---
title: "تفسير سورة الفاتحة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/1/book/366.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/1/book/366"
surah_id: "1"
book_id: "366"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الفاتحة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/1/book/366)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الفاتحة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/1/book/366*.

Tafsir of Surah الفاتحة from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 1:1

> ﻿﻿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [1:1]

البسملة
**وفيها سبع وعشرون مسألة :**
الأولى : قال العلماء :" بسم الله الرحمن الرحيم " قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة، يقسم لعباده إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق، وإني أفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري. و " بسم الله الرحمن الرحيم " مما أنزله الله تعالى في كتابنا وعلى هذه الأمة خصوصا بعد سليمان عليه السلام. وقال بعض العلماء :" إن " بسم الله الرحمن الرحيم " تضمنت جميع الشرع، لأنها تدل على الذات وعلى الصفات، وهذا صحيح. 
الثانية : قال بن أبي سكينة : بلغني أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نظر إلي رجل يكتب " بسم الله الرحمن الرحيم " فقال له : جودها فإن رجلا جودها فغفر له. قال سعيد : وبلغني أن رجلا نظر إلى قرطاس فيه " بسم الله الرحمن الرحيم " فقبله ووضعه على عينيه فغفر له. ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي، فإنه لما رفع الرقعة التي فيها اسم الله وطيبها طيب اسمه[(١)](#foonote-١)، ذكره القشيري. وروى النسائي عن أبي المليح عن ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا عثرت بك الدابة فلا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ويقول بقوته صنعته ولكن قل بسم الله الرحمن الرحيم، فإنه يتصاغر حتى يصير مثل الذباب ). وقال علي بن الحسين في تفسير قوله تعالى :" وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا[(٢)](#foonote-٢) " \[ الإسراء : ٤٦ \] قال معناه : إذا قلت " بسم الله الرحمن الرحيم ". وروى وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود قال : من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " ليجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنة من كل واحد. فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم :" عليها تسعة عشر " \[ المدثر : ٣٠ \] وهم يقولون في كل أفعالهم :" بسم الله الرحمن الرحيم " فمن هنالك هي قوتهم، وببسم الله استضلعوا. قال ابن عطية : ونظير هذا قولهم في ليلة القدر : إنها سبع وعشرين، مراعاة للفظة " هي " من كلمات سورة " إنا أنزلناه " \[ القدر : ١ \]. ونظيره أيضا قولهم في عدد الملائكة الذين ابتدروا قول القائل : ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فإنها بضعة وثلاثون حرفا، فلذلك قال النبي الله صلى الله عليه وسلم :( لقد رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول ). قال ابن عطية : وهذا من ملح التفسير وليس من متين العلم. 
الثالثة : روى الشعبي والأعمش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب " باسمك اللهم " حتى أمر أن يكتب " بسم الله " فكتبها، فلما نزلت :" قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن " \[ الإسراء : ١١٠ \] كتب " بسم الله الرحمن الرحيم " فلما نزلت :" إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " \[ النمل : ٣٠ \] كتبها. وفي مصنف أبي داود قال الشعبي وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة : إن النبي الله صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة " النمل ". 
الرابعة : روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال : البسملة تيجان السور. 
قلت : وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها. وقد اختلف العلماء في هذا المعنى على ثلاثة أقوال :
( الأول ) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها، وهو قول مالك. 
( الثاني ) أنها آية من كل سورة، وهو قول عبدالله بن المبارك. 
( الثالث ) قال الشافعي : هي آية في الفاتحة، وتردد قوله في سائر السور، فمرة قال : هي آية من كل سورة، ومرة قال : ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها. ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل. 
واحتج الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث أبي بكر الحنفي عن عبدالحميد[(٣)](#foonote-٣) بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها ). رفع هذا الحديث عبدالحميد بن جعفر، وعبدالحميد هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين، وأبو حاتم يقول فيه : محله الصدق، وكان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه. ونوح بن أبي بلال ثقة مشهور. 
وحجة ابن المبارك وأحد قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أبي أنس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ قال :( نزلت علي آنفا سورة ) فقرأ :" بسم الله الرحمن الرحيم. إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر " \[ الكوثر : الآية \]. وذكر الحديث، وسيأتي في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى[(٤)](#foonote-٤). 
الخامسة : الصحيح من هذه الأقوال قول مالك ؛ لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه. قال ابن العربي :" ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه ". والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها. روى مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد " الحمد لله رب العالمين " قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال العبد " الرحمن الرحيم " قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال العبد " مالك يوم الدين " قال مجدني عبدي - وقال مرة فوض إلي عبدي - فإذا قال " إياك نعبد وإياك نستعين " قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ). فقوله سبحانه :( قسمت الصلاة ) يريد الفاتحة، وسماها صلاة ؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بها، فجعل الثلاث الآيات الأول لنفسه، واختص بها تبارك اسمه، ولم يختلف المسلمون فيها. ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده ؛ لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة منه، وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى، ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات. ومما يدل على أنها ثلاث قوله :( هؤلاء لعبدي ) أخرجه مالك، ولم يقل : هاتان، فهذا يدل على أن " أنعمت عليهم " آية. قال ابن بكير : قال مالك :" أنعمت عليهم " آية، ثم الآية السابعة إلى آخرها. فثبت بهذه القسمة التي قسمها الله تعالى وبقوله عليه السلام لأبي :( كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ) قال : فقرأت " الحمد لله رب العالمين " حتى أتيت على آخرها - أن البسملة ليست بآية منها، وكذا عد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة، وأكثر القراء عدوا " أنعمت عليهم " آية، وكذا روى قتادة عن أبي نضرة عن أبي هريرة قال : الآية السادسة " أنعمت عليهم ". وأما أهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها " بسم الله الرحمن الرحيم " ولم يعدوا " أنعمت عليهم ". 
فإن قيل : فإنها ثبتت في المصحف وهي مكتوبة بخطه ونقلت نقله، كما نقلت في النمل، وذلك متواتر عنهم. قلنا : ما ذكرتموه صحيح، ولكن لكونها قرآناً أو لكونها فاصلة بين السور - كما روي عن الصحابة : كنا لا نعرف انقضاء السورة حتى تنزل " بسم الله الرحمن الرحيم " أخرجه أبو داود - أو تبركا بها، كما قد اتفقت الأمة على كتبها في أوائل الكتب والرسائل ؟ كل ذلك محتمل. وقد قال الجريري[(٥)](#foonote-٥) : سئل الحسن عن " بسم الله الرحمن الرحيم " قال : في صدور الرسائل. وقال الحسن أيضا : لم تنزل " بسم الله الرحمن الرحيم " في شيء من القرآن إلا في " طس " " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " \[ النمل : ٣٠ \]. والفيصل أن القرآن لا يثبت بالنظر والاستدلال، وإنما يثبت بالنقل المتواتر القطعي الاضطراري. ثم قد اضطرب قول الشافعي فيها في أول كل سورة فدل على أنها ليست بآية من كل سورة، والحمد لله. 
فإن قيل : فقد روى جماعة قرآنيتها، وقد تولى الدارقطني جمع ذلك في جزء صححه. قلنا : لسنا ننكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليها، ولنا أخبار ثابتة في مقابلتها، رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات. روت عائشة في صحيح مسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، الحديث. وسيأتي بكماله. وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون " بسم الله الرحمن الرحيم " لا في أول قراءة ولا في آخرها. 
ثم إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم، وهو المعقول ؛ وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرت عليه الأزمنة والدهور، من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قط " بسم الله الرحمن الرحيم " اتباعا للسنة، وهذا يرد أحاديثكم. بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها أو على السعة في ذلك. قال مالك : ولا بأس أن يقرأ بها في النافلة ومن يعرض القرآن عرضاً. 
وجملة مذهب مالك وأصحابه : أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سراً ولا جهراً، ويجوز أن يقرأها في النوافل. هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه. وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السورة في النوافل، ولا تقرأ أول أم القرآن. وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ولا تترك بحال. ومن أهل المدينة من يقول : إنه لابد فيها من " بسم الله الرحمن الرحيم " منهم ابن عمر، وابن شهاب، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد. وهذا يدل على أن المسألة مسألة اجتهادية لا قطعية، كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي يلزم على قوله تكفير المسلمين، وليس كما ظن لوجود الاختلاف المذكور، والحمد لله. 
وقد ذهب جمع من العلماء إلى الإسرار بها مع الفاتحة، منهم : أبو حنيفة والثوري ؛ وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير، وهو قول الحكم وحماد، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو عبيد ؛ وروي عن الأوزاعي مثل ذلك، حكاه أبو عمر بن عبدالبر في ( الاستذكار ). واحتجوا من الأثر في ذلك بما رواه منصور بن زاذان عن أنس بن مالك قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه فلم نسمع قراءة " بسم الله الرحمن الرحيم ". وما رواه عمار بن رزيق[(٦)](#foonote-٦) عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن أنس قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر، فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. 
قلت : هذا قول حسن، وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد ويخرج به من الخلاف في قراءة البسملة. وقد روي عن سعيد بن جبير قال : هذا محمد يذكر رحمان اليمامة - يعنون مسيلمة - فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزل :" ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " \[ الإسراء : ١١٠ \]. قال الترمذي الحكيم أبو عبدالله : فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم وإن زالت العلة، كما بقي الرمل في الطواف وإن زالت العلة، وبقيت المخافتة في ص

