ذكر ابنُ عطية (٤/٥٣٨-٥٣٩) في الآية احتمالين، فقال: «وقوله تعالى: ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: كل ذي إحسان بقوله، أو بفعله، أو قوته، أو بماله، أو غير ذلك، مما يمكن أن يتقرب به. و﴿فَضْلَهُ﴾ يحتمل أن يعود الضمير فيه على ﴿ذي﴾ أي: ثواب فضله وجزاءه. ويحتمل أن يعود الضمير فيه على الله عز وجل، أي: يؤتي اللهُ فضلَه كل ذي فضل وعمل صالح من المؤمنين، ونحو هذا المعنى ما وعد به تعالى من تضعيف الحسنة بعشر أمثالها، ومن التضعيف غير المحصور لمن شاء، وهذا التأويل تأوَّله ابن مسعود، وقال: ويلٌ لِمَن غلبت آحادُه عشراته. ويحتمل أن يكون قولُ ابن مسعود موافقًا للمعنى الأول»
ذكر ابنُ عطية (٥/٣٧٦) احتمالين في المراد من ﴿اليوم﴾، فقال: «وقوله: ﴿اليَوْمَ﴾ يحتمل أن يريد: يوم الإخبار بهذه الآية، وهو بعد موت أولئك الأمم المذكورة، أي: لا ولي لهم مذ ماتوا واحتاجوا إلى الغوث إلا الشيطان. ويحتمل أن يريد: يوم القيامة، والألف واللام فيه للعهد، أي: هو وليهم في اليوم المشهود، وهو وقت الحاجة والفصل. ويحتمل أن يريد: فهو وليُّهم مدة حياتهم، ثم انقطعت ولايته بموتهم. وعبر عن ذلك بقوله: ﴿اليَوْمَ﴾ تمثيلًا للمخاطبين بمدة حياتهم، كما تقول لرجل شاب تحضه على طلب العلم: يا فلان، لا يدرس أحد من الناس إلا اليوم. تريد: في مثل سنك هذه. فكأنه قال لهؤلاء: ﴿فَهُوَ ولِيُّهُمُ﴾ في مثل حياتكم هذه، وهي التي كانت لهم»
اختُلِف في معنى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: أنه قرابة الرجل من قِبل أبيه وأمه. الثاني: أنهم قرابة الرسول ﷺ. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/٥٦٣-٥٦٤) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، وقول عكرمة، وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «أن الله عز وجل عقَّب ذلك عَقيبَ حضِّه عباده على بِرِّ الآباء والأمهات، فالواجب أن يكون ذلك حضًّا على صلة أنسابهم دون أنساب غيرهم التي لم يَجْرِ لها ذِكْر». ورجَّحه ابنُ عطية (٥/٤٦٥) أيضًا مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «والقول الأول أبْيَن، ويعضده العطف بالمسكين وابن السبيل»
اختُلِف في معنى قوله: ﴿مما تصفون﴾؛ فقال قوم: تشركون. وقال غيرهم: تكذبون. واختار ابنُ جرير (١٦/٢٤١) تقارب المعنى بينهما لدلالة العقل، فقال: «لأنّ مَن وصف الله بأن له صاحبة فقد كذب في وصْفِه إيّاه بذلك، وأشرك به، ووصفه بغير صفته». وذكر أنّ المعنى: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته، وقيلكم إنه اتخذ زوجة وولدًا، وفريتكم عليه. وساق القولين ثم قال: «غير أن أولى العبارات أن يعبر بها عن معاني القرآن أقربها إلى فهم سامعيه». وذكر ابنُ عطية (٦/١٥٧) قولًا بأنّ المراد بالويل: واد في جهنم، واختاره بقوله: «هو المراد في الآية». ولم يذكر مستندًا
اختُلِف في معنى: ﴿زُبُرًا﴾ في هذه الآية على ثلاثة أقوال بناءً على اختلافهم في قراءتها؛ فمن قرأها: ﴿زُبُرًا﴾ بضم الزاي والباء اختلفوا على معنيين: الأول: فتَفَرَّقوا دينهم بينهم كتبًا، فدان كلُّ فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي دان به الفريق الآخر. الثاني: فتَفَرَّقوا دينهم بينهم كُتُبًا أحدثوها، يَحْتَجُّون فيها لمذاهبهم. ومَن قرأها: (زُبَرًا) بضم الزاي وفتح الباء، ذهبوا إلى أن المعنى: فتفرقوا بينهم قطعًا كزُبَرِ الحديد. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٦٣) مستندًا إلى الإجماع قراءة: ﴿زُبُرًا﴾ بضم الزاي والباء، وأنّ المراد بالزُّبُر: الكتب، وأن المعنى: «فَتَفَرَّق الذين أمرهم الله بلزوم دينه من الأمم دينَهم بينَهم كُتُبًا»
