أفادت الآثارُ الاختلافَ في تفسير قوله: ﴿عيدا﴾ على قولين: أحدهما: أنّ معناه: نتخذ يوم نزولها عيدًا نعظمه نحن ومَن بعدنا. والآخر: أنّ معناه: نأكل منها جميعًا. وذكر ابنُ جرير قولًا ثالثًا ولم ينسبه: أنّ المعنى: عائدة من الله علينا وحجة وبرهانًا. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏١٢٤) القول الأول الذي قاله السدي، وقتادة، وابن جريج، وسفيان، وانتقد الثالث مستندًا إلى الأغلب في اللغة، فقال: «لأنّ المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في العيد ما ذكرنا، دون القول الذي قاله مَن قال معناه: عائدة من الله علينا، وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام مَن خوطب به أولى من توجيهه إلى المجهول منه ما وُجِد إليه السبيل»

للسلف في تفسير قوله: ﴿كمشكاة﴾ أقوال: الأول: كوة لا منفذ لها. الثاني: موضع الفتيلة من القنديل. الثالث: الحديد الذي به القنديل. الرابع: صدر المؤمن. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٣٠٧) وكذا ابنُ كثير (٦‏/‏٥٨ بتصرف) مستندًا إلى السياق القولَ الثاني، وقال ابنُ كثير: «قوله: ﴿كمشكاة﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وغير واحد: هو موضع الفتيلة من القنديل. هذا هو المشهور، وهو الأولى؛ ولهذا قال بعده: ﴿فيها مصباح﴾». ورجّح ابنُ عطية (٦‏/‏٣٨٧ بتصرف) القول الأول مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «والمشكاة: الكوة في الحائط غير النافذة. قاله ابن جبير، وسعيد بن عياض، وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والمِصْباحُ فيها أكثر إنارة من غيرها، فهذا أصح الأقوال»

قال ابنُ عطية (٧‏/‏١٣٠-١٣١): «ذهب ابن زيد والضحاك في تفسير قوله: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ إلى أن المعنى: أنّ الله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها، وأباح له كلَّ النساء بهذا الوجه، وأباح له ملك اليمين، وبنات العم والعمة والخال والخالة ممن هاجر معه، وخصص هؤلاء بالذكر تشريفًا وتنبيهًا؛ إذ قد تناولهن -على تأويل ابن زيد- قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ إنا أحللنا﴾، وأباح له الواهبات خاصة له، فهذا -على تأويل ابن زيد- إباحة مطلقة في جميع النساء حاشا ذوات المحارم، لا سيما -على ما ذكره الضحاك- أن في مصحف ابن مسعود: (وبَناتِ خالاتِكَ واللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ)»

اختُلف في معنى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: تتعجَّبون مما نزل بكم في زرعكم. الثاني: تتلاومون. الثالث: تندَّمون. الرابع: تفجَّعون. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٣٥١) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، وعلَّل ذلك بأن أصله: «من التفكُّه بالحديث: إذا حدَّث الرجلُ الرجلَ بالحديث يُعْجَب منه، ويَلْهى به، فكذلك ذلك، وكأن معنى الكلام: فأقمتم تتعجَّبون، يُعَجِّب بعضكم بعضًا مما نزل بكم». واستدرك ابنُ عطية (٨‏/‏٢٠٦) على هذه الأقوال الأربعة بقوله: «وهذا كلّه تفسير لا يخصُّ اللفظة، والذي يخصُّ اللفظة هو: تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، وهي المَسَرَّة والجزل، ورجلٌ فَكِهٌ: إذا كان منبسط النفس غير مكترث بالشيء»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٢٩٩) أنّ النّقاش ذكر قولًا بأنها مكيّة، وانتقده مستندًا لدلالة التاريخ، فقال: «وذلك خطأ ممن قاله؛ لأنّ أمر اليهود لم يكن إلا بالمدينة، وكذلك أمر الجُمُعة لم يكن قطّ بمكة، أعني: إقامتها وصلاتها، وأمّا أمر الانفضاض فلا مرية في كونه بالمدينة». ونقل أيضًا أنّ النقاش ذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كُنّا جلوسًا عند رسول الله ﷺ حين نزلت سورة الجُمُعة. وانتقده مستندًا لدلالة التاريخ، فقال: «وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه إنما أسلم أيام خيبر». وذكر ابنُ كثير (١٣‏/‏٥٥٥) أن ما جاء بالحديث الوارد عن أبي هريرة في تفسير قوله: ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ﴾ [الجمعة:٣] يدل على مدنيّة السورة

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿كتاب فصلت آياته ثم أحكمت﴾ على أقوال: الأول: أحكمت آياته بالأمر والنهي، ثم فصلت بالثواب والعقاب. الثاني: أحكمت آياته من الباطل، ثم فصلت فبُيِّن منها الحلال والحرام. وقد رجّح ابنُ جرير (١٢‏/‏٣١٠) مستندًا إلى دلالة اللغة القول الثاني، فقال: «وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: أحكم الله آياته من الدخل، والخلل والباطل، ثم فصَّلها بالأمر والنهي. وذلك أنّ إحكام الشيء: إصلاحه وإتقانه، وإحكام آيات القرآن: إحكامها مِن خللٍ يكون فيها، أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها مِن قِبَله. وأما تفصيل آياته فإنّه تمييز بعضها من بعض بالبيان عمّا فيها من حلال، وحرام، وأمر، ونهي». ثم ذكر ابن جرير تفسير مجاهد قوله: ﴿فصلت﴾ بـ:فُسِّرَت، وعلّق عليه بقوله: «وذلك نحو الذي قلنا فيه من القول». وذكر قول قتادة من طريق سعيد، وعلَّق عليه بقوله: «وهو شبيه المعنى بقول مجاهد». وقال ابنُ عطية (٤‏/‏٥٣٧بتصرف): «﴿وأُحْكِمَتْ﴾ معناه: أتقنت وأُجيدت شبه ما تحكم من الأمور المتقنة الكاملة، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزل، ثم فصل بتقطيعه وتبيين أحكامه وأوامره على محمد ﷺ في أزمنة مختلفة، فـ﴿ثُمَّ﴾ على بابها، وهذه طريقة الإحكام والتفصيل، إذ الإحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب مَن يُفصَّل له، والكتاب بأجمعه محكم ومفصل، والإحكام الذي هو ضد النسخ والتفصيل الذي هو خلاف الإجمال إنما يقالان مع ما ذكرناه باشتراك». ثم ذكر ابن عطية القولين الواردين عن السلف في معنى الآية، وعلّق عليهما بقوله: «وهذا من التخصيص الذي هو صحيح المعنى، ولكن لا يقتضيه اللفظ»

