جعل البعض هذه الآية في الكفار المعاندين، والبعض جعلها في الكفار عامة دون تخصيص أهل العناد، وذكر ابنُ عطية (٣/٣٥١) أنّ معنى الجحود على القول الأول -الذي قاله قتادة، والسدي- على حقيقته. وأما على الثاني فيكون في اللفظة تجوُّز، وذلك أنهم لما أنكروا نبوته وراموا تكذيبه بالدعوى التي لا تعضدها حجة عبَّر عن إنكارهم بأقبح وجوه الإنكار، وهو الجحد تغليظًا عليهم، وتقبيحًا لفعلهم، إذ معجزاته وآياته نيرة يلزم كل مفطور أن يعلمها ويقربها. ثم قال: «وجميع ما في هذه التأويلات من نفي التكذيب إنما هو عن اعتقادهم، وأما أقوال جميعهم فمكذبة، إما له وإما للذي جاء به»
أفاد قولُ مقاتلِ بن سليمان أنّ الخطاب بقوله: ﴿فاصبروا﴾ مُوَجَّه للكافرين على سبيل التهديد والوعيد. وذكر ابنُ عطية (٢/٤٢٧) قولًا آخر، فقال: «وحكى منذر بن سعيد، عن عبد الله بن عباس: أنّ الخطاب بقوله: ﴿فاصبروا﴾ للمؤمنين، على معنى الوعد لهم، وقاله مقاتل بن حيان». وقد رجّح ابنُ عطية (٣/٦١٢) قولَ مقاتل بن سليمان مستندًا إلى ظاهر الألفاظ، قال: «وفي قوله: ﴿فاصبروا﴾ قوة التهديد والوعيد، هذا ظاهر الكلام، وأنّ المخاطبة بجميع الآية للكفار». وبين أنّه قول الجماعة
علَّقَ ابنُ عطية (٤/٥٢٣) على تلك الرواية ومثيلاتها، بقوله: «انظر إلى كلام فرعون ففيه مجهلة وتلعثم، ولا عذر لأحد في جهل هذا، وإنّما العذر فيما لا سبيل إلى علمه، كقول علي رضي الله عنهما: «أهللت بإهلال كإهلال النبي ﷺ». والحال: الطين. كذا في الغريب المصنف وغيره. والأثر بهذا كثير مختلف اللفظ والمعنى واحد. وفعل جبريل عليه السلام هذا يشبه أن يكون؛ لأنه اعتقد تجويز المغفرة للتائب -وإن عاين-، ولم يكن عنده قبلُ إعلامٌ مِن الله تعالى أنّ التوبة بعد المعاينة غير نافعة». وقال أيضًا: «هذه الآية نصٌّ في ردِّ توبة المُعايِن»
اختُلِف في المراد بـ﴿الظالمين﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنّ المراد به: كفار قريش. الثاني: أنّه عام في كل ظالم. ورجَّح ابنُ عطية (٤/٦٢٨) مستندًا إلى السُّنَّة القول الثاني، فقال: «وهذا هو الأصح؛ لأنّه رُوِي عن النبي ﷺ أنّه قال: «سيكون في أمتي خَسْف، ومَسْخ، وقَذْف بالحجارة». وقد ورد أيضًا حديث: «إنّ هذه الأمة بِمَنجاةٍ من ذلك»». وذكر قولين في عود الضمير في ﴿وما هِيَ﴾: الأول: أنّه عائد إلى الحجارة. الثاني: أنّه عائد إلى المدن. ثم علَّق على الثاني منهما بقوله: «ويكون المعنى: الإعلام بأن هذه البلاد قريبة من مكة». ثم رجَّح قائلًا: «والأول أبْيَن»
ذكر ابن عطية (٥/٣٣٢) احتمالين لعود الضمير في قوله تعالى: ﴿ومِنها جائِرٌ﴾: الأول: أن يعود الضمير على «السبل» التي يتضمنها معنى الآية، كأنه قال: ومن السبل جائر. ويكون المراد: طريق اليهود والنصارى وغيرهم كعباد الأصنام. الثاني: أن يعود الضمير على سبيل الشرع المذكورة، وتكون «مِن» للتبعيض، ويكون المراد: فرق الضلالة من أمة محمد ﷺ، كأنه قال: ومن بنيات الطريق في هذه السبيل ومن شعبها جاير. واستدرك عليه ابن تيمية (٤/١٥٥) قائلًا: «سبيل أهل البدع جائرة خارجة عن الصراط المستقيم فيما ابتدعوا فيه، ولا يقال: إن ذلك من السبيل المشروعة»
