قال ابنُ تيمية (٢‏/‏٢١٦) مُبَيِّنًا قولَ الحسن: «ومما يبين ذلك قولُه تعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماء﴾ [فاطر:٢٨]، وكُلُّ مَن خشِيَه وأطاعه وترك معصيته فهو عالِمٌ، كما قال تعالى: ﴿أمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناء اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. وقال رجل للشعبىِّ: أيها العالم. فقال: إنّما العالِم مَن يخشى الله. وقوله تعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماء﴾ يقتضي أنّ كل مَن خشي الله فهو عالم؛ فإنه لا يخشاه إلا عالم»

علَّقَ ابنُ كثير (٣‏/‏٢٥) على قول مجاهد هذا بقوله: «هذا الذي ذُكِر عن مجاهد في الأزلام أنّها موضوعة للقمار فيه نظر، اللهم إلّا أن يقال: إنّهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القِمار أخرى، والله أعلم؛ فإن الله -سبحانه [وتعالى]- قد فرَّق بين هذه وبين القمار، وهو المَيْسِر، فقال في آخر السورة: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ فِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ منتهون﴾ [المائدة:٩٠-٩١]»

أفادت الآثار اختلافَ أهل التأويل في معنى قوله: ﴿أو لامستم النساء﴾ على قولين: أحدهما: أن ذلك كناية عن الجماع. والآخر: أنّ المراد بذلك كل لمس؛ بيد كان أو بغيرها من أعضاء الإنسان. وذَهَبَ ابنُ جرير (٧‏/‏٧٣، ٨‏/‏٢١٣)، وابنُ عطية (٣‏/‏١١٨)، وابنُ تيمية (١‏/‏٤٢٢-٤٢٥) إلى الأول، استنادًا إلى السُّنَّة، قال ابنُ جرير: «أوْلى القولين في ذلك بالصواب: قولُ من قال: عَنى الله بقوله: ﴿أو لامستم النساء﴾ الجماع دون غيره من معاني اللمس؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبّل بعض نسائه ثم صلّى ولم يتوضأ». وقد سبق بيان ذلك عند الحديث عن الآية ٤٣ من سورة النساء

علَّق ابنُ جرير (٨‏/‏٦٤٩) على أثر ابن مسعود في معرض ردِّه على مَن استدل به وبما روي عن ابن عمر وغيرهما على وجود الخلاف في تخيير المكَفِّر ليمينه بإحدى هذه الحالات الثلاث التي ذُكِرَت في الآية، وأن هذه الآثار فيها دلالة على أن كفارة اليمين للموسر تكون بالعِتْقِ فقط، فقال بأن: «ذلك منهم كان على وجه الاستحباب لمن أمروه بالتكفير بما أمروه بالتكفير به من الرقاب، لا على أنه كان لا يُجْزِئ عندهم التكفير للموسر إلا بالرقبة، لأنه لم يَنقُل أحدٌ عن أحدٍ منهم أنه قال: لا يُجْزِئ الموسر التكفير إلا بالرقبة. والجميع من علماء الأمصار قديمهم وحديثهم مُجْمِعون على أن التكفير بغير الرقاب جائزٌ للموسر، ففي ذلك مُكْتَفًى عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بغيره»

ذكر ابنُ جرير (٩‏/‏٣٨٣) اختلافًا في إلياس من هو؟ فذكر عن ابن إسحاق قوله: هو إلياس بن تسبى بن فِنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران ابن أخي موسى نبي الله ﷺ. وذكر قول ابن مسعود: بأنه إدريس. وذكر بأنّ أهل الأنساب يقولون: إدريس جدُّ نوح، وأنّه روي عن وهب بن منبه أيضًا. ثم رجَّح مستندًا إلى دلالة التاريخ، والعقل قول أهل الأنساب، وبيَّن علَّة ذلك، فقال: «وذلك أنّ الله تعالى نسب إلياس في هذه الآية إلى نوح، وجعله من ذريته، ونوح هو ابنُ إدريسَ عند أهل العلم، فمُحالٌ أن يكون جَدُّ أبيه منسوبًا إلى أنه من ذريته»

