أورد ابنُ كثير (٢‏/‏٦٣) الحديثَ من رواية أبي حاتم بنحوه غير الثالثة، وفيها: لَمّا مات عبد الله بن أُبَيٍّ جاء رسول الله ﷺ ليصلي عليه. قلت: يا رسول الله، تصلي على هذا الكافر المنافق! فقال: «إيهًا عنك، يا ابن الخطاب». فنزلت: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]. ثم علَّقَ ابنُ كثير على هذا الأثر، والأثر السابق عليه -الذي أخرجه مسلم-، فقال: «وهذا إسناد صحيح أيضًا، ولا تعارضَ بين هذا ولا هذا، بل الكل صحيحٌ، ومفهومُ العددِ إذا عارضه منطوقٌ قُدِّم عليه»

اختُلِف في تفسير ﴿أعمالهم﴾؛ فقال قوم: المعنى: الفاسدة التي ارتكبوها، فوجبت لهم بها النار. وقال آخرون: هي الصالحة التي تركوها، ففاتتهم الجنة. ورَجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٣٥-٣٦) مُسْتَنِدًا لظاهر القرآن القولَ الأول الذي قاله الربيع، وابن زيد، فقال: «لأنّ الله أخبر أنّه يُريهم أعمالهم نَدمًا عليهم؛ فالذي هو أولى بتأويل الآية ما دلّ عليه الظاهرُ دون ما احتمله الباطن الذي لا دلالة على أنه المَعْنِيُّ بها». ووجَّه ابنُ عطية (١‏/‏٤٠٥) إضافة الأعمال الفاسدة إليهم، فقال: «وأما إضافة الفاسدة إليهم فمن حيثُ عَمِلُوها»

رَجَّح ابنُ كثير (١‏/‏٥٤٥) مستندًا إلى النظائر قول إبراهيم النخعي من أنّ الفسوق في الآية مراد به جميع المعاصي، فقال: «والذين قالوا: الفسوق هاهنا هو جميع المعاصي. معهم الصواب، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم وإن كان في جميع السنة منهيًّا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد؛ ولهذا قال: ﴿منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ [التوبة:٣٦]، وقال في الحرم: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾ [الحج:٢٥]». وكذا رَجَّحَهُ ابنُ عطية (١‏/‏٤٨٤)، فقال: «وعمومُ جميع المعاصي أولى الأقوال». ولم يذكر مستندًا

رَجَّحَ ابنُ جرير (٤‏/‏٤٢٣) أنّ المقصود بالألوف كثرة العدد مستندًا لإجماع أهل التأويل. وانتَقَدَ قولَ مَن قال: هو من الائْتِلاف. وحكم عليه بالشذوذ قائلًا: «وأَوْلى القولين في تأويل قوله: ﴿وهم ألوف﴾ بالصواب: قولُ مَن قال: عنى بالألوف: كثرة العدد، دون قول مَن قال: عنى به: الائتلاف، بمعنى: ائتلاف قلوبهم، وأنهم خرجوا من ديارهم من غير افتراق كان منهم، ولا تباغض، ولكن فرارًا إمّا من الجهاد، وإمّا من الطاعون. لإجماع الحجة على أنّ ذلك تأويل الآية، ولا يعارَض بالقول الشاذ ما استفاض به القولُ من الصحابة والتابعين»

انتَقَدَ ابنُ عطية (٢‏/‏١١٤) مستندًا إلى عدمِ صحّتِه عن ابن عباسٍ، وعدمِ مجيءِ الشريعةِ بمثله: أن يكون الضمير في ﴿وليه﴾ عائدًا على ﴿الحق﴾، فقال: «وهذا عندي شيءٌ لا يصِحُّ عن ابن عباس، وكيف تشهد على البينة على شيء، وتدخل مالًا في ذمة السفيه بإملاء الذي له الدَّيْن؟ هذا شيء ليس في الشريعة، والقول ضعيف، إلا أن يريد قائلُه أن الذي لا يستطيع أن يمل بمرضه إذا كان عاجزًا عن الإملاء فليملل صاحب الحق بالعدل، ويسمع الذي عجز، فإذا كمل الإملاء أقرَّ به، وهذا معنًى لم تعن الآية إليه، ولا يصح هذا إلا فيمن لا يستطيع أن يمل بمرض قط»

