سورة الممتحنة — الآية ١٠

عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق محمد بن إسحاق- قال: لما نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات﴾ إلى قوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾؛ كان ممن طلّق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأته قُرَيبة ابنة أبي أُميّة بن المُغيرة، فتزوّجها بعده معاوية بن أبي سُفيان، وهما على شِركهما بمكة، وأُمّ كُلثوم ابنة جَرول الخُزاعيّة أُمّ عبيد الله بن عمر، فتزوّجها أبو جهم بن حُذافة بن غانم؛ رجل من قومه، وهما على شرِكهما، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التيمي كانت عنده أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المُطّلب، ففرَّق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسُّك بعِصَم الكوافر، وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة على دين قومها، ثم تزوّجها في الإسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أُميّة بن عبد شمس، وكان ممن فَرَّ إلى رسول الله ﷺ من نساء الكفار ممن لم يكن بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فحبسها وزوّجها رجلًا من المسلمين أُميمة بنت بشر الأنصارية، ثم إحدى نساء بني أُميّة بن زيد من أوس الله، كانت عند ثابت بن الدّحداحة، ففَرّت منه -وهو يومئذ كافر- إلى رسول الله ﷺ، فزَوَّجها رسولُ الله ﷺ سهلَ بن حُنَيف أحد بني عمرو بن عوف، فولَدت عبد الله بن سهل

سورة الجمعة — الآية ٦

قال مقاتل بن سليمان: قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ كتب إلى يهود المدينة يدعوهم إلى دينه الإسلام، فكتب يهود المدينة إلى يهود خيبر: إنّ محمدًا يزعم أنه نبي، وإنه يدعونا وإياكم إلى دينه، فإن كنتم تريدون مُتابعته فاكتبوا إلينا ببيان ذلك، وإلا فأنتم ونحن على أمر واحد؛ لا نؤمن بمحمد، ولا نَتّبعه. فغَضِبت يهود خيبر، فكتبوا إلى يهود المدينة كتابًا قبيحًا، وكتبوا أنّ إبراهيم كان صِدِّيقًا نبيًّا، وكان من بعد إبراهيم إسحاق صِدِّيقًا نبيًّا، وكان من بعد إسحاق يعقوب صِدِّيقًا نبيًّا، وولد يعقوب اثنا عشر، فوُلد لكلّ رجل منهم أُمّة من الناس، ثم كان مِن بعدهم موسى، ومن بعد موسى عُزَير، فكان موسى يقرأ التوراة من الألواح، وكان عُزَير يقرؤها ظاهرًا، ولولا أنه كان ولدًا لله ونبيّه وصَفيّه لم يُعطه ذلك، فنحن وأنتم من سِبطه، وسِبط مَن اتخذه الله خليلًا، ومن سِبط مَن كلّمه الله تكليمًا، فنحن أحقّ بالنبوة والرسالة من محمد ﷺ، ومتى كان الأنبياء من جزائر العرب؟! ما سمعنا بنبيٍّ قطّ كان مِن العرب إلا هذا الرجل الذي تزعمون، على أنّا نجد ذِكره في التوراة، فإن تبعتموه صَغَرَكُم ووَضَعَكُم، فنحن أبناء الله وأحبّاؤه. فقال الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾ لليهود ﴿إنْ زَعَمْتُمْ﴾ يعني: إذا زعمتم ﴿أنَّكُمْ أوْلِياءُ لِلَّهِ﴾ في الآخرة ﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾ وأحبّاؤه؛ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بأنكم أولياؤه وأحبّاؤه، وأنّ الله ليس بمعذّبكم

