ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٥١٢) هذا الأثر، ثم علّق قائلًا: «وقريش كلها عندي قربى، وإن كانت تتفاضل، وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن مات على حُبِّ آل محمد مات شهيدًا، ومَن مات على بُغضهم لم يشم رائحة الجنة»». وانتقده ابنُ كثير (١٢‏/‏٢٧١) مستندًا إلى ضعف إسناده، وإلى أحوال النُّزول، فقال: «وذِكْرُ نزول هذه الآية في المدينة بعيد؛ فإنها مكية، ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة»

ذكر ابن عطية (٧‏/‏٥٦٣) أن قوله: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ... ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: أن يكون من قول مالك لأهل النار، ويكون قوله: ﴿جِئْناكُمْ﴾ على حدّ ما يُدخِل أحدٌ -حمّله الرئيسُ كتابَه- عن نفسه في فعل الرئيس، فيقول: غلبناكم وفعلنا بكم ونحو هذا، ثم ينقطع كلام مالك في قوله: ﴿كارِهُونَ﴾. الثاني: أن يكون قوله: ﴿جِئْناكُمْ﴾ من قول الله تعالى لقريش، بعقب حكاية أمر الكفار مع مالك، وفي هذا توعّد وتخويف فصيح، بمعنى: انظروا كيف يكون حالكم، ثم تتصل الآية -على هذا- بما بعدها من أمر قريش

ذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٨٥) في معنى: ﴿وأَنَّهُ هُوَ أضْحَكَ وأَبْكى﴾: أن «الضحك والبكاء فعلان اختياريان، فهو -سبحانه- المُضحِك المُبكِي حقيقة، والعبد هو الضاحك الباكي حقيقة. وتأويل الآية بخلاف ذلك إخراج للكلام عن ظاهره بغير موجب». ثم علَّق بقوله: «ولا منافاة بين ما يُذكَر من تلك التأويلات وبين ظاهره، فإنّ إضحاك الأرض بالنبات، وإبكاء السماء بالمطر، وإضحاك العبد وإبكاءه بخلْق آلات الضحك والبكاء له؛ لا ينافي حقيقة اللفظ وموضوعه ومعناه، من أنه جاعل الضحك والبكاء فيه، بل الجميع حقّ»

علَّق ابنُ كثير (١٣‏/‏٤٢١-٤٢٢) على هذا الأثر بقوله: «كذا رواه مسلم في آخر الكتاب. وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية، عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، به. وقد رواه ابن ماجه من حديث موسى بن يعقوب الزمعي، عن أبي حازم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، مثله، فجعله من مسند ابن الزبير. لكن رواه البزّار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب، عن أبي حازم، عن عامر، عن ابن الزبير، عن ابن مسعود، فذكره»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٣٤٧-٣٤٨) أنّ هَذيْن المَثَلَيْن اللذان للكفار والمؤمنين معناهما: أنّ مَن كفر لا يغني عنه شيء، ولا ينفعه وزر، ولو كان متعلقًا بأقوى الأسباب، وأنّ مَن آمن لا يدفعه دافع عن رضوان الله تعالى، ولو كان في أسوأ مَنشأ وأخسر حال. ثم نقل أنّ بعض الناس قال: إنّ في المَثَلَيْن عبرة لزوجات النبي ﷺ، حين تقدم عِتابهنّ. وانتقده مستندًا لظاهر الآية، فقال: «وفي هذا بُعْد؛ لأنّ النص أنه للكفار يُبْعد هذا»

نقل ابنُ عطية (٨‏/‏٥٠٧) رواية -ولم ينسبها-: أن دخان جهنم «يعلو من ثلاثة مواضع، فيراه الكفار، فيظنون أنه مُغْنٍ، فيُهرعون إليه، فيجدونه على أسوأ وصف». ونقل عن ابن عباس في معنى الآية قوله: «هذه المخاطبة إنما تقال يومئذ لِعَبَدَة الصليب إذا اتَّبع كلّ أحد ما كان يعبد، فيكون المؤمنون في ظِلّ الله تعالى، ولا ظلَّ إلا ظلُّه، ويقال لعَبَدة الصليب: انطَلِقُوا إلى ظِلِّ معبودكم، وهو الصليب، له ثَلاثُ شُعَبٍ، والشُّعب تفرق الجسم الواحد فرقًا، ثم نفى تعالى عنه محاسن الظِّل»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥٢٤) في قوله: ﴿يا ليتني كنت ترابا﴾ ما أفادته آثار السلف مِن أنّ هذا «تَمَنٍّ أن يكون شيئًا حقيرًا، لا يُحاسب، ولا يلتفتُ إليه». وعلّق عليه قائلًا: «وهذا قد تجده في الخائفين من المؤمنين». ثم ذكر في معنى الآية قولًا آخر، ووجّهه، فقال: «قال أبو القاسم بن حبيب: رأيتُ في بعض التفاسير أنّ الكافر هنا: إبليس، إذا رأى ما حصل للمؤمنين من بني آدم من الثواب، قال: يا ليتني كنتُ ترابًا، أي: كآدم الذي خُلق من تراب واحتقره هو أولًا»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥٢٦) قول عطاء، ووجّهه بقوله: «تقول: نشَطْتُ البعيرَ والإنسانَ: إذا ربطته، وأنشطْتُه: إذا حللته، وحكاه الفراء، وخولف فيه، ومنه الحديث: «كأنما أنشط من عقال»». وذكر ابنُ عطية قولًا آخر عن عطاء، وعلّق عليه، فقال: ""وقال عطاء: النّاشِطاتِ في الآية: البقرة الوحشية وما جرى مجراها مِن الحيوان الذي يَنشط من قطر إلى قطر، ومن هذا المعنى قول الشاعر:أمست همومي تَنشط المناشطا الشام بي طوْرًا وطوْرًا واسطاوكأن هذه اللفظة في هذا التأويل مأخوذة من النشاط""

ذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٣٤٩-٣٥٠) بعض ما جاء في قول ابن عباس، فقال: «روى سعيد بن جُبَير عن ابن عباس: هم الذين يُغيرون، فيُورون بالليل نيرانهم لطعامهم وحاجتهم». ووجّهه بقوله: «كأنهم أخذوه من قوله تعالى: ﴿أفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة:٧١]». ثم علّق عليه قائلًا: «وهذا إنْ أريد به التمثيل وأنّ الآية تدل عليه فصحيح، وإنْ أريد به اختصاص المُوريات فليس كذلك؛ لأنّ المُوريات هي العاديات بعينها، ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب، فإنها عَدَتْ فأَوْرتْ»

اختُلِف في معنى قوله تعالى: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ بحسب اختلاف القرّاء في كيفية قراءتها، فقد قرأها بعض القراء بفتح ميم: ﴿من﴾ وفتح دال ﴿عنده﴾، وقرأها آخرون بكسر ميم ﴿من﴾ وكسر دال ﴿عنده﴾. وقد وجَّه ابنُ جرير (١٣‏/‏٥٨٢) القراءة الأولى، وبيَّن المعنى عليها بقوله: «فـ﴿من﴾ إذا قرئ كذلك في موضع خفض عطفًا به على اسم الله، وكذلك قرأته قَرَأَة الأمصار، بمعنى: والذين عندهم علم الكتاب، أي: الكتب التي نزلت قبل القرآن كالتوراة والإنجيل». ثم علَّق بقوله: «على هذه القراءة فسَّر ذلك المفسرون». ثم ذكر أقوال المفسرين بأن مَن عنده علم الكتاب اليهود والنصارى، سواء في ذلك مَن فسَّرها بمعيَّن منهم كعبد الله بن سلام، أو فسرها بذلك دون تعيين. وبنحوه قال ابنُ عطية (٥‏/‏٢١٦-٢١٧) واستدرك مستندًا إلى أحوال النزول على هذا المعنى بأنّه لا يستقيم «إلا بأن تكون الآية مدنية، والجمهور على أنها مكية». وانتقد ابنُ كثير (٨‏/‏١٧١) تفسير الآية بعبد الله بن سلام مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «وهذا القول غريب؛ لأن هذه الآية مكية، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم رسول الله ﷺ المدينة». واستظهر رواية العوفي عن ابن عباس، فقال: «والأظهر في هذا ما قاله العوفي عن ابن عباس، قال: هم من اليهود والنصارى». وزاد ابنُ عطية (٥‏/‏٢١٦) معنى آخر تحتمله هذه القراءة، فقال: «وقيل: يريد الله تعالى، كأنه استشهد بالله تعالى، ثم ذَكَرَه بهذه الألفاظ التي تتضمن صفة تعظيم». ثم انتقده مستندًا إلى اللغة، فقال: «ويُعتَرَض هذا القول بأنّ فيه عطف الصفة على الموصوف، وذلك لا يجوز وإنّما تعطف الصفات بعضها على بعض». ثم قال: «ويحتمل أن تكون ﴿مَن﴾ في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف، تقديره: أعدل وأمضى قولًا، ونحو هذا مما يدل عليه لفظ: ﴿شهيدا﴾، ويُراد بذلك الله تعالى». وبَيَّن ابنُ جرير (١٣‏/‏٥٨٤) أنّ المعنى على القراءة الثانية: «مِن عندِ الله علم الكتاب». وبنحوه ابنُ عطية (٥‏/‏٢١٧). وانتقد ابنُ جرير (١٣‏/‏٥٨٧) الحديث المروي عن رسول الله ﷺ بتصحيح هذه القراءة بأنّ في إسناده نظرًا لعدم اتّصاله، فقال: «وهذا خبر ليس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهري». وكذا ابنُ كثير (٨‏/‏١٧١- ١٧٢) فقد أورد كلام ابن جرير، ثم قال: «قلت: وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده، من طريق هارون بن موسى هذا، عن سليمان بن أرقم -وهو ضعيف -عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا كذلك. ولا يثبت». ورجَّح ابنُ جرير (١٣‏/‏٥٨٧) مستندًا إلى القراءات المعنى الأول بقوله: «فإذ كان ذلك كذلك، وكانت قَرَأة الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهي: ﴿ومَن عنده علم الكتاب﴾، كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب مِمّا خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحقُّ بالصواب». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٨‏/‏١٧٢)، فقال: «والصحيح في هذا: أنّ ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعتَه في كتبهم المتقدمة مِن بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف:١٥٦-١٥٧]. وقال تعالى: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآية [الشعراء:١٩٧]. وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل: أنّهم يعلمون ذلك مِن كتبهم المنزلة»