علَّقَ ابنُ جرير (٣‏/‏١٠٩) على قول السّدّيّ بقوله: «هذا قولُ مَن زعم أنّ الآية نزلت في الذين تحاربوا على عهد رسول الله ﷺ، فأُمِر رسول الله ﷺ أن يُصلح بينهم، فيقاصَّ ديات بعضهم من بعض، وأحسب أن قائلي هذا القول وجَّهوا تأويل العفو -في هذا الموضع- إلى الكثرة، من قول الله -تعالى ذكره-: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ [الأعراف:٩٥]. فكأنّ معنى الكلام عندهم: فمن كَثُرَ له قبَل أخيه القاتل». وبنحوه قال ابن عطية (١‏/‏٤٢٥)

قال ابنُ جرير (٤‏/‏٦٩٣): «يعني -جلّ ثناؤه- بذلك: كما بيّن لكم ربكم -تبارك وتعالى- أمرَ النفقة في سبيله، وكيف وجهها، وما لكم، وما ليس لكم فِعْلُه فيها؛ كذلك يبين الله لكم الآيات سوى ذلك، فيعرفكم أحكامها وحلالها وحرامها، ويوضِّح لكم حُججها إنعامًا منه بذلك عليكم، ﴿لعلكم تتفكرون﴾ يقول: لتتفكروا بعقولكم، فتتدبروها، وتعتبروا بحجج الله فيها، وتعملوا بما فيها من أحكامها، فتطيعوا الله به». واستشهدَ عليه بقول أهل التأويل

انتَقَدَ ابنُ جرير (٥‏/‏٢٥) ما ذهب إليه السُّدي مستندًا إلى اللغة، فقال: «لو كان تأويل الآية على ما تأوله السُّدِّيُّ لكان الكلام: للفقراء الذين حُصِرُوا في سبيل الله. ولكنه ﴿أُحْصِرُوا﴾، فدَلَّ ذلك على أنّ خوفهم من العدو الذي صير هؤلاء الفقراء إلى الحال التي حَبَسُوا -وهم في سبيل الله- أنفسَهم، لا أنّ العدو هم كانوا الحابِسِيهِم، وإنما يُقالُ لمن حَبَسَهُ العدو: حَصَرَهُ العدو. وإذا كان الرجل المُحْبَسُ من خوف العدو قيل: أحْصَرَهُ خوفُ العدو»

رَجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏٢١٤-٢١٥) قولَ مجاهد، وابن الزبير، وابن إسحاق مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «وإنّما قلنا: القول الذي ذكرنا أنّه أولى التأويلين بقوله: ﴿ابتغاء الفتنة﴾ لأنّ الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا أهل شرك، وإنّما أرادوا بطلب تأويل ما طلبوا تأويله اللبسَ على المسلمين والاحتجاج به عليهم ليصدّوهم عَمّا هم عليه من الحقّ، فلا معنى لأن يُقال: فعلوا ذلك إرادة الشرك، وهم قد كانوا مشركين»

اختلف القُرّاءُ في الوقف في هذه الآية؛ فمنهم من يقف على قوله: ﴿إلا الله﴾. ومنهم مَن يقف عند قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾. وصَوَّب ابنُ تيمية (٢‏/‏٢٥) كليهما، فقال: «وكلتا القراءتين حقٌّ، ويُراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله، ويُراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيرَه، وهو تأويله. ومثل هذا يقع في القرآن كقوله: ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ و›لَتَزُولُ‹، فيه قراءتان مشهورتان بالنفي والإثبات، وكُلُّ قراءةٍ لها معنًى صحيحٌ»

علَّق ابنُ عطية (٢‏/‏٣١١ بتصرف) على هذه القراءة مستشهدًا بالقرآن، فقال: «هذه القراءة وإن كانت لم تثبت في المصحف، ففيها إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي، كما هي في قوله تعالى: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ، واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ [لقمان:١٧]، وقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ، لا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، ولهذا يحسن لكل مؤمن أن يحتمل في تغيير المنكر، وإن ناله بعض الأذى»

رجَّح ابن جرير (٦/ ٣٠٧) مستندًا إلى السياق واتفاق أهل التأويل أن المعنيَّ بالآية: أهل الكتاب، فقال: «وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾ قول من قال: عني بذلك أهل الكتاب الذين أخبر الله -جل وعز- أنه أخذ ميثاقهم، ليبينن للناس أمر محمد ﷺ، ولا يكتمونه؛ لأن قوله: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾ في سياق الخبر عنهم، وهو شبيه بقصتهم، مع اتفاق أهل التأويل على أنهم المعنيون بذلك»

رجَّح ابن جرير (٦ / ٣١٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية والنظائر قول محمد بن كعب: أن المنادي هو القرآن، وقال: «لأن كثيرًا ممن وصفهم الله بهذه الصفة في هذه الآيات ليسوا ممن رأى النبي ﷺ ولا عاينه، فسمعوا دعاءه إلى الله تبارك وتعالى ونداءه، وهو نظير قوله -جل ثناؤه- مخبرًا عن الجن إذ سمعوا كلام الله يتلى عليهم أنهم قالوا: ﴿إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد﴾ [الجن:١، ٢]»

ذكر ابنُ جرير (٧‏/‏٨٠ بتصرف) هذه القراءة، ثُمَّ وجَّهها بقوله: «المعنى على هذه القراءة: أو لمستم أنتم أيها الرجال نساءكم». وذكر أيضًا قراءة مَن قرأها ﴿لامستم﴾، ثُمَّ علَّق (٧‏/‏٨٠) على القراءتين بقوله: «وهما قراءتان متقاربتا المعنى، لأنه لا يكون الرجل لامِسًا امرأته إلا وهي لامسته، فاللمس في ذلك يدل على معنى اللماس، واللماس على معنى اللمس مِن كل واحد منهما صاحبه، فبأي القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب لاتفاق معنييهما»

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٢٢) أنّ المُسارَّة مصدرٌ، وقد تُسَمّى به الجماعة، كما يقال: قوم عدل ورضا، ثم قال: «وتحتمل اللفظة في هذه الآية أن تكون الجماعة، وأن تكون المصدر نفسه، فإن قدرناها الجماعة فالاستثناء متصل، كأنه قال: لا خير في كثير من جماعاتهم المنفردة المتسارة إلا مَن. وإن قدرنا اللفظة المصدر نفسه، كأنه قال: لا خير في كثير من تناجيهم، فالاستثناء منقطع بحكم اللفظ، ويقدر اتصاله على حذف مضاف، كأنه قال: إلا نجوى مَن»