد رُفِعنا رِفعةً لا يبلغه أحد بعدنا. قال: بلى، تصديق هذه الآية في أول سورة الجُمُعة وأوسط سورة الحشر، وآخر سورة الأنفال؛ في سورة الجُمُعة: ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [الحشر:١٠]، وفي سورة الأنفال [٧٥]: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾

عن ابن أبي مُلَيْكَة -من طريق عامر الخزاز-: أنّ سَوْدَة بنت زَمعة كانت لها خُؤُولة باليمن، وكان يُهدى إليها العسل، وكان رسول الله ﷺ يأتيها في غير يومها يُصيب مِن ذلك العسل، وكانت حفصة وعائشة مُتواخِيَتَيْن على سائر أزواج النبي ﷺ، فقالت إحداهما للأخرى: أما تَرَيْن إلى هذا؟ قد اعتاد هذه يأتيها في غير يومها يُصيب مِن ذلك العسل، فإذا دخل عليكِ فخُذي بأنفكِ، فإذا قال: ما لكِ؟ قولي: أجد منك ريحًا لا أدري ما هي. فإنه إذا دخل عليّ قلتُ مثل ذلك، فدخل رسول الله ﷺ، فأخَذتْ بأنفها، فقال: «ما لكِ؟». قالت: ريحًا أجد منك، وما أراه إلا مَغافير. وكان رسول الله ﷺ يُعجبه أن يأخذ من الريح الطّيْبة إذا وجدها، ثم إذ دخل على الأخرى قالت له مثل ذلك، فقال: «لقد قالتْ لي هذا فلانة، وما هذا إلا من شيء أصبتُه في بيت سَوْدَة؛ وواللهِ، لا أذوقه أبدًا». قال ابن أبي مُلَيْكَة: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في هذا: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾

وجَّهَ ابن جرير (٢‏/‏٥٣٠) قولَ مجاهد هذا بقوله: «كأنّ الذين قالوا تأويل المصلى ها هنا: المُدَّعى، وجهوا المُصَلّى إلى أنه مُفَعَّل من قول القائل: صَلَّيْت بمعنى دعوت، وقائلو هذه المقالة هم الذين قالوا: إنّ مقام إبراهيم هو الحج كله. فكان معناه في تأويل هذه الآيَة: واتخذوا عرفة والمزدلفة والمشعر والجمار وسائر أماكن الحج التي كان إبراهيم يقوم بها مداعيَ تدعونني عندها، وتأتمون بإبراهيم خليلي عليه السلام فيها، فإني قد جعلته لمن بعده من أولِيائي وأهل طاعتي إمامًا يقتدون به وبآثاره، فاقتدوا به». وقال ابنُ تيمية (١‏/‏٣٤٢): «وقد قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ قالوا: ﴿مقام إبراهيم﴾: عرفة ومزدلفة ومنى، و﴿مُصَلّى﴾ أي: مُدَّعًى، وهذا لا ينافي عند كثير من العلماء ما ثبت في الصحيح مِن أنّ النبي ﷺ لما طاف صلى عند المقام وقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾؛ لأن الآية قد تتناول هذا وهذا عند كثير من أهل العلم»

اختُلِف في معنى الآية؛ فقال قوم: المعنى: فإذا بَرِئْتُم من مرضكم الذي أحْصَرَكم عن حجكم أو عمرتكم. وقال آخرون: المعنى: إذا أمنتم من خوفكم من عدوكم المُحْصِر. ورَجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٤١١ بتصرف) القولَ الثاني مستندًا إلى اللغة، وأحوال النزول، فقال: «لأنّ الأمن هو خلاف الخوف، لا خلاف المرض. وإنما قلنا: إنّ معناه: الخوف من العدو؛ لأنّ هذه الآيات نزلت على رسول الله ﷺ أيام الحديبية، وأصحابه من العدو خائفون، فعَرَّفهم الله بها ما عليهم إذا أحصرهم خوفُ عدوهم عن الحج، وما الذي عليهم إذا هم أمِنُوا من ذلك، فزال منهم خوفهم». وبنحوه قال ابنُ عطية (١‏/‏٤٧٥). ووجَّه (٣‏/‏٤١١) ابنُ جرير القولَ الأول الذي قاله علقمةُ، وعروةُ، فقال: «الأمن هو خلاف الخوف، لا خلاف المرض، إلا أن يكون مرضًا مخوفًا منه الهلاك، فيُقال: فإذا أمنتم الهلاك من خوف المرض وشدته». وبنحوه قال ابنُ عطية (١‏/‏٤٧٥). وانتَقَدَه ابنُ جرير بقوله: «وذلك معنًى بعيد»

