رجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏١٤٠-١٤١ بتصرف) هذا القول مستندًا إلى ظاهر سياق الآية، فقال: «لدلالة قوله: ﴿ولم يجعل له عوجا﴾، فأخبر -جل ثناؤه- أنّه أنزل الكتاب الذي أنزله إلى محمد ﷺ ﴿قيما﴾ مستقيمًا لا اختلاف فيه ولا تفاوت، بل بعضه يصدق بعضًا، وبعضه يشهد لبعض، لا عوج فيه، ولا ميل عن الحق». ثم ذكر قولًا آخر مفاده أنه عُني به: أنه قيم على سائر الكتب يصدقها ويحفظها. وعلَّق عليه ابنُ عطية (٥‏/‏٥٦٣) بقوله: «وهذا محتمل، وليس من الاستقامة». ثم ذكر قولًا آخر، فقال: «ويصح أن يكون معنى»قيم«: قيامه بأمر الله عز وجل». وأيده بدلالة السياق، فقال: «وهذا المعنى يؤيده ما بعده من النذارة والبشارة الّلذين عمّا العالم»

اختُلِف في السبب الذي من أجله قيل لها: ﴿يا أخت هارون﴾، ومَن كان هارون هذا الذي ذكره الله؟ فقال قوم: كان رجلًا صالحًا من بني إسرائيل ينسب إليه مَن يُعرَف بالصلاح. وقال آخرون: هو هارون أخو موسى فنسبت إليه؛ لأنها من ولده كما يقال: يا أخا بني فلان. وقال غيرهم: كان أخاها لأبيها وأمها. وذهب قوم: إلى أنه كان رجلًا فاسقًا مُعْلِنًا بالفسق، ونُسِبَت إليه. ورجَّح ابنُ جرير (١٥‏/‏٥٢٥ بتصرف) القول الأول الذي قاله قتادة، وكعب، والمغيرة بن شعبة مستندًا إلى السنة، فقال: «والصواب من القول في ذلك ما جاء به الخبرُ عن رسول الله ﷺ [الوارد في أول تفسير الآية]، وأنها نسبت إلى رجل من قومها». وبنحوه ابنُ كثير (٩‏/‏٢٤٠)

انتقد ابنُ القيم (٢‏/‏١٨٢) مستندًا إلى ظاهر القرآن والدلالة العقلية قول الكلبي وما في معناه، فقال: «أرباب هذا القول هضموا الآية معناها؛ فإن معناها أجلُّ وأعظم مما ذكروه، وقوله: ﴿أعطى كل شيء﴾ يأبى هذا التفسير؛ فإن حمل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصَّة ممتنعٌ لا وجه له، وكيف يخرج مِن هذا اللفظ الملائكة والجن ومَن لم يتزوج مِن بني آدم ومَن لم يُسافِد من الحيوان؟ وكيف يُسَمّى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقًا له؟ وأين نظير هذا في القرآن؟ وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه ذكره بأدلِّ عبارة عليه وأوضحها، فقال: ﴿وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾، فَحمْلُ قوله: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ على هذا المعنى غير صحيح. فتأمَّلْه»

قال ابنُ عطية (٦‏/‏٩٩): «وقول فرعون: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ يحتمل أن يريد محاجته بحسب ما تقدم من القول ومناقضته فيه، فليس يتجه على هذا أن يريد إلا: ما بال القرون الأولى لم تُبعث إليها، ولم يوجد أمرك عندها؟ فَرَدَّ موسى عليه السلام علم ذلك إلى الله تعالى. ويحتمل أن يريد فرعون قطع الكلام الأول، والرجوع إلى سؤال موسى عمَّن سلف من الناس روغانًا في الحجة وحَيْدَةً». وقال ابنُ كثير (٩‏/‏٣٤٤) في معنى الآية: «أصحُّ الأقوال في معنى ذلك: أنّ فرعون لَمّا أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدَّر فهدى؛ شرع يحتج بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذا كان الأمر كما تقول، لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره؟»

ذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٤٢٩) مَن قال إن معنى قوله: ﴿يرجون﴾: يخافون، وذكر أنه يشهد له قول الشاعر:إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواملثم رجَّح مستندًا إلى اللغة أنّ الرجاء على بابه، فقال: «والذي يظهر لي: أن الرجاء في هذه الآية والبيت على بابه؛ لأن خوف لقاء الله تعالى مقترن أبدًا برجائه، فإذا نُفِي الرجاءُ عن أحد فإنما أُخْبِر عنه أنّه مكذب بالبعث؛ لنفي الخوف والرجاء، وفي ذكر الكفار بنفي الرجاء تنبيهٌ على غِبْطَة ما فاتهم مِن رجاء الله تعالى. وأمّا بيت الشعر المذكور فمعناه عندي: لم يرجُ دفعها، ولا الانفكاك عنها. فهو لذلك يوطن على الصبر، ويجدّ في شغله»

