ذكر ابنُ عطية (٤/٤٨٥) أنّ الضمير في قوله: ﴿ومنهم﴾ عائد على قريش، ثم قال: «ولهذا الكلام معنيان: قالت فرقة: معناه: مِن هؤلاء القوم مَن سيؤمن في المستقبل، ومِنهم مَن حَتَمَ الله أنّه لا يؤمن به أبدًا. وقالت فرقة: معناه: مِن هؤلاء القوم مَن هو مؤمن بهذا الرسول إلا أنّه يكتم إيمانه وعلمَه بأنّ نبوة محمد ﷺ وإعجاز القرآن حق؛ حفظًا لرياسته، أو خوفًا من قومه». ثم علَّق بقوله: «وفائدة الآية على هذا التأويل التفرق لكلمة الكفار، وإضعاف نفوسهم، وأن يكون بعضهم على وجَلٍ من بعض»
ذكر ابنُ عطية (٤/٥٨٢) في قوله: ﴿ولا تكن مع الكافرين﴾ احتمالين، فقال: «وقوله: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ يحتمل أن يكون نهيًا محضًا مع علمه أنّه كافر، ويحتمل أن يكون خفي عليه كفرَه فناداه ألا يبقى -وهو مؤمن- مع الكفرة فيهلك بهلاكهم». ثم رجح الأول بقوله: «والأول أبين». وذكر ابنُ عطية (٤/٥٨٧) في تفسير قوله: ﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾ أنّ «هذه الآية تقتضي أن نوحًا عليه السلام ظن أنّ ابنه مؤمن». ثم علَّق بقوله: «وذلك أشد الاحتمالين». وظاهر ذلك التعارض مع ما هنا
قال ابنُ جرير (١٣/٣١٦بتصرف): «وعنى بقوله: ﴿وجئنا ببضاعة مزجاة﴾: بدراهم أو ثمن لا يجوز في ثمن الطعام، إلا لمن يتجاوز فيها، وأصل الإزجاء: السَّوْق بالدَّفع. وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك، وإن كانت معاني بيانهم متقاربة». وذكر أقوال السلف على ذلك. وذكر ابنُ عطية (٥/١٤٢) إضافةً لِما ورد في أقوال السلف في معنى الآية قولًا منسوبًا للإمام مالك أنّه قال: المزجاة: الجائزة. ثم علّق قائلًا: «ولا أعرف لهذا وجهًا، والمعنى يأباه، ويحتمل أن صُحِّف على مالك، وأنّ لفظه بالحاء غير منقوطة وبالراء»
ذكر ابنُ عطية (٥/٤٨٧) في معنى قوله تعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ احتمالين: الأول: «أن الله تعالى أخبر نبيَّه ﷺ أنه يحميه من الكفرة أهل مكة الذين كانوا يؤذونه في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد، ويريدون مَدَّ اليد إليه، وأحوالهم في هذا المعنى مروية مشهورة». والثاني: «أنه تعالى أعلمه أنه يجعل بين الكفرة وبين فهم ما يقرؤه محمد ﷺ حجابًا». ثم علَّق على هذين الاحتمالين بقوله: «فالآية على هذا التأويل في معنى التي بعدها، وعلى التأويل الأول هما آيتان لمعنيين»
ساق ابنُ عطية (٦/١٥١-١٥٢) هذا القول، ثم ذكر أنّ فرقة قالت: المراد بالذكر: أقوال النبي ﷺ في أمر الشريعة، ووعْظه، وتذكيره. ووجَّهه بقوله: «فهو مُحْدَث على الحقيقة، وجعله ﴿من ربهم﴾ مِن حيث إنّ النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى، ولا يقول إلا ما هو من عند الله». وذكر أنّ فرقة أخرى قالت: الذِّكْر: الرسول نفسه. وأنّها احتجَّت بقوله تعالى: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ﴾ [الطلاق:١١]. ووجَّهه بقوله: «فهو مُحْدَثٌ على الحقيقة، ويكون قوله: ﴿اسْتَمَعُوهُ﴾ بمعنى: استمعوا إليه»