انتَقَدَ ابنُ جرير (٤‏/‏٣٥) هذا القولَ الذي قال به سعيد بن جبير من طريق داود وأبي بشر، ومسروق من طريق الشعبي، وابن عباس من طريق عكرمة، والشعبي من طريق داود، مستندًا إلى دلالة عقلية، وهي: أنّ الآية نفت المؤاخذة عن لغو اليمين؛ فبان أنّ مَن لَزِمَتْه الكفارةُ في يمينه فهو ليس مِمَّن لم يُؤاخذ، فكان الواجب ألا يكون على الحالف على معصية الله كفاره بحنثه في يمينه، ولكن بإيجاب الكفارة عليه ما يدل على مؤاخذته، والآية تذكر عدم المؤاخذة. وبنحوه قال ابنُ عطية (١‏/‏٥٥١)، وأضاف قائلًا: «وتخصيصُ المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحَكُّمٌ». ووجَّهه ابنُ جرير (٤‏/‏٢٩-٣٠ بتصرف) بقوله: «وعِلَّةُ مَن قال هذا القول مِن الأثر ما حدَّثنا أبو كريب، ... عن عبد الله بن عمرو، أنّ رسول الله ﷺ قال: «مَن نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف على معصية لله فلا يمين له، ومن حلف على قطيعة رحم فلا يمين له»»

رجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏٥٦٧-٥٦٨) هذا القول الذي قال به أبو العالية من طريق داود بن أبي هند مستندًا إلى السياق، فقال: «لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فأَوْلى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها؛ إذ كانت في سياق واحد». ورجَّح أنّ معنى ازديادهم الكفر: ما أصابوا في كفرهم من المعاصي، مستندًا إلى القرآن؛ لأن الله قال: ﴿لن تقبل توبتهم﴾، فكان معلومًا أنه معنيٌّ به: لن تقبل توبتهم مما ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم، لا من كفرهم؛ لأن الله -تعالى ذكره- وعد أن يقبل التوبة من عباده، ولما كان الكفر بعد الإيمان أحد تلك الذنوب التي وعد قبول التوبة منها علم أن المعنى الذي لا تقبل التوبة منه غير المعنى الذي يقبل التوبة منه، والذي لا يقبل منه التوبة هو الازدياد على الكفر بعد الكفر، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام على كفره، فأما إن تاب فإن الله -كما وصف به نفسه- غفور رحيم"". وعلَّق ابنُ عطية (٢‏/‏٢٨٠) على هذا القول بقوله: «وعلى هذا الترتيب يدخل في الآية المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم»

