قال ابنُ عطية (٣‏/‏٤٨٠-٤٨١): «هذه الآية نزلت بمكة، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت شيءٌ مُحَرَّم غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة، وزِيدَ في المحرمات؛ كالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة. فإنّ هذه وإن كانت في حكم الميتة فكان في النظر احتمال أن تلحق بالمذكيات؛ لأنها بأسباب وليست حتف الأنف. فلما بيَّن النصُ إلحاقها بالميتة كان زيادة في المحرمات، ثم نزل النص على رسول الله ﷺ في تحريم الحمر بوحي غير معجز، وبتحريم كل ذي ناب من السباع، فهذه كلها زيادات في التحريم». وقال ابنُ كثير (٦‏/‏١٩٤): «قيل: معناه: لا أجد شيئًا مما حرَّمتم حرامًا سوى هذه. وقيل: معناه: لا أجد من الحيوانات شيئًا حرامًا سوى هذه. فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات بعد هذا في سورة المائدة وفي الأحاديث الواردة رافعًا لمفهوم هذه الآية، ومِن الناس مَن يسمي ذلك نسخًا، والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخًا؛ لأنّه من باب رفع مباح الأصل». وبنحو كلام ابن كثير قال ابنُ تيمية (٢‏/‏١٠٩)

رجّح ابنُ القيم (١‏/‏٤٠٨-٤٠٩) مستندًا إلى اللغة في سبب الإخبار عن الرحمة -وهي مؤنثة- بقوله: ﴿قريب﴾ -وهو مذكر-: أنّ الأصل في الآية: إنّ الله قريب من المحسنين، وإنّ رحمة الله قريبة من المحسنين. فاستغنى بذكر أحدهما عن الآخر لظهور المعنى؛ فإنّ قربَ اللهِ من المحسنين مُسْتَلْزِمٌ لقرب رحمته منهم. وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٥٨٣-٥٨٤) فيها أقوالًا، فقال: «واختلف الناسُ في وجه حذف التاء مِن ﴿قريب﴾ في صفة الرحمة على أقوال؛ منها: أنه على جهة النسَب، أي: ذات قرب. ومنها: أنّه لما كان تأنيثها غير حقيقي جرت مجرى: كفٍّ خَضيب، ولحيةٍ دَهين. ومنها: أنها بمعنى مُذكَّر، فذُكِّر الوصف لذلك. وقال أبو عبيدة: قريب في الآية ليس بصفةٍ للرحمة، وإنما هو ظرفٌ لها وموضع، فيجيء هكذا في المؤنث والاثنين والجميع وكذلك بعيد، فإذا جعلوها صفة بمعنى: مقربة قالوا: قريبة وقريبتان وقريبات. وذكر الطبريُّ أن قوله: ﴿قريب﴾ إنما يُراد به مقاربة الأرواح للأجساد، أي: عند ذلك تنالهم الرحمة»

اختُلِف في قائل قوله: ﴿شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾؛ فقال السدي: هو خبرٌ من الله عن نفسه وملائكته بشهادتهم على إقرار المقرين بربوبية الله. وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قيل بعض بني آدم لبعض. وانتَقَد ابنُ جرير (١٠‏/‏٥٦٤-٥٦٥) القول الأول، وذكر أنّه يُؤَيِّده حديث عبد الله بن عمرو المرفوع -المتقدم في أول تفسير الآية-، وبيَّن أنه لولا ضعفه لحَكَم بصحة هذا القول. ورجَّح القول الثاني مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «فالظاهر يدل على أنه خبر من الله عن قيل بني آدم بعضهم لبعض؛ لأنه -جل ثناؤه- قال: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾. فكأنه قيل: فقال الذين شهدوا على المقرين حين أقروا، فقالوا: بلى شهدنا عليكم بما أقررتم به على أنفسكم كيلا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين». وعلَّق ابنُ عطية (٤‏/‏٨٦) أنّه على القول الأول يحسن الوقف على ﴿بلى﴾، وعلى الثاني لا يحسن الوقف عليها

اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿عن يد﴾ في الآية على أربعة أقوال: أولها: عن قَهْرٍ منكم وغَلَبَة، واستسلام منهم وانقياد. وثانيها: أن يروا أنّ لنا في أخذها منهم نعمةً عليهم بحقن دمائهم بها. وثالثها: أن يؤدوها بأيديهم ولا ينفذونها مع رسلهم كما يفعله المتكبرون. ورابعها: عن غِنًى وقدرة منهم، فلا تؤخذ من عاجز عنها. ورجَّحَ ابنُ القيم (٢‏/‏٨) القولَ الأولَ، فقال: «الصحيح القول الأول، وعليه الناس». وإليه ذَهَبَ ابنُ كثير (٧‏/‏١٧٦). ويظهر مِن كلام ابن جرير (١١‏/‏٤٠٦-٤٠٧) أنّه جمع بين القولين الأول والثالث. ثم انتَقَدَ ابنُ القيم (٢‏/‏٨) القولَ الرابعَ؛ لبُعْده، وعدم وروده عن السلف، فقال: «أبْعَدَ كُلَّ البُعْدِ، ولم يُصِبْ مرادَ الله مَن قال:» المعنى: عن يد منهم، أي: عن قدرة على أدائها، فلا تؤخذ من عاجز عنها«. وهذا الحكم صحيح، وحملُ الآية عليه باطل، ولم يُفَسِّر به أحدٌ من الصحابة، ولا التابعين، ولا سلف الأمة، وإنما هو مِن حذاقة بعض المتأخرين»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٥٦٨-٥٦٩بتصرف): «وقالت فرقة: معنى قوله: ﴿يُغْوِيَكُمْ﴾: يضلكم، مِن قولهم: غوى الرجل يغوى... وإذا كان هذا معنى اللفظة ففي الآية حُجَّة على المعتزلة القائلين: إنّ الضلال إنّما هو من العبد». ثم قال: «وقالت فرقة: معنى قوله: ﴿يُغْوِيَكُمْ﴾: يهلككم، والغوى: المرض والهلاك، وفي لغة طيّء: أصبح فلان غاويًا، أي: مريضًا، والغوى: بَشَمُ الفصيل. قاله يعقوب في الإصلاح. وقيل: فقْده اللبن حتى يموت جوعًا. قاله الفرّاء، وحكاه الطبري. يقال: غوى يغوى، وحكى الزَّهراوي: أنه الذي قُطِع عنه اللبن حتى كاد يهلك ولَمّا يهلك بعدُ. فإذا كان هذا معنى اللفظة زال موضع النظر بين أهل السنة والمعتزلة، وبقي الاحتجاج عليهم بما هو أبين من هذه الآية، كقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ونحوها. وأعتقد مكيٌّ أنّ للمعتزلة تَعَلُّقًا وحُجَّة بالغة بهذا التأويل، فردَّ عليه وأفرط حتى أنكر أن يكون الغوى بمعنى الهلاك موجودًا في لسان العرب»

اختُلِف في معنى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: ولا تَقُلْ ما ليس لك به علم. الثاني: لا تَرْمِ أحدًا بما ليس لك به علم. ورجَّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٥٩٥) شمول الآية للمعنيين مستندًا إلى دلالة العموم، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن القول بما لا يعلمه القائل يدخل فيه شهادة الزور، ورَمْيُ الناس بالباطل، وادعاءُ سماع ما لم يَسْمَعْهُ ورؤية ما لم يَرَهُ». وذكر ابنُ جرير (١٤‏/‏٥٩٥) أن أصل القَفْو: «العَضَهُ والبَهْتُ، ومنه قول النبي ﷺ: «نحن بنو النضر بن كنانة لا نَقْفُو أُمَّنا، ولا نَنتَفي من أبِينا»». ثم نقل عن بعض اللغويين أن معنى قوله: ﴿ولا تَقْفُ﴾: لا تَتَّبِعْ ما لا تعلم ولا يَعْنِيك، وأن أصله القيافة، وهي اتَّباع الأثر. ثم رجَّح (١٤‏/‏٥٩٦) مستندًا إلى الأغلب من لغة العرب ما ذهب إليه من أن معنى: ﴿ولا تَقْفُ﴾: «لا تَقُلْ للناس وفيهم ما لا علم لك به، فَتَرْمِيَهم بالباطل، وتَشْهَدَ عليهم بغير الحق، فذلك هو القَفْوُ». وعلَّل ذلك بقوله: «لأن ذلك هو الغالب من استعمال العرب القَفْوَ فيه»

قال ابنُ عطية (٥‏/‏٥٨٨): «والواو في قوله: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ طريق النحويين فيها أنها واو عطف دخلت في آخر إخبار عن عددهم؛ لتفصل أمرهم، وتدل على أن هذا نهاية ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام، ولو كانت فيما قبل من قوله: ﴿رابعهم﴾ و﴿سادسهم﴾ لصح الكلام. وتقول فرقة منها ابن خالويه: هي واو الثمانية. وذكر ذلك الثعلبي عن أبي بكر بن عياش أنّ قريشًا كانت تقول في عددها: ستة سبعة وثمانية تسعة، فتدخل الواو في الثمانية». ثم قال: «وقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ في هذه الآية أن يرد علم عدتهم إليه عز وجل، ثم أخبر أن عالم ذلك من البشر قليل، والمراد به قوم من أهل الكتاب، وكان ابن عباس يقول: أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم. ويستدل على هذا من الآية بأن القرآن لما حكى قول مَن قال: ثلاثة، وخمسة. قرَنَ بالقول أنه رجم بالغيب؛ فقدح ذلك فيها، ثم حكى هذه المقالة، ولم يقدح فيها بشيء، بل تركها مسجلة، وأيضًا فيقوي ذلك على القول بواو الثمانية؛ لأنها إنما تكون حيث عدد الثمانية صحيح»

