عَلَّقَ ابنُ جرير (٤‏/‏٤٩٥) على أثر البراء بقوله: «ويجب على القول الذي رُوِي عن البراء بن عازب: أنّه لم يُجاوِز النهرَ مع طالوت إلا عِدَّةُ أصحاب بدر. أن يكون كِلا الفريقين اللَّذَيْن وصفهما الله بما وصفهما به؛ أمرُهما على نحو ما قال فيهما قتادة وابن زيد». وعَلَّقَ ابنُ عطية (٢‏/‏١٤ بتصرف) على هذا القول قائلًا: «فعلى هذا القول قالت الجهلة: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ﴾ على جهة استكثار العدو. فقال أهل الصَّلابة منهم والتَّصْمِيم والاسْتِماتَة: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ... ﴾ الآية. وظنُّ لقاءِ الله على هذا القول يَحْسُنُ أن يكون ظَنًّا على بابه، أي: يظنون أنهم يستشهدون في ذلك اليوم؛ لعَزْمِهم على صِدْق القتال، كما جرى لعبد الله بن حرام في يوم أحد، ولغيره»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ على قولين: أحدهما: أنّ معناه: ولا تشتهوا ما فضل الله به بعضكم على بعض. وذكر أنّ ذلك نزل في نساءٍ تَمَنَّيْن منازلَ الرجال، وأن يكون لهم ما لهم، فنهى اللهُ عباده عن الأماني الباطلة، وأمرهم أن يسألوه من فضله؛ إذ كانت الأماني تورِث أهلها الحسدَ والبغي بغير الحق. وقد ذَهَبَإليه ابن جرير (٦‏/‏٦٦٣) مستندًا إلى أقوال السلف. والآخر: أنّ معنى ذلك: لا يتمنَّ بعضكم ما خصَّ الله بعضًا من منازل الفضل. فتأويل الكلام على هذا التأويل: ولا تتمنوا أيها الرجال والنساء الذي فضل الله به بعضكم على بعض من منازل الفضل ودرجات الخير، وليرض أحدكم بما قسم الله له من نصيب، ولكن سَلُوا الله من فضله

أفادت الآثارُ اختلافًا في صفة القتيل الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاق، أهو مؤمن أم كافر؟ على أقوال: الأول: هو كافر، إلا أنه لزِمَتْ قاتلَه ديتُه؛ لأن له ولقومه عهدًا، تعين بموجبه أداء ديته لهم. الثاني: هو مؤمن، وعلى قاتِلِه ديةٌ يؤدِّيها إلى قومه من المشركين؛ لأنهم أهل ذمة. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٣٢١) القول الأول مستندًا إلى ما في ظاهر لفظ الآية من الإطلاق، فقال: «لأنّ الله أبهم ذلك، فقال: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾، ولم يقل: وهو مؤمنٌ، كما قال في القتيل من المؤمنين وأهل الحرب إذ عنى المؤمنين: ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. فكان في تَرْكِه وصفَه بالإيمان الذي وصف به القتيلَيْن الماضيَ ذكرُهما قبلُ؛ الدليلُ الواضح على صحة ما قلنا في ذلك»

انتَقَد ابنُ عطية (٣‏/‏١٥٣) هذا القول الذي قاله عكرمة والحسن مستندًا إلى دلالة نصوص الشرع بقوله: «وفي هذا ضعف؛ لأن توبة المشرك نافعة بعد القدرة عليه وعلى كل حال». وذكر ابنُ كثير (٥‏/‏١٩٦) أنّ هذا القول يتأيد بخاتمة الآية: ﴿لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾؛ لأنّ أهل الإسلام قد ثبت في حقهم ما جاء عند مسلم، عن عبادة بن الصامت، قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: «ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه بعضُنا بعضًا، فمَن وفى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له»""

قال ابنُ عطية (٣‏/‏٥٧٩-٥٨٠): «وأخذ المفسرون الخَلْق بمعنى: المخلوقات، أي: هي له كلها وملكه واختراعه، وأخذوا الأَمْرُ مصدرًا من أمر يأمر، وعلى هذا قال النقّاش وغيرُه: إنّ الآية ترُدُّ على القائلين بخلق القرآن؛ لأنّه فرق فيها بين المخلوقات وبين الكلام؛ إذ الأمر كلامه عز وجل. ويحتمل أن تؤخذ لفظة الخَلْق على المصدر مِن خلق يخلق خلقًا، أي: له هذه الصفة؛ إذ هو الموجد للأشياء بعد العدم، ويؤخذ الأَمْرُ على أنّه واحد الأمور، إلا أنّه يدل على الجنس فيكون بمنزلة قوله: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود:١٢٣]، وبمنزلة قوله: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠]، فإذا أُخِذَت اللفظتان هكذا خرجتا عن مسألة الكلام»

