ذكر ابنُ عطية (٣/٤٥٨) أنّ أبا عليٍّ قال بأنه هنا لم يرد السماء المظلة بعينها، وأنّ مِن هذا قوله تعالى:﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة:١٤٤] أي: في وجهة الجو. ثم علَّق بقوله: «وهذا على غير مَن تأوَّل تقلب الوجه: أنّه الدعاء إلى الله عز وجل في الهداية إلى قِبْلة، فإنّ مع الدعاء يستقيم أن يقلب وجهه في السماء المظلة حسب عادة الداعين، إذ قد ألفوا مجيء النعم والآلاء من تلك الجهة» ثم قال: «وتحتمل الآية أن يكون التشبيه بالصاعد في عقبة كؤود كأنه يصعد بها في الهواء»
اختُلِف في معنى: ﴿مَنضُودٍ﴾ في هذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: يتبع بعضه بعضًا. الثاني: مصفوف. الثالث: نُضِدَ بعضه على بعض. ورجَّح ابنُ جرير (١٢/٥٣٠) مستندًا إلى دلالة اللغة القول الثالث، وهو قول الربيع، وعلَّل ذلك بأن «قوله: ﴿مَنضُودٍ﴾ من نعت ﴿سِجِّيل﴾، لا مِن نعت الحجارة، وإنما أُمْطِر القوم حجارة من طين، صفة ذلك الطين أنه نُضِد بعضه إلى بعض، فصُيِّر حجارة، ولم يُمطَروا الطين، فيكون موصوفًا بأنّه تتابع على القوم بمجيئه. وإنما كان جائزًا أن يكون على ما تأوَّله هذا المتأوِّل لو كان التنزيل بالنصب منضودةً، فيكون من نعت الحجارة حينئذٍ»
ذكر ابنُ عطية (٥/١٤) في معنى ﴿القرى﴾ احتمالين: الأول: أن يراد بها: القرى التي ذكرت في الآيات المتقدمة خاصة. الثاني: أن يريد: القرى عامة. ثم وجَّه الاحتمال الثاني بقوله: «أي: هذه الأنباء المقصوصة عليك هي عوائد المدن إذا كفرت. فيدخل على هذا التأويل فيها المدن المعاصرة، ويجيء قوله تعالى: ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾: منها عامرٌ وداثر. وهذا قول ابن عباس». ووجَّه الاحتمال الأول بقوله: «وعلى التأويل الأول -في أنها تلك القرى المخصوصة- يكون قوله: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ بمعنى: قائم الجدران، ومُتَهَدِّم لا أثر له. وهذا قول قتادة، وابن جريج»
ذكر ابنُ عطية (٥/١٧٥) قول ابن عباس من طريق عكرمة، وقتادة، ثم وجَّهه بقوله: «وهذا وجْه من العبرة، كأنه قال: وفي الأرض قطع مختلفات بتخصيص الله لها بمعان فهي تسقى بماءٍ واحد، ولكن تختلف فيما تخرجه». ثم علَّق بقوله: «والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور إنما هو: أنّها مِن تربة واحدة ونوع واحد، والعبرة في هذا أبْيَن؛ لأنها مع اتفاقها في التربة والماء تفضل القدرة والإرادة بعض أكلها على بعض، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين سُئِل عن هذه الآية فقال: «الدَّقَل، والفارسي، والحلو، والحامض»»
ذكر ابنُ عطية (٥/٣٠٦-٣٠٧) في معنى: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ احتمالين: الأول: «أن يرجع إلى وصْفِ أمرٍ جرى قبل إعلام لوط بهلاك أُمَّته، ويدُلُّ على هذا أنّ محاجَّة لوط لقومه في الأضياف تقتضي ضعف مَن لم يعلم إهلاكهم، وأنّ الأضياف ملائكة». الثاني: «أن يكون قوله: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ بعد علمه بهلاكهم، وكان قولهم ما يأتي مِن المحاورة على جهة التَّهَكُّم عنهم، والإملاء لهم، والتربُّص بهم». ثم رجَّح الاحتمال الأول مستندًا إلى النظائر قائلًا: «والاحتمال الأول عندي أرجح، وهو الظاهر من آيات غير هذه السورة»
ذكر ابنُ عطية (٦/٥١) قولًا بأنّ ﴿نَسِيًّا﴾ هنا معناه: تاركًا، وانتقده مستندًا لظاهر الآية، فقال: «وفي هذا ضَعْف؛ لأنّه إنما نفي النسيان مطلقًا، فيتمَكَّنُ ذلك في النسيان الذي هو نَقْص، وأمّا الترك فلا ينتفي مطلقًا، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ﴾ [البقرة:١٧]، وقوله:﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف:٩٩]، فلو قال: نسيك أو نحوه من التقييد لصَحَّ حملُه على الترك، ولا حاجة بنا أن نقول: إنّ التقييد في النية؛ لأنّ المعنى الآخر أظهر»
انتقد ابنُ عطية (٦/١٦٦) ما أفاده قولُ ابن عباس مِن تعميم الخير والشر في كل المذكورات مستندًا إلى الدلالات العقلية، ورجَّح تخصيص الخير والشر بما يصِحُّ أن يكون فتنة وابتلاء، وذلك خيرُ المال وشرُّه، وخير البدَن وشرُّه، فقال: «وأمّا الهدى والضلال فغير داخل في هذا، ولا الطاعة ولا المعصية؛ لأنّ مَن هُدِي فليس نفس هُداه اختبارًا، بل قد تبين خبره، فعلى هذا ففي الخير والشر ما ليس فيه اختبار، كما يوجد أيضًا اختبار بالأوامر والنواهي، وليس بداخل في هذه الآية»
بيّن ابنُ عطية (٦/٢٧١ ط: دار الكتب العلمية) أنّ قوله: ﴿فلا ينازعنك﴾ يحتمل معنى التخويف، ويحتمل معنى احتقار الفاعل، وأنّه أقل من أن يُفاعل. ورجّح الثاني بقوله: «وهذا هو المعنى في هذه الآية». ثم ذكر عن أبي إسحاق قوله: «المعنى: فلا تنازعهم فينازعوك». ثم علّق قائلًا: «وهذا التقدير الذي قدَّر إنما يحسن مع معنى التخويف، وإنما يحسن أن يُقدَّر هنا المعنى: فلا يد لهم بمنازعتك، فالنهي إنما يُراد به معنى من غير اللفظ، كما يراد في قولهم: لا أرينك هاهنا، أي: لا تكن هاهنا»
علَّق ابنُ كثير (١٠/٢١٧-٢١٨ بتصرف) على هذا القول الذي قاله ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي، ومَن معهم، فقال: «وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نُهِينَ عن إبدائها، ويحتمل أنّ ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه». وساق حديث عائشة: أنّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ... الحديث، وسيأتي في الآثار المتعلقة بالآية
أفادت الآثارُ أن معنى قوله: ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾: مَن لم يهده الله لم يهتد. وقد ذكر ابنُ عطية (٦/٣٩٦) إضافةً إلى هذا القول قولًا آخر هو: «مَن لم ي رحمه الله وينوّر حاله بالعفو والرحمة فلا رحمة له». ثم رجّح مستندًا إلى ظاهر اللفظ ودلالة العقل القولَ الأول، فقال: «والأول أبين وأليق بلفظ الآية، وأيضًا فذلك متلازم؛ نور الآخرة إنما هو لمن نوّر قلبه في الدنيا وهُدِي، وقد قررت الشريعة أنّ من مرَّ لآخرته على كفره فهو غير مرحوم ولا مغفور له»