ذكر ابنُ عطية (٤/٥٦) في معنى الآية: «أنّ موسى عليه السلام اختار من قومه هذه العِدَّة ليذهب بهم إلى موضع عبادة وابتهال ودعاء؛ ليكون منه ومنهم اعتذار إلى الله عز وجل من خطأ بني إسرائيل في عبادة العجل، وطلب لكمال العفو عمَّن بقي منهم». وذكر أنه «روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أنّ اختيارهم إنّما كان بسبب قول بني إسرائيل: أنّ موسى قتل هارون حين ذهب معه ولم يرجع. فاختار هؤلاء ليذهبوا فيكلمهم هارون بأنّه مات بأجله». ثم رَجَّح القولَ الأول مستندًا إلى دلالة لفظ الآية، واللغة، وانتقد قولَ علي رضي الله عنهما قائلًا: «وقوله: ﴿لِمِيقاتِنا﴾ يؤيد القول الأول، وينافر هذا القول؛ لأنّها تقتضي أنّ ذلك كان عن توقيت من الله عز وجل وعِدَة في الوقت الموضع، وتقدير الكلام: واختار موسى من قومه. فلما انحذف الخافضُ تَعَدّى الفعلُ فنَصَب، وهذا كثير في كلام العرب». ونقل (٤/٥٧) في سبب الرجفة التي حلَّت بهم عن السدي قوله: «كانت على عبادتهم العجل بأنفسهم، وخفي ذلك عن موسى في وقت الاختيار حتى أعلمه الله»
اختُلِف في الذي نزلت فيه هذه الآية، والقول الذي كان قاله، الذي أخبر الله عنه أنه يحلف بالله ما قاله، على أقوال: الأول: الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقًّا فنحن شر من الحمير. ثم حلف أنه ما قال. والثاني: هو عبد الله بن أبي بن سلول. قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. والثالث: هم جماعة من المنافقين قالوا ذلك. ورجَّح ابنُ جرير (١١/٥٧٢) جوازَ تلك الأقوال مستندًا إلى العموم، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله تعالى أخبر عن المنافقين أنّهم يحلفون بالله كذِبًا على كلمة كفر تكلموا بها أنهم لم يقولوها، وجائز أن يكون ذلك القول ما روي عن عروة أنّ الجلاس قاله، وجائز أن يكون قائله عبد الله بن أبي ابن سلول. والقول ما ذكره قتادة عنه أنه قال، ولا علم لنا بأيِّ ذلك مِن أيٍّ؛ إذ كان لا خبر بأحدهما يُوجِب الحجة، ويتوصل به إلى يقين العلم به، وليس مما يدرك علمه بفطرة العقل، فالصواب أن يُقال فيه كما قال الله -جل ثناؤه-: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾»
ذكر ابنُ عطية (٤/٥٧٧) بعض ما جاء في قصص هذه الآية كما في هذا الأثر وما سبقه، فقال: «ورُوِي في قصص هذه الآية: أنّ نوحًا عليه السلام كان يأتيه الحيوان، فيضع يمينه على الذَّكَر، ويساره على الأنثى. ورُوِي: أنّ أول ما أدخل في السفينة الذَّرَّ، وآخر ما أدخل الحمار، فتَمَسَّك الشيطان بذنبه، فزجره نوحٌ عليه السلام، فلم يَنبَعِثْ، فقال له: ادخُلْ ولو كان معك الشيطان. قال ابن عباس: زَلَّت هذه الكلمةُ مِن لسانه، فدخل الشيطان حينئذ، وكان في كوثل السفينة، أي: عند مؤخرها، وقيل: كان على ظهرها. وروي: أنّ نوحًا عليه السلام آذاه نتن الزبل والعذرة، فأوحى الله إليه: أنِ امسح على ذَنَب الفيل، ففعل، فخرج مِن الفيل -وقيل: من أنفه- خنزير وخنزيرة، فكفيا نوحًا وأهله ذلك الأذى. وهذا يجيء منه أنّ نوع الخنازير لم يكن قبل ذلك. وروي: أنّ الفأر آذى الناس في السفينة بقرض حِبالها وغير ذلك، فأمر الله نوحًا أن يمسح على جبهة الأسد، ففعل، فعطس، فخرج منه هِرٌّ وهِرٌّة، فكفياهم الفأر. وروي أيضًا: أنّ الفأر خرج من أنف الخنزير». ثم علّق قائلًا: «وهذا كله قصص لا يصح إلا لو استند»
اختلف في معنى «الروح» في هذه الآية على أقوال: الأول: الوحي. الثاني: النبوة. الثالث: الرحمة والوحي. الرابع: كل كلام الله روح. الخامس: أنه لا ينزل ملك إلا ومعه روح. وهو قول مجاهد. وأن الروح خلق من الملائكة. وهو قول ابن جريج. وزاد ابن عطية (٥/٣٢٦، ٣٢٧) قولًا نسبه إلى الزجاج: أنّ الروح: ما تحيا به القلوب من هداية الله تعالى لها. ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا قول حسن». ووجَّهه بقوله: «وكأن اللفظة على جهة التشبيه بالمقايسة، أي: إن هذا الذي أُمِر الأنبياء أن ينذروا به الناس من الدعاء إلى التوحيد هو بالمقايسة إلى الأوامر التي هي في الأفعال والعبادات كالروح للجسد، ألا ترى قوله تعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام:١٢٢]». ثم بيَّن معنى ﴿مِن﴾ على هذا القول وعلى باقي الأقوال، فقال: «و﴿مِن﴾ في هذه الآية -على هذا التأويل الذي قدرناه- للتبعيض، وعلى سائر الأقوال لبيان الجنس». ونقل ابن عطية عن ابن جريج قوله: «الروح: شخص له صورة كصورة بني آدم، ما نزل جبريل قط إلا وهو معه، وهم كثير، وهم ملائكة». وانتقده مستندًا إلى عدم الدليل على صحته قائلًا: «وهذا قول ضعيف لم يأتِ به سند»
