أجمع السلف -رحمهم الله تعالى- على أنّ مَن أصاب حدًّا أو جريرة خارج الحرم، ثم دخل الحرم عائذًا به؛ لا يقام عليه الحد داخل الحرم. وكذلك أجمعوا على أنّ مَن أصاب حدًّا أو جريرة داخل الحرم أقيم عليه الحد فيه. حكى هذين الإجماعين ابنُ جرير (٥‏/‏٦٠٦)، ثم بَيَّن أن السلف إنّما اختلفوا في صفة إخراج من عاذَ بالحرم وقد وجب عليه حد أو عقوبة على قولين: الأول: أن يؤخذ من الحرم، فيخرج منه، ويقام عليه الحد. وهذا قول ابن الزبير، وقتادة، والحسن البصري، ومجاهد، وحماد، وعطاء. والثاني: أن يُضَيَّق عليه؛ فلا يُبايع، ولا يُناكَح، ولا يُؤْوى؛ حتى يُضطر إلى الخروج منه. وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وعبيد بن عمير، والشعبي، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، والسدي. وقد رجّح ابنُ جرير (٥‏/‏٦٠٦) القول الأول، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قول ابن الزبير، ومجاهد، والحسن، ومَن قال معنى ذلك: ومن دخله من غيره ممن لجأ إليه عائذًا به كان آمنًا ما كان فيه، ولكنه يخرج منه فيقام عليه الحد إن كان أصاب ما يستوجبه في غيره ثم لجأ إليه، وإن كان أصابه فيه أقيم عليه فيه. فتأويل الآية إذًا: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، ومَن يدخله من الناس مستجيرًا به يكن آمنًا مما استجار منه ما كان فيه، حتى يخرج منه». مستندًا في ذلك إلى ما ذكر من الإجماع، مع إجماعِ الأمّة (٥‏/‏٦٠٨) على أن إخراج العائذ بالحرم -من جريرةٍ أصابها أو فاحشة أتاها وجبت عليه بها عقوبة- واجب على إمام المسلمين وأهل الإسلام

انتَقَدَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٨٩) هذه القراءة لمخالفتها مصاحف المسلمين، فقال: «أمّا ما رُوِي عن أبي بن كعب وابن عباس مِن قراءتهما: (فَما اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُّسَمًّى) فقِراءةٌ بخلاف ما جاءت به مصاحفُ المسلمين، وغيرُ جائز لأحد أن يُلْحِق في كتاب الله تعالى شيئًا لم يأتِ به الخبرُ القاطِعُ العذرَ عَمَّن لا يجوز خلافُه». وبنحو ذلك قال ابنُ تيمية (٢‏/‏٢٢٧)، وزاد: «هذا الحرفُ -إن كان نزل- فلا ريب أنه ليس ثابتًا مِن القراءة المشهورة، فيكون منسوخًا، ويكون نزولُه لَمّا كانت المتعةُ مباحةً، فلمّا حُرِّمت نُسِخ هذا الحرف، ويكون الأمرُ بالإيتاء في الوقت تنبيهًا على الإيتاء في النكاح المطلق. وغاية ما يقال: إنهما قراءتان، وكلاهما حقٌّ. والأمر بالإيتاء في الاستمتاع إلى أجل مسمى واجب إذا كان ذلك حلالًا، وإنما يكون ذلك إذا كان الاستمتاع إلى أجل مسمى حلالًا، وهذا كان في أول الإسلام، فليس في الآية ما يدلُّ على أن الاستمتاع بها إلى أجل مسمى حلال؛ فإنه لم يقل: وأُحِلَّ لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل مسمى. بل قال: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾. فهذا يتناول ما وقع مِن الاستمتاع: سواء كان حلالًا، أو كان في وطء شبهة، ولهذا يجب المهرُ في النكاح الفاسد بالسُّنَّة والاتفاق. والمتمتع إذا اعتقد حِلَّ المتعة وفعلها فعليه المهر، وأمّا الاستمتاع المحرم فلم تتناوله الآية؛ فإنّه لو استمتع بالمرأة من غير عقد مع مطاوعتها لكان زنا، ولا مهر فيه. وإن كانت مستكرهة ففيه نزاع مشهور»