اختلف في معنى: ﴿تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: تخافون هؤلاء الشركاء مما ملكت أيمانكم أن يرثوكم أموالكم كما يرث بعضكم بعضًا. الثاني: تخافون أن يُقاسِموا أموالكم كما يُقاسِم بعضكم بعضًا. ورجَّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٤٩١) مستندًا إلى ظاهر الآية ودلالة العقل القولَ الثاني، وهو قول أبي مجلز، وعلَّل ذلك بقوله: «وذلك أن الله -جلَّ ثناؤه- وبَّخ هؤلاء المشركين في الذين جعلوا له مِن خلقه آلهةً يعبدونها، وأشركوهم في عبادتهم إيّاه، وهم مع ذلك يُقِرُّون بأنها خَلْقُه وهم عبيده، وعيَّرهم بفعلهم ذلك، فقال لهم: هل لكم من عبيدكم شركاء فيما خوَّلناكم من نعمنا، فهم سواءٌ وأنتم في ذلك، تخافون أن يقاسموكم ذلك المال الذي هو بينكم وبينهم، كخيفة بعضكم بعضًا أن يقاسمه ما بينه وبينه من المال شركةً؟! فالخيفة التي ذكرها -تعالى ذِكْرُه- بأن تكون خيفة مما يخاف الشريك من مقاسمة شريكه المال الذي بينهما إياه، أشبه من أن تكون خيفة منه بأن يَرِثه؛ لأنّ ذِكْرَ الشركة لا يدل على خيفة الوراثة، وقد يدل على خيفة الفراق والمقاسمة»

أفاد أثرُ ابنِ عباس التفرقة بين النفس والروح، وقد انتقده ابنُ عطية (٧‏/‏٣٩٨) قائلًا: «وكثَّرت فرقة في هذه الآية وهذا المعنى، ففرَّقت بين النَّفْس والروح، وفرَّق قومٌ أيضًا بين نفس التمييز ونفس التَّخَيُّل، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي غلبة ظن... فظاهرٌ أن التفصيل والخوض في هذا كله عناء، وإن كان قد تعرَّض للقول في هذا ونحوه الأئمة، ذكر الثعلبي وغيره، عن ابن عباس أنه قال:...» وذكر معنى قول ابن عباس. ثم رجَّح -مستندًا إلى القرآن، والسنة- عدم التفريق بينهما قائلًا: «وحقيقة الأمر في هذا هي مما استأثر الله -تبارك وتعالى- به، وغيَّبَه عن عباده في قوله سبحانه: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، ويكفيك أن في هذه الآية: ﴿يَتَوَفّى الأَنْفُسَ﴾، وفي الحديث الصحيح: أن الله قَبَضَ أرواحنا حين شاء، وردَّها علينا حين شاء. في حديث بلال في الوادي، فقد نطقت الشريعة بقبض الرُّوح والنفس في النوم، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٥٥٣) أن قوله تعالى: ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يكون قائل ذلك من أعلمهم بكفر السحرة؛ فيكون قوله استهزاء، وهو يعلم قدر السحر وانحطاط منزلته، ويكون قوله: ﴿عِنْدَكَ﴾ بمعنى: في زعمك وعلى قولك. الثاني: أن يكون القائل ليس من المتمردين الحذّاق منهم، ويطلق لفظة الساحر لأحد وجهين: إمّا لأن السحر كان عند عامتهم علم الوقت، فكأنه قال: يا أيه العالم. وإما لأنّ هذه الاسمية قد كانت انطلقت عندهم على موسى عليه السلام لأول ظهوره، فاستصحبها هذا القائل في مخاطبة قلة تحرير وغباوة، ويكون القول -على هذا التأويل- جدًّا من القائل، ويكون قوله: ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ بمعنى: إن نفعتنا دعوتك. ثم رجَّح (٧‏/‏٥٥٣-٥٥٤ بتصرف) الاحتمال الثاني مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا التأويل أرجح، أعني: أن كلام هذا القائل مقترن بالجدّ. ثم أخبر عنهم أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا، ولو كان الكلام هزلًا مِن أوله لما وقع نكث»