١ نص القصة كما في وفيات الأعيان والرسالة القشيرية: ".... وسبب توبته أنه أصاب في الطريق ورقة مكتوبا فيها اسم الله عز وجل وقد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدراهم كانت معه غالية فطيب بها الورقة وجعلها في شق حائط، فرأى في النوم كأن قائلا يقول له: يا بشر، طيبت اسمي لأطيبنك في الدنيا والآخرة فلما انتبه من نومه تاب..
٢ راجع ج ١٠ ص ٢٧١..
٣ ورد سند هذا الحديث مضطربا في الأصول والتصويب عن سنن الدارقطني وتهذيب التهذيب. وعبد الحميد بن جعفر هذا، يكنى أبا الفضل، ويقال: أبو حفص، وليس من كنيته أبو بكر. ويروى عنه أبو بكر الحنفي. راجع تهذيب التهذيب..
٤ راجع ج ٢٠ ص ٢١٦..
٥ الجريري (بضم الجيم وفتح الراء الأولى وكسر الثانية وسكون ياء، بينهما، نسبة إلى جريرين عباد بن ضبيعة): وهو سعيد بن إياس الجريري أبو مسعود البصري..
٦ كذا في تهذيب التهذيب. وفي الأصول: "عمار عن رزيق" وهو خطأ..

