وجَّه ابنُ جرير (٨‏/‏٥٥٨ بتصرف) قول مجاهد، فقال: «فإن قال قائل: وكيف قيل: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء﴾ كناية عن اليهود والنصارى، ولم يجر لليهود والنصارى ذكر؟ قيل: قد جرى لهم ذكر، وذلك قوله: ﴿لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ [المائدة:٥١]، جرى الخبر في بعض الآي عن الفريقين وفي بعض عن أحدهما، إلى أن انتهى إلى قوله: ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء﴾. ثم قصد بقوله: ﴿ألقينا بينهم﴾ الخبر عن الفريقين»

رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏١٠٩) القول بأنّ حكم الآية غير منسوخ، مستندًا إلى عدم دليل النسخ، وعلَّل ذلك بأنه: «غير جائز أن يُقْضى على حكمٍ من أحكام الله -تعالى ذكره- أنه منسوخ إلا بخبر يقطع العذر؛ إما من عند الله، أو من عند رسوله ﷺ، أو بورود النقل المستفيض بذلك، فأما ولا خبر بذلك، ولا يَدْفَعُ صحته عقل؛ فغير جائز أن يُقْضى عليه بأنه منسوخ». وانتقد ابنُ كثير (٥‏/‏٤٠٢) قول زيد بن أسلم، فقال: «وفي هذا نظر»

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٥٧) أنّ قوله: ﴿أمم امثالكم﴾ معناه: جماعات مماثلة للناس في الخلق، والرزق، والحياة، والموت، والحشر، ثم بَيَّن أنه يحتمل أن يريد بالمماثلة أنها في كونها أممًا لا غير، كما تريد بقولك: مررت برجل مثلك. أي: في رجل، ثم قال: «ويصح في غير ذلك من الأوصاف، إلا أنّ الفائدة في هذه الآية إنما تقع بأن تكون المماثلة في أوصاف غير كونها أممًا». ثم نقل أنّ مكيًّا قال بأنّ المماثلة في أنها تعرف الله وتعبده، ثم علَّق بقوله: «وهذا قول خلف»

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٤٥٢) أنّ الآيات السابقة ذكرت قومًا مؤمنين أُمِرُوا بترك ظاهر الإثم وباطنه وغير ذلك، وكذا ذكرت قومًا يُضِلُّون بأهوائهم وغير ذلك، فمثَّل الله عز وجل في الطائفتين بأن شبَّه الذين آمنوا بعد كفرهم بأموات أُحيُوا، وشبَّه الكافرين وحيرة جهلهم بقوم في ظلمات يترددون فيها ولا يمكنهم الخروج منها؛ ليبين عز وجل الفرق بين الطائفتين والبَوْن بين المنزلتين، ثم قال: «هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما»

وجَّه ابنُ عطية (٣‏/‏٥٤٧) قول مجاهد، والسدي، فقال: «والمقصد على هذا: شرع القبلة، والأمر بالتزامها». ووجَّه ابنُ تيمية (٣‏/‏١٥١) قول مجاهد، والسدي، وابن زيد، فقال: «وعلى هذا فإقامةُ الوجه: استقبال الكعبة». ثم انتقده مستندًا إلى أحوال النزول قائلًا: «وهذا فيه نظر؛ فإنّ الآية مَكِّيَّة، والكعبة إنّما فُرِضَت في المدينة». غير أنّه ذَكَر له وجْهًا يمكن أن يُحمَل عليه، فقال: «إلّا أن يُراد بإقامة الوجه: الاستقبال المأمور به»

وجّه ابنُ جرير (١٠‏/‏١٨٦) معنى الآية على هذه القراءة، فقال: «المعنى على هذه القراءة: لا يفتح لهم جميعها بمرة واحدة وفتحة واحدة». وقد ذكر ابنُ جرير هذه القراءة، وقراءة من قرأ ذلك بالتاء، وبيَّن تقاربهما، ثم قال: «والصواب في ذلك عندي من القول أن يُقال: إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى، وذلك أنّ أرواح الكُفّار لا تفتح لها ولا لأعمالهم الخبيثة أبواب السماء بمرة واحدة، ولا مرة بعد مرة، وباب بعد باب، فكلا المعنيين في ذلك صحيح»

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في هذه القرية على أقوال: الأول: أيْلة. الثاني: ساحل مدين. الثالث: مَقْنا. الرابع: مدين. ورجَّح ابنُ جرير (١٠‏/‏٥٠٩) جواز أن تكون أيَّ قرية منها؛ فكُلُّها حاضرة البحر مستندًا إلى صحّة جميعها، وعدم الدليل القاطع بتعيين هذه القرية. وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٧٠) أنّ قوله: ﴿حاضِرَةَ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يريد معنى الحضور، أي: البحر فيها حاضر. الثاني: أن يريد معنى الحضارة على جهة التعظيم لها، أي: هي الحاضرة في مدن البحر

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٢٠٢) هذا القول، ثم نقل عن المهدوي أنه قال: المعنى: أي لاختلفتم بالقواطع والعوارض القاطعة بين الناس. ورجَّحه مستندًا إلى اللغة، والسياق، فقال: «وهذا أنبل وأصح، وإيضاحه: أن المقصد من الآية تبيين نعمة الله وقدرته في قصة بدر، وتيسيره ما يسّر من ذلك، والمعنى: إذ هيأ الله لكم هذه الحال، ولو تواعدتم لها لاختلفتم إلا مع تيسير الذي تمّم ذلك، وهذا كما تقول لصاحبك في أمر سنّاه الله دون تعب كثير: ولو بَنَيْنا على هذا وسعينا فيه لم يتم هكذا»

بيَّن ابنُ عطية (٤‏/‏٥٤٩) أنّ لهذه الآية تأويلين: «أحدهما: أن تكون المخاطبة من النبي ﷺ للكفار، أي: فإن لم يستجب مَن تدعون إلى شيء مِن المعارضة، ولا قدر جميعكم عليها؛ فأذعِنوا حينئذ، واعلموا أنّه من عند الله. ويأتي قوله: ﴿فهل أنتم مسلمون﴾ متمكنًا. والثاني: أن تكون مخاطبة من الله تعالى للمؤمنين، أي: فإن لم يستجب الكفار إلى ما دُعوا إليه من المعارضة فاعلموا أن ذلك مِن عند الله. وهذا على معنى: دوموا على علمكم؛ لأنهم كانوا عالمين بذلك»

بيّن ابنُ عطية (٥‏/‏١٤٩) أنّ الضلال في الآية يُراد به: «الانتكاف والتحير، وليس هو بالضلال الذي هو في العرف ضد الرشاد؛ لأنّ ذلك مِن الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به». ثم بيّن أن قتادة وابن عباس تأولاه على معنى الضلال الذي هو ضد الرشاد الذي ردَّه، فقال: «وقد تأول بعض الناس على ذلك، ولهذا قال قتادة رحمه الله: قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله عليه السلام. وقال ابن عباس: المعنى: لفي خطئك»