قال ابنُ عطية (٥/٣٨١): «وقوله: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ الضمير للعسل، قاله الجمهور، ولا يقتضي العموم في كل علة، وفي كل إنسان، بل هو خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض، وعلى حال دون حال، ففي الآية إخبار منبه على أنه دواء لمّا كَثُرَ الشفاء به، وصار خليطًا ومعينًا للأدوية والأشربة والمعاجين». ثم ذكر هذا الأثر عن ابن عمر، وعلّق عليه بقوله: «وهذا يقتضي أنه يرى الشفاء به على العموم»
ذَهَبَ ابنُ تيمية (٤/١٨٥) إلى هذا القول مستندًا إلى التاريخ، فقال: «الآية نزلت في عمار بن ياسر وبلال بن رباح وأمثالهما من المؤمنين المستضعفين لما أكرههم المشركون على سب النبي ﷺ ونحو ذلك من كلمات الكفر، فمنهم من أجاب بلسانه كعمار، ومنهم من صبر على المحنة كبلال، ولم يكره أحد منهم على خلاف ما في قلبه، بل أكرهوا على التكلم، فمن تكلم بدون الإكراه لم يتكلم إلا وصدره منشرح به»
ذكر ابنُ جرير (١٥/٢٢٤-٢٢٥) قولًا بأنه جائز أن يكون معنى قوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾ استثناء من القول، لا من الفعل كأن معناه: لا تقولن قولًا إلا أن يشاء الله ذلك القول. وانتقده مستندًا لمخالفته الإجماع، وظاهر الآية، فقال: «وهذا وجه بعيد من المفهوم بالظاهر من التنزيل، مع خلافه تأويل أهل التأويل». وكذا انتقده ابنُ عطية (٥/٥٩٠)، فقال: «وهو من الفساد بحيث كان الواجب ألّا يُحْكى»
وجَّه ابن عطية (٥/٦٣٩) قول الحسن بقوله: «ولذلك قال موسى:﴿زَكِيَّةً﴾، أي: لم تذنب»، وذكر أن آخرين قالوا: بل كان بالغًا شابًّا، والعرب تبقي على الشاب اسم الغلام. وانتقد قول الحسن مستندًا إلى ظاهر الآية فقال: «وقوله:﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ يقتضي أنه لو كان عن قتل نفْس لم يكن به بأس، وهذا يدل على كِبَر الغلام، وإلا فلو كان لم يحتلم لم يجب قتله بنفس ولا بغير نفس»
استدرك ابنُ عطية (٦/١٠٥-١٠٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية ما جاء في قول وهب، فقال: «وقالت فرقة: إنما كان تناجيهم بالآية التي بعد هذا: ﴿إن هذانِ لَساحِرانِ﴾. والأظهر أنّ تلك قيلت علانية، ولو كان تناجيهم ذلك لم يكن ثَمَّ تنازع، والنَّجْوى: السرُّ والمسارة. أي: كان كل رجل يناجي مَن يليه، ثم جعلوا ذلك سِرًّا مخافة فرعون أن يتبين فيهم ضعفًا؛ لأنهم لم يكونوا حينئذ مُصَمِّمين على غلبة موسى، بل كان ظنًّا مِن بعضهم»
ذكر ابنُ عطية (٦/٥٧٧) بأن ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ المشار إليه في هذه الآية هو الذي أوحاه إلى أم موسى أولًا في قوله تعالى: ﴿وأَوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]، إما بمَلَك أو تمثُّله، وإما بإلهام؛ حسب اختلاف المفسرين في ذلك، ثم انتقد القول بالإلهام مستندًا إلى اللغة بأنه «يضعف أن يقال فيه: وعْد»
أشار ابنُ عطية (٦/٦٢٣) إلى نحو ما جاء في قول قتادة، ثم علّق قائلًا: «وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب، وفي هذه الجماعة، فهي بمعناها باقية في أمة محمد ﷺ، موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك، وإذا اعتبر أيضًا كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن، ولكن التي تشبه نازلة المؤمنين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر»
ذكر ابنُ عطية (٧/١٩٣، ١٩٤) ثلاثة أقوال في معنى قوله تعالى: ﴿وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾: الأول: أن يعود الضمير في ﴿بلغوا﴾ على قريش، وفي ﴿آتيناهم﴾ على الأمم الذين من قبلهم. ووجَّهه بقوله: «والمعنى: من القوة والنعم والظهور في الدنيا». والثاني: بعكس القول الأول، ووجَّهه بقوله: «والمعنى: من الآيات والبيان والنور الذي جئتهم به». والثالث: أن يعود الضميران على الأمم المتقدمة، ووجَّهه بقوله: «والمعنى: من شُكْرِ النعمة، وجزاء المِنَّة»
ذكر ابنُ عطية (٧/٦٤٩) في قوله: ﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم﴾ احتمالين، فقال: «وقوله تعالى: ﴿فأنى لهم﴾ الآية، يحتمل أن يكون المعنى: فأنّى لهم الخلاص أو النجاة إذ جاءتهم الذكرى بما كانوا يخبرون به في الدنيا فيكذّبون به وجاءهم العذاب مع ذلك. ويحتمل أن يكون المعنى: فأنّى لهم ذكراهم وعملهم بحسبها إذا جاءتهم الساعة. وهذا تأويل قتادة، نظيره: ﴿وأنى لهم التناوش من مكان بعيد﴾ [سبأ:٥٢]»
ذكر ابنُ عطية (٨/٨٢) في الآية احتمالين: الأول: «أن يكون المعنى: أن يُطعموا خلقي». ووجّهه بقوله: «فأضيف ذلك إلى الضمير على جهة التجوز. وهذا قول ابن عباس». الثاني: «أن يكون الإطعام هنا بمعنى النفع على العموم». ووجّهه بقوله: «كما تقول: أعطيتُ فلانًا كذا وكذا طعمة، وأنت قد أعطيتَه عرضًا أو بلدًا يحييه، ونحو هذا، فكأنه قال: ولا أريد أن ينفعوني، فذكر جزءًا مِن المنافع وجعله دالًّا على الجميع»