انتَقَدَ ابنُ جرير (٨‏/‏١٦١-١٦٢) القولَ بالنسخ في الآية؛ لإجماع الحُجَّة على عَدَمه، وقال معلِّقًا على أثر عبد الله بن حنظلة: «إن ظَنَّ ظانٌّ أنّ في الحديث الذي ذكرناه عن عبد الله بن حنظلة، أنّ النبي ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة؛ دلالةً على خلاف ما قلنا: مِن أنّ ذلك كان ندبًا للنبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه، وخُيِّل إليه أنّ ذلك كان على الوجوب؛ فقد ظَنَّ غير الصواب، وذلك أنّ قول القائل: أمر الله نبيه ﷺ بكذا وكذا، مُحْتَمِلٌ من وجوهٍ لأمر الإيجاب، والإرشاد، والندب، والإباحة، والإطلاق، وإذ كان محتملًا ما ذكرنا من الأوجه كان أوْلى وجوهه به ما على صحته الحجة مُجْمِعة دون ما لم يكن على صحته برهان يوجب حقيقة مُدَّعيه. وقد أجمعت الحُجَّة على أنّ الله عز وجل لم يُوجِب على نبيِّه ﷺ، ولا على عباده فرضَ الوضوء لكل صلاة، ثم نسخ ذلك، ففي إجماعها على ذلك الدلالة الواضحة على صِحَّة ما قُلنا مِن أنّ فعل النبي ﷺ ما كان يفعل من ذلك كان على ما وصفنا من إيثاره فعل ما ندبه الله -عز ذكره- إلى فِعْلِه، وندب إليه عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾، وأنّ تركه في ذلك الحال التي تركه كان ترخيصًا لأمته، وإعلامًا منه لهم أنّ ذلك غير واجب، ولا لازم له ولا لهم، إلا مِن حَدَث يُوجِب نَقْضَ الطُّهْر»

أفادت الآثار اختلاف أهل التأويل في صفة المسح الذي أمر الله به بقوله: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾، على ثلاثة أقوال: الأول: امسحوا بما بدا لكم أن تمسحوا به من رءوسكم بالماء إذا قمتم إلى الصلاة. وهذا قول ابن عمر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسفيان، والشعبي، وغيرهم. والثاني: امسحوا بجميع رءوسكم، فإن لم يمسح بجميع رأسه بالماء لم تجزئه الصلاة بوضوئه ذلك. وهذا قول مالك. والثالث: لا يجزئ مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. ورجَّحَ ابن جرير (٨‏/‏١٨٧-١٨٨ بتصرف) القولَ الأول مستندًا إلى اللغة، وظاهر الآية، فقال: «الصواب من القول في ذلك عندنا: أنّ الله -جل ثناؤه- أمر بالمسح برأسه القائمَ إلى صلاته، مع سائر ما أمره بغسله معه أو مسحه، ولم يَحُدَّ ذلك بحدٍّ لا يجوز التقصير عنه ولا يجاوزه. وإذ كان ذلك كذلك فما مسح به المتوضِّئُ من رأسه فاستحق بمسحه ذلك أن يقال: مسح برأسه، فقد أدّى ما فرض الله عليه من مسح ذلك؛ لدخوله فيما لزمه اسم ما مسح برأسه إذا قام إلى صلاته. وما كان من ذلك مُجْمَعًا على أنه غير مُجْزِئه، فمسلَّم لِما جاءت به الحُجَّة نقلًا عن نبيها ﷺ، ولا حجة لأحد علينا في ذلك؛ إذ كان من قولنا: إنّ ما جاء في آي الكتاب عامًّا في معنًى، فالواجب الحكم به على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له، فإذا خُصَّ منه شيء كان ما خُصَّ منه خارجًا من ظاهره، وحكْمُ سائره على العموم»

على هذا القول فتوبة المحارب قبل القدرة عليه تضع عنه تبعات الدنيا التي لزمته في أيام حربه وحرابته، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه. ورجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٤٠١) هذا القول الذي قاله مالك، والزهري، والقرظي، وسعيد بن جبير، وعطاء من طريق بن معقل مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله الساعية في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام، فكذلك حكم كل ممتنع سعى في الأرض فسادًا، جماعة كانوا أو واحدًا، فأما المستخفي بسرقته، والمتلصص على وجه إغفال من سرقه، والشاهر السلاح في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع؛ فإنّ حكم الله عليه -تاب أو لم يتب- ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب وليه بدم أو خَتَل مأخوذ، وتوبته فيما بينه وبين الله، قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْم ثم صار لهم حربًا أنّ حربه إياهم لن يضع عنه حقًّا لله -عزَّ ذكره- ولا لآدمي، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئة يلجأ إليها مانعة منه». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٣‏/‏١٥٨-١٥٩). وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٥‏/‏١٩٨) مستندًا إلى ظاهر الآية، وعمل الصحابة، فقال: «وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة»