### الآية 1:2

> ﻿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [1:2]

الباب الرابع : فيما تضمنته الفاتحة من المعاني والقراءات والإعراب وفضل الحامدين، وفيه ست وثلاثون مسألة :
الأولى : قوله سبحانه وتعالى :" الحمد لله " روى أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إذا قال العبد الحمد لله قال صدق عبدي الحمد لي ). وروى مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها ). وقال الحسن : ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها. وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما أنعم الله على عبد نعمة فقال : الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ ). وفي ( نوادر الأصول ) عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال : الحمد لله لكانت الحمد لله أفضل من ذلك ). قال أبو عبد الله : معناه عندنا أنه قد أعطي الدنيا ثم أعطي على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها، فكانت هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها لأن الدنيا فانية والكلمة باقية، هي من الباقيات الصالحات قال الله تعالى :" والباقيات الصالحات[(١)](#foonote-١) خير عند ربك ثوابا وخير أملا " \[ الكهف٤٦ \]. وقيل في بعض الروايات : لكان ما أعطى أكثر مما أخذ. فصير الكلمة إعطاء من العبد، والدنيا أخذا من الله فهذا في التدبير[(٢)](#foonote-٢). كذاك يجري في الكلام أن هذه الكلمة من العبد والدنيا من الله وكلاهما من الله في الأصل الدنيا منه والكلمة منه أعطاه الدنيا فأغناه وأعطاه الكلمة فشرفه بها في الآخرة. وروى ابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم :( أن عبدا من عباد الله قال : يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعَضَلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء وقالا : يا ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله عز وجل وهو أعلم بما قال عبده، ماذا قال عبدي ؟ قالا يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما : اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها ). 
قال أهل اللغة : أعضل الأمر : اشتد واستغلق، والمعضّلات \[ بتشديد الضاد ) : الشدائد. وعضّلت المرأة والشاة : إذا نشِب ولدها فلم يسهل مخرجه، بتشديد الضاد أيضا فعلى هذا يكون : أعضلت الملكين أو عضلت الملكين بغير باء. والله أعلم. وروي عن مسلم عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\[ الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله، والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض ) وذكر الحديث. 
الثانية : اختلف العلماء أيما أفضل قول العبد : الحمد لله رب العالمين، أو قول لا إله إلا الله ؟ فقالت طائفة : قوله الحمد لله رب العالمين أفضل لأن في ضمنه التوحيد الذي هو لا إله إلا الله، ففي قوله توحيد وحمد، وفي قوله لا إله إلا الله توحيد فقط. وقالت طائفة : لا إله إلا الله أفضل لأنها تدفع الكفر والإشراك وعليها يقاتل الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ). واختار هذا القول ابن عطية قال : والحاكم بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :( أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ). 
الثالثة : أجمع المسلمون على أن الله محمود على سائر نعمه وأن مما أنعم الله به الإيمان فدل على أن الإيمان فعله وخلقه والدليل على ذلك قوله :" رب العالمين ". والعالمون جملة المخلوقات ومن جملتها الإيمان لا كما قال القدرية : إنه خلق لهم على ما يأتي بيانه. 
الرابعة : الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه ؛ إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر :

وأبلج محمود الثناء خَصَّصْتُه  بأفضلِ أقوالي وأفضلِ أحمديفالحمد نقيض الذم، تقول : حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد. والحد أعم من الشكر والحمد : الذي كثرت خصال المحمودة. قال الشاعر :
إلى الماجد القَرْمِ الجواد المُحَمَّدِ
وبذلك سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :فشقّ له من اسمه ليُجِلَّهُ  فذو العرش محمودٌ وهذا محمدوالمحمدة : خلاف المذمة. وأحمد الرجلُ : صار أمره إلى الحمد. وأحمدته : وجدته محمودا، تقول : أتيت موضع كذا فأحمدته، أي صادفته محمودا موافقا، وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه. ورجل حُمَدَة - مثل هُمَزة - يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها. وحَمَدة النار - بالتحريك - : صوت التهابها. 
الخامسة : ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء وليس بمرضي. وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب " الحقائق " له عن جعفر الصادق وابن عطاء. قال ابن عطاء : معناه الشكر لله إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه. واستدل الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك : الحمد لله شكرا. قال ابن عطية : وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه لأن قولك شكرا إنما خصصت به الحمد ؛ لأنه على نعمة من النعم. وقال بعض العلماء : إن الشكر أعم من الحمد ؛ لأنه باللسان وبالجوارح والقلب والحمد إنما يكون باللسان خاصة. وقيل : الحمد أعم لأن فيه معنى الشكر ومعنى المدح، وهو أعم من الشكر ؛ لأن الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وروي عن ابن عباس أنه قال : الحمد لله كلمة كل شاكر، وإن آدم عليه السلام قال حين عطس : الحمد لله. وقال الله لنوح عليه السلام :" فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين[(٤)](#foonote-٤) " \[ المؤمنون : ٢٨ \] وقال إبراهيم عليه السلام :" الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق[(٥)](#foonote-٥) " \[ إبراهيم : ٣٩ \]. وقال في قصة داود وسليمان :" وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين[(٦)](#foonote-٦) " \[ النمل : ١٥ \]. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم :" وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا[(٧)](#foonote-٧) " \[ الإسراء : ١١١ \]. وقال أهل الجنة :" الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن[(٨)](#foonote-٨) " \[ فاطر : ٣٤ \]. " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين[(٩)](#foonote-٩) " \[ يونس : ١٠ \]. فهي كلمة كل شاكر. 
قلت : الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان[(١٠)](#foonote-١٠). وعلى هذا الحد قال علماؤنا : الحمد أعم من الشكر ؛ لأن الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر. ويذكر الحمد بمعنى الرضا يقال : بلوته فحمدته، أي رضيته. ومنه قوله تعالى :" مقاما محمودا[(١١)](#foonote-١١) " \[ الإسراء : ٧٩ \]. وقال عليه السلام :( أحمد إليكم غسل الإحليل ) أي أرضاه لكم. ويذكر عن جعفر الصادق في قوله " الحمد لله " : من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد ؛ لأن الحمد حاء وميم ودال، فالحاء من الوحدانية، والميم من الملك، والدال من الديمومية، فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك فقد عرفه، وهذا هو حقيقة الحمد لله. وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير " الحمد لله " قال : هو على ثلاثة أوجه : أولها : إذا أعطاك الله شيئا تعرف من أعطاك. والثاني : أن ترضى بما أعطاك. والثالث : ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه، فهذه شرائط الحمد. 
السادسة : أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه وافتتح كتابه بحمده، ولم يأذن في ذلك لغيره بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال :" فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ النجم : ٣٢ \]. وقال عليه السلام :( احثوا في وجوه المداحين التراب ) رواه المقداد. وسيأتي القول فيه في " النساء[(١٣)](#foonote-١٣) " إن شاء الله تعالى. 
فمعنى " الحمد لله رب العالمين " أي سبق الحمد مني لنفسي أن يحمد نفسه أحد من العالمين، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة، وحمدي الخلق مشوب بالعلل. 
قال علماؤنا : فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار. وقيل : لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده حمد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل فاستفراغ طوق عباده هو محمل العجز عن حمده. ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله :( لا أحصي ثناء عليك ). وأنشدوا :إذا نحن أثنينا عليك بصَالح  فأنت كما نُثْنِي وفوق الذي نُثْنِيوقيل : حَمِد نفسه في الأزل لما علم من كثرة نعمه على عباده وعجزهم على القيام بواجب حمده فحمد نفسه عنهم، لتكون النعمة أهنأ لديهم ؛ حيث أسقط به ثقل المنة. 
السابعة : وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من " الحمد لله ". وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجّاج :" الحمد لله " بنصب الدال وهذا على إضمار فعل. ويقال :" الحمد لله " بالرفع مبتدأ وخبر وسبيل الخبر أن يفيد فما الفائدة في هذا ؟ فالجواب أن سيبويه قال : إذا قال الرجل الحمد لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك : حمدت الله حمدا، إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله، والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله. وقال غير سيبويه. إنما يتكلم بهذا تعرضا لعفو الله ومغفرته وتعظيما له وتمجيدا، فهو خلاف معنى الخبر وفيه معنى السؤال. وفي الحديث :( من شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ). وقيل : إن مدحه عز وجل لنفسه وثناءه عليها ليعلم ذلك عباده فالمعنى على هذا : قولوا الحمد لله. قال الطبري :" الحمد لله " ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال : قولوا الحمد لله، وعلى هذا يجيء قولوا إياك. وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه كما قال الشاعر :وأعلم أنني سأكون رَمْساً  إذا سار النَّوَاعِجُ[(١٤)](#foonote-١٤) لا يَسِيرُفقال السائلون : لمن حفرتم ؟ \*\*\* فقال القائلون لهم : وزيرُالمعنى : المحفور له وزير، فحذف لدلالة ظاهر الكلام عليه وهذا كثير. وروي عن ابن أبي عبَلة :" الحمد لله " بضم الدال واللام على إتباع الثاني الأول وليتجانس اللفظ وطلب التجانس في اللفظ كثير في كلامهم نحو : أجوءُك وهو منحُدُرٌ من الجبل، بضم الدال والجيم. قال :
. . . اضرب الساقينُ أُمّك هابل
بضم النون لأجل ضم الهمزة. وفي قراءة لأهل مكة " مُرُدفين " بضم الراء إتباعا للميم، وعلى ذلك " مُقُتلين " بضم القاف. وقالوا : لإمِّك، فكسروا الهمزة اتباعا للاّم، وأنشد للنعمان بن بشير :ويلِ امِّها في هواء الجوّ طالبةً  ولا كهذا الذي في الأرض مطلوبُ[(١٥)](#foonote-١٥)الأصل : ويلٌ لأمها، فحذفت اللام الأولى واستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة فنقلها للأم ثم أتبع اللام الميم. وروي عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن علي :" الحمدِ لله " بكسر الدال على اتباع الأول الثاني. 
الثامنة : قوله تعالى :" رب العالمين " أي مالكهم، وكل من ملك شيئا فهو ربه، فالرب : المالك. وفي الصحاح : والرب اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهل١ زيادة عن نوادر الأصول..
٢ في بعض نسخ الأصل: "في التذكير"..
٣ هو حسان بن ثابت رضي الله عنه.
٤ آية ٢٨ سورة المؤمنون..
٥ آية ٣٩ سورة إبراهيم..
٦ آية ١٥ سورة النمل..
٧ آية ١١١ سورة الإسراء..
٨ آية ٣٤ سورة فاطر..
٩ آية ١٠ سورة يونس..
١٠ عقب ذلك ابن عطية في تفسيره بقوله: فالحامد من الناس قسمان: الشاكر والمثنى بالصفات. وبه يتضح كلام المؤلف..
١١ آية ٧٩ سورة الإسراء..
١٢ آية ٣٢ سورة النجم.
١٣ راجع ج ٥ ص ٢٤٦.
١٤ النواعج من الإبل: السراع..
١٥ وصف عقابا تتبع ذئبا لتصيده. وهذا البيت نسبه سيبويه في كتابه مرة للنعمان (ج ٢ ص ٢٧٢)وأخرى لامرئ القيس (ج ١ ص ٣٥٣). ونسبة البغدادي في خزانة الأدب في الشاهد ٢٦٦ لامرئ القيس أيضا. وقد ورد في ديوانه: "لا كالذي في هواء الجو..." وعلى هذا لا شاهد فيه..