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٥٧٦) قول السدي، ثم وجَّه معنى الآية عليه قائلًا: «والمراد: هل ينتظر هؤلاء الكفارُ إلا مآل الحالِ في هذا الدين، وما دعوا إليه، وما صدُّوهم عنه، وهم يعتقدون مآله جميلًا لهم؟ فأخبر الله عز وجل أنّ مآله يوم يأتي يقع معه ندمهم، ويقولون تأسفًا على ما فاتهم من الإيمان: لقد صَدَقَت الرسلُ، وجاءوا بالحق. فالتأويل على هذا مأخوذٌ من آل يَؤُولُ». وزاد ابنُ عطية في معنى التأويل قولين آخرين، فقال: «وقال الخطابيُّ: أوَّلْتُ الشيء: رددته إلى أوله، فاللفظة مأخوذة من الأول، حكاه النقاش. وقد قيل: أوَّلْتُ، معناه: طَلَبْتُ أوَّلَ الوجوه والمعاني»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏١٢٧): «السؤال في كلام العرب يجيء لاقتضاء معنىً في نفس المسؤول، وقد يجيء لاقتضاء مالٍ أو نحوه. والأكثر في هذه الآية أن السؤال إنما هو عن حكم الأنفال، فهو من الضرب الأول. وقالت فرقة: إنما سألوه الأنفال نفسها أن يعطيهم إياها. واحتجوا في ذلك بقراءة سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن الحسين، وأبي جعفر محمد بن علي، وزيد بن علي، وجعفر بن محمد، وطلحة بن مُصَرِّف، وعكرمة، والضحاك، وعطاء (يسألونك الأنفال)، وقالوا في قراءة مَن قرأ: ﴿عن﴾ أنها بمعنى: مِن. فهذا الضرب الثاني من السؤال»

استغرب ابنُ كثير (٧/٢٠١) قول مجاهد هذا، واسْتَدْرَكَ عليه مستندًا لدلالة العقل، وظاهر القرآن بقوله: «هذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضًا، وكيف تصِحُّ حجة أبي بكر وقد وقعت في ذي القعدة؟! ، وأنّى هذا، وقد قال الله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ الآية، وإنّما نُودِي بذلك في حجة أبي بكر، فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يوم الحج الأكبر﴾؟! ولا يلزم مِن فِعْلِهم النسيءَ هذا الذي ذكره مِن دوران السنة عليهم، وحجهم في كلّ شهر عامين؛ فإنّ النسيء حاصل بدون هذا»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٣٥٤): «قوله: ﴿يَحْذَرُ﴾ خبرٌ عن حال قلوبهم، وحِذْرهم إنما هو أن تتلى سورة، ومعتقدهم -هل تنزل أم لا- ليس بنصٍّ في الآية، لكنه ظاهر، فإن حُمِل على مقتضى نفاقهم واعتقادهم أنّ ذلك ليس من عند الله فوجهٌ بَيِّن، وإن قيل: إنهم يعتقدون نزول ذلك مِن عند الله وهم ينافقون مع ذلك فهذا كفر عناد. وقال الزجّاج وبعض من ذهب إلى التحرز من هذا الاحتمال: معنى ﴿يحذر﴾: الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر كأنه يقول: ليحذر». ثم ساق (٤‏/‏٣٥٥) ما جاء من قول المنافقين: لعل الله لا يفشي سرنا. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا يقتضي كفر العناد الذي قلناه»

لم يذكر ابنُ جرير (١١‏/‏٦٤٣) غيرَ قول ابن زيد وابن إسحاق قبله. وقال ابنُ عطية (٤‏/‏٣٩٣): «والظّاهِرُ مِن معنى اللفظ أنّ التمرُّد في الشيء أو المُرُود عليه إنّما هو: اللِّجاج، والاستهتار به، والعُتُّو على الزاجِر، وركوب الرأس في ذلك، وهو مستعمل في الشر لا في الخير، ومن ذلك قولهم: شيطان مارد ومريد، ومن هذا سُمِّيَت: مراد؛ لأنّها تَمَرَّدت، وقال بعضُ الناس: يُقال: تمرَّد الرجلُ في أمر كذا إذا تَجَرَّد له، وهو من قولهم: شجرة مرداء إذا لم يكن عليها ورق، ومنه: ﴿صرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل:٤٤]، ومنه قولهم: تَمَرَّد مارِدٌ وعز الأبلق، ومنه: الأمرد الذي لا لحية له، فمعنى ﴿مَرَدُوا﴾ في هذه الآية: لَجُّوا فيه، واستهتروا به، وعَتَوْا على زاجِرهم»