ظاهر قول مقاتل وقول الضحاك السابق عليه تفسيرُ الإسراف في الآية بالخطايا الكبار، وقد نقل ابنُ تيمية (٢/١٥٦) أنّ بعض العلماء فرَّق بين الذنوب وبين الإسراف، فقال: «قيل: إنّ الذنوب هي الصغائر، والإسراف هو الكبائر». ثُمَّ علَّق بقوله: «والتحقيق: أنّ الذنوب اسمُ جنس، والإسراف: تعدي الحد، ومجاوزة القصد، كما في لفظ الإثم والعدوان، فالذنوب كالإثم، والإسراف كالعدوان، كما في قوله: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ ومجاوزة قدر الحاجة، فالذنوب مثل اتباع الهوى بغير هدى من الله، فهذا كله ذنب، كالذي يرضى لنفسه، ويغضب لنفسه، فهو متبع لهواه، والإسراف كالذي يغضب لله، فيعاقب أكثر مما أمر الله، والآية في سياق قتال المشركين، وما أصابهم يوم أحد»
قال ابنُ كثير (٣/٣٦٧): «هذه الآية الكريمة، والتي بعدها، والآية التي هي خاتمة هذه السورة؛ هُنَّ آياتُ علم الفرائض، وهو مستنبط مِن هذه الآيات الثلاث، ومِن الأحاديث الواردة في ذلك مما هو كالتفسير لذلك». وقال أيضًا (٣/٣٧١ بتصرف): «وقد استنبط بعضُ الأذكياء مِن هذه الآية: أنّه تعالى أرحمُ بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعُلِم أنّه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأةً مِن السبي فُرِّق بينها وبين ولدها، فجعلت تدور على ولدها، فلما وجدته مِن السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أترون هذه طارِحَةً ولدَها في النار وهي تقدِرُ على ذلك؟». قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «فواللهِ، لَلهُ أرحمُ بعباده مِن هذه بولدها»»
قال ابنُ عطية (٣/٢٢٧) في تفسير الآية: «ومعنى الآية: لا تتبعوا أنتم أهواءكم كما اتبع أولئك أهواءهم. فالمعنى: لا تتبعوا طرائقهم. والذي دعا إلى هذا التأويل أنّ النصارى في غُلُوِّهم ليسوا على هوى بني إسرائيل، هم بالضِّدِّ في الأقوال، وإنما اجتمعوا في اتباع نوع الهوى، فالآية بمنزلة قولك لمن تلومه على عِوَج: هذه طريقة فلان. تُمَثِّله بآخر قد اعْوَجَّ نوعًا آخر من الاعوجاج، وإن اختلفت نوازله». وبيّن أن قوله تعالى: ﴿قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا﴾ وصف لليهود بأنهم قد ضلوا قديمًا، وأضلُّوا كثيرًا من أتباعهم، ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى: يا أهل الكتاب من النصارى، لا تتبعوا أهواء هؤلاء اليهود الذين ضلُّوا من قبل، أي: ضل أسلافهم وهم قبل مجيء محمد، وأضلوا كثيرًا من المنافقين، وضلوا عن سواء السبيل الآن بعد وضوح الحق»
اختلف أهل التفسير في السبب الذي من أجله جعل الله مثله كمثل الكلب؛ فقال بعضهم: مثَّله به لتركه العمل بآيات الله سواء وُعِظ أم لم يوعظ. وقال آخرون: إنّما مَثَّله بالكلب لأنّه كان يلهث كما يلهث الكلب. ورجَّح ابنُ جرير (١٠/٥٨٨) القولَ الأول مستندًا إلى ظاهر الآية، وانتقد الثاني الذي قاله السدي لمخالفته الواقع، فقال: «لدلالة قوله تعالى: ﴿ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾، فجعل ذلك مثل المكذبين بآياته. وقد علمنا أنّ اللِهاث ليس في خِلْقة كلِّ مكذب كُتِب عليه ترك الإنابة من تكذيب بآيات الله، وإن ذلك إنما هو مَثَلٌ ضربه الله لهم، فكان معلومًا بذلك أنّه لِلَّذي وصف اللهُ صفته في هذه الآية -كما هو لسائر المكذبين بآيات الله- مَثَلٌ»
نقل ابنُ كثير (٨/١٩٣) عن قتادة في قوله تعالى: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾، «أي: بسبب ما أشركتمون من قبل». ثم نقل عن ابن جرير أنّ المعنى: «إنِّي جحدت أن أكون شريكًا لله عز وجل». ثم رجَّح قولَ ابن جرير مستندًا إلى دلالة القرآن قائلًا: «وهذا الذي قاله هو الراجح، كما قال تعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ * وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥-٦]، وقال: ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨٢]». وما نقلَه ابن كثير عن قتادة هو خلاف المثبت عنه هنا، وما عزاه لابن جرير ليس في تفسيره (١٣/٦٣٢)