### الآية 1:3

> ﻿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [1:3]

الثالثة عشرة : قوله تعالى :" الرحمن الرحيم " وصف نفسه تعالى بعد " رب العالمين " بأنه " الرحمن الرحيم " لأنه لما كان في اتصافه ب " رب العالمين " ترهيب قرنه ب " الرحمن الرحيم " لما تضمن من الترغيب ؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة منه والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع كما قال :" نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم[(١)](#foonote-١). وأن عذابي هو العذاب الأليم " \[ الحجر : ٤٩، ٥٠ \]. وقال :" غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول[(٢)](#foonote-٢) " \[ غافر : ٣ \]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد ). وقد تقدم ما في هذين الاسمين من المعاني فلا معنى لإعادته.

١ آية ٤٩- ٥٠ سورة الحجر.
٢ آية ٣ سورة غافر..

### الآية 1:4

> ﻿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [1:4]

الرابعة عشرة : قوله تعالى :" مالك يوم الدين " قرأ محمد بن السَّمَيفع بنصب مالك، وفيه أربع لغات : مالك ومَلِك ومَلْك - مخففة من مَلِك - ومَليك. قال الشاعر[(١)](#foonote-١) :
وأيامٍ لنا غُرٍّ طِوَالٍ \*\*\* عصينا المَلْك فيها أن نَدينا
وقال آخر[(٢)](#foonote-٢) :
فاقنع بما قسم المليكُ فإنما\*\*\* قسمَ الخلائقَ بيننا عَلامُها
الخلائق : الطبائع التي جبل الإنسان عليها. وروي عن نافع إشباع الكسرة في " مَلِكِ " فيقرأ " ملكي " على لغة من يشبع الحركات وهي لغة للعرب ذكرها المهدوي وغيره. 
الخامسة عشرة : اختلف العلماء أيما أبلغ : ملك أو مالك ؟ والقراءتان مرويتان عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. ذكرهما الترمذي فقيل :" ملك " أعم وأبلغ من " مالك " إذ كل ملك مالك وليس كل مالك ملكا ولأن الملك نافذ على المالك في ملكه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك قاله أبو عبيدة والمبرد. وقيل :" مالك " أبلغ لأنه يكون مالكا للناس وغيرهم فالمالك أبلغ تصرفا وأعظم إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك. وقال أبو علي : حكى أبو بكر بن السراج عن بعض من اختار القراءة ب " مالك " أن الله سبحانه قد وصف نفسه بأنه مالك كل شيء بقول :" رب العالمين " فلا فائدة في قراءة من قرأ " مالك " لأنها تكرار. قال أبو علي : ولا حجة في هذا ؛ لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة تقدم العام ثم ذكر الخاص كقوله :" هو الله الخالق البارئ المصور " فالخالق يعم. وذكر المصور لما فيه من التنبيه على الصنعة ووجود الحكمة وكما قال تعالى :" وبالآخرة هم يوقنون " بعد قوله :" الذين يؤمنون بالغيب ". والغيب يعم الآخرة وغيرها ولكن ذكرها لعظمها والتنبيه على وجوب اعتقادها والرد على الكفرة الجاحدين لها وكما قال :" الرحمن الرحيم " فذكر " الرحمن " الذي هو عام وذكر " الرحيم " بعده لتخصيص المؤمنين به في قوله :" وكان بالمؤمنين رحيما ". وقال أبو حاتم : إن مالكا أبلغ في مدح الخالق من " ملك " و " ملك " أبلغ في مدح المخلوقين من مالك، والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا، واختار هذا القول القاضي أبو بكر بن العربي وذكر ثلاثة أوجه، الأول : أنك تضيفه إلى الخاص والعام فتقول : مالك الدار والأرض والثوب كما تقول : مالك الملوك. الثاني : أنه يطلق على مالك القليل والكثير، وإذا تأملت هذين القولين وجدتهما واحدا. والثالث : أنك تقول : مالك الملك ولا تقول : ملك الملك. قال ابن الحصار : إنما كان ذلك لأن المراد من " مالك " الدلالة على الملك - بكسر الميم - وهو لا يتضمن " الملك " - بضم الميم - و " ملك " يتضمن الأمرين جميعا فهو أولى بالمبالغة. ويتضمن أيضا الكمال ولذلك استحق الملك على من دونه، ألا ترى إلى قوله تعالى :" إن الله اصطفاه[(٣)](#foonote-٣) عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم " \[ البقرة : ٢٤٧ \] ولهذا قال عليه السلام :( الإمامة في قريش ) وقريش أفضل قبائل العرب والعرب أفضل من العجم وأشرف. ويتضمن الاقتدار والاختيار، وذلك أمر ضروري في الملك، إن لم يكن قادرا مختارا نافذا حكمه وأمره، قهره عدوه وغلبه غيره وازدرته رعيته، ويتضمن البطش والأمر والنهي والوعد والوعيد، ألا ترى إلى قول سليمان عليه السلام :" ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين. لأعذبنه عذابا شديدا[(٤)](#foonote-٤) " \[ النمل : ٢٠، ٢١ \] إلى غير ذلك من الأمور العجيبة والمعاني الشريفة التي لا توجد في المالك. 
قلت : وقد احتج بعضهم على أن مالكا أبلغ ؛ لأن فيه زيادة حرف فلقارئه عشر حسنات زيادة عمن قرأ ملك. 
قلت : هذا نظر إلى الصيغة لا إلى المعنى، وقد ثبتت القراءة بملك وفيه من المعنى ما ليس في مالك على ما بينا، والله أعلم. 
