اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال قوم: تفسيره: أنّه ذو جدال. وقال آخرون: معناه: أنّه غير مستقيم الخصومة. وقال غيرهم: هو كاذب في قوله. وذَكَر ابنُ جرير (٣/٥٨٠) أنّ القولين الأوليين متقاربي المعنى، فقال: «وكِلا هذين القولين متقاربُ المعنى؛ لأنّ الاعوجاج في الخصومة من الجِدال واللَّجَج». ثم ذكر أنّ القول الثالث الذي قاله الحسن يحتمل أن يكون معناه معنى القولين الأولين إن كان أراد به قائلُه: أنّه يخاصم بالباطل من القول والكذب منه جدلًا واعوجاجًا عن الحق
نقل ابنُ جرير (٣/٧٥٥) حُجَّة قائلي هذا القول الذي قال به ابنُ عباس من طريق علي، وابن جبير، وعكرمةُ من طريق عبد الكريم، ومجاهدٌ من طريق ليث، وكعب، والهمداني، وقتادة، والسدي، وعبد الله بن علي، فقال: «وأما الذين قالوا:... فإنهم قالوا: إنّ الآية إنّما نزلت في استنكار قوم من اليهود؛ استنكروا إتيان النساء في أقْبالِهنَّ من قِبَل أدْبارِهِنَّ، قالوا: وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا». وذكر أنّهم استدلوا على قيلهم هذا بما جاء عن ابن عباس من طريق مجاهد، وما في معناه
على هذا القول يكون الإيلاءُ في الغضب والرِّضا سواء. وبَيَّن ابنُ جرير (٤/٥٠-٥١ بتصرف) عِلَّة هذا القول بقوله: «وأمّا عِلَّة مَن قال:... عموم الآية، وأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لم يُخَصِّص من قوله: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ بعضًا دون بعض، بل عَمَّ به كل مُؤلٍ مُقْسِم، فكل مُقْسِمٍ على امرأته أن لا يغشاها مُدَّةً هي أكثر من الأجل الذي جعل الله له تربصه فمُؤْلٍ من امرأته عند بعضهم. وعند بعضهم: هو مُؤْلٍ وإن كانت مدة يمينه الأجل الذي جُعِل له تربصه»
علَّقَ ابنُ كثير (٢/٤٧٦-٤٧٧) على قول عطاء هذا بقوله: «وهذا معنى حسن، وحاصله: أنّ المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجرُه على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: ألِبَرٍّ أو فاجرٍ، أو مستحق أو غيره، هو مثاب على قصده، ومستَنَدُ هذا تمام الآية: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ وأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾، والحديث المُخَرَّج في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية...»»
ذَهَبَ ابنُ عطية (٢/٢١٥) إلى العموم، وعدم تخصيص الرَّمز بمعنى دون غيره، حيث إنّه قال: «والرَّمز في اللغة: حركةٌ تُعْلِمُ بما في نَفْسِ الرّامِز، بأيِّ شيء كانت الحركة؛ من عين، أو حاجب، أو شفة، أو يد، أو عود، أو غير ذلك. وقد قيل للكلام المُحَرَّف عن ظاهره: رموز؛ لأنّها علاماتٌ بغير اللفظ الموضوع للمعنى المقصود الإعلامِ به. وقد يُقالُ للتصويت الدالِّ على معنًى: رمز». ثم قال: «وأمّا المفسرون فخصَّص كُلُّ واحدٍ منهم نوعًا من الرَّمز في تفسيره هذه الآية»
اختُلِفَ في عود الضمير في قوله: ﴿إن يريدا إصلاحا﴾، وفي قوله: ﴿بينهما﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ الضمير فيهما يعود على الحكمين. والثاني: أنّ الضمير فيهما يعود على الزوجين. والثالث: أنّ الضمير يعود في الأول على الحكمين، وفي الثاني على الزوجين. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦/٧٢٩) استنادًا إلى أقوال السلف إلى القول الأول. وذَهَبَ ابنُ عطية (٢/٥٤٥)، وابنُ تيمية (٢/٢٤١) استنادًا إلى الأظهر في الآية إلى القول الثالث. وهو ظاهر كلام ابن القيم (١/٢٧٥)
ذهب ابنُ تيمية (٢/٥٠١ بتصرف) في تفسير قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ مستندًا إلى دلالة العموم إلى عدم التَّخصيصِ، وقال: «قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ لفظ مطلق، ليس فيه تعيين، وهو متناول لمن قام بهذه الصفات كائنًا من كان، لا يختص ذلك بأبي بكر ولا بعلي، بل هذه الآية تدُلُّ على أنه لا يرتد أحد عن الدين إلى يوم القيامة إلا أقام الله قومًا يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون هؤلاء المرتدين»
لم يذكر ابنُ جرير (٨/٥٣٤) غير قول عبد الله بن عباس، وعلَّق عليه بقوله: «فقد أبان هذا الخبرُ عن صحة ما قلنا من أنّ اتخاذ مَن اتَّخذ دين الله هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب الذين ذكرهم الله في هذه الآية، إنما كان بالنفاق منهم، وإظهارهم للمؤمنين الإيمان، واستبطانهم الكفر، وقيلهم لشياطينهم من اليهود إذا خلوا بهم: إنا معكم. فنهى الله عن موادتهم، ومحالفتهم، والتمسك بحلفهم، والاعتداد بهم أولياء، وأعلمهم أنهم لا يألونهم خبالًا، وفي دينهم طعنًا، وعليه إزراءً»
نقل ابن عطية (٣/٥٣٣) في قوله تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ عن طائفة أنّ «هذه العبارة إنما قُصِد بها أنّها كَشَفَت لهما معانيهما، وما يسوءهما، ولم يقصد بها العورة». ثم انتقد قولهم مستندًا إلى لفظ الآية قائلًا: «وهذا قولٌ كان اللفظ يحتمله، إلا أنّ ذِكْرَ خَصْفِ الورق يردُّه». غير أنّه ذكر لقولهم وجْهًا يمكن أن يُحْمَل عليه، فقال: «إلّا أن يُقَدَّر الضمير في ﴿عَلَيْهِما﴾ عائد على بدنيهما إذ تمزقت عنهما ثياب الجنة، فيصِحُّ القول المذكور»
رجَّح ابنُ جرير (١٠/١٤١) مستندًا إلى أحوال النُّزول، والدلالات العقلية قولَ الربيع «وهو أنّ القوم أُمِروا أن يتوجَّهوا بصلاتهم إلى ربهم، لا إلى ما سواه من الأوثان والأصنام، وأن يجعلوا دعاءهم لله خالصًا، لا مكاءً، ولا تصدية». وبيَّن علَّة ذلك، فقال: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- إنّما خاطب بهذه الآية قومًا من مشركي العرب، لم يكونوا أهل كنائس وبِيَعٍ، وإنما كانت الكنائس والبِيَع لأهل الكتابَيْن، فغير معقولٍ أن يُقال لمن لا يُصَلِّي في كنيسة ولا بِيعة: وجِّه وجْهك إلى الكعبة في كنيسة أو بِيعة»