انتَقَدَ ابنُ كثير (٣/٨-٩) مستندًا إلى القرآن كونَ قولِ مجاهد تفسيرًا لهذه الآية بقوله: «وهذا إنّما هو في تفسير قوله: ﴿كتابًا متشابهًا مثاني﴾ [الزمر:٢٣]، هناك ذكروا: أنّ المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين؛ كصفة الجنة وصفة النار، وذكر حال الأبرار ثم حال الفجار ونحو ذلك، فأمّا هاهنا فالمتشابه هو الذي يقابل المُحْكَم». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٢/٢٩)، وزاد فقال: «كذلك قوله: ﴿فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾ لو أريد بالمتشابه تصديق بعضه بعضًا لكان اتِّباع ذلك غير محذور، وليس في كونه يُصَدِّق بعضه بعضًا ما يمنع ابتغاء تأويله»
علَّق ابنُ عطية (٣/٣١٩ ط: دار الكتب العلمية) على قول ابن زيد بقوله: «والمعنى: مدحهم بأنهم لشدة إيمانهم يسرون بجميع ما يرد على النبي ﷺ من زيادات الشرع». وذكر ابنُ عطية (٥/٢١٠) أنّ فرقة قالت: المراد بـلذين آتَيْناهُمُ الكِتابَ: اليهود والنصارى، وعلَّق عليه بقوله: «وذلك أنهم لهم فرح بما ينزل على النبي ﷺ مِن تصديق شرائعهم، وذكر أوائلهم». ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «ويضعف هذا التأويل بأنّ همهم به أكثر من فرحهم، فلا يُعتدُّ بفرحهم، ويُضعَّفُ أيضًا بأن اليهود والنصارى ينكرون بعضه، وقد فرَّق الله في هذه الآية بين الذين ينكرون بعضه وبين الذين آتيناهم الكتاب»
قال ابنُ عطية (٥/٤٥٢): «وبهذه الآية نزعت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في الرد على مَن قال: إنّ الميت يعذب ببكاء الحي عليه. ونكتة ذلك المعنى: إنما هي أن التعذيب إنما يقع إذا كان البكاء مِن سُنَّة الميت وتَسَبُّبِه، كما كانت العرب تفعل». وقال ابنُ كثير (٨/٤٤٥)، فقال: «لا منافاة بين هذا وبين قوله: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم﴾ [العنكبوت:١٣]، وقوله: ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ [النحل:٢٥]؛ فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا مَن أضلوا مِن غير أن ينقص من أوزار أولئك، ولا يحملوا عنهم شيئًا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده»
ذكر ابنُ جرير (١٥/٢٣٤) أن معنى قوله: ﴿ولن تجد من دونه ملتحدا﴾: لن تجد من دونه موئلًا تَئِل إليه، ومَعْدلًا تَعدل عنه إليه. ثم قال (١٥/٢٣٥ بتصرف): «وبنحو الذي قلنا... قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم في البيان عنه». وذكر ابنُ عطية (٥/٥٩٥-٥٩٦) أن من قرأ: ﴿ولا تُشْرِكْ﴾ بالنهي، عطف قوله: ﴿واتلُ﴾ عليه، ومن قرأ: ﴿ولا يشرك﴾ جعل هذا أمرًا بُدئ به كلام آخر ليس من الأول، وكأن هذه الآية في معنى العتاب للنبي عليه السلام عقب العتاب الذي كان تركه الاستثناء، كأنه يقول: هذه أجوبة الأسئلة فاتْل وحْي الله إليك، أي: اتبع في أعمالك. وقيل: اسرد بتلاوتك ما أوحي إليك من كتاب ربك
انتقد ابنُ عطية (٥/٦٢٨) قول نوف البكالي، ورجَّح القول بأنه موسى بن عمران نبي الله مستندًا لظاهر القرآن، والسنة، والتاريخ، فقال: «ومُوسى هو موسى بن عمران، بمقتضى الأحاديث والتواريخ وبظاهر القرآن؛ إذ ليس في القرآن موسى غير واحد، وهو ابن عمران، ولو كان في هذه الآية غيره لبينه». ووجَّه المراد بفتى موسى على القولين، فقال: «فعلى قول مَن قال موسى بن عمران فهو يوشع بن نون بن إفراييم بن يوسف بن يعقوب، وأما من قال هو موسى بن مشنى فليس الفتى يوشع بن نون، ولكنه قول غير صحيح، رده ابن عباس وغيره»