رجَّح ابنُ جرير (٩/٤٠-٤١) مستندًا إلى السياق قول الشعبي بأنّ المعنيِّين بقوله: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾: هم المتبوعون، الذين سنُّوا لأهل الشرك السُّنن الرديئة. وأن المعنيِّين بقوله: ﴿وأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾: هم أتباع من سَنَّ لهم هذه السُّنن من جهلة المشركين. ووافقه ابنُ عطية (٣/٢٧٨). ثم انتَقَدا استنادًا إلى مخالفة السياق، وقولِ قتادة قولَ محمد بن أبي موسى، فبيَّن ابنُ جرير بأن هذا القول لا معنى له، لأنّ: «النكير في ابتداء الآية من الله تعالى على مشركي العرب، فالختم بهم أولى من غيرهم، إذ لم يكن عرَض في الكلام ما يُصرَف من أجله عنهم إلى غيرهم». وانتقده ابنُ عطية بقوله: «وهذا تفسير مَن انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها وارتبط بها من المعنى، وعما تأخر أيضًا من قوله: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾»
اختُلِف في تفسير قوله: ﴿ثم لم تكن فتنتهم﴾ على قولين: الأول: معناه: ثم لم يكن قولهم. والثاني: معنى ذلك: معذرتهم. واختار ابنُ جرير (٩/١٩١-١٩٢) جمعَ كلا المعنيين لدلالة السياق، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال معناه: ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارًا مما سلف منهم من الشرك بالله ﴿إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾. فوُضِعت الفتنة موضع القول لمعرفة السامعين معنى الكلام، وإنما الفتنة: الاختبار والابتلاء، ولكن لما كان الجواب من القوم غير واقع هنالك إلا عند الاختبار وُضِعت الفتنة التي هي الاختبار موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم». وذكر ابنُ عطية (٣/٣٣٥-٣٣٦) أنّ الفتنة لفظة مشتركة تأتي بمعنى: حب الشيء والإعجاب به، وتأتي بمعنى: الاختبار، وأفاد احتمال الآية للمعنييين، وأنّ كلا القولين داخلان فيما ذكر
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿أذن الله أن ترفع﴾؛ فقال بعضهم: أذن الله أن تبنى. وقال آخرون: أذن الله أن تعظَّم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٣١٨) مستندًا إلى النظائر والأغلب في لغة العرب القول الأول، فقال: «وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب القولُ الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه: أذن الله أن ترفع بناء، كما قال -جلَّ ثناؤه-: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت﴾ [البقرة:١٢٧]، وذلك أنّ ذلك هو الأغلب مِن معنى الرفع في البيوت والأبنية». ووجّه ابنُ عطية (٦/٣٩٠-٣٩١) القولَ الأول، فقال: «و﴿تُرْفَعَ﴾ قيل: معناه: تبنى وتعلى. قاله مجاهد وغيره، فذلك كنحو قوله تعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ [البقرة:١٢٧]، وقال رسول الله ﷺ: «مَن بنى مسجدًا مِن ماله بنى الله له بيتًا في الجنة». وفي هذا المعنى أحاديث»
اختلفت عبارات السلف في تفسير قوله: ﴿يلق آثاما﴾ على أقوال: الأول: أنه واد في جهنم. الثاني: أنه بئر في جهنم. الثالث: معنى ﴿أثامًا﴾: جزاء. وقد ذكر ابنُ كثير (١٠/٣٢٦) هذه الأقوال، ثم رجّح القول الثالث مستندًا إلى السياق، فقال: «وقال السدي: ﴿يلق أثاما﴾: جزاء. وهذا أشبه بظاهر الآية؛ ولهذا فسره بما بعده مبدلًا منه، وهو قوله: ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة﴾». ورجّح ابنُ جرير (١٧/٥٠٥-٥١٣ بتصرف) صحّة جميعها مستندًا إلى أقوال أهل التأويل: «﴿يلق أثاما﴾ يقول: يلق من عقاب الله عقوبة ونكالًا، كما وصفه ربنا -جل ثناؤه-، وهو أنه ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾. وبنحو الذي قلنا في الأثام مِن القول قال أهل التأويل، إلا أنهم قالوا: ذلك عقاب يعاقِب الله به مَن أتى هذه الكبائر بواد في جهنم يدعى: أثامًا»
وجه ابنُ تيمية (٥/٩١) تفسير الحسنة بكلمة التوحيد، والسيئة بالشرك، فقال: «فأهل القول الأول قالوه لدخول أعمال البر في التوحيد؛ لأنه عبادة الله بما أمر به، كما قال تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ [البقرة:١١٢]، وقال تعالى: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة... ﴾ [إبراهيم:٩١]، فالكلمة الطيبة هي التوحيد، وهي كالشجرة، والأعمال ثمارها في كل وقت، وكذلك السيئة هي العمل لغير الله، وهذا هو الشرك، فالإنسان حارث همام لابد له مِن عمل، ولابد له من مقصود يعمل لأجله، وإن عمل لله ولغيره فهو شِرك، والذنوب من الشرك، فإنها طاعة للشيطان، قال: ﴿إني كفرت بما أشركتموني من قبل﴾ [إبراهيم:٢٢]، ﴿ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان﴾ [يس:٦٠]، وفي الحديث: «وشر الشيطان، وشركه»»