لم يذكر ابنُ جرير (١٩/٤٠٦) غير هذا الأثر. وذكره ابنُ عطية (٧/٢٣٥)، ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «وقالت فرقة: الآيةُ مُستعارة المعاني مِن منع الله تعالى آباءهم من الإيمان، وحوْلِه بينهم وبينه». ورجّحه مستندًا إلى السياق بقوله: «وهذا أرجح الأقوال؛ لأنه تعالى لما ذكر أنهم لا يؤمنون بما سبق لهم في الأزل؛ عَقَّب ذلك بأن جعل لهم مِن المنع وإحاطة الشقاوة ما حالهم معه حال المغللين. والغُلّ: ما أحاط بالعُنق على معنى التَّضْييق والتثبيت والتعذيب والأسْر، ومع العنق اليدان أو اليد الواحدة، هذا معنى التغليل»
اختُلِف في الحين المذكور في الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أن المراد: إلى الموت. وهو قول قتادة. والثاني: أن المراد: إلى يوم بدر. وهو قول السديّ. والثالث: أن المراد: إلى يوم القيامة. وهو قول ابن زيد. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٩/٦٥٩) إلى القول الثاني -وهو قول مجاهد، والسديّ- استنادًا إلى السياق، فقال: «هذا القول الذي قاله السدي أشبه بما دل عليه ظاهر التنزيل؛ وذلك أنّ الله توعدهم بالعذاب الذي كانوا يستعجلونه، فقال: ﴿أفبعذابنا يستعجلون﴾، وأمر نبيَّه ﷺ أن يُعرِض عنهم إلى مجيء حينه، فتأويل الكلام: فتول عنهم -يا محمد- إلى حين مجيء عذابنا ونزوله بهم»
ذكر ابنُ عطية (٧/٣٢٨-٣٢٩) أنّ ينظر بمعنى: ينتظر، وأن معنى الآية: إخبار من الله لرسوله صَدَّقه الوجود، فالصيحة على هذا عبارة عن جميع ما نابهم مِن قتل وأسر وغلبة، وهذا كما تقول: صاح فيهم الدهر. وقال قتادة: توعدهم بصيحة القيامة والنفخ في الصور. ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «وقالت طائفة: توعدهم بصيحة يهلكون بها في الدنيا». ثم علّق على القولين بقوله: «وعلى هذين التأويلين فمعنى الكلام أنهم بمدرج عقوبة وتحت أمر خطير، ما ينتظرون فيه إلا الهلكة. وليس معناه التوعد بشيء معين ينتظره محمد ﷺ فيهم كالتأويل الأول»
اختُلِف في هذه الآية فيمن أفطر بعُذر هل يبني على صيامه، أم يستأنف؟ على قولين: الأول: إذا كان إفطاره لعذرٍ، فزال العذر بَنى على ما مضى من الصوم. الثاني: أنه يستأنف؛ لأنّ مَن أفطر بعُذرٍ أو غير عُذرٍ لم يتابِع صوم شهرين. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٤٦٥) -مستندًا إلى القياس- القول الأول، وهو قول سعيد بن المسيب، وعامر، والحسن، وعطاء، وعمرو بن دينار، وعلَّل ذلك بقوله: «لإجماع الجميع على أنّ المرأة إذا حاضت في صومها الشهرين المتتابعَيْن بعُذرٍ فمثلُه؛ لأنّ إفطار الحائض بسبب حيضها بعُذرٍ كان من قِبَلِ الله، فكلُّ عُذرٍ كان مِن قِبَلِ الله فمثلُه»
رجّح ابنُ عطية (٨/٥٤١) -مستندًا إلى دلالة العقل- أنّ القَضْب: هو كلّ ما يُقضب ليأكله ابن آدم، فقال: «والذي أقوله إنّ القَضْب هنا: هو كلّ ما يُقضب ليأكله ابن آدم غضًّا من النبات؛ كالبقول والهليون ونحوه، فإنه من المطعوم جزء عظيم، ولا ذِكر له في الآية إلا في هذه اللفظة». وانتقد -مستندًا إلى الدلالة العقلية- القول بأنه الفَصافِص بقوله: «وهذا عندي ضعيف؛ لأن الفَصافِص هي للبهائم، فهي داخلة في الأبّ». ونقل تعليق ثعلب على قول مَن قال: هو الرَّطْبة. فقال: «وقال أبو عبيدة: القَضْب: الرَّطْبة. قال ثعلب: لأنه يُقضب كلّ يوم»