اختلف المفسرون في معنى الاعتداءِ المنهيِّ عنه في الآية على أقوال: الأول: أنّ الاعتداء ما همَّ به عثمان بن مظعون مِن جَبِّ نَفْسِه. والثاني: ما هَمَّ به بعض الصحابة رضي الله عنهم من تحريم النساء، والطعام، واللباس، والنوم. والثالث: أنّه تَجاوُز الحلال إلى الحرام. ورجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٦١٥) مستندًا إلى دلالة العموم شمول معنى الاعتداء لكلِّ تلك الأقوال، فقد بيَّن أنّ معنى الاعتداء: تجاوُز المرء مالَه إلى ما ليس له في كل شيء. ثم قال: «وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله -تعالى ذِكْرُه- قد عمَّ بقوله: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ النهيَّ عن العدوان كلِّه؛ كان الواجب أن يكون محكومًا لِما عمَّه بالعموم حتى يَخُصَّه ما يجب التسليم له، وليس لأحدٍ أن يتعدّى حدَّ الله -تعالى ذِكْرُه- في شيءٍ من الأشياء مِمّا أحَلَّ أو حرَّم، فمَن تعدّاه فهو داخلٌ في جُمْلَةِ مَن قال -تعالى ذِكْره-: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾. وغيرُ مستحيلٍ أن تكون الآيةُ نزلت في أمر عثمان بن مظعون والرَّهطِ الذين همُّوا من أصحاب رسول الله ﷺ بما همُّوا به من تحريم بعض ما أحلَّ الله لهم على أنفسهم، ويكون مرادًا بحكمها كلُّ مَن كان في مثل معناهم مِمَّن حَرَّم على نفسه ما أحلَّ الله له، أو أحلَّ ما حرَّم الله عليه، أو تجاوز حدًّا حدَّه الله له». وعلَّق ابنُ عطية (٣‏/‏٢٣٨) على القول الثالث -وهو قول الحسن- بقوله: «فالنهيان على هذا تضَمَّنا الطَّرَفَيْن، فكأنه قال: لا تتشددوا فتُحَرِّموا حلالًا، ولا تَتَرخَّصوا فتُحِلُّوا حرامًا»

رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏١٠٩) القول بأن حكم الآية غير منسوخ، مستندًا إلى عدم دليل النسخ، وعلَّل ذلك بأنه: «غير جائز أن يُقْضى على حكمٍ من أحكام الله -تعالى ذكره- أنه منسوخ إلا بخبر يقطع العذر؛ إما من عند الله، أو من عند رسوله ﷺ، أو بورود النقل المستفيض بذلك، فأمّا ولا خبر بذلك، ولا يَدْفَعُ صحته عقل؛ فغير جائز أن يُقْضى عليه بأنه منسوخ». وانتَقَد ابنُ القيم (١‏/‏٣٣٤) قول زيد بن أسلم وغيره لعدم دليل النسخ قائلًا: «أما دعوى النسخ فباطلة، فإنه يتضمن أن حكمها باطل، لا يحل العمل به، وأنه ليس من الدين، وهذا ليس بمقبول إلا بحجة صحيحة لا معارض لها، ولا يمكن أحد قط أن يأتي بنص صحيح صريح متأخر عن هذه الآية مخالف لها لا يمكن الجمع بينه وبينها، فإن وجد إلى ذلك سبيلًا صح النسخ، وإلا فما معه إلا مجرد الدعوى الباطلة، ثم قد قالت أعلم نساء الصحابة بالقرآن: إنه لا منسوخ في المائدة. وقاله غيرها أيضًا من السلف، وعمل بها أصحاب رسول الله ﷺ بعده، ولو جاز قبول دعوى النسخ بلا حجة لكان كل من احتج عليه بنص يقول: هو منسوخ. وكأن القائل لذلك لم يعلم أنّ معنى كون النص منسوخًا: أنّ الله سبحانه حرَّم العمل به، وأبطل كونه من الدين والشرع، ودون هذا مفاوز تنقطع فيها الأعناق». وكذا انتقده ابنُ كثير (٥‏/‏٤٠٢) قائلًا: «وفي هذا نظر»

