سورة المدثر — الآية ٤٠

عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الزّعراء- في قصة ذكرها في الشفاعة، قال: ثُمَّ تَشفع الملائكة والنَّبيّون والشهداء والصالحون والمؤمنون، ويُشفّعهم الله، فيقول: أنا أرحم الراحمين. فيُخرِج مِن النار أكثرَ مما أخرج مِن جميع الخَلْق مِن النار، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين. ثم قرأ عبد الله: (يَآ أيُّها الكُفّارُ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}، وعقَد بيده أربعًا، ثم قال: هل تَرون في هؤلاء مِن خير، ألا ما يُترك فيها أحدٌ فيه خير

سورة النازعات — الآية ٢١

قال مالك بن أنس: وإنما السعي في كتاب الله العمل والفعل، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩]، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وأَمّا مَن جاءَكَ يَسْعى وهُوَ يَخْشى﴾ [عبس:٨-٩]، وقال: ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾، وقال: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى﴾ [الليل:٤]. قال مالك: فليس السعي الذي ذَكر الله في كتابه بالسعي على الأقدام، ولا الاشتداد، وإنما عَنى: العمل، والفعل

سورة الأعلى — الآية ٦

عن عبد الله بن عباس، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أتاه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل مِن الوحي حتى يُزمَّل مِن ثِقَل الوحي، حتى يتكلّم النبيُّ ﷺ بأوله؛ مخافة أن يُغشى عليه فيَنسى، فقال له جبريل: لِمَ تفعل ذلك؟ قال: «مخافة أن أنسى». فأنزل الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾، فالنبيُّ ﷺ نسي آيات مِن القرآن ليس بحلال ولا حرام، ثم قال له جبريل: إنه لم يَنزل على نبيٍّ قبلك إلا نسي وإلا رُفع بعضه. وذلك أنّ موسى أهبط الله عليه ثلاثة عشر سِفرًا، فلما ألقى الألواح انكسرتْ وكانت مِن زُمُرّد، فذهب أربعة، وبقي تسعة

سورة الزلزلة — الآية ٧

عن أبي إدريس الخولانيّ -من طريق أبي قِلابة- قال: كان أبو بكر الصِّدِّيق يأكل مع رسول الله ﷺ إذ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، فأمسك أبو بكر يده، وقال: يا رسول الله، إننا لَراؤون ما عملنا مِن خير أو شرّ؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر، أرأيتَ ما رأيتَ مما تكره فهو من مثاقيل الشّرّ، ويُدَّخر لك مثاقيل الخير حتى تُوفّاه يوم القيامة، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وما أصابَكُمْ مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]»

عن أبي رافع، قال: طاف رسول الله ﷺ بالبيت، ثم جاء مقام إبراهيم، فقرأ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]، ثم صَلّى فقرأ بفاتحة الكتاب، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد﴾ فقال: «كذلك الله». ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ قال: «كذلك الله». ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ قال: «كذلك الله». ثم ركع وسجد، ثم قرأ بفاتحة الكتاب، و﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فقال: «لا أعبد إلا الله». ﴿ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ فقال: «لا أعبد إلا الله». ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾ ثم ركع وسجد

علَّقَ ابن جرير (١‏/‏٥١٣، ٥١٤ بتصرف) على تلك الآثار بقوله: «وقد رُوِي عن رسول الله ﷺ خبرٌ يُحَقِّق ما قال مَن حَكَيْنا قولَه في معنى آدم. وذلك ما حَدَّثَنِي به... عن أبي موسى الأشعري»، فذكر حديثه الوارد في المتن في الآثار المتعلقة بالآية. ثم وجَّه هذا التأويل بقوله: «فعلى التأويل الذي تَأَوَّل آدم بمعنى: أنه خُلِق من أديم الأرض، يجب أن يكون أصل آدم فِعْلًا سُمِّي به أبو البشر، كما سُمِّي أحمد بالفعل من الإحماد، وأسعد من الإسعاد، فلذلك لم يُجْرَ [لم يُصْرَف]، ويكون تأويله حينئذ: آدمَ الملكُ الأرضَ، يعني: به بلغ أدَمَتَها. ثم نُقِلَ من الفعل فجُعِل اسمًا للشخص بعينه»

ذكر ابنُ جرير (١‏/‏٦٣٧-٦٣٩) أنّ العدل في كلام العرب: الفدية. واستدل له بلغة العرب، وأقوال السلف، والسُّنَّة، والنّظائر، ولم يذكر قولًا غيرَه. ووجَّه تفسير العدل بالفدية بقوله: «وإنّما قيل للفدية من الشيء والبدل منه: عدل؛ لمعادلته إياه وهو من غير جنسه، ومصيره له مِثلًا من وجه الجزاء، لا من وجه المشابهة في الصورة والخلقة، كما قال -جل ثناؤه-: ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾ [الأنعام:٧٠]، بمعنى: وإن تُفْدَ كل فدية لا يؤخذ منها». ورجَّح ابنُ كثير (١‏/‏٣٩٤-٣٩٥ بتصرف) هذا المعنى بقوله: «وهو أظهر في تفسير هذه الآية، وقد ورد حديثٌ يقويه، قيل: يا رسول الله، ما العدل؟ قال: «العدل الفدية»»

علَّقَ ابنُ كثير (٢‏/‏٥٩) على الأقوال السابقة بقوله: «ومضمون ما فسَّر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أنّ الله تعالى يذكر شرفَ البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس، أي: جعله مَحَلًّا تَشْتاق إليه الأرواح، وتَحِنّ إليه، ولا تقضي منه وطَرًا، ولو تَرَدَّدَتْ إليه كلَّ عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم﴾ إلى أن قال: ﴿ربنا وتقبل دعاء﴾ [إبراهيم:٣٧-٤٠]». وزاد ابن عطية (١‏/‏٣٤٢) إضافة إلى ما ورد في أقوال السلف معنى آخر، فقال: «و﴿مثابة﴾... ويحتمل أن تكون من الثواب، أي: يُثابون هناك»

ذَهَبَ ابنُ جرير (٥‏/‏٢٦)، وابنُ عطية (٢‏/‏٨٨)، وابنُ كثير (٢‏/‏٤٧٧) إلى أن المراد بالجاهل في الآية: الجاهل بحالهم. فقال ابنُ جرير مستدلًا بقولِ قتادة: «يعني بذلك: يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعففهم عن المسألة، وتَرْكِهِم التَّعَرُّضَ لِما في أيدي الناس؛ صبرًا منهم على البأساء والضراء». وقال ابنُ كثير: «وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس المسكين بهذا الطَّوّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غِنًى يُغْنِيه، ولا يُفْطَنُ له فَيُتَصَدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا»»

انتقد ابنُ جرير (٥‏/‏٧٩) وابنُ عطية (٢‏/‏١١١) القول بالنسخ استنادًا إلى إمكان الجمع؛ إذ النسخ لا يُصار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الآيتين. وجَمَع ابنُ جرير بين الآيتين بكون كتابة الدَّين واجبة، وقوله تعالى: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ مُرَخِّص في ترك كتابة الدَّين عند التَّعَذُّر. وجَمَع ابنُ عطية بين الآيتين بأنّ الأمر بكتابة الدين للندب والاحتياط، وليس في الآية ما يفيد منع الكتابة عند الائتمان حتى يُصارَ إلى النسخ. وينظر توجيه ابن تيمية لمعنى النسخ عند السلف عند قوله تعالى: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