اختُلِف في الذي كانت تذود عنه المرأتان؛ فقيل: كانتا تحبسان غنمهما عن الماء؛ لضعفهما عن زحام الناس. وقيل: كانتا تحبسان الناس عن غنمهما. ورجَّح ابنُ جرير (١٨‏/‏٢١٠) مستندًا إلى ظاهر الآية والدلالة العقلية القولَ الأول، وهو قول أبي مالك الغفاري، وابن إسحاق، وابن جريج، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لدلالة قوله: ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾، على أن ذلك كذلك، وذلك أنّهما إنّما شكَّتا أنهما لا تسقيان حتى يُصْدِر الرِّعاء، إذ سألهما موسى عن ذودهما غنمَهما، ولو كانتا تذودان عن غنمهما الناسَ كان لا شكَّ أنهما كانتا تُخبِران عن سبب ذودهما عنها الناس، لا عن سبب تأخر سَقْيِهما إلى أن يُصْدِر الرِّعاء»

ذهب ابنُ عطية (٧‏/‏٢٣، ٢٤) في معنى «الفطرة» إلى أن «الذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها: الخِلْقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي مُعدَّة مُهَيَّأة لأن يُمَيِّز بها مصنوعات الله تعالى، ويَسْتَدل بها على ربه جَلَّ وعلا، ويعرف شرائعه، ويؤمن به». ووجَّه معنى الآية عليه بقوله: «فكأنه تعالى قال: أقم وجْهك لِلدِّينِ الذي هو الحنيف، وهو فِطْرَة اللهِ الذي على الإعداد له فطر البشر». ثم علَّق بقوله: «لكن تعرضهم العوارض، ومنه قول النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه...» الحديث، وذِكْرُ الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة». وذكر ابنُ عطية اختلافًا في «الفطرة»، فقال: «واختلف الناس في»الفطرة«ها هنا، فذكر مكيٌّ وغيرُه في ذلك جميعَ ما يمكن أن تصرف هذه اللفظة عليه». وعلَّق بقوله: «وفي بعض ذلك قلق»

علَّق ابنُ كثير (١١‏/‏١٠٧) على قول من قال بأن ﴿الأرض الجرز﴾ هي: أرض مصر، بقوله: «وليس المراد من قوله: ﴿إلى الأَرْضِ الجُرُزِ﴾ أرض مصر فقط، بل هي بعض المقصود، وإن مثَّل بها كثير من المفسرين فليست المقصودة وحدها، ولكنَّها مرادةٌ قَطْعًا من هذه الآية، فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة، تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرًا لتهدَّمت أبنيتها، فيسوق الله إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طين أحمر، فيغشى أرض مصر، وهي أرض سبخة مرملة، محتاجة إلى ذلك الماء، وذلك الطين أيضًا؛ ليَنبُتَ الزرع فيه، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، وطين جديد من غير أرضهم، فسبحان الحكيم الكريم المنان، المحمود ابتداء»

قال ابنُ عطية (٧‏/‏١٣٠-١٣١): «ذهب ابن زيد والضحاك في تفسير قوله: ﴿إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن﴾ إلى أن المعنى: أنّ الله تعالى أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها، وأباح له كلَّ النساء بهذا الوجه، وأباح له ملك اليمين، وبنات العم والعمة والخال والخالة ممن هاجر معه، وخصص هؤلاء بالذكر تشريفًا وتنبيهًا؛ إذ قد تناولهن -على تأويل ابن زيد- قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ إنا أحللنا﴾، وأباح له الواهبات خاصة له، فهذا -على تأويل ابن زيد- إباحة مطلقة في جميع النساء حاشا ذوات المحارم، لا سيما -على ما ذكره الضحاك- أن في مصحف ابن مسعود: (وبَناتِ خالاتِكَ واللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ)»

ذكر ابنُ عطية (٧‏/‏٣١٥) قولين في الاستثناء الواقع في الآية، فقال: «نزَّه تعالى نفسه عما يصفه الناس ولا يليق به، ومن هذا استثنى العباد المخلصين؛ لأنهم يصفونه بصفاته العلى، وقالت فرقة: استثناهم من قوله: ﴿إنهم لمحضرون﴾. وهذا يصح على قول من رأى الجنة: الملائكة». وذَهَبَ ابنُ جرير (١٩‏/‏٦٤٧) إلى الثاني مستندًا لأقوال السلف. وذهب ابنُ القيم (٢‏/‏٣٧٥)، وكذا ابنُ كثير (١٢‏/‏٦٢) إلى الأول، وهو الظاهر من كلام ابن عطية، ولم يذكروا مستندًا. وعقَّبَ ابنُ كثير (١٢‏/‏٦٢) على كلام ابن جرير بقوله: «جعل ابنُ جرير هذا الاستثناء من قوله تعالى: ﴿إنهم لمحضرون... إلا عباد الله المخلصين﴾، وفي هذا الذي قاله نظر»