سبق الخلاف في قوله: ﴿فأعرض﴾، وهل الخطاب للنبي وحده، أم للنبي والمؤمنين. وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٣٨٥) أنّ قوله:﴿يتقون﴾ المعني بهم: المؤمنون. وبيَّن أنّ من قال بأنّ الخطاب للنبي والمؤمنين قال بدخول النبي عليه السلام في هذا القصد بـ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وأنّ المعنى يكون على ما روي أنّ المؤمنين قالوا لَمّا نزلت فلا تقعد معهم قالوا: إذا كنا لا نضرب المشركين، ولا نسمع أقوالهم؛ فما يمكننا طواف، ولا قضاء عبادة في الحرم. فنزلت لذلك: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. ثم علَّق (٣‏/‏٣٨٦) بقوله: «فالإباحة في هذا هي في القَدْر الذي يُحتاج إليه مِن التصرف بين المشركين في عبادة ونحوها». ثم ذكر أيضًا أنّ بعض مَن قالوا بهذا القول ذهبوا إلى أن هذه الآية الأخيرة ليست إباحة بوجه، وإنما معناها: لا تقعدوا ولا تقربوهم حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود لأنّ عليكم شيئًا من حسابهم، وإنما هو ذكرى لكم. وأنّ المعنى يحتمل أن يكون لهم: لعلهم إذا جانبتموهم يتقون بالإمساك عن الاستهزاء. ثم ذكر أنّ مَن قال بالقول الأول فإنه قال في هذه الآية الثانية إنها مختصة بالمؤمنين، ومعناها الإباحة، فكأنه قال: فلا تقعد معهم يا محمد، وأما المؤمنون فلا شيء عليهم من حسابهم، فإن قعدوا فليذكروهم، لعلهم يتقون الله في ترك ما هم فيه. وانتقده بقوله: «وفيه عندي نظر»

أفادت الآثارُ بأنّ الإدراك عند السلف له معنيان: الأول: الإحاطة. وهو قول ابن عباس، والعوفي، وقتادة، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، وعطاء. والثاني: الرؤية. وهو قول عائشة، والسدي، والحسن، وإسماعيل بن عُلَيَّة، ومقاتل. وقد ذكر ابنُ جرير (٩‏/‏٤٥٩-٤٦٦) هذين القولين، ثم بيَّن أنّ البعض اتخذ من تفسير الإدراك بالرؤية ذريعةً لنفي رؤية الله يوم القيامة، وذكر العِلَلَ التي استند إليها قائلو ذلك، وانتَقَدها. وذكر في مسألة رؤية الله أقوالًا أخرى؛ منها: لا تُدْرِكه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الآخرة فإنها تُدْرِكه. ومنها: لا تدركه أبصار الظالمين في الدنيا والآخرة، وتدركه أبصار المؤمنين، وهو يدرك الأبصار في الدنيا والآخرة، فالآية عندهم على الخصوص. ومنها: أنّ الأبصار لا تدركه في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله يُحْدِث لأوليائه حاسَّةً سادسة سوى حواسهم الخمس يرونه بها، فالآية عندهم على العموم. ثُمَّ رجَّح ابنُ جرير مستندًا إلى السنة رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، كما أخبر رسول الله ﷺ بقوله: «إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب». وانتقد ابنُ عطية (٣‏/‏٤٣٤) مستندًا إلى القرآن، والسنة القولَ الرابع، والخامس، فقال: «وهذه الأقوال كلها ضعيفة، ودعاوى لا تستند إلى قرآن ولا حديث»

علَّقَ ابنُ تيمية (٣‏/‏١٠٢) على أثر ابن عباس هذا بقوله: «دلَّ على أنّ هذا الاستثناء عنده يقتضي دفع العذاب عنهم، وهذا مدلول الآية، وأنّه لأجل هذه الآية يجب أن يتوقف، فلا يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا، وهذا يناقض قولَ مَن يقول: سوى ما شاء الله من أنواع العذاب. و: إلا مدة مقامهم قبل الدخول من حين بعثوا إلى أن دخلوا. فإنّ ذلك معلوم أنه قبل الدخول لم يكونوا فيها، وقولَ مَن يقول: في أهل الجنة. فإنّها صريحةٌ في تناول الكفار. لكن ذكر البغوي أنّ ابن عباس قال: الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله، وأنهم يسلمون فيخرجون من النار. ولم يذكر مَن نقل هذا عن ابن عباس، فإن أريد بذلك: مَن أسلم في الدنيا؛ فليس كذلك، فإنّ الخطاب إنما هو لمن كان من أولياء الشيطان والجن الذين استمتع بعضهم ببعض، وهؤلاء من جملة المسلمين، وجميع مَن أسلم سبق فيه علم الله أنه يسلم. وكأنّ قائل هذا القول ظنَّ أن هذا خطاب للأحياء، وليس كذلك، بل هذا خطاب لهم يوم القيامة. وإن أراد: أنهم يسلمون في جهنم فيخرجون منها، وهذا خلاف ما دلَّ عليه القرآن في غير موضع، فعن عبد الله بن مسعود قال: لَيَأتينَّ على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا، وهؤلاء هم الكفار. وعن أبي هريرة مثله. قال البغوي: ومعناه عند أهل السنة -إن ثبت-: ألا يبقى فيها أحدٌ مِن أهل الإيمان»