رَجَّحَ ابن جرير (١‏/‏٤٩٨-٥٠١) بدلالة ظاهر الآية، ونظائرها أن الله عز وجل أخبر الملائكة بأن ذرية خليفته في الأرض يفسدون فيها، ويسفكون فيها الدماء. وأنّ قول الملائكة له: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ استخبارٌ منها لربها، لا إنكار منها لما أعلمها ربها أنه فاعل. وقال (١‏/‏٥٠٠-٥٠١): «فإن قال قائل: فإن كان أوْلى التأويلات بالآية هو ما ذكرت، من أنّ الله أخبر الملائكة بأن ذرية آدم خليفته في الأرض يفسدون فيها، ويسفكون فيها الدماء، فمن أجل ذلك قالت الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، فأين ذكر إخبار الله إياهم في كتابه بذلك؟ قيل له: اكتفى بدلالة ما قد ظهر من الكلام عليه عنه، فقوله: ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها﴾؛ لِما كان فيه دلالة على ما تُرِك ذِكْرُه بعد قوله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ من الخبر عَمّا يكون من إفساد ذريته في الأرض، اكتفى بدلالته، وحذف وترك ذِكْرَه، ونظائر ذلك في القرآن، وأشعار العرب، وكلامها أكثر من أن يحصى». وانتقد ابن جرير (١‏/‏٥٠٠) ما سوى ذلك بقوله: «وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس، ووافقه عليه الربيع بن أنس، وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك؛ لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطع مجيئه العذر، ويلزم سامعه به الحجة، والخبر عما مضى وما قد سلف، لا يدرك علم صحته إلا بمجيئه مجيئًا يمتنع معه التَّشاغُب والتَّواطُؤ، ويستحيل معه الكذبُ والخطأُ والسَّهْوُ، وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس، ووافقه عليه الربيع، ولا فيما قاله ابن زيد»

بَيَّن ابنُ جرير (٣‏/‏٥٣٠-٥٣٢) أنّه لولا الإجماع الآنف الذكر الذي رجَّح به قول عائشة وابن عباس لَرَجَّح قول الضحاك هذا؛ للدلالة العقلية، فقال: «ولولا إجماعُ مَن وصفتُ إجماعَه على أنّ ذلك تأويلُه لَقُلْتُ: أوْلى التأويلين بتأويل الآية ما قاله الضحاك مِن أنّ الله عنى بقوله: ﴿من حيث أفاض الناس﴾: من حيث أفاض إبراهيم؛ لأن الإفاضة من عرفات لا شكَّ أنها قبل الإفاضة من جَمْع، وقيل وجوب الذكر عند المشعر الحرام، وإذ كان ذلك لا شك كذلك، وكان الله عز وجل إنّما أمر بالإفاضة من الموضع الذي أفاض منه الناس بعد انقضاء ذكر الإفاضة من عرفات وبعد أمره بذكره عند المشعر الحرام بقوله: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾؛ كان معلومًا بذلك أنه لم يأمر بالإفاضة إلا من الموضع الذي لم يفيضوا منه دون الموضع الذي قد أفاضوا منه، إذ كان الموضع الذي قد أفاضوا منه فانقضى وقت الإفاضة منه لا وجه لأن يُقال: أفِضْ منه. فإذا كان لا وجه لذلك، وكان غير جائز أن يأمر الله جل وعز بأمرٍ لا معنى له؛ كانت بينة صحة ما قاله من التأويل في ذلك، وفساد ما خالفه، لولا الإجماع الذي وصفناه». وعَلَّق ابنُ عطية (١‏/‏٤٩٠) على قول الضحاك، فقال: «وقال الضحاك: المخاطب بالآية جملة الأمة، والمراد بـ﴿النّاسُ﴾ إبراهيم عليه السلام، كما قال: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران:١٧٣] وهو يريد واحدًا، ويحتمل على هذا أن يُؤْمَرُوا بالإفاضة من عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى، وهي التي من المزدلفة، فتجيء ﴿ثُمَّ﴾ على هذا الاحتمال على بابها»