السادسة عشرة : لا يجوز أن يتسمى أحد بهذا الاسم ولا يدعى به إلا الله تعالى، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض ) وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك - زاد مسلم - لا مالك إلا الله عز وجل ) قال سفيان[(٥)](#foonote-٥) : مثل : شاهان شاه. وقال أحمد بن حنبل : سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع فقال : أوضع. وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل \[ كان \] يسمى ملك الأملاك لا ملك إلا الله سبحانه ). قال ابن الحصار : وكذلك " ملك يوم الدين " و " مالك الملك " لا ينبغي أن يختلف في أن هذا محرم على جميع المخلوقين كتحريم ملك الأملاك سواء، وأما الوصف بمالك وملك وهي :
السابعة عشرة : فيجوز أن يوصف بهما من اتصف بمفهومهما، قال الله العظيم :" إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا[(٦)](#foonote-٦) " \[ البقرة : ٢٤٧ \]. وقال صلى الله عليه وسلم :( ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج[(٧)](#foonote-٧) هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة ). 
الثامنة عشرة : إن قال قائل : كيف قال " مالك يوم الدين " ويوم الدين لم يوجد بعد، فكيف وصف نفسه بملك ما لم يوجده ؟ قيل له : اعلم أن مالكا اسم فاعل من ملك يملك، واسم الفاعل في كلام العرب قد يضاف إلى ما بعده وهو بمعنى الفعل المستقبل، ويكون ذلك عندهم كلاما سديدا معقولا صحيحا، كقولك : هذا ضارب زيد غدا، أي سيضرب زيدا. وكذلك : هذا حاج بيت الله في العام المقبل، تأويله سيحج في العام المقبل أفلا ترى أن الفعل قد ينسب إليه وهو لم يفعله بعد، وإنما أريد به الاستقبال، فكذلك قوله عز وجل :" مالك يوم الدين " على تأويل الاستقبال، أي سيملك يوم الدين أو في يوم الدين إذا حضر. 
ووجه ثان : أن يكون تأويل المالك راجع إلى القدرة، أي إنه قادر في يوم الدين، أو على يوم الدين وإحداثه ؛ لأن المالك للشيء هو المتصرف في الشيء والقادر عليه والله عز وجل مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شيء. 
والوجه الأول أمس بالعربية وأنفذ في طريقها، قاله أبو القاسم الزجاجي. 
ووجه ثالث : فيقال لم خصص يوم الدين وهو مالك يوم الدين وغيره ؟ قيل له : لأن في الدنيا كانوا منازعين في الملك مثل فرعون ونمروذ وغيرهما، وفي ذلك اليوم لا ينازعه أحد في ملكه، وكلهم خضعوا له كما قال تعالى :" لمن الملك اليوم[(٨)](#foonote-٨) " \[ غافر : ١٦ \] فأجاب جميع الخلق :" لله الواحد القهار " \[ غافر : ١٦ \] فلذلك قال : مالك يوم الدين، أي في ذلك اليوم لا يكون مالك ولا قاض ولا مجاز غيره سبحانه لا إله إلا هو. 
التاسعة عشرة : إن وُصِف الله سبحانه بأنه ملك كان ذلك من صفات ذاته، وإن وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله. 
الموفية العشرين : اليوم : عبارة عن وقت طلوع الفجر إلى وقت غروب الشمس، فاستعير فيما بين مبتدأ القيامة إلى وقت استقرار أهل الدارين فيهما. وقد يطلق اليوم على الساعة منه، قال الله تعالى :" اليوم أكملت لكم دينكم[(٩)](#foonote-٩) " \[ المائدة : ٣ \] وجمع يوم أيام وأصله أيوام فأدغم، وربما عبروا عن الشدة باليوم يقال : يوم أيوم كما يقال : ليله ليلاء. قال الراجز :
نِعْم[(١٠)](#foonote-١٠) أخو الهيجاء في اليوم اليمِي
وهو[(١١)](#foonote-١١) مقلوب منه أخر الواو وقدم الميم، ثم قلبت الواو ياء حيث صارت طرفا، كما قالوا : أدْلٍ في جمع دلو. 
الحادية والعشرون : الدين : الجزاء على الأعمال والحساب بها، كذلك قال ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وقتادة وغيرهم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل عليه قوله تعالى :" يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ النور : ٢٥ \] أي حسابهم. وقال :" اليوم تجزى كل نفس بما كسبت " \[ غافر : ١٧ \] و " اليوم تجزون ما كنتم تعملون[(١٣)](#foonote-١٣) " \[ الجاثية : ٢٨ \] وقال :" أئنا لمدينون[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ الصافات : ٥٣ \] أي مجزيون محاسبون. وقال لبيد :
حصادكَ يوماً ما زرعت وإنما \*\*\* يُدَانُ الفتى يوماً كما هو دائن
**آخر :**
إذا رمونا رميناهم \*\*\* ودِنَّاهم مثل ما يُقرضونا
**آخر :**
واعلم يقيناً[(١٥)](#foonote-١٥) أن ملكك زائلٌ \*\*\* واعلم بأنّ كما تَدِينُ تدان
وحكى أهل اللغة : دِنته بفعله دينا ( بفتح الدال ) ودينا ( بكسرها ) جزيته، ومنه الديان في صفة الرب تعالى أي المجازي، وفي الحديث :( الكيس من دان نفسه ) أي حاسب. وقيل : القضاء، وروي عن ابن عباس أيضا ومنه قول طرفة :
لعمرك ما كانت حَمُولة[(١٦)](#foonote-١٦) معبد \*\*\* على جُدّها[(١٧)](#foonote-١٧) حربا لدينِك من مُضَرْ
ومعاني هذه الثلاثة متقاربة. والدين أيضا : الطاعة، ومنه قول عمرو بن كلثوم :
وأيامٍ لنا غُرٍّ طِوالٍ \*\*\* عصينا المَلْك فيها أن ندِينا
**فعلى هذا هو لفظ مشترك وهي :**
قال ثعلب : دان الرجل إذا أطاع، ودان إذا عصى، ودان إذا عز، ودان إذا ذل، ودان إذا قهر، فهو من الأضداد. ويطلق الدين على العادة والشأن كما قال :
كَدِينك من أمِّ الحُوَيْرِثِ قبلها
**وقال المثقب \[ يذكر ناقته \] :**
تقول إذا دَرَأتُ لها وضِينِي[(١٨)](#foonote-١٨) \*\*\* أهذا دينُه أبدا وديني
**والدين : سيرة الملك. قال زهير :**
لئن حللتَ بجوّ في بني أسد \*\*\* في دين عمرو وحالت بيننا فَدَك[(١٩)](#foonote-١٩)
أراد في موضع طاعة عمرو. والدين : الداء عن اللحياني. وأنشد :
يا دِينَ قلبك من سلمى وقد دِينا