نقل ابنُ جرير (٢٤/٣١٤) في معنى الآية عن «بعض أهل العلم بكلام العرب أنّ ذلك من المؤخَّر الذي معناه التقديم، وأنّ معنى الكلام: والذي أخرج المرعى أحوى، أي: أخضر إلى السواد، فجعله غثاءً بعد ذلك...». ثم انتقده -مستندًا إلى مخالفة أقوال السلف- قائلًا: «وهذا القول -وإن كان غير مدفوعٍ أن يكون ما اشتدتْ خُضرته من النبات، قد تُسمّيه العرب أسود- غيرُ صوابٍ عندي؛ لخلافه تأويل أهل التأويل في أنّ الحرف إنما يُحتال لمعناه المُخرَج بالتقديم والتأخير، إذا لم يكن له وجْهٌ مفهومٌ إلا بتقديمه عن موضعه أو تأخيره، فأما وله في موضعه وجْهٌ صحيحٌ، فلا وجْه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير»
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٠٩) نقلًا عن اللغويين أنّ «المرصاد»: موضع الرصد، ثم وجَّهه بقوله: «أي أنه عند لسان كلِّ قائل، ومرصدٌ لكل فاعل، وعلى هذا التأويل في المرصاد جاء جواب عامر بن قيس لعثمان رضي الله عنهما حين قال له: أين ربّك، يا أعرابي؟ قال: بالمرصاد». ثم ذكر احتمالًا آخر: «أن يكون»المرصاد«في الآية اسم فاعل». ثم وجَّهه بقوله: «كأنه تعالى قال: لَبِالرّاصد، فعبَّر ببناء مبالغة، وروي في بعض الحديث «إنّ على جسر جهنم ثلاث قناطر، على إحداها الأمانة، وعلى الأخرى الرَّحِم، وعلى الأخيرة الرّبّ تعالى، فذلك قوله: ﴿إن رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾»»
اختُلف في معنى: «النعمة» في هذه الآية على أقوال: الأول: النبوة. الثاني: القرآن. الثالث: أنها عامة في جميع الخيرات. ورجَّح ابنُ القيم (٣/٣٢٩) العموم، فقال: «والتحقيق: أنّ النِّعم تعمّ هذا كلّه، فأُمر أن لا ينهر سائل المعروف والعلم، وأن يُحدِّث بنِعم الله عليه في الدين والدنيا». واختُلف في هذا التحديث المأمور به على قولين: الأول: أنه ذِكر النعمة والإخبار بها، وقوله: أنعم الله علي بكذا وكذا. الثاني: هو الدعوة إلى الله، وتبليغ رسالته، وتعليم الأمة. ورجَّح ابنُ القيم (٣/٣٣٠) العموم، فقال: «والصواب: أنه يعم النوعين؛ إذ كلٌّ منهما نعمة مأمورٌ بشكرها، والتحدُّث بها، وإظهارها مِن شُكْرها»
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٦٧) قول سفيان ونحوه عن ابن مسعود وغيرهما، ثم وجّهه بقوله: «فالتحديث على هذا حقيقة، والكلام بإدراك وحياة يخلقها الله تعالى، وأضاف الأخبار إليها من حيث وعتْها وحصَّلتها». ثم ذكر قولًا آخر، ووجهه، فقال: «وقال الطبري وقوم: التحديث في الآية مجاز، والمعنى: أنّ ما تفعله بأمر الله من إخراج أثقالها وتفتّت أجزائها وسائر أحوالها هو بمنزلة التحديث بأنبائها وأخبارها». ثم قوّى القول الأول بقوله: «ويؤيد القول الأول قول النبي ﷺ: «فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جِنٌّ ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة»»
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٦٨) قول عبد الرحمن بن زيد، وقول محمد بن كعب، وابن عباس، ثم علّق قائلًا: ""وهذا الوحيُ على هذا التأويل يحتمل أن يكون وحيَ إلهام، ويحتمل أن يكون وحيًا برسول من الملائكة، وقد قال الشاعر:أوحى لها القرار فاستقرّتِ وشدّها بالراسيات الثُّبَّتِ"". وذكر ابنُ كثير (٨/٤٦١) تفسير مَن فسّر ﴿أوحى لها﴾ بأوحى إليها، ثم علّق قائلًا: «والظاهر أنّ هذا مُضمَّن بمعنى: أذِن لها». وزاد ابنُ عطية (٨/٦٦٨) في معنى الآية قولًا آخر، فقال: وقال بعض المتأولين: ﴿أوْحى لَها﴾ معناه: أوْحى إلى ملائكته المقربين أن تفعل في الأرض تلك الأفعال""