اختلف أهل التفسير في الذي دلَّت عليه هذه الآيةُ مِن مبلغ غايةِ رضاع المولودِين؛ فقال بعضهم: هو حدٌّ لبعضٍ دون بعض. وقال آخرون: بل ذلك حدُّ رضاع مَنِ اختلف والداه في رضاعه، فأراد أحدُهما البلوغَ إليه والآخرُ التقصيرَ عنه. وقال غيرهم: بل ذلك دلالة على ألّا رضاع بعد الحولين. وذهب قومٌ إلى أنّ الحولين كانا بهذه الآية فرضًا خُفِّف بقوله: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾، فجُعِل الخيارُ في ذلك للآباء. وجَمَع ابنُ جرير (٤‏/‏٢٠٦-٢٠٨) بين مختلف الأقوال دون الأخير المرويِّ عن قتادة، والربيع، مستندًا للدلالة العقلية في ظاهر القرآن، فقال: «فأمّا قولُنا: إنّه دلالةٌ على الغاية التي ينتهى إليها في الرضاع عند اختلاف الوالدين فيه فلِأَنَّ الله -تعالى ذِكْرُه- لَمّا حَدَّ في ذلك حَدًّا كان غيرَ جائز أن يكون ما وراء حَدِّه موافقًا في الحكم ما دونه؛ لأنّ ذلك لو كان كذلك لم يكن للحدِّ معنًى معقول، وإذا كان ذلك كذلك فلا شكَّ أنّ الذي هو دون الحولين مِن الأجل لما كان وقتَ رضاع كان ما وراءه غير وقت له، وأنّه وقتٌ لترك الرضاع، وأنّ تمام الرضاع لما كان تمام الحولين، وكان التّامَّ من الأشياء لا معنى للزيادة فيه، كان لا معنى للزيادة في الرضاع على الحولين، وأنّ ما دون الحولين من الرضاع لما كان محرمًا كان ما وراءه غير محرم. وإنّما قُلنا هو دلالةٌ على أنّه معنيٌّ به كلُّ مولود لأيٍّ وقت كان ولاده؛ لستة أشهر، أو سبعة، أو تسعة؛ لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- عَمَّ بقوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾، ولم يُخَصِّص به بعضَ المولودين دونَ بعض»

اختُلِف في الوارث الذي عُنِي بالآية، وأيُّ وارث هو؟ ووارث مَن هو؟. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏٢٣٣-٢٣٥ بتصرف) هذا القولَ الذي قال به قبيصة بن ذؤيب، والضحاك من طريق ابن المبارك عن جويبر، وبشير بن النضر، مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «لأنّه غيرُ جائز أن يُقال في تأويل كتاب الله -تعالى ذِكْرُه- قولٌ إلا بحُجَّة واضحة، وإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ محتمِلًا ظاهرُه: وعلى وارث الصبي المولود مثل الذي كان على المولود له، ومحتمِلًا: وعلى وارث المولود له مثلُ الذي كان عليه في حياته من ترك ضرار الوالدة ومن نفقة المولود، وغير ذلك من التأويلات، وكان الجميع من الحُجَّة قد أجمعوا على أنّ مِن ورثة المولود مَن لا شيء عليه مِن نفقته وأجر رضاعه، وصحَّ بذلك من الدلالة على أنّ سائر ورثته غير آبائه وأمهاته وأجداده وجداته من قِبَل أبيه أو أُمِّه في حكمه في أنّهم لا يلزمُهم له نفقةٌ ولا أجرُ رضاعٍ، إذ كان مولى النعمة من ورثته، وهو ممن لا يلزمه له نفقة، ولا أجر رضاع؛ فوجب بإجماعهم على ذلك أنّ حُكْمَ سائر ورثته غيرُ من استثني حكمه، وكان إذا بطل أن يكون معنى ذلك ما وصفنا من أنّه معنيٌّ به ورثةُ المولود؛ فبُطُولُ القولِ الآخرِ -وهو أنه معنيٌّ به ورثةُ المولود له سوى المولود- أحرى؛ لأنّ الذي هو أقرب بالمولود قرابة مِمَّن هو أبعد منه إذا لم يصح وجوب نفقته وأجر رضاعه عليه، فالذي هو أبعدُ منه قرابةً أحرى أن لا يصِحَّ وجوبُ ذلك عليه». ووجَّه ابنُ جرير معنى الآية على هذا القول، فقال: «وتأويل ذلك على ما تأوَّله هؤلاء: وعلى الوارث المولودِ مثلُ ما كان على المولودِ له»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ على أقوال: الأول: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يُقْبَل منكم. الثاني: أن العبد إذا عمل بطاعة الله لم يضره من ضل بعده وهلك. الثالث: لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب. الرابع: عُنِي بذلك كل من ضل عن دين الله الحق. وقد رجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٥٤) مستندًا إلى السنة، والدلالة العقلية القول الثالث، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البر والتقوى، ومن القيام بالقسط الأخذ على يَدَيِ الظالم، ومن التعاون على البر والتقوى الأمر بالمعروف، وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول ﷺ من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولو كان للناس ترك ذلك لم يكن للأمر به معنًى إلا في الحال التي رخص فيه رسول الله ﷺ ترك ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فيكون مرخَّصًا له تركه، إذا قام حينئذٍ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٢٧٩) حديث أبي أمية الشعباني، ثم رجَّحه مستندًا إلى السنة قائلًا: «وهذا هو التأويل الذي لا نظر لأحد معه؛ لأنه مستوفٍ للصلاح، صادر عن النبي عليه الصلاة والسلام». ونقل ابنُ عطية (٣‏/‏٢٨٠) عن المهدوي قوله: «وقد قيل: هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ثم انتقده قائلًا: «وهذا ضعيف، ولا يعلم قائله»

رجّح ابنُ عطية (٣‏/‏٥٥٣) أنّ الإثم في الآيةِ لفظ عامٌّ لجميع الأقوال والأفعال التي يتعلق بمرتكبها إثم، قال: «﴿والإثْمَ﴾: لفظه عامٌّ لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم». ثم أشار إلى ما جاء في قول الحسن من أنّ الإثم الخمر، وانتَقَدَه (٣‏/‏٥٥٣-٥٥٤) مستندًا إلى زمن النزول، واللغة، ودلالة العقل قائلًا: ""وقال بعضُ الناس: هي الخمر. واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر:شربت الإثم حتى طار عقليوهذا قول مردودٌ؛ لأنّ هذه السورة مكية، ولم تعن الشريعة لتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحُد؛ لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها يوم أحد، وماتوا شهداء وهي في أجوافهم، وأيضًا فبيت الشعر يُقال: إنّه مصنوع مُخْتَلق. وإن صحَّ فهو على حذف مضاف، وكان ظاهر القرآن على هذا القول أنّ تحريم الخمر من قوله تعالى: ﴿«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٩]، وهو في هذه الآية قد حرم، فيأتي من هذا أنّ الخمر إثم، والإثم مُحَرَّم؛ فالخمر محرمة. ولكن لا يصح هذا؛ لأن قوله: ﴿فِيهِما إثْمٌ﴾ لفظ محتمل أن يراد به: أنه يلحق الخمر من فساد العقل والافتراء وقتل النفس وغير ذلك آثام، فكأنه قال: في الخمر هذه الآثام، أي: هي بسببها ومعها، وهذه الأشياء محرمة لا محالة، وخرجت الخمر من التحريم على هذا، ولم يترتب القياس الذي ذهب إليه قائل ما ذكرناه، ويعضد هذا أنّا وجدنا الصحابة يشربون الخمر بعد نزول قوله: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ﴾، وفي بعض الأحاديث: فتَرَكها قومٌ للإثم الذي فيها، وشربها قوم للمنافع. وإنّما حُرِّمت الخمر بظواهر القرآن، ونصوص الأحاديث، وإجماع الأمة»

رجَّح ابنُ القيم (١‏/‏٤٢١-٤٢٢) تفسير الميثاق بالفطرة؛ مستندًا إلى السنة، ودلالة العقل، وظاهر اللفظ، والنظائر، فقال: «وأحسن ما فسرت به الآية قوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، ويُنَصِّرانه». فالميثاق الذي أخذه سبحانه عليهم، والإشهاد الذي أشهدهم على أنفسهم، والإقرار الذي أقروا به؛ هو الفطرة التي فُطِروا عليها؛ لأنه سبحانه احتج عليهم بذلك، وهو لا يحتج عليهم بما لا يعرفه أحدٌ منهم ولا يذكره، بل بما يشتركون في معرفته والإقرار به. وأيضًا فإنّه قال: ﴿وإذْ أخَذَ ربك منْ بني آدَمَ مِن ظُهورِهمْ ذريتهُمْ﴾ ولم يقل: من آدم، ثم قال: ﴿من ظهورهم﴾، ولم يقل: من ظهره، ثم قال: ﴿ذريتهم﴾ ولم يقل: ذريته، ثم قال: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم﴾ وهذا يقتضي إقرارهم بربوبيته إقرارًا تقوم عليهم به الحجة. وهذا إنما هو الإقرار الذي احتج به عليهِم على ألسنة رسله كقوله تعالى: ﴿ولَئنْ سألْتهَمْ منْ خَلَقَهمْ لَيقوِلُن الله﴾ [الزخرف:٨٧]، ﴿ولَئنْ سَألْتَهُمْ من خَلَقَ السموات والأرْضَ ليَقُولُن الله﴾ [لقمان:٢٥، والزمر:٣٨]... يحتج عليهم بما فُطِروا عليه من الإقرار بربهم وفاطرهم، ويدعوهم بهذا الإقرار إلى عبادته وحده وألّا يشركوا به شيئًا، هذه طريقة القرآن، ومن ذلك هذه الآية... ولهذا قال في آخرها: ﴿أن تُقولُوا يَوِمَ القيامَة إنا كنا عَن هذا غافلينَ أو تَقُولُوا إنما أشرَكَ آباونا مَن قبل وكنا ذُرية منْ بعْدهم أفتهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطَلَونَ﴾، فاحتج عليهم بما أقرُّوا به من ربوبيته على بطلان شركهم وعبادة غيره، وألّا يعتذروا؛ إمّا بالغفلة عن الحق، وإمّا بالتقليد في الباطل»

اختُلِف في هذا الرجل على أقوال: الأول: رجل من بني إسرائيل يدعى: بلعم. والثاني: رجل من اليمن. والثالث: كان من الكنعانيين. والرابع: هو أمية بن أبي الصلت. ورجَّح ابنُ جرير (١٠‏/‏٥٧٤-٥٧٥) جواز صحة بعض تلك الأقوال، وعدم القطع بصحة أحدها دون الآخر لعدم الدليل على ذلك، فقال: «وجائز أن يكون الذي آتاه الله الآيات: بلعم. وجائز أن يكون: أمية... فالصواب أن يُقال فيه ما قال الله، ويُقَرُّ بظاهر التنزيل على ما جاء به الوحي من الله». ورجَّح ابنُ كثير (٦‏/‏٤٥٠) القول الأول، فقال: «وأمّا المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة فإنّما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل». وعلَّق ابنُ كثير على قول عبد الله ابن عمرو بقوله: «وقد روي من غير وجه، عنه وهو صحيح إليه». ثم وجَّهه بقوله: «وكأنّه إنما أراد أنّ أمية بن أبي الصلت يشبهه، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه، فإنّه أدرك زمانَ رسول الله ﷺ، وبَلَغَتْه أعلامُه وآياتُه ومعجزاتُه، وظهرت لكل مَن له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يَتَّبِعْه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة -قبحه الله تعالى-، وقد جاء في بعض الأحاديث: أنه ممن آمن لسانه، ولم يؤمن قلبه. فإنّ له أشعارًا ربّانِيَّةً، وحِكَمًا، وفصاحة، ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام». وقد قال بقول ابن عمرو الزهريُّ، وقتادةُ، وسعيدُ بن جبير، وابنُ السائب