نقل ابنُ جرير اختلافَ السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿هو سماكم المسلمين﴾ على قولين: الأول: أنّ الله سماكم. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما. الثاني: أن إبراهيم عليه السلام سماكم. وهو قول ابن زيد. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٦٤٦) القول الأول مستندًا إلى أقوال السلف. وكذا رجّحه ابنُ كثير (٥‏/‏٤٥٦) مستندًا إلى السياق بقوله: «وهذا هو الصواب؛ لأنّه تعالى قال: ﴿هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، ثم حَثَّهم وأغراهم على ما جاء به الرسول ﷺ بأنّه مِلَّةُ أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر مِنَّته تعالى على هذه الأُمَّة بما نَوَّه به مِن ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان في كتب الأنبياء، يتلى على الأحبار والرهبان، فقال: ﴿هو سماكم المسلمين من قبل﴾ أي: مِن قبل هذا القرآن، ﴿وفي هذا﴾». وانتقد ابنُ جرير قولَ ابن زيد مستندًا لدلالة العقل، والتاريخ، فقال: «ولا وجْه لِما قال ابنُ زيد من ذلك؛ لأنّه معلوم أنّ إبراهيم لم يُسَمِّ أُمَّة محمد مسلمين في القرآن، لأنّ القرآن أُنزِل مِن بعده بدهر طويل، وقد قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا﴾، ولكن الذي سمّانا مسلمين مِن قبل نزول القرآن وفي القرآن: الله الذي لم يزل ولا يزال». وكذا انتقد ابنُ عطية (٦‏/‏٢٧٦-٢٧٧) مستندًا إلى السياق ما أفاده قولُ ابن زيد عند تفسيره قوله تعالى: ﴿من قبل وفي هذا﴾، فقال: «و﴿مِن قَبْلُ﴾ معناه: في الكتب القديمة، ﴿وفِي هذا﴾ في القرآن. وهذه اللفظة تُضَعِّف قولَ من قال: الضمير لإبْراهِيمَ. ولا يَتَوَجَّه إلا على تقدير محذوف مِن الكلام مستأنف»

سورة التين — الآية ١

عن أنس بن مالك -من طريق الزُّهريّ- قال: لَمّا نزلت سورة ﴿والتِّينِ﴾ على رسول الله ﷺ فرِح بها فرحًا شديدًا، حتى تَبيّن لنا شدة فرحه، فسألنا ابنَ عباس عن تفسيرها، فقال: ﴿والتِّينِ﴾ بلاد الشام، ﴿والزَّيْتُونِ﴾ بلاد فلسطين، ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ الذي كلّم الله موسى عليه، ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ محمد ﷺ، ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ عبَدة اللّات والعُزّى، ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ألَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ إذ بعثك فيهم نبيًّا، وجمعك على التقوى، يا محمد

أفادت الآثارُ تفسيرَ السلف للذِّكر بأنه القرآن، وقد ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٤٧١) في معنى الذكر قولًا آخر أن المراد به: محمد ﷺ. ثم علّق عليه، فقال: «وقالت فرقة: يحتمل أن يريد بـ»الذكر«: محمد ﷺ، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق:١٠]، فيكون وصفه بالمحدث مُتَمَكِّنًا». يعني: فيكون وصف الذكر بالمحدث -على القول بأنه محمد ﷺ- له نفسه على الحقيقة، لا يحتاج إلى تأويل؛ بخلاف القول بأنه القرآن فإنه يحتاج إلى أن يقال: محدث الإتيان، أي: مجيء القرآن للبشر كان شيئًا بعد شيء، لا هو في نفسه. ثم رجّح القول الأول لأنّه الأفصح بقوله: «والقول الأول أفصح»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وشددنا ملكه﴾ على أقوال: الأول: شدد ملكه بالجنود والرجال. الثاني: كان الذي شدد به ملكه أن أعطي هيبةً مِن الناس له لقضية كان قضاها. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠‏/‏٤٨) عدم القطع بأحد القولين، مستندًا للعموم، وعدم دليل الحصر بأحدهما، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تبارك وتعالى- أخبر أنّه شدد ملك داود، ولم يحصر ذلك مِن تشديده على التشديد بالرجال والجنود دون الهيبة مِن الناس له، ولا على هيبة الناس له دون الجنود، وجائزٌ أن يكون تشديدُه ذلك كان ببعض ما ذكرنا، وجائزٌ أن يكون كان بجميعها، ولا قول أولى في ذلك بالصحة من قول الله؛ إذ لم يحصر ذلك على بعض معاني التشديد خبرٌ يجبُ التسليم له»