اختُلِف في الروح الذي تمثل لمريم؛ فقال قوم: هو جبريل. وقال غيرهم: عيسى. ورجَّح ابنُ كثير (٩/٢٢٦) مستندًا إلى دلالة القرآن القولَ الأولَ الذي قاله قتادة، والضحاك، ومجاهد، والسدي، وابن جريج، ووهب بن منبه، فقال: «وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن؛ فإنّه تعالى قد قال في الآية الأخرى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤]». وانتقد (٩/٢٢٦) القولَ الثاني الذي قاله أبي، فقال: «وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي». وذكر ابنُ عطية (٦/١٦-١٧) أنّ مَن قال بالقول الأول قَدَّر الكلام: فتمثل هو لها. ومن قال بالثاني قدَّر الكلام: فتمثل المَلَك لها
اختُلِف في معنى قوله: ﴿فيه ذكركم﴾؛ فقال قوم: معناه: فيه حديثكم. وقال آخرون: شرفكم. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٢٣٢) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية القولَ الثاني الذي قاله ابن عباس، ومقاتل، والثوري، ويحيى بن سلّام، فقال: «وهذا القول الثاني أشبه بمعنى الكلمة... وذلك أنه شَرَفٌ لمن اتبعه وعمل بما فيه». وعلَّق ابنُ عطية (٦/١٥٥) على القولين بقوله: «وقوله تعالى: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ يحتمل أن يريد: فيه الذكر الذي أنزله الله تعالى إليكم بأمر دينكم وآخرتكم ونجاتكم من عذابه، فأضاف الذكر إليهم حيث هو في أمرهم، ويحتمل أن يريد: فيه شرفكم وذكركم آخر الدهر، كما تذكر عظام الأمور، وفي هذا تحريض»
ساق ابنُ تيمية (٤/٤١٣) هذا القول، وذكر قولًا آخر بأن السجود هنا بمعنى الطاعة؛ لأنه ما من شيء إلا وهو خاضع لله كما قال تعالى: ﴿قالتا أتينا طائعين﴾ [فصلت:١١]، وبَيَّن أن كلا القولين صحيح، فقال: «فإذا كان السجود في هذه الآية ليس عامًّا وهو هناك عام؛ كان السجود المطلق هو سجود الطوع. فهذه المذكورات تسجد تطوعًا هي وكثير من الناس، والكثير الذي حق عليه العذاب إنما يسجد كرهًا، وحينئذ فالكثير الذي حق عليه العذاب لم يقل فيه: إنه يسجد، ولا نفى عنه كل سجود، بل تخصيص مَن سواه بالذكر يدل على أنه ليس مثله، وحينئذ فإذا لم يسجد طائعًا حصل فائدة التخصيص، وهو مع ذلك يسجد كارهًا، فكلا القولين صحيح»
لم يذكر ابنُ جرير (١٧/٣٤٤) في معنى: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ سوى قول مجاهد. وذكر ابنُ عطية (٦/٤٠٣-٤٠٤) في معنى الآية عدة احتمالات: «أحدها: النهي عن القسم الكاذب، إذ عرف أنّ طاعتهم دَغْلَةٌ رديَّة». ووجَّهه بقوله: «فكأنّه يقول: لا تُغالِطوا؛ فقد عُرِف ما أنتم عليه». «والثاني: أن يكون المعنى: لا تتكلفوا القسم، طاعة عرف متوسطة على قدر الاستطاعة أمْثل وأَجْدى عليكم». ووجَّهه بقوله: «وفي هذا الوجْه إبقاءٌ عليهم». «والثالث: أن يكون المعنى: لا تقنعوا بالقسم، طاعة تُعْرَف منكم وتظهر عليكم هو المطلوب منكم». «والرابع: أن يكون المعنى: لا تقنعوا لأنفسكم بإرضائنا بالقسم، طاعة الله معروفة، وشرعه وجهاد عدُوِّه مهيع لائح»
ذكر ابنُ القيم هذا القول، ثم رجّح -مستندًا لدلالة العقل- أنّ الصبر عامٌّ على طاعة الله وعن معصيته، فقال: «أما الاية فالصبر فيها يتناول صبر الشاكر على طاعته، وصبره عن مصيبته، وصبر المبتلى بالفقر وغيره على بلائه، ولو كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل رجحانه على الشكر؛ فإنّ القرآن كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضًا، كما قال تعالى: ﴿وسنجزى الشاكرين﴾ [آل عمران:١٤٥]، ﴿وسيجزى الله الشاكرين﴾ [آل عمران:١٤٤]، بل قد أخبر أنّ رِضاه في الشكرِ، ورضاهُ أكبر مِن جزائه بالجنات وما فيها، وإذا جزى الله الصابرين الغرفة بما صبروا لم يدلَّ ذلك على أنّه لا يجزى الشاكرين الغرفة بما شكروا»