ذكر ابنُ جرير (١٧/٧٢) قول ابن عباس، ثم ذكر قولَيْن آخرَيْن في معنى الآية، ولم ينسبهما: الأول: وهم إليها سابقون. الثاني: وهم من أجلها سابقون. ثم رجَّح مستندًا إلى الأغلب من لغة العرب قولَ ابن عباس «مِن أنه: سبقت لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم في الخيرات، ولما سبق لهم من ذلك سارعوا فيها». وعلَّل ذلك بقوله: «لأن ذلك أظهر معنَيَيْه، وأنّه لا حاجة بنا إذا وجَّهْنا تأويل الكلام إلى ذلك إلى تحويل معنى اللام التي في قوله: ﴿وهُمْ لَها﴾ إلى غير معناها الأغلب عليها». ووجَّه ابنُ عطية (٦/٣٠٥) معنى «السباق» على القول الأول بقوله: «فالسباق -على هذا التأويل- هو إلى رضوان الله»؟ وعلى القول الثاني بقوله: «هو إلى الخيرات»
اختلف في سبب دخول موسى عليه السلام هذه المدينة في هذا الوقت على أقوال: الأول: دخلها مُتَّبِعًا أثر فرعون، وذلك أنّ فرعون رَكِبَ يومًا وليس عنده موسى، فلمّا جاء موسى رَكِبَ في إثْره، فأدركه المقيل في تلك المدينة. الثاني: دخلها مُستَخْفِيًا مِن فرعون وقومه؛ لأنّه كان قد خالفهم في دينهم، وعاب عليهم ما كانوا عليه. الثالث: أنهم لما أخرجوه لم يدخل عليهم حتى كَبِر، فدخل على حين غفلة عن ذِكْرِه؛ لأنه قد نُسِيَ أمره. ورجَّح ابن جرير (١٨/١٨٥) مستندًا إلى دلالة ظاهر الآية «أن يقال كما قال الله -جلَّ ثناؤه-: ولما بلغ أشُدَّه واستوى دخل المدينة على حين غفلةٍ من أهلها»
اختلف في المنكر الذي عناه الله في الآية على أقوال: الأول: أنه الضّراط. الثاني: أنهم كانوا يحذفون مَن مَرَّ بهم. الثالث: أنه إتيان الفاحشة في المجالس. الرابع: الصفير، ولعب الحمام، وتطريف الأصابع بالحناء، ونبذ الحياء. وعلَّق ابنُ عطية (٦/٦٤١) على القول الرابع بقوله: «وقد توجد هذه الأشياء في بعض عصاة أمة محمد ﷺ، فالتناهي واجب». وقد رجّح ابنُ جرير (١٨/٣٩٢) مستندًا إلى السنة القول الثاني، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: وتحذفون في مجالسكم المارَّةَ بكم، وتسخرون منهم؛ لما ذكرنا من الرواية بذلك عن رسول الله ﷺ»
ذكر ابنُ عطية (٧/٤٩٠) أن قوله: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون تسلية للنبي ﷺ عن مقالات قومه، أي ما تلقى -يا محمدُ- من المكروه منهم، ولا يقولون لك من الأقوال المؤلمة، إلا ما قد قيل ولُقي به مَن تقدمك مِن الرسل، فلتتأسّ بهم، ولتمض لأمر الله تعالى، ولا يهمك شأنهم. والثاني: أن تكون الآية تلخيصًا لمعاني الشرع، أي: ما يقال لك من الوحي، وتخاطب به من جهة الله تعالى، إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، ثم فسَّر الله تعالى ذلك الذي قيل لجميعهم وهو ﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة﴾ للطائعين، ﴿وذُو عِقابٍ﴾ للكافرين. وفي هذه الكلمات جماع النهي والزجر الموعظة، وإليها يرجع كل نظر
ذكر ابنُ عطية (٧/٦٨٤) للام في قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ﴾ احتمالين: الأول: «أن تتعلق بمحذوف من القول، تقديره: لولا هؤلاء لدخلتم مكة، لكن شرَّفنا هؤلاء المؤمنين بأن رحمناهم ودفعنا بسببهم عن مكة لِيُدْخِلَ اللَّهُ تعالى». ثم وجَّهه بقوله: «أي: ليبيِّن للناظر أنّ الله يُدخِل في رحمته مَن يشاء، أو أي: لِيَقَع دخولهم في رحمة الله تعالى ودفعه عنهم». الثاني: «أن تتعلق بالإيمان المتقدِّم الذِّكر». ثم وجَّهه بقوله: «فكأنه تعالى قال: ولولا قوم مؤمنون آمنوا لِيُدْخل الله في رحمته». غير أنه انتقده -مستندًا إلى لفظ الآية- قائلًا: «وهذا مذكور، لكنه ضعيف؛ لأن قوله تعالى: ﴿مَن يَشاءُ﴾ يضعف هذا التأويل»