قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ بعث الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط الأُموي إلى بني المُصْطَلق، وهم حي من خُزاعة؛ ليقْبِض صدقة أموالهم، فلما بلَغهم ذلك فرحوا، واجتمعوا ليتلقّوه، فبلغ الوليدَ ذلك، فخافهم على نفسه، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية من أجل شيء كانوا أصابوه، فرجع إلى النبي ﷺ، فقال: طردوني، ومنعونى الصدقة، وكفروا بعد إسلامهم. فلمّا قال ذلك انتدب المسلمون لقتالهم، فقال النبي ﷺ: إلا حتى أعلم العلم. فلمّا بلغهم أنّ الوليد رجع مِن عندهم بعثوا وفْدًا مِن وجوههم، فقدموا على النبي ﷺ المدينة، فقالوا: يا رسول الله، إنك أرسلتَ إلينا مَن يأخذ صدقاتنا، فسُرِرنا بذلك، وأردْنا أن نتلقّاه، فذُكر لنا أنه رجع من بعض الطريق، فخِفنا أنه إنما ردّه غضبٌ علينا، وإنّا نعوذ بالله مِن غضَبه وغضَب رسوله، واللهِ، ما رأيناه، ولا أتانا، ولكن حمله على ذلك شيء كان بيننا وبينه في الجاهلية... ، فصدّقهم النبيُّ ﷺ، فأنزل الله تعالى في الوليد ثلاث آيات متواليات بفسْقه وبكذِبه
وجَّه ابنُ جرير (٣/٤٩-٥٠بتصرف) قولَ ابن زيد بقوله: «فتأويل الكلام على قول قائل ذلك: ومَثَل الذين كفروا وآلهتهم في دعائهم إياها وهي لا تفقه ولا تعقل كمَثَلِ الناعق بما لا يسمعه الناعق إلا دعاء ونداء، أي: لا يسمع منه الناعق إلا دعاءه... وقد تحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا آخر غير ذلك، وهو أن يكون معناها: ومَثَلُ الذين كفروا في دعائهم آلهتَهم التي لا تفقه دعاءَهم كمَثَلِ النّاعق بغَنَمٍ له، من حيث لا تسمع صوتَه غنمُه؛ فلا تنتفع من نعيقه بشيء، غير أنه في عَناء من دُعاء ونِداء، فكذلك الكافر في دعائه آلهتَه إنما هو في عَناءٍ من دعائه إيّاها وندائه لها، ولا ينفعه شيئًا». وقال ابنُ عطية (١/٤٠٩-٤١٠) مُعَلِّقًا: «فإنّما شُبِّه في هذين التَّأْوِيلَيْنِ [يعني: تأويل ابن زيد، وتوجيه ابن جرير] الكفارُ بالناعق، والأصنامُ بالمنعوق به، وشُبِّهوا في الصمم والبكم والعمى بمَن لا حاسة له لَمّا لَمْ ينتفعوا بحواسهم، ولا صرفوها في إدراك ما ينبغي». وبنحوه قال ابنُ القيم (١/١٦٣). وانتَقَد ابنُ كثير (٢/١٤٧) هذا القولَ مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية بما مَفادُه: أنّ الأصنام لا تسمع شيئًا، ولا تعقله، ولا تُبْصِره، ولا بَطْش فيها ولا حياة، والآية تقول: ﴿إلا دعاء ونداء﴾
رجَّحَ ابنُ جرير (٣/١٤٧ بتصرف) ما ذهب إليه مجاهد مِن أنّ الإصلاح بين الميّت وورثته ومن أوصى لهم يكون عند خوفِ الجنفِ والإثم من الموصِي، لا عند وقوعِه منه، مستندًا في ذلك إلى ظاهر لفظِ الآيةِ، فقال: «أوْلى الأقوال في تأويل الآية أن يكون تأويلها: فمَن خاف من مُوصٍ جَنفًا أو إثمًا فلا بأس على من حضره أن يُصْلِح بين الذين يُوصى لهم وبين ورثة الميت وبين الميت، بأن يأمرَ الميت في ذلك بالمعروف، ويعرِّفه ما أباح الله له في ذلك وأَذِن له فيه من الوصية في ماله، وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروفَ الذي قال الله -تعالى