علّق ابنُ عطية (٣‏/‏٢٢٩) على هذا الحديث قائلًا: «والإجماع على أنّ النهي عن المنكر واجبٌ لمن أطاقه، ونهى بمعروف، وأمن الضرر عليه وعلى المسلمين، فإن تعذر على أحد النهي لشيء من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه، وأن لا يخالط ذا المنكر. وقال حُذّاق أهل العلم: ليس من شروط الناهي أن يكون سليمًا من المعصية، بل ينهى العصاةُ بعضُهم بعضًا. وقال بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضًا. واستدل قائل هذه المقالة بهذه الآية؛ لأن قوله: ﴿يتناهون﴾ و﴿فعلوه﴾ يقتضي اشتراكَهم في الفعل، وذمَّهم على ترك التناهي»

وجَّه ابنُ جرير (٩‏/‏١٣٤) هذا القول الذي قاله ابن جريج وقتادة وميسرة بأن ﴿وإذ﴾ في قوله: ﴿وإذ قال الله﴾ بمعنى: وإذا، كقوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ فزعوا﴾ [سبأ:٥١]، بمعنى: يفزعون. ثم قال (٩‏/‏١٣٥): «وكأن مَن قال بقول ابن جريج هذا فقد وجَّه تأويل الآية إلى: فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين في الدنيا، وأعذبه أيضًا في الآخرة إذ قال الله: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله»

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٠٥) أنّ الآية على القول بكونها إثر رفع عيسى عليه السلام مستقيمة المعنى، فقال: «لأنه قال عنهم هذه المقالة وهم أحياء في الدنيا، وهو لا يدري على ما يوافون». ثم بين أنها على القول بكونها يوم القيامة: «بمعنى: إن سبقت لهم كلمة العذاب كما سبقت فهم عبادك، تصنع بحق الملك ما شئت لا اعتراض عليك. ﴿وإن تغفر لهم﴾ أي: لو غفرت بتوبة كما غفرت لغيرهم ﴿فإنك أنت العزيز﴾ في قدرتك، ﴿الحكيم﴾ في أفعالك، لا تعارض على حال. فكأنه قال: إن يكن لك في الناس معذبون فهم عبادك، وإن يكن مغفور لهم فعزتك وحكمتك تقتضي هذا كله»

اختُلِف في قراءة ﴿يقص﴾؛ فقرأ قوم بالصاد، وقرأ غيرهم بالضاد، فقراءة الصاد بمعنى: القصص، ومن قرأ بها تأول في ذلك قوله تعالى: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ [يوسف:٣]. وقراءة الضاد من القضاء، بمعنى: الحكم والفصل، ومن قرأها اعتبر صحة ذلك بقوله: ﴿وهو خير الفاصلين﴾. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٢٨٠) قراءة الضاد مستندًا إلى ظاهر الآية، وذلك أنّ قوله:﴿الفاصلين﴾ يناسبه القضاء؛ لأنّ الفصل بين المتخاصمين يكون به، لا بالقصص. وبنحوه رجَّح ابنُ عطية (٣‏/‏٣٧٥) مستندًا إلى ذلك أيضًا، مع قراءة ابن مسعود: (وهُوَ أسْرَعُ الفاصِلِينَ)

وجَّهَ ابنُ عطية (٣‏/‏٤٦١-٤٦٢) الاستثناء في الآية بقوله: «ويتَّجه عندي في هذا الاستثناء أن يكون مخاطبة للنبي ﷺ وأمته، وليس مما يُقال يوم القيامة، والمستثنى هو مَن كان مِن الكفرة يومئذ يؤمن في علم الله، كأنّه لَمّا أخبرهم أنّه قال للكفار: ﴿النار مثواكم﴾ استثنى لهم مَن يمكن أن يؤمن منهم». واسْتَدْرَكَ على ما قاله ابن جرير عن ابن عباس أنّه كان يتناول في هذا الاستثناء أنّه مبلغ حال هؤلاء في علم الله بقوله: «الإجماع على التخليد الأبدي في الكفار، ولا يصح هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما»