اختلف السلف في الزبور والذكر الذين أرادهما الله، على أقوال: الأول: الزبور: جميع الكتب الذي أنزلها الله على رسله. والذكر: أم الكتاب التي عنده في السماء. الثاني: عُني بالزبور: الكتب التي أُنزلت على الرسل بعد موسى. والذكر: التوراة. الثالث: عُني بالزبور: زبور داود. والذكر: توراة موسى. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٤٣٤ بتصرف) مستندًا إلى اللغة القول الأول، فقال: «وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك أنّ معناه: ولقد كتبنا في الكتب مِن بعد أم الكتاب الذي كتب الله كل ما هو كائن فيه قبل خلق السماوات والأرض. وذلك أنّ الزبور هو الكتاب، يُقال منه: زبرت الكتاب وذبرته: إذا كتبته، وأنّ كل كتاب أنزله الله إلى نبي من أنبيائه فهو ذِكْر. فإذ كان ذلك كذلك فإنّ في إدخاله الألف واللام في»الذكر«الدلالةَ البينةَ أنّه مَعْنِيٌّ به ذكرٌ بعينه معلوم عند المخاطبين بالآية، ولو كان ذلك غير أم الكتاب التي ذكرنا لم تكن التوراة بأولى مِن أن تكون المعنية بذلك من صحف إبراهيم، فقد كانت قبل زبور داود». وبنحوه ابنُ القيم (٢/٢٠٦)، فقال: «فالزبور هنا: جميع الكتب المنزلة من السماء، لا تختص بزبور داود. والذكر: أم الكتاب الذي عند الله... هذا أصح الأقوال في الآية». ولم يذكر مستندًا
قال ابنُ عطية (٦/٤٦٤-٤٦٥): «وقوله: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ﴾ الآية أمرٌ لمحمد ﷺ أن يخاطب بذلك، و﴿ما﴾ تحتمل النفي، وتحتمل التقرير، والكلام في نفسه يحتمل تأويلات: أحدها: أن تكون الآية إلى قوله: ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ خطابًا لجميع الناس، فكأنه قال لقريش منهم: أي: ما يبالي الله بكم، ولا ينظر إليكم، لولا عبادتكم إياه -إن لو كانت- إذ ذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله. قال تعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. وقال النقاش وغيره: المعنى: لولا استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك فذلك هو عُرْف الناس المَرْعِيُّ فيهم، وقرأ ابن الزبير وغيره: (فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ)، وهذا يؤيد أنّ الخطاب بما يعبأ هو لجميع الناس، ثم يقول لقريش: فأنتم قد كذبتم، ولم تعبدوه، فسوف يكون العذاب والتكذيب الذي هو سبب العذاب لزامًا. والثاني: أن يكون الخطاب بالآيتين لقريش خاصة، أي: ما يَعْبَؤُا بكم ربِّي لولا دعاؤكم الأصنامَ آلهةً دونه؛ فإن ذلك يوجب تعذيبكم. والثالثة: وهو قول مجاهد، أي: ما يعبأ ربكم بكم لولا أن دعاكم إلى شرعه، فوقع منكم الكفرُ والإعراض. والمصدر في هذا التأويل مضاف إلى المفعول، وفي الأولين مضاف إلى الفاعل»
اختلف أهل التأويل: متى أُمِرَت أم موسى أن تلقيه في اليم؟ على قولين: أولهما: أنها أُمِرت بذلك بعد أن أرضعته عَقِبَ الولادة. وهو قول السّدّيّ. والثاني: أنها أُمرت بذلك بعد ميلاده بأربعة أشهر، لمّا كثر طلبه للرضاع، وخافت أن يصيح؛ لأن لبنها لا يكفيه. وهذا قول ابن جريج. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٨/١٥٧) إلى أنّ كلا الأمرين جائز، فقال: «أولى قولٍ قيل في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله -تعالى ذِكْرُه- أمر أمَّ موسى أن ترضعه، فإذا خافت عليه مِن عدو الله فرعون وجنده أن تلقيه في اليمّ. وجائز أن تكون خافتهم عليه بعد أشهر من ولادها إياه، وأيّ ذلك كان فقد فعلت ما أوحى الله إليها فيه، ولا خبر قامت به حجة، ولا في فطرة العقل بيان أيّ ذلك كان من أيٍّ، فأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يُقال كما قال -جلَّ ثناؤه-». وبقريب من ذلك قال ابنُ عطية (٦/٥٧١)، حيث قال: «الأول أظهر، إلا أن الآخر يعضده أمران: أحدهما: قوله: ﴿فإذا خفت عليه﴾، و(إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان. والآخر: أنه لم يقبل المراضع، والطفل إثر ولادته لا يعقل ذلك، اللهم إلا أن يكون هذا منه بأن الله -تبارك وتعالى- حرمها عليه، وجعله يأباها، بخلاف سائر الأطفال»
اختلف في نزول قوله تعالى: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ على قولين: الأول: أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والوليد بن عقبة ابن أبي معيط. الثاني: أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعقبة بن أبي معيط. وبيَّن ابنُ عطية (٧/٧٨-٧٩) أن القول الأول اعتُرِض عليه بإطلاق اسم الفِسْق على الوليد، ثم وجَّه ذلك بقوله: «وذلك يحتمل أن يكون في صدر إسلام الوليد لشيءٍ كان في نفسه، أو لما روي من نقله عن بني المصطلق ما لم يكن حتى نزلت فيه: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]. ويحتمل أيضًا أن تطلق الشريعة ذلك عليه لأنه كان على طرفٍ مما ينبغي، وهو الذي شَرِب الخمر في خلافة عثمان رضي الله عنه، وصلّى الصبح بالناس أربعًا ثم التفت، وقال: أتريدون أن أزيدكم؟ ونحو هذا مما يطول ذكره». وعلَّق على القول الثاني بقوله: «وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية؛ لأن عقبة لم يكن بالمدينة، وإنما قتل في طريق مكة منصرفَ رسول الله ﷺ من بدر»
ذكر ابنُ عطية (٧/٣٦٢) اختلاف الناس في تفسير قوله: ﴿إذ يختصمون﴾ على قولين: الأول: أن اختصامهم في أمر آدم وذريته في جعلهم في الأرض. الثاني: قال ابن عطية: «وقالت فرقة: بل اختصامهم في الكفارات وغفر الذنوب ونحوه، فإن العبد إذا فعل حسنة اختلف الملائكة في قدر ثوابه في ذلك حتى يقضي الله بما شاء، وورد في هذا حديث فسره ابن فورك لأنه يتضمن أن النبي ﷺ قال له ربه عز وجل في نومه: فيم يختصمون؟ فقلت: لا أدري. فقال: في الكفارات، وهي إسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الخطى إلى الجماعات... الحديث بطوله». وعلّق ابنُ عطية (٧/٣٦٢) على القول الأول بقوله: «ويدل على ذلك ما يلي من الآيات». وزاد ابنُ عطية (٧/٣٦٣) في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقالت فرقة: المراد بقوله: ﴿بالملإ الأعلى﴾: الملائكة. وقوله: ﴿إذ يختصمون﴾ مقطوع منه، معناه: إذ تختصم العرب الكافرة في الملإ، فيقول بعضها: هي بنات الله. ويقول بعضها: هي آلهة تعبد. وغير ذلك من أقوالهم. وقالت فرقة: أراد بـ﴿الملأ الأعلى﴾: قريشًا». وانتقد الثاني بقوله: «وهذا قول ضعيف لا يتقوى من جهة»
اختُلف في المراد بالأسير في هذه الآية على أقوال: الأول: أنه الأسير من أهل الشّرك. الثاني: أنه المسجون من أهل القِبلة. الثالث: المرأة. وذكر ابنُ جرير (٢٣/٥٤٣-٥٤٤) أنّ «الأسير» هو الحربيّ من أهل دار الحرب يؤخذ قهرًا بالغلبة، أو من أهل القِبلة يؤخذ فيُحبس بحقٍّ. ثم رجَّح (٢٣/٥٤٥) العموم في الآية، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنّ الله وصف هؤلاء الأبرار بأنهم كانوا في الدنيا يُطعمون الأسير، والأسير الذي قد وصفت صفته؛ واسم الأسير قد يَشتمل على الفريقين، وقد عمّ الخبر عنهم أنهم يُطعمونهم، فالخبر على عمومه حتى يخصّه ما يجب التسليم له». ثم قال: «وأما قول مَن قال: لم يكن لهم أسيرٌ يومئذ إلا أهل الشّرك، فإنّ ذلك وإن كان كذلك فلم يخصص بالخبر المُوفون بالنذر يومئذ، وإنما هو خبرٌ من الله عن كلّ من كانت هذه صفته يومئذ وبعده إلى يوم القيامة، وكذلك الأسير معنيٌ به أسير المشركين والمسلمين يومئذ وبعد ذلك إلى قيام الساعة». وعلَّق ابنُ عطية (٨/٤٩٠) على القول الثالث الذي قاله حمزة الثُّمالي، بقوله: «ودليله قوله ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهن عوان عندكم»»