١ هو عمرو بن كلثوم..
٢ هو لبيد بن ربيعة العامري..
٣ سورة البقرة آية ٢٤٧.
٤ سورة النمل آية ٢٠، ٢١.
٥ سفيان هذا، أحد رواة سند هذا الحديث..
٦ سورة البقرة آية ٢٤٧.
٧ ثبج البحر: وسطه ومعظمه..
٨ سورة غافر آية ١٦.
٩ سورة المائدة آية ٣.
١٠ هو أبو الأخزر الحماني كما في اللسان مادة "يوم"..
١١ قوله: "وهو" أي اليمي..
١٢ سورة النور آية ٢٥.
١٣ سورة الجاثية آية ٢٨.
١٤ سورة الصافات آية ٣٥..
١٥ في اللسان مادة (دين): "قال خويلد بن نوفل الكلابي للحارث بن أبي شمر الغساني وكان قد اغتصبه ابنته:
 يا حار أيقن أن ملكك زائل \*................ \* الخ.
١٦ الحمولة: الإبل التي يحمل عليها..
١٧ الجد (بالضم): البئر الجيدة الموضع من الكلأ. والخطاب لعمرو بن هند وقد أغار على إبل معبد أخي طرفة..
١٨ درأت وضين البعير: إذا بسطته على الأرض ثم أبركته عليه لتشده به. والوضين: بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرحل على البعير..
١٩ جو (بالجيم) كما في الأصول والديوان. قال الكبرى في معجمه: "إنه موضع في ديار بني أسد" واستشهد ببيت زهير هذا. وفي القاموس وشرحه في مادة الخو- بالخاء المعجمة-: "ويوم خو لبني أسد، قال زهير- وذكر البيت- قال أبو محمد الأسود: ومن رواه بالجيم فقد أخطأه وكان هذا اليوم لهم على بني يربوع... "وفدك: موضع بخيبر..

### الآية 1:5

> ﻿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [1:5]

الثالثة والعشرون : قوله تعالى :" إياك نعبد " رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين ؛ لأن من أول السورة إلى ههنا خبرا عن الله تعالى وثناء عليه كقوله " وسقاهم[(١)](#foonote-١) ربهم شرابا طهورا " \[ الإنسان : ٢١ \]. ثم قال :" إن هذا كان لكم جزاء ". وعكسه :" حتى إذا كنتم[(٢)](#foonote-٢) في الفلك وجرين بهم " \[ يونس : ٢٢ \] على ما يأتي. و " نعبد " معناه نطيع والعبادة الطاعة والتذلل. وطريق معبد إذا كان مذللا للسالكين قاله الهروي. ونطق المكلف به إقرار بالربوبية وتحقيق لعبادة الله تعالى ؛ إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك. " وإياك نستعين " أي نطلب العون والتأييد والتوفيق. 
قال السلمي في حقائقه : سمعت محمد بن عبدالله بن شاذان يقول : سمعت أبا حفص الفرغاني يقول : من أقرَّ ب " إياك نعبد وإياك نستعين " فقد برئ من الجبر والقدر. 
الرابعة والعشرون : إن قيل : لم قدم المفعول على الفعل ؟ قيل له : قدم اهتماما، وشأن العرب تقديم الأهم. يذكر أن أعرابيا سبَّ آخر فأعرض المسبوب عنه، فقال له الساب : إياك أعني : فقال له الآخر : وعنك أعرض، فقدما الأهم. وأيضا لئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود فلا يجوز نعبدك ونستعينك ولا نعبد إياك ونستعين إياك، فيقدم الفعل على كناية المفعول وإنما يتبع لفظ القرآن. وقال العجاج :

إياك أدعو فتقبل مَلَقي  واغفر خطاياي وكثّر ورِقيويروى : وثَمِّر. وأما قول الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :
إليك حتى بَلَغَتْ إيّاكا
فشاذ لا يقاس عليه. والورِق بكسر الراء من الدراهم، وبفتحها المال. وكرر الاسم لئلا يتوهم إياك نعبد ونستعين غيرك. 
الخامسة والعشرون : الجمهور من القراء والعلماء على شد الياء من " إياك " في الموضعين. وقرأ عمرو بن فائد :" إياك " بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وذلك أنه كره تضعيف الياء لثقلها وكون الكسرة قبلها. وهذه قراءة مرغوب عنها، فإن المعنى يصير : شمسك نعبد أو ضوءك وإياة الشمس ( بكسر الهمزة ) : ضوءها وقد تفتح. وقال[(٤)](#foonote-٤) :سقته إِيَاةُ الشمس إلا لِثاتِه  أُسِفّ فلم تَكدِم عليه بإثمدفإن أسقطت الهاء مددت. ويقال : الإياة للشمس كالهالة للقمر وهي الدارة حولها. وقرأ الفضل الرقاشي :" أياك " ( بفتح الهمزة ) وهي لغة مشهورة. وقرأ أبو السَّوار الغَنَوي :" هياك " في الموضعين وهي لغة قال :فهِيّاك والأمر الذي إن توسعت  مواردُه ضاقت عليك مصادرُهقوله تعالى :" وإياك نستعين " عطف جملة على جملة. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش :" نِستعين " بكسر النون وهي لغة تميم وأسد وقيس وربيعة ليدل على أنه من استعان، فكسرت النون كما تكسر ألف الوصل. وأصل " نستعين " نستعون قلبت حركة الواو إلى العين فصارت ياء، والمصدر استعانة والأصل استعوان، قلبت حركة الواو إلى العين فانقلبت ألفا ولا يلتقي ساكنان فحذفت الألف الثانية ؛ لأنها زائدة، وقيل الأولى ؛ لأن الثانية للمعنى ولزمت الهاء عوضا. 
١ راجع ج ١٩ ص ١٤٥.
٢ راجع ج ٨ ص ٣٢٤..
٣ هو حمدي الأرقط: والمعنى: سارت هذه الