اختُلِف في قراءة قوله: ﴿يصدقني﴾؛ فقرأ قوم بجزم ﴿يصدقني﴾. وقرأ غيرهم بالرفع. وذكر ابنُ جرير (١٨‏/‏٢٥١) أنّ من قرأ بالرفع جعله صلة لـ«الردء»، بمعنى: فأرسله معي ردءًا، مِن صفته يصدقني. وأنّ من قرأ بالجزم جعله جوابًا لقوله: ﴿فأرسله﴾، بمعنى: فإنك إذا أرسلته صدقني. على وجه الخبر. وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٥٩٣). وذكر ابنُ عطية أنّ مَن قرأ بالرفع فإنه قد يكون على الحال أيضًا. ورجَّح ابنُ جرير قراءة الرفع مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «والرفع في ذلك أحبُّ القراءتين إلَيَّ؛ لأنه مسألة من موسى ربه أن يرسل أخاه عونًا له بهذه الصفة»

ذكر ابنُ جرير (١٨‏/‏٥٤١) في عود الهاء من قوله: ﴿ويتخذها﴾ قولين: الأول: أنها تعود على سبيل الله. كما في قول مجاهد. الثاني: أنها من ذكر آيات الكتاب. وقد رجّح ابنُ جرير مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال: «﴿ويتخذها هزوا﴾ يستهزئ بها ويكذب بها. وهما من أن يكونا من ذكر سبيل الله أشبه عندي لقربهما منها، وإن كان القول الآخر غير بعيد من الصواب. واتخاذه ذلك هزوًا: هو استهزاؤه به». وبنحوه ابنُ كثير (١١‏/‏٤٧) ولم يذكر مستندًا. وزاد ابنُ عطية (٧‏/‏٤٢) وجهًا ثالثًا، فقال: «ويحتمل أن يعود على الأحاديث؛ لأن الحديث اسم جنس بمعنى الأحاديث، وكذلك ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ اسم جنس، ولكل وجه من الحديث وجه يليق به من السبيل»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٣٨٣) قول زيد، ونقل عن ابن إسحاق: أن «الإشارة بها إلى عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، والزبير، وذلك أنه لما أسلم أبو بكر سمعوا ذلك، فجاؤوه، فقالوا: أسلمتَ؟ قال: نعم. وذكَّرهم بالله تعالى، فآمنوا بأجمعهم، فنزلت فيهم هذه الآية». ثم علَّق بقوله: «وهي على كل حالٍ عامَّة في الناس إلى يوم القيامة، يتناولهم حكمها». وذكر ابنُ كثير (١٢‏/‏١١٨-١١٩) قول زيد، ثم رجَّح العموم قائلًا: «والصحيح أنها شاملةٌ لهم ولغيرهم، ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن، فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٤١١) هذا الأثر، ثم علّق عليه قائلًا: «فرسول الله ﷺ تمثّل بالآية، وقد كانت نزلت. وقوله في الحديث: «تصديقًا له». أي: في أنه لم يقل إلا ما رأى في كتب اليهود، ولكن النبي ﷺ أنكر المعنى؛ لأن التجسيم فيه ظاهر، واليهود معروفون باعتقاده، ولا يحسنون حمله على تأويله من أن الأصبع عبارة عن القدرة، أو من أنها أصبع خلق يخلق لذلك، ويعضّدها تنكير الأصبع». وما قاله ابن عطيه باطل، والحق إثبات صفه الأصابع لله تعالى على ما يليق بكماله وعظمته وجلاله، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم. ينظر: الشريعة ٣‏/‏١١٤٧-١١٧٧، والإبانة ٣‏/‏٩١-١٣١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢‏/‏٤٥١-٤٨٠

اختُلف في معنى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: تتعجَّبون مما نزل بكم في زرعكم. الثاني: تتلاومون. الثالث: تندَّمون. الرابع: تفجَّعون. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٣٥١) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، وعلَّل ذلك بأن أصله: «من التفكُّه بالحديث: إذا حدَّث الرجلُ الرجلَ بالحديث يُعْجَب منه، ويَلْهى به، فكذلك ذلك، وكأن معنى الكلام: فأقمتم تتعجَّبون، يُعَجِّب بعضكم بعضًا مما نزل بكم». واستدرك ابنُ عطية (٨‏/‏٢٠٦) على هذه الأقوال الأربعة بقوله: «وهذا كلّه تفسير لا يخصُّ اللفظة، والذي يخصُّ اللفظة هو: تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، وهي المَسَرَّة والجزل، ورجلٌ فَكِهٌ: إذا كان منبسط النفس غير مكترث بالشيء»