لم يذكر ابنُ جرير (٥‏/‏٥٧٣) غير القول بأن البر: الجنة. وأورد أثر ابن ميمون والسدي، وذكر أن من قال بأن البر الجنة فذلك لأن برَّ الرب بعبده في الآخرة وإكرامه إياه بإدخاله الجنة. ووجَّه ابن عطية (٢‏/‏٢٨٢) تفسير البر بالجنة بقوله: «وهذا تفسير بالمعنى، وإنما الخاص باللفظة أنه ما يفعله البر من أفاعيل الخير، فتحتمل الآية أن يريد: لن تنالوا بر الله تعالى بكم، أي: رحمته ولطفه، ويحتمل أن يريد: لن تنالوا درجة الكمال من فعل البر حتى تكونوا أبرارًا إلا بالإنفاق المنضاف إلى سائر أعمالكم»

لم يذكر ابنُ جرير (٥‏/‏٧٢١-٧٢٣) في معنى قوله تعالى: ﴿إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ سوى قول قتادة من طريق سعيد، والربيع من طريق أبي جعفر، وابن جريج من طريق حجاج. ورَجَّح ابنُ عطية (٢‏/‏٣٣٥) مستندًا إلى دلالة العموم أنّ «الحسنة والسيئة في هذه الآية لفظٌ عامٌّ في كل ما يحسن ويسوء». ثُمَّ وجَّه ما ذكره المفسرون في معناهما، فقال: «وما ذَكَرَ المفسرون مِن الخِصب، والجَدْب، واجتماع المؤمنين، ودخول الفُرقَة بينهم، وغير ذلك مِن الأقوال، فإنّما هي أمثلة، وليس ذلك باختلاف»

ذكر ابن عطية (٢‏/‏٣٤٩) أن اللام «في قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾ متعلقة بقوله: ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، وعلى هذا لا يكون قطع الطرف مختصًّا بيوم، اللهم إلا أن تكون الألف واللام في ﴿النصر﴾ للعهد»، ثم ذكر لتعلّق اللام احتمالين آخرين: الأول: أن «العامل فيه ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ﴾ حكاه ابن فورك»، ثم انتقده مستندًا إلى دلالة لفظ الآية قائلًا: «وهو قلق؛ لأن قوله: ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ لا يترتب عليه». والآخر: «أن تكون اللام في قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾ متعلقة بـ﴿جَعَلَهُ﴾، فيكون قطع الطَّرَف إشارةً إلى من قُتل ببدر على ما قال الحسن وابن إسحاق وغيرهم، أو إلى من قُتل بأُحُد على ما قال السُّدِّي»

بَيَّن ابنُ جرير (٦‏/‏٦٢٤) معنى الآية مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «يعني -جلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾: يريد الله أن يُيسر عليكم بإذنه لكم في نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم تستطيعوا طَوْلًا لِحُرَّة، ﴿وخلق الإنسان ضعيفًا﴾ يقول: يسَّر ذلك عليكم إذا كنتم غيرَ مستطيعي الطوْل للحرائر؛ لأنكم خُلِقتم ضعفاء عجزةً عن ترْك جماع النساء، قليلي الصبر عنه، فأذن لكم في نكاح فتياتكم المؤمنات عند خوفكم العَنَت على أنفسكم، ولم تجدُوا طَوْلًا لِحُرَّة؛ لئلا تزنوا، لقلّة صبركم على ترْك جماع النساء»

بَيَّنَ ابنُ جرير (٦‏/‏٦٨٧، ٦٩٠) معنى الآية مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «يعني بقوله -جلَّ ثناؤه-: ﴿الرجال قوّامون على النساء﴾: الرجال أهل قيام على نسائهم؛ في تأديبِهِنَّ، والأخذِ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم، ﴿بما فضّل الله بعضهم على بعض﴾ يعني: بما فضَّل اللهُ به الرجال على أزواجهم؛ من سَوْقهم إليهنَّ مهورهن، وإنفاقهم عليهنَّ أموالهم، وكفايتهم إياهُنَّ مُؤَنَهُنَّ، وذلك تفضيل الله -تبارك وتعالى- إيّاهم عليهنَّ؛ ولذلك صارُوا قُوّامًا عليهن، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن»