انتقد ابن جرير (٥/٥٦٩) هذا القول مستندًا لمخالفته ظاهر الآية، فقال: «لأن الله عز وجل لم يصف القوم بإيمان كان منهم بعد كفر، ثم كفر بعد إيمان، بل إنما وصفهم بكفر بعد إيمان، فلم يتقدم ذلك الإيمان كفر كان للإيمان لهم توبة منه، فيكون تأويل ذلك على ما تأوله قائل ذلك، وتأويل القرآن على ما كان موجودًا في ظاهر التلاوة -إذا لم تكن حجة تدل على باطن خاص- أوْلى من غيره، وإن أمكن توجيهه إلى غيره»
بَيَّن ابنُ جرير (٦/٦٣٧) معنى الآية مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «يعني بقوله -جل ثناؤه-: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾: ولا يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم أهل ملة واحدة، ودعوة واحدة، ودين واحد. فجعل -جلَّ ثناؤه- أهل الإسلام كلهم بعضَهم من بعض، وجعل القاتل منهم قتيلًا في قتله إياه منهم بمنزلة قَتله نفسه؛ إذ كان القاتلُ والمقتول أهلَ يد واحدة على من خالف مِلَّتَهُما»
قال ابنُ عطية (٢/٥٩٠) مُوَجِّهًا: «وقال ابن عباس: الطّاغُوت هنا هو كعب بن الأشرف، وهو الذي تراضيا به، فعلى هذا إنّما يُؤَنِّبُ صنف المنافقين وحده، وهم الذين آمنوا بما أنزل على محمد وبما أنزل من قبله بزعمهم؛ لأنّ اليهود لم يؤمروا في شرعهم بالكفر بالأحبار، وكعب منهم». وأمّا على قول مَن قال: الطاغوت الكاهن، فبيَّن ابنُ عطية أنّ التأنيب بالآية يكون على هذا لليهود وللمنافقين معًا
ذهب ابنُ عطية (٢/٦٢٢) إلى أنّ الضمير في ﴿ودُّوا﴾ عائد على المنافقين، وذكر احتمالين للوُدِّ منهم: الأول: «أن يكون عن حسد منهم لهم على ما يرون للمؤمنين من ظهور في الدنيا». ثم علَّق عليه بقوله: «فتجري الآية: مع وُدِّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم». والثاني: «أن يكون أنهم رأوا المؤمنين على غير شيء فودوا رجوعهم إلى عبادة الأصنام». ثم استظهر الأول قائلًا: «والأول أظهر». ولم يذكر مستندًا
ذكر ابنُ عطية (٣/٣٣٢) أن قوله: ﴿سكن﴾ هو من السكنى ونحوه، أي: ما ثبت وتقرر، ثم قال: «وقالت فرقة: هو من السكون، وقال بعضهم: لأن الساكن من الأشياء أكثر من المتحرك إلى غير هذا من القول الذي هو تخليط، والمقصد في الآية عموم كل شيء، وذلك لا يترتب إلا أن يكون ﴿سكن﴾ بمعنى: استقرَّ وثبت، وإلا فالمتحرك من الأشياء المخلوقات أكثر من السواكن، ألا ترى إلى الفَلَك والشمس والقمر والنجوم السابحة والملائكة وأنواع الحيوان والليل والنهار حاصران للزمان»
علَّقَ ابنُ عطية (٣/٤٦٣) على قوله تعالى: ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ قائلًا: «تظهر بينه وبين ما في القرآن من الآيات التي تقتضي إنكارَ المشركين الإشراكَ مناقضةٌ، والجمع بينهما هو إما طوائف، وإما طائفة واحدة في مواطن شتى، وإما أن يريد سبحانه بقوله هنا: ﴿وشهدوا على أنفسهم﴾ شهادة الأيدي والأرجل والجلود بعد إنكارهم بالألسنة. قال القاضي أبو محمد: واللفظ ها هنا يبعد من هذا»
علَّق ابنُ عطية (٤/٥٠) بقوله: «والندم عندي عَرَضٌ يعرض صاحب هذه الحال، وقد لا يعرضه، فليس الندم بأصلٍ في هذا أما أن أكثر أصحاب هذه الحال يصحبهم النَدَم». وذكر في معنى الآية احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل أن يُقال:»سُقِط في يديه«على معنى التشبيه بالأسير الذي تكتف يداه». ووجَّهه بقوله: «فكأنّ صاحب هذه الحال يستأسر، ويقع ظهور الغلبة عليه في يده، أو كأنّ المراد: سقط بالغلب والقهر في يده»
قال ابنُ عطية (٤/٣٥٩): «فيحتمل أن يراد بـ﴿أُولئِكَ﴾: القوم الذين وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والاستمتاع بالخلاق، والمعنى: وأنتم أيضًا يعتريكم بإعراضكم عن الحق. ويحتمل أن يريد بـ﴿أُولئِكَ﴾: المنافقين المعاصرين لمحمد ﷺ، ويكون الخطاب لمحمد ﷺ، وفي ذلك خروجٌ مِن خطاب إلى خطاب غير الأول». ثم قال: «ويُقَوِّي أنّ الإشارة بـ﴿أُولئِكَ﴾ إلى المنافقين قوله في الآية المستقبلة: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾. فتأمَّلْه»
رجَّح ابنُ جرير (١٢/١٦-١٧) العمومَ في تفسير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال -بعد أن بيَّن أنّ الأمر بالمعروف هو: كُلُّ ما أمر الله به عبادَه أو رسوله ﷺ، والنهي عن المنكر هو: كلُّ ما نهى الله عنه عباده أو رسوله-: «وإذا كان كذلك ولم يكن في الآية دلالةٌ على أنّها عُني بها خصوص دون عموم، ولا خبر عن الرسول، ولا في فِطْرَة عقل؛ فالعموم بها أولى». وبنحوه قال ابنُ عطية (٤/٤٢٠)
اختُلِف في معنى: ﴿وأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: منخرقة لا تعي من الخير شيئًا. الثاني: لا تستقر في مكان، تتردد في أجوافهم. الثالث: خرجت مِن أماكنها فصارت في الحناجر. ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٧١٣) مستندًا إلى لغة العرب القول الأول، وهو قول ابن عباس، ومُرَّة، ومجاهد، وأبي صالح باذام، وابن زيد، وعلَّل ذلك بأن «العرب تسمي كلَّ أجوفَ خاوٍ هواء». ثم استشهد في ذلك بأبياتٍ من شعر العرب