اختُلِف في مرجع الضمير في ﴿به﴾ مِن قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ على قولين: الأول: أنّ الضمير عائد على الحرم والمسجد، وإن لم يتقدم له ذِكْرٌ؛ لشهرته في الأمر. الثاني: أنّ الضمير عائد على القرآن. ووجَّه ابنُ عطية (٦/٣٠٨) المعنى على القول الأول، فقال: «والمعنى: إنكم تعتقدون في أنفسكم أنّ لكم بالمسجد والحَرَم أعظم الحقوق على الناس والمنازل عند الله؛ فأنتم تستكبرون لذلك، وليس الاستكبار من الحق». ووجَّه المعنى على القول الثاني، فقال: «والمعنى: يُحدث لكم سماع الآيات كُفرًا وطغيانًا». ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا قولٌ جيد»
علَّق ابنُ عطية (٦/٣٦٠) على هذا القول بقوله: «فحبُّهم شياع الفاحشة في المؤمنين مُتَمَكِّن على وجهه لعداوتهم في أهل الإيمان، وعذابهم الأليم في الدنيا الحدود، وفي الآخرة النار». ثم أورد قولًا لفرقة بأن الآية عامة في كل قاذف منافقًا كان أو مؤمنًا. ورجَّحه بقوله: «وقولها الأظهر». ولم يذكر مستندًا. ثم قال: «فالقاذف المؤمن من لا يتصف بحب شياع الفاحشة في المؤمنين جُملَة، لكنه يُحِبُّها لمقذوفه، وكذلك آخر لمقذوفه، وآخر حتى تشيع الفاحشة مِن مجموع فِعْلهم، فهم لها مُحِبُّون بهذا الوجه مِن حيث أحبَّ كلُّ واحد جزءًا مِن شياعها»
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى الكفر في قوله تعالى: ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ فقيل: إنّه كفر بالنعمة لا كفر بالله. وقيل: إنّه كفر بالله. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٣٤٩) مستندًا إلى السياق القول الأول، وهو قول أبي العالية، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «أنّ الله وعَد الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية أنه مُنْعِمٌ به عليهم، ثم قال عَقِيب ذلك: فمَن كفر هذه النعمة بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون». ووجَّه ابنُ عطية (٦/٤٠٦) القول الأول بقوله: «ويكون الفسقُ على هذا غيرَ المخرج عن المِلَّة»
ذكر ابنُ جرير (١٨/٨٠) قول مجاهد، ثم علّق بقوله: «ولو قيل: معنى ذلك: وصدها سليمان ما كانت تعبد من دون الله. بمعنى: منعها وحال بينها وبينه؛ كان وجهًا حسنًا. ولو قيل أيضًا: وصدها الله ذلك بتوفيقها للإسلام. كان أيضًا وجهًا صحيحًا». ورجّح ابنُ كثير (١٠/٤١٠) مستندًا إلى ظاهر الآيات قول مجاهد بقوله: «ويُؤَيِّد قول مجاهد أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح». وذكر ابنُ عطية (٦/٥٤٢) أنّ الرمّاني قال: «صدَّها عن التفطن للعرش؛ لأن المؤمن يقظ والكافر خبيث»
علّق ابنُ عطية (٦/٦٢٤) على هذه القراءة، فقال: «وهذه القراءة تحتمل ثلاثة معان: أحدها: أن يُعلِم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه، وبأعمالهم في الدنيا، بمعنى: يُوقِفهم على ما كان منهم. والثاني: أن يُعلِم الناس والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين، أي: يفضحهم ويشهرهم؛ هؤلاء في الخير، وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا والآخرة. والثالث: أن يكون ذلك من العلامة، أي: يضع لكل طائفة عَلَمًا تشهر به، فالآية على هذا ينظر إليها قول النبي ﷺ: «من أسر سريرة ألبسه الله رداءها». وعلى كل معنى منها ففيها وعد للمؤمنين الصادقين، ووعيد للكافرين»