رجّح ابنُ تيمية (٣‏/‏١٦٩) مستندًا إلى النظائر، ودلالة العقل أنّ قوله تعالى: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ يشمل الدعاء وغيره، كما في قول عطاء، فقد ذكر قولَ مَن جعلها في الدعاء خاصة، ثم قال: «وبعد، فالآية أعمُّ من ذلك كُلِّه، وإن كان الاعتداء في الدعاء مرادًا بها فهو من جملة المراد، والله لا يحب المعتدين في كل شيء، دعاء كان أو غيره، كما قال: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ [البقرة:١٩٠، المائدة:٨٧]. وعلى هذا فيكون قد أمَر بدعائه وعبادته، وأخبر أنّه لا يحب أهل العدوان، وهم الذين يدعون معه غيره، فهؤلاء أعظم المعتدين عدوانًا؛ فإنّ أعظم العدوان هو الشرك، وهو داخل ولا بُدَّ في قوله: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾». وبمثله قال ابنُ القيم (١‏/‏٤٠٣-٤٠٤)

لم يذكر ابنُ جرير (١٠‏/‏٤٠٤-٤٠٥) في تفسير قوله: ﴿مشارق الأرض ومغاربها﴾ غير قول قتادة، وقول الحسن قبله. وقد رجّح ابنُ عطية (٤‏/‏٣٢-٣٣) ما ذهب إليه ابنُ جرير، فقال: «والذي يليق بمعنى الآية ورُوي فيها هو أنّه مُلْك أبناء المستضعفين بأعيانهم مشارق الأرض ومغاربها، لا سيما بوصفه الأرض بأنّها التي بارك فيها، ولا يتصف بهذه الصفة وينفرد بها أكثر من غيرها إلا أرض الشام؛ لما بها من الماء والشجر والنعم والفوائد». وزاد ابنُ عطية إضافةً إلى ما ورد في أقوال السلف قولًا أن المراد: الأرض كلها. وعلَّق عليه قائلًا: «وهذا يَتَّجه؛ إما على المجاز لأنّه ملكهم بلادًا كثيرة، وإمّا على الحقيقة في أنه ملَّك ذريتهم، وهو سليمان بن داود»

نقل ابنُ عطية (٥‏/‏١٧٨) عن ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أنه قال: «معناه: في الآخرة». ونقل عن قومٍ: أن «المعنى: إذا تابوا، وشديد العقاب إذا كفروا». ثم علَّق بقوله: «والظاهر من معنى المغفرة هنا إنما هو: سَتْرُهُ في الدنيا وإمهاله للكفرة، ألا ترى التنكير في لفظ ﴿مَغْفِرَةٍ﴾، وأنها منَكَّرة مُقَلَّلة وليس فيها مبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ﴾ [طه:٨٢]، ونمط الآية يُعْطِي هذا، ألا ترى حكمه عليهم بالنار؟ ثم قال: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾، فلما ظهر سوءُ فعلهم وجب في نفس السامع تعذيبهم، فأخبر بسيرته في الأمم وأنه يمهل مع ظلم الكفر، ولم يَرِد في الشرع أنّ الله تعالى يغفر ظُلْمَ العباد»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٤٣١) اختلاف أهل العلم فيمن ظلمه رجلٌ في أخذ مال، ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال؛ تجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه؟! وقال: «فقالت فرقة: له ذلك. منهم ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وسفيان، ومجاهد، واحتجت بهذه الآية، وعموم لفظها. وقال مالك وفرقة معه: لا يجوز له ذلك». وعلّق على قول مالك بقوله: «ويتقوى في أمر المال قول مالك رحمه الله؛ لأن الخيانة لاحقة في ذلك، وهي رذيلة لا انفكاك عنها، ولا ينبغي للمرء أن يتأسى بغيره في الرذائل، وإنما ينبغي أن يتجنبها لنفسها، وأما الرجل يظلم في المال، ثم يتمكن من الانتصاف دون أن يؤتمن فيشبه أن ذلك له جائز، يرى أنّ الله حكم له كما لو تمكن له بالحكم من الحاكم»

علَّق ابنُ جرير (١٤‏/‏٥٥٤-٥٥٥) بعد أن ذكر أثر ابن عباس بقوله: «وقد تحتمل هذه الآية أن تكون -وإن كان ظاهرها عامًّا في كل الآباء- غير معنى النسخ، بأن يكون تأويلها على الخصوص، فيكون معنى الكلام: وقل: ربِّ، ارحمهما إذا كانا مؤمنَيْن كما ربَّياني صغيرًا. فيكون مرادًا بها الخصوص على ما قلنا، غير منسوخ منها شيءٌ». وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٤٦٤) أن الله أمر «عباده بالتَّرَحُّم على آبائهم، وذكر مننهما على الإنسان في التربية؛ ليكون تذكُّر تلك الحالة مما يزيد الإنسان إشفاقًا لهما، وحنانًا عليهما، وهذا كله في الأبوين المؤمنين، وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربى». ثم قال: «وذُكِر عن ابن عباس هنا لفظ النسخ». ثم استدرك عليه قائلًا: «وليس هذا موضع نَسْخ»