قال ابنُ عطية (٥/٤٣٣): «هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات: قوله عز وجل: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾، وقوله: ﴿وإن كادوا ليستفزونك﴾، نزلت حين جاء رسولَ الله ﷺ وفدُ ثقيف، وحين قالت اليهود: ليست هذه بأرض الأنبياء. وقوله عز وجل: ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدق﴾، وقوله عز وجل: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله﴾، وقال ابن مسعود -في بني إسرائيل والكهف-: إنهن من العِتاق الأُوَل، وهن من تلادي. يريد أنهن مِن قديم كسبه». وفي مقدمة السورة عند ابن كثير (٨/٣٧٣) أنها مكية، وذَكَرَ أثر ابن مسعود
علَّقَ ابنُ كثير (ت: سلامة) ٥/٦-٧ على هذا بقوله: «وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: في حديث شريك زيادة تفرد بها، على مذهب مَن زعم أنّه ﷺ رأى ربه، يعني قوله: ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى. قال: وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة -في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل- أصح. وهذا الذي قاله البيهقي هو الحق في هذه المسألة؛ فإن أبا ذر قال: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه». وفي رواية: «رأيت نورا». أخرجه مسلم»
اختُلِف في المراد بقوله: ﴿أيها أزكى طعاما﴾ على أقوال: الأول: أكثر طعامًا. والثاني: أحل طعامًا. والثالث: خير طعامًا. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٢١٣-٢١٤) القول الثاني والثالث مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معنى ذلك: أحل وأطهر. وذلك أنّه لا معنى في اختيار الأكثر طعامًا للشراء منه، إلا بمعنى إذا كان أكثرهم طعامًا، كان خليقًا أن يكون الأفضل منه عنده أوجد، وإذا شُرط على المأمور الشراء من صاحب الأفضل فقد أمر بشراء الجيد، كان ما عند المشتري ذلك منه قليلًا الجيد أو كثيرًا». وبنحوه ابنُ كثير (٩/١١٨)
علَّقَ ابنُ عطية (٧/١٤١-١٤٢) على أثر ابن عباس هذا بقوله: «هكذا كنى عنه ابن عباس بـ(بعض الصحابة)، وحكى مكي عن معمر أنه قال: هو طلحة بن عبيد الله. ثم قال: لله درُّ ابن عباس. وهذا عندي لا يصح على طلحة، الله عاصمه منه، وروي أن: رجلًا من المنافقين قال حين تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة بعد أبي سلمة، وحفصة بعد خُنَيس بن حُذافة: ما بال محمد يتزوج نساءنا! واللهِ، لو مات لأَجَلْنا السهام على نسائه. فنَزلت الآية في هذا، وحرم الله تعالى نكاح أزواجه بعده، وجعل لهن حكم الأمهات»
اختلف في صفة ما حدث عن ذلك الثقب مما كان فيه خراب جنتيهم على قولين: الأول: أن السيل لما وجد عملًا في السد عمل فيه، ثم فاض الماء على جناتهم، فغرقها، وخرب أرضهم وديارهم. الثاني: أن الماء الذي كانوا يعمرون به جناتهم سال إلى موضع غير الموضع الذي كانوا ينتفعون به، فبذلك خربت جناتهم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٩/٢٥٤) القول الأول مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «والقول الأول أشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر أنّه أرسل عليهم سيل العرم، ولا يكون إرسال ذلك عليهم إلا بإسالته عليهم، أو على جناتهم وأرضهم، لا بصرفه عنهم»