اختُلف في معنى: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: غير مُحاسبين. الثاني: غير مبعوثين. الثالث: غير موقنين. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٣٧٥) القول الأول، وهو قول ابن عباس، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وقتادة، والحسن من طريق أبي رجاء، وابن زيد، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: غير مُحاسبين فمَجْزِيِّين بأعمالكم، من قولهم: كما تَدِين تُدان، ومن قول الله: ﴿مالِكِ يَومِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٢١٣) أن «المَدين: المملوك، وأنّ هذا أصح ما يقال في معنى اللفظة هنا». ثم انتقد القول الأول قائلًا: «ومَن عبَّر عنها بالمجازى أو المحاسَب فذلك هنا قلق». ولم يذكر مستندًا

قال ابنُ تيمية (٦‏/‏٣٣٠): «هذه الآية توجب رِزق المُرتَضع على أبيه؛ لقوله: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾، فأوجبَ نفقته حملًا ورضيعًا بواسطة الإنفاق على الحامل والمرضع؛ فإنه لا يمكن رِزقه بدون رِزق حامله ومرضعه». وقال (٦‏/‏٣٣١): «ليس في كتاب الله إجارة منصوص عليها في شريعتنا إلا هذه الإجارة، كما قال تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾، وقال: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ [البقرة:٢٣٣]. والسنة وإجماع الأمة دلّا على جوازها، وإنما تكون مُخالِفة للقياس لو عارضها قياس نص آخر، وليس في سائر النصوص وأقيستها ما يناقض هذه»

انتقد ابنُ جرير (٢٣‏/‏٢٥٥) قول ابن زيد مستندًا إلى عدم الدليل، فقال: «وهذا الذي قاله ابن زيد أنه كان أُمِر بالعفو بهذه الآية، ثم نُسخ ذلك، قول لا وجْه له؛ لأنه لا دلالة على صحة ما قال مِن بعض الأوجه التي تَصحّ منها الدعاوي، وليس في أمْر الله نبيّه ﷺ في الصبر الجميل على أذى المشركين ما يوجب أن يكون ذلك أمرًا منه له به في بعض الأحوال، بل كان ذلك أمرًا مِن الله له به في كل الأحوال؛ لأنّه لم يزل ﷺ من لدن بَعثه الله إلى أن اختَرمه في أذًى منهم، وهو في كلّ ذلك صابر على ما يَلقى منهم مِن أذى قبل أن يأذن الله له بحربهم، وبعد إذنه له بذلك». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٤٠٣) أنّ الأمْر بالصبر الجميل محكم في كل حالة

أفادت الآثار أنّ المقصود بالفتنة هنا: الإحراق بالنار. وقد ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٥٧٩) أنّ المراد بالكفار في قوله تعالى: ﴿وهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُود﴾: قريش، وعليه يختلف معنى الفتنة هنا، فيكون مرادًا به: الامتحان والتعذيب، ثم علَّق عليه بقوله: «ويُقوّي هذا التأويل بعض التقوية قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾؛ لأنّ هذا اللفظ في قريش أحكم منه في أولئك الذين قد علم أنهم ماتوا على كُفرهم، وأمّا قريش فكان فيهم وقت نزول الآية مَن تاب بعد ذلك وآمن بمحمد ﷺ، و»جهنم«و»الحريق«طبقتان من النار، ومَن قال: إنّ النار خرجت فأحرقت الكفار القعود. جعل الحريق في الدنيا»

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٤٣) عن جمهور المفسرين أنّ «شرح الصدر المذكور هو: تنويره بالحكمة، وتوسيعه لتلقِّي ما يُوحى إليه». ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «وقال ابن عباس وجماعة: هذه إشارة إلى شرحه بشق جبريل عنه في وقت صغره، وفي وقت الإسراء». ثم علَّق عليه بقوله: «إذ التشريح شق اللحم». وأورد ابنُ كثير (٨/ ٤٢٩) القولين، ثم رجَّح العموم، فقال: «وهذا وإن كان واقعًا ليلة الإسراء كما رواه مالك بن صعصعة، ولكن لا منافاة؛ فإنّ من جملة شرح صدره الذي فُعِل بصدره ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضًا». ثم ذكر حديث أبي هريرة الوارد في الآثار المتعلقة بالآية