قال ابنُ عطية (٤/١١١): «مَن قال: إنّ الآيات في آدم عليه السلام. قال: إن هذه مخاطبةٌ للنبي ﷺ وأمته، مستأنفة في أمر الكفار المعاصرين للنبي ﷺ، ولهم الهاء والميم من ﴿تدعوهم﴾. ومَن قال بالقول الآخر قال: إنّ هذه مخاطبة للمؤمنين والكفار على قراءة مَن قرأ ﴿يشركون﴾ بالياء من تحت، وللكفار فقط على مَن قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيف، أي: إنّ هذه حال الأصنام معكم؛ إن دعوتموهم لم يجيبوكم؛ إذ ليس لهم حواسُّ ولا إدراكات»
ساق ابنُ عطية (٤/٢١٤) قول مجاهد والشعبي، ثم انتقده مستندًا للواقع، فقال: «ولم يُذْكَر أحدٌ ممن شهد بدرًا بنفاق إلا ما ظهر بعد ذلك من مُعَتِّب بن قُشَيْر أخي بني عمرو بن عوف، فإنه القائل يوم أحد: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ [آل عمران:١٥٤]». ثم قال: «وقد يحتمل أن يكون منافقو المدينة لَمّا وصلهم خروج قريش في قوة عظيمة، قالوا عن المسلمين هذه المقالة، فأخبر الله بها نبيه في هذه الآية»
ساق ابنُ كثير (٧/١٠٥) أقوال المفسرين، ثم علَّق -واختارَ العمومَ لظاهر الآية ونظائرها- بقوله: «وهذا السياق -وإن كان سببُه وقعةَ بدر- ولكنه عام في حق كل كافر؛ ولهذا لم يُخَصِّصْه تعالى بأهل بدر، بل قال تعالى: ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم﴾، وفي سورة القتال مثلها، وتقدم في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ [الأنعام:٩٣]»
ذكر ابنُ عطية (٤/٣٣٤) أنّ معنى الآية يحتمل احتمالات: الأول: أن يكون المعنى: وما منعهم الله من أن تقبل إلا لأجل أنهم كفروا بالله. وعلَّق عليه بقوله: «فـ﴿أن﴾ الأولى -على هذا- في موضع خفض، نصبها الفعل حين زال الخافض، و»أن«الثانية في موضع نصب مفعول من أجله. الثاني: أن يكون التقدير: وما منعهم الله قبول نفقاتهم إلا لأجل كفرهم. وعلَّق عليه بقوله:»فالأولى -على هذا- في موضع نصب«. الثالث: أن يكون المعنى: وما منعهم قبولَ نفقاتهم إلا كفرُهم. وعلَّق عليه بقوله:»فالثانية في موضع رفع، فاعلة""
علَّق ابنُ عطية (٤/٤٧٣-٤٧٤) على هذا القول الذي قاله عبد الله بن عباس من طريق العوفي، وعلقمة، والحسن من طريق قتادة، فقال: «وهذا قولٌ يعضده النظر، ولولا عظم القائلين بالقول الأول لَتَرَجَّح هذا القول، وطريق ترجيحه أنّ الآيةَ تتضمن اقتِرانًا بين ذِكْرِ عمال الحسنات وعمال السيئات، فوصف المحسنين بأنّ لهم على إحسانهم حُسْنى وزيادة من جنسها، ووصف المسيئين بأن لهم بالسيئة مثلها، فتعادل الكلامان. وعبَّر عن الحسنات بالحسنى مبالغة؛ إذ هي عشرة»
قال ابنُ عطية (٤/٤٨٤): «﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وهذا اللفظ يحتمل معنيين: أحدهما: أن يريد به الوعيد الذي توعدهم الله عز وجل على الكفر، وتأويله -على هذا- يراد به ما يؤول إليه أمره، كما هو في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف:٥٣]، والآية بجملتها على هذا التأويل تتضمن وعيدًا. والمعنى الثاني: أنّه أراد: بل كذبوا بهذا القرآن العظيم المُنبِئ بالغيوب الذي لم تَتَقَدَّم لهم به معرفة، ولا أحاطوا بعلم غيوبه، وحسن نظمه، ولا جاءهم تفسير ذلك وبيانه»
ذكر ابنُ عطية (٤/٤٨٧) في قوله: ﴿يتعارفون﴾ احتمالات، فقال: «وأمّا قوله: ﴿يتعارفون﴾ فيحتمل أن يكون معادلة لقوله: ﴿ويوم يحشرهم﴾، كأنّه أخبر أنهم يوم الحشر يتعارفون، وهذا التعارف على جهة التلاوم والخزي من بعضهم لبعض. ويحتمل أن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿يحشرهم﴾، ويكون معنى التعارف كالذي قبله. ويحتمل أن يكون حالًا من الضمير في ﴿يلبثوا﴾، ويكون التعارف في الدنيا، ويجيء معنى الآية: ويوم نحشرهم للقيامة فتنقطع المعرفة بينهم والأسباب، ويصير تعارفهم في الدنيا كساعةٍ من النهار لا قَدْر لها»
قال ابنُ عطية (٤/٥٦٧): «وقوله: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما فِي أنْفُسِهِمْ﴾ تسليم لله تعالى، أي: لست أحكم عليهم بشيء من هذا، وإنما يحكم عليهم بذلك ويَخْرُج حكمه إلى حَيِّز الوجود اللهُ تعالى الذي يعلم ما في نفوسهم ويجازيهم بذلك. وقد قال بعض المتأولين: هي ردٌّ على قولهم: اتبعك أراذلنا على ما يظهر منهم. حسبما تقدم في بعض تأويلات تلك الآية آنفًا، فالمعنى: لست أنا أحكم عليهم بأن لا يكون لهم خيرٌ لظنكم بهم أنّ بواطنهم ليست كظواهرهم، الله أعلم بما في نفوسهم»
اختُلِف في معنى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ الإهطاع: النظر من غير أن يَطْرِف الناظر. الثاني: أنّه الإسراع. الثالث: أنّه الذي لا يرفع رأسه. وبيَّن ابنُ عطية (٥/٢٥٨) على القول الثاني -وهو قول سعيد بن جبير، وقتادة- أنّ الإسراع في المشي يكون «بذِلَّةٍ واستكانة، كإسراع الأسير الخائف ونحوه». ثم رجَّحه قائلًا: «وهذا هو أرجح الأقوال». ولم يذكر مستندًا، ونقل (٥/٢٥٩) عن أبي عبيدة قوله: «وقد يكون الإهطاع للوجهين جميعًا: الإسراع، وإدامة النَّظَر»
اختُلِف في معنى: ﴿وأَنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: مِن كل شيء بِقَدَر مقدَّر، وبحدٍّ معلوم. الثاني: عنى به الشيء الذي يوزن كالذهب، والفضة. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/٣٧) مستندًا إلى الإجماع القول الأول، وهو قول ابن عباس وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لإجماع الحُجَّة مِن أهل التأويل عليه». ووجَّه ابنُ عطية (٥/٢٨٠) القول الأول بقوله: «فالوزن على هذا مستعار». ثم رجَّحه قائلًا: «والأول أعَمُّ وأحسن». ولم يذكر مستندًا