وجَّه ابن جرير (٥‏/‏٥٧٩) معنى الآية على قول الضحاك، فقال: «وتأويل الآية على هذا القول: كل الطعام كان حِلًّا لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة وبعد نزولها، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، بمعنى: لكن إسرائيل حرم على نفسه من قبل أن تنزل التوراة بعض ذلك، وكأن الضحاك وجَّه قوله: ﴿إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ إلى الاستثناء الذي يسميه النحويون: الاستثناء المنقطع». وقد انتقد ابن عطية (٢‏/‏٢٨٥) توجيهَ ابن جرير لقول الضحاك بقوله: «وحمل الطبري قول الضحاك إن معناه: لكن إسرائيل حرم على نفسه خاصة، ولم يحرم الله على بني إسرائيل في توراة ولا غيرها. وهذا تحميل يَرُدُّ عليه قوله تعالى: ﴿حرمنا عليهم﴾ [الأنعام:١٤٦]، وقوله ﷺ: «حُرِّمت عليهم الشحوم»، إلى غير ذلك من الشواهد». ووجّه ابن عطية (٢‏/‏٢٨٥ بتصرف) قول الضحاك مستندًا للغة، فقال: «وكلام الضحاك متخرج على أن يجعل ﴿كان﴾ لا تخص الماضي من الزمان، بل تكون بمنزلة التي في قولك: وكان الله غفورًا رحيمًا. والمعنى: إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فحُرِّم عليهم في التوراة، لا هذه الزوائد التي افتروها»

ذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٣٠٤) قول من ذهب إلى عدم النسخ في الآية، ورَجَّحه مستندًا إلى الدلالة العقلية، وعدم التعارض، فقال: «وهذا هو القول الصحيح، وألا يعصي ابن آدم جملة لا في صغيرة ولا في كبيرة، وألا يفتر في العبادة أمر متعذر في جبلة البشر، ولو كلف الله هذا لكان تكليف ما لا يطاق، ولم يلتزم ذلك أحد في تأويل هذه الآية». وذهبَ ابن تيمية (٢‏/‏١١٦) إلى عدم النسخ، حيث ذكر قول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وبَيَّن أنها مُفَسِّرَة لقوله: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾، وليست ناسخة لها. ووجّه (٢‏/‏١١٦ بتصرف) قول من قال من السلف بالنسخ بقوله: «ومن قال من السلف: هي ناسخة لها، فمعناه: أنها رافعة لما يظن من أن المراد من ﴿حق تقاته﴾ ما يعجز البشر عنه؛ فإن الله لم يأمر بهذا قط. ولفظ النسخ في عرف السلف يدخل فيه كل ما فيه نوع رفع لحكم، أو ظاهر، أو ظن دلالة؛ حتى يسموا تخصيص العام نسخًا، ومنهم من يسمي الاستثناء نسخًا إذا تأخر نزوله»

قال ابنُ عطية (٢‏/‏٤٨٨) مُبَيِّنًا معنى ﴿مضار﴾: «وُجُوه المُضارَّةٍ كثيرةٌ لا تنحصِر، وكلُّها ممنوعةٌ، يُقِرُّ بحقٍّ ليس عليه، ويُوصِي بأكثرَ مِن ثلثه، أو لوارثه، أو بالثلث فِرارًا عن وارث محتاج، وغير ذلك». وقال ابن تيمية (٢‏/‏٢٠٩): «إنّما ذُكِر الضِّرارُ في هذه الآية دون التي قبلها؛ لأنّ الأولى تَضَمَّنت ميراث العمودين، والثانية تضمنت ميراث الأطراف مِن الزوجين والإخوة، والعادةُ أن المُوصِي قد يُضارَّ زوجتَه وإخوته، ولا يكاد يُضارُّ ولدَه. لكنَّ الضرارَ نوعان: حَيْفٌ، وإثْمٌ؛ فإنه قد يقصد مُضارَّتهم وهو الإثم، وقد يُضارُّهم مِن غير قصدٍ وهو الحَيْف. فمتى أوصى بزيادة على الثلث فهو مُضارٌّ قَصَد أو لم يَقْصِد، فتُرَدُّ هذه الوصية، وإن وصّى بدونه ولم يعلم أنّه قصد الضرار فيمضيها، فإن علم الموصى له إنما أوصى له ضرارًا لم يَحِلُّ له الأخذُ. ولو اعترف المُوصِي أنِّي إنّما أوصيت ضِرارًا لم تَجُزْ إعانتُه على إمضاء هذه الوصية، ووجب ردُّها في مقتضى هذه الآية». وبنحوه قال ابنُ القيم (١‏/‏٢٦٦-٢٦٧)