ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٥٦٥) هذه الأقوال في تفسير الزينة، ثم نقل قولين آخرين: الأول: أنّ المراد بالزينة: النِعَم، والملابس، والثمار، والخضرة، والمياه، ونحو هذا مما فيه زينة. وعلَّق عليه بقوله: «ولم يدخل في هذا الجبال الصم، وكل ما لا زيْن فيه؛ كالحيّات، والعقارب». الثاني: كل ما على الأرض عمومًا، وليس شيء إلا وفيه زينة من جهة خلقه وصنعته وإحكامه. وعلَّق عليه بقوله: «وفي معنى هذه الآية قول النبي ﷺ: «الدنيا خضِرة حلوة، وإنّ الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء»»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٦٣٣) أن قوله: ﴿واتخذ سبيله في البحر عجبا﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يكون من قول يوشع لموسى، أي: اتخذ الحوت سبيله عجبًا للناس. الثاني: أن يكون قوله: ﴿واتخذ سبيله في البحر﴾ تام الخبر، فاستأنف التعجب، فقال من قبل نفسه: ﴿عجبا﴾ لهذا الأمر. ثم قال: «ويحتمل أن يكون قوله:﴿واتخذ سبيله﴾ الآيةَ إخبارٌ مِن الله تعالى، وذلك على وجهين: إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البرح عجبًا، أي: تعجب منه، وإما أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجبًا للناس»

ساق ابنُ عطية (٦‏/‏٧٥) الأقوال الواردة في النزول، ثم قال: «ويحتمل أن تكون الآية متصلة بما قبلها في المعنى، أي: إنّ الله تعالى لما أخبر عن إتيان كل مَن فِي السَّماوات والأرض في حال العبودية والانفراد آنس المؤمنين بأنه سيجعل لهم في ذلك اليوم وُدًّا، وهو ما يظهر عليهم مِن كرامته؛ لأنّ محبة الله لعبدٍ إنما هي ما يظهر عليه من نِعَمه وأمارات غفرانه له». وهذا صرف من ابن عطية عفا الله عنه لصفة المحبة إلى لازمها، وهو خلاف مذهب السلف الصالح

أفادت الآثارُ اختلاف السلف في تفسير قوله: ﴿لعلهم يشهدون﴾ على قولين: الأول: أي: لعلهم يشهدون أنّه هو الذي فعل ما فعل بالآلهة. الثاني: أي: لعلهم يشهدون عذابه ويعاينونه. وقد رجَّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٢٩٩) القول الثاني، وانتقد مستندًا لظاهر الآية القولَ الأول، فقال: «وأظهر معنى ذلك: أنهم قالوا: ﴿فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون﴾ عقوبتنا إياه. لأنه لو أريد بذلك: ليشهدوا عليه بفعله؛ كان يقال: انظروا مَن شهِده يفعل ذلك، ولم يقل: أحضروه بمجمع مِن الناس»

علّق ابنُ جرير (١٦‏/‏٣٩٤) على قراءة مَن قرأ: ﴿وحرام﴾، وقراءة من قرأ ذلك: ‹وحِرْمٌ›، فقال: «والصواب من القول في ذلك أنّهما قراءتان مشهورتان مُتَّفِقتا المعنى غيرُ مُخْتَلِفَتَيْه، وذلك أنّ الحرم هو الحرام، والحرام هو الحرم، كما الحِلُّ هو الحلال، والحلال هو الحل، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏١٩٩-٢٠٠) القراءات المختلفة في الآية، ثم علّق بقوله: «والمستفيض مِن هذه القراءات قراءةُ مَن قرأ ‹وحِرْمٌ›، وقراءة من قرأ ﴿وحرام﴾، وهما مصدران بمعنًى، نحو: الحِلّ والحلال»

لم يذكر ابنُ جرير (١٦‏/‏٥٣٥) في معنى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ﴾ سوى قول ابن عباس، وابن جريج. وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٢٤٣-٢٤٤) احتمالين في معنى الآية، فقال: «والكلام يحتمل معنيين: أحدهما: أن تكون ﴿مِن﴾ لبيان الجنس، فيقع نهيه عن رجس الأوثان فقط، وتبقى سائر الأجناس نَهْيُها في غير هذا الموضع. والمعنى الثاني: أن تكون ﴿مِن﴾ لابتداء الغاية، فكأنه نهاهم عن الرجس عامًّا، ثم عيَّن لهم مبدأه الذي منه يلحقهم؛ إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس»

اختُلِف في مرجع اسم الإشارة ﴿ذلك﴾؛ فقيل: إنها إشارة إلى الغمرة. وقيل: إشارة إلى قوله: ﴿مِن هَذا﴾، ونسب ابنُ عطية (٦‏/‏٣٠٧) القول الأول إلى أبي العالية، وقتادة، وبيَّن أن معنى الآية عليه: «بل هم ضالون معرضون عن الحق، وهم -مع ذلك- لهم سعايات فساد، فوسمهم تعالى بحالتي شرٍّ». ثم وجَّهه بقوله: «وعلى هذا التأويل فالإخبار عمّا سلف من أعمالهم وعمّا هم فيه». وعلَّق على القول الثاني -ولم ينسبه لأحد- بقوله: «فكأنّه قال: لهم أعمال من دون الحق، أو القرآن ونحوه»

قال ابنُ عطية (٧‏/‏٩٠) في تفسير قوله تعالى: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآيةَ: رفع للحرج عمَّن وهِمَ ونسي وأخطأ، فجرى لسانه على العادة مِن نسبة زيد إلى محمد ﷺ وغير ذلك مما يشبهه، وأبقى الجناح في التعمد مع النهي المنصوص. ثم نقل عن فرقة أنها قالت: بأن خطأهم كان فيما سلف من قولهم ذلك. ثم انتقد (٧‏/‏٩١) مستندًا إلى الدلالة العقلية ذلك قائلًا: «وهذا ضعيف، ولا يوصف ذلك بالخطأ إلا بعد النهي، وإنما الخطأ هنا بمعنى: النسيان، وما يكون مقابل العمد»

رجّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏١١٤) مستندًا إلى إجماع الحجة من القراء قراءة الجمع، فقال: «والصواب عندنا من القراءة في ذلك: قراءة من قرأه على الجماع، على أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب بيان عن العباد، وترجمة عنه؛ لإجماع الحجة من القراء عليه». وعلَّق عليها ابنُ عطية (٧‏/‏٣٥٥) بقوله: «فأما على هذه القراءة فدخل الثلاثة في الذكر، وفي العبودية». وعلَّق على قراءة من قرأ ذلك ‹عَبْدَنا› فقال: «وأما على قراءة من قرأ ‹عَبْدَنا›؛ فقال مكي وغيره: دخلوا في الذكر، ولم يدخلوا في العبودية إلا من غير هذه الآية». وانتقد قول مكي بقوله: «وفي هذا نظر»

ذكر ابنُ كثير (١٢/١٠٧) هذا الأثر، ثم علّق عليه: «فهو حديث المنام المشهور، ومَن جعله يقظة فقد غلط، وهو في السنن من طرق. وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به. وقال:»حسن صحيح«وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن، فإن هذا قد فُسِّر، وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فُسِّر بعد هذا، وهو قوله تعالى: ﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.. ﴾ الآيات». هذا وقد أورد ال