للدعاء نوعان: دعاء العبادة، ودعاء المسألة. وقد أشار هذا الحديثُ إلى النوع الأول من أنواع الدعاء، وهو دعاء العبادة. وقد بيّن ابنُ تيمية (٣‏/‏١٦٣-١٦٥) أنّ النوعين متلازمان، فكلُّ دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء متضمن مستلزم لدعاء العبادة، وذكر العديدَ من الآيات التي تبين هذا وتوضحه. وليس قوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾ فيما يرى ابنُ تيمية مقصورًا على أحد نوعي الدعاء، بل هو شاملٌ لكليهما، وإن كان أظهرَ في دعاء المسألة، مُعَلِّلًا ذلك بقوله: «ولهذا أمر بإخفائه وإسراره»

قال ابنُ عطية (٣‏/‏٥٨٥) مُعَلِّقًا: «ومن جمع الريح في هذه الآية فهو أسعد، وذلك أن الرياح حيث وقعت في القرآن فهي مقترنة بالرحمة، كقوله: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات﴾ [الروم:٤٥]، وقوله: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ [الحجر:٢٢] وغيرهما، وأكثر ذكر الريح مفردة إنما هو بقرينة عذاب، كقوله: ﴿وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ [الذاريات:٤١]، وقوله: ﴿وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية﴾ [الحاقة:٦] وغيرهما. وفي الحديث: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا هبَّت الريح يقول: «اللَّهُمَّ، اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا»»

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٦٦) أنّ هذه الآية تحتمل عدة احتمالات: الأول: أن يريد به وصفَ المؤمنين المتقين من بني إسرائيل على عهد موسى وما والاه من الزمن، فأخبر أنه كان في بني إسرائيل على عتوهم وخلافهم من اهتدى واتقى وعدل. الثاني: أن يريد الجماعة التي آمنت بمحمد ﷺ من بني إسرائيل على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم. الثالث: ما جاء في قول ابن جريج ومَن وافقه. ثم علَّق ابنُ عطية (٤‏/‏٦٧) عليه بقوله: «وهذا حديث بعيد». ووصَف ابنُ كثير (٦‏/‏٤٢١) أثر ابن جريج بأنّه خبرٌ عجيب

ذكر ابنُ عطية (٤‏/‏١٩٨-١٩٩) أن الزجّاج نقل قولين في قوله تعالى: ﴿إن كنتم آمنتم بالله﴾ الآية، الأول: أن المعنى: فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم، فـ«إن» متعلقة بهذا الوعد. الثاني: إنها متعلقة بقوله:﴿واعلموا أنما غنمتم﴾. ورجَّح ابن عطية المعنى الثاني الموافق لقول قتادة مستندًا إلى دلالة العقل، فقال: «وهذا هو الصحيح، لأن قوله:﴿واعلموا﴾ يتضمن بانقياد وتسليم لأمر الله في الغنائم، فعلق»أن«بقوله: ﴿واعلموا﴾ على هذا المعنى أي: إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلِّموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة»

اختُلفِ في المراد بالكتاب؛ فقال قوم: التوراة والإنجيل. وذكر ابنُ جرير (١٢‏/‏١٠٥-١٠٦بتصرف) قولًا آخر بأنّه القرآن، ولم ينسبه. ورجَّح ابنُ جرير القول الثاني مستندًا إلى السياق، فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ مَن تأوّله: هذه آيات القرآن. ووجّه معنى ﴿تلك﴾ إلى معنى: هذه؛ لأنّه لم يجيء للْتوراة والإنجيل قبلُ ذكرٌ ولا تلاوةٌ بعدُ، فيوجه إليه الخبر». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٤‏/‏٤٤٥) فقال: «وهو الأظهر». ولم يذكر مستندًا. وانتَقَد ابنُ كثير (٧‏/‏٣٣١) القولَ الأول، فقال: «وهذا القولُ لا أعرف وجهَه، ولا معناه»