ذِكْرُه- في كتابه، وذلك هو الإصلاح الذي قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿فأصلح بينهم فلا إثم عليه﴾. وإنما اخترنا هذا القول لأن الله -تعالى ذِكْرُه- قال: ﴿فمن خاف من موص جَنفًا أو إثمًا﴾، يعني بذلك: فمَن خاف من موص أن يَجْنَف أو يَأثم. فخوفُ الجنف والإثم من الموصي إنما هو كائنٌ قبل وقوع الجَنَف والإثم، فأما بعد وجوده منه فلا وجه للخوف منه بأن يَجنف أو يأثم، بل تلك حال مَن قد جَنفَ أو أثم، ولو كان ذلك معناه لقيل: فمَن تبيّن من مُوص جَنفًا أو إثمًا -أو أيْقَن، أو علِم- ولم يقل: فمن خافَ منه جَنفًا»
اختُلِف في تفسير البِرِّ الذي عناه الله بقوله: ﴿أن تبروا﴾؛ فقال قوم: هو فعل الخير كله. وقال آخرون: هو البِرُّ بذي رحمه. ورجَّحَ ابنُ جرير القولَ الأول لدلالة العموم، فقال (٤/١٢): «وذلك أنّ أفعال الخير كلَّها من البر، ولم يخصص الله في قوله: ﴿أن تبروا﴾ معنًى دون معنًى من معاني البر؛ فهو على عمومه». ثُمَّ ذَكَرَ اندراج القولِ الثاني في الأول، فقال: «والبِرُّ بذوي القرابة أحد معاني البِرِّ». وبيَّن ابنُ عطية (١/٥٤٨) أن المهدوي قدَّر الآية: بكراهة أن تبروا، وذكر أن قومًا قالوا: المعنى: ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح. وبيَّن أنه على هذا القول لا يحتاج إلى تقدير «لا» بعد ﴿أن﴾، ثم ذكر أن هذا التأويل له معنيان: الأول: أن يكون في الذي يريد الإصلاح بين الناس، فيحلف حانثًا ليكمل غرضه. الثاني: أن يكون على ما رُوي عن عائشة أنها قالت: «نزلت في تكثير اليمين بالله نهيًا أن يحلف الرجل به برًّا فكيف فاجرًا»، فالمعنى: إذا أردتم لأنفسكم البر. ونقل عن الزجاج وغيره أنهم قالوا: معنى الآية: أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير ونحوه اعتلَّ بالله تعالى، فقال: عليّ يمين. وهو لم يحلف
اختلف أهل العلم في كون إنظار المعسر مخصوصًا بالدَّيْن الناتج عن الربا، أو منسحبًا على كل دَيْن، ووجَّه ابن عطية (٢/١٠٧-١٠٨) قول القائلين بتخصيص النظِرة بدَيْن الربا دون سواه، فقال: «وكأن هذا القول يترتب إذا لم يكن في فقر مُدْقِع، وأما مع الفقر والعُدم الصريح فالحكم هي النَّظِرة ضرورة». ورجَّح ابنُ جرير (٥/٦٢) مستندًا إلى دلالة العموم أنّ الآيات وإن كانت نازلة فيما كان من دَيْن الربا، إلا أن معناها يعم كل إعسار، فقال: «غير أن الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا، وإياهم عنى بها؛ فإنّ الحكم الذي حكم الله به -من إنظاره المعسر برأس مال المربي بعد بطول الربا عنه- حكم واجب لكل من كان عليه دين لرجل قد حلَّ عليه، وهو بقضائه معسر في أنه مُنظَر إلى ميسرته؛ لأن دَين كل ذي دَين في مال غريمه، وعلى غريمه قضاؤه منه لا في رقبته، فإذا عدم ماله فلا سبيل له على رقبته بحبس ولا بيع؛ لأنه قد عدم ما كان عليه أن يؤدي منه حق صاحبه لو كان موجودًا، وإذا لم يكن على رقبته سبيل لم يكن إلى حبسه وهو معدوم بحقه سبيل؛ لأنه غير مانعه حقًّا، له إلى قضائه سبيل، فيعاقب بمطله إياه بالحبس»
قال ابنُ عطية (٣/١٠٥) في نزول الآية: «سبب نزول قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾: أنّ جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ، فوجد في البيت كلبًا، فلم يدخل، فقال له النبي ﷺ: «ادخل». فقال: أنا لا أدخل بيتًا فيه كلب. فأمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فقتلتُ حتى بلغتُ العوالي، فجاء عاصم بن عدي، وسعد بن خيثمة، وعويم بن ساعدة، فقالوا: يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الكلاب؟... وروى هذا السببَ أبو رافع مولى النبي ﷺ، وهو كان المتولي لقتل الكلاب، وحكاه أيضًا عكرمة، ومحمد بن كعب القرظي موقوفًا عليهما. وظاهر الآية أنّ سائلًا سأل عما أُحِلَّ للناس من المطاعم؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿قل أحل لكم الطيبات﴾ ليس الجواب على ما يَحِلُّ لنا من اتخاذ الكلاب، اللهمَّ إلّا أن يكون هذا من إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه، وهذا موجود كثيرًا من النبي ﷺ كجوابه في لباس المحرم وغير ذلك، وهو ﷺ مُبِينُ الشرع، فإنما يُجاوِب مادًّا أطنابَ التعليم لأمته»
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في صفة العمد الموجب للكفارة والجزاء على قولين: الأول: أن يتعمد قتله ذاكرًا لإحرامه. الثاني: أن يتعمد قتله ناسيًا لإحرامه. وقد رجَّح ابنُ جرير (٨/٦٧٨-٦٧٩) مستندًا إلى عموم ظاهر الآية أنّ العامدَ والناسيَ في ذلك سواء، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله تعالى حرَّم قَتْل صيد البرِّ على كل مُحْرِمٍ في حال إحرامه ما دام حرامًا، بقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾. ثم بيَّن حكم مَن قَتَل ما قَتَل من ذلك في حال إحرامه متعمدًا لِقَتْلِه، ولم يُخَصِّص به المتعمِّد قتلَه في حال نسيانه إحرامه، ولا المخطئ في قَتْلِه في حال ذكرِه إحرامه، بل عمَّ في التنزيل بإيجاب الجزاء كل قاتل صيدٍ في حال إحرامه مُتَعَمِّدًا. وغير جائزٍ إحالة ظاهر التنزيل إلى باطنٍ من التأويل لا دلالة عليه من نصِّ كتابٍ، ولا خبرٍ لرسول الله ﷺ، ولا إجماعٍ من الأمة، ولا دلالة من بعض هذه الوجوه». ونسب ابنُ كثير (٥/٣٥٨) هذا القول للجمهور، وذكر من مُرَجِّحاته قوله: «فإنّ قتلَ الصيد إتلافٌ، والإتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم، والمخطئ غير ملوم»
اختُلِفَ هل في الآية نسخ أم لا؛ فقال قوم بعدم النسخ، وقال آخرون: نسخ منها ذبائح أهل الكتاب. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٥٣٢) القول الأول دون الثاني الذي قاله عكرمة، والحسن البصري مستندًا إلى أقوال السلف، والدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الله إنّما حرَّم علينا بهذه الآية الميتة، وما أُهِلَّ به للطواغيت، وذبائحُ أهل الكتاب ذَكِيَّةٌ؛ سموا عليها أو لم يسموا؛ لأنّهم أهل توحيد، وأصحاب كتب لله يدينون بأحكامها، يذبحون الذبائح بأديانهم كما ذبح المسلم بدينه، سمّى اللهَ على ذبيحته أو لم يُسَمِّه، إلا أن يكون ترك مِن ذكر تسمية الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل، أو بعبادة شيء سوى الله، فيحرم حينئذ أكل ذبيحته سمّى الله عليها أو لم يسم». وذكر ابنُ جرير أنّ القول الأول هو قول عامة أهل العلم. وبنحوه قال ابنُ عطية (٣/٤٥١). وكذا رجَّح ابنُ كثير (٦/١٥٥) عدم النسخ، ولم يذكر مستندًا. ثم وجَّه معنى النسخ الوارد في الآثار، قال: «ومَن أطلق مِن السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص»
أفادت الآثارُ الاختلافَ في المراد بقوله تعالى: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ على قولين: أحدهما: أنّ المراد به: كل ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير؛ كالإبل، والنعام، والإوزّ، والبط. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسديّ، وغيرهم. والآخر: أنّ المراد به: الإبل فقط. وهذا قول ابن زيد. ورجَّحَ ابنُ جرير (٩/٦٤١) القولَ الأولَ استنادًا إلى عموم الآية، وقول الأكثر، وقال: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر أنه حرَّم على اليهود كلَّ ذي ظفر، فغير جائز إخراج شيء من عموم هذا الخبر، إلا ما أجمع أهل العلم أنه خارج منه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان النعامُ وكلُّ ما لم يكن من البهائم والطير مما له ظفر غير منفرج الأصابع داخلًا في ظاهر التنزيل؛ وجب أن يُحْكَم له بأنه داخل في الخبر؛ إذ لم يأتِ بأن بعض ذلك غير داخلٍ في الآية خبرٌ عن الله ولا عن رسوله، وكانت الأمة أكثرها مُجْمِعٌ على أنه فيه داخلٌ». وحكى ابنُ عطية (٣/٤٨٣) تضعيف التخصيص الذي قال به ابن زيد. وذكر أنّ النقاش حكى عن ثعلب أنّ كل ما لا يصيد فهو ذو ظفر، وما يصيد فهو ذو مخلب. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا غير مُطَّرِد؛ لأنّ الأسد ذو ظفر»
لم يذكر ابنُ جرير (١٠/٣١٩) في تفسير قوله تعالى: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ غير قول السدي. وذكر ابنُ عطية (٣/٦١٥ بتصرف) عدة احتمالات في الاستثناء الوارد في الآية: أولها: أن يريد: إلا أن يسبق علينا من الله في ذلك سابقٌ وسوء وينفذ منه قضاء لا يرد. وهو موافق لقول السدي، وقد وجَّهه بقوله: «والمؤمنون هم المُجَوِّزون لذلك، وشعيب قد عَصَمَتْه النبوة». ورجّحه مستندًا إلى ظاهر الآية بقوله: «وهذا أظهر ما يحتمل القول... وقوله: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ استسلام لله، وتمسك بلفظه، وذلك يؤيد التأويل الأول في قوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾». ثانيها: ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يَتعبد اللهُ به المؤمنين مما يفعله الكفار من القربات. ثالثها: ويحتمل أن يريد بذلك معنى الاستبعاد، كما تقول: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب. وهذا تأويل إنما هو للمعتزلة الذين من مذهبهم أنّ الكفر والإيمان ليسا بمشيئة من الله تعالى، فلا يترتب هذا التأويل إلا عندهم، وهذا تأويل حكاه المفسرون ولم يشعروا بما فيه. رابعها: إنّ هذا الاستثناء إنما هو تستر وتأدب. ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء، ولو كان في الكلام «إن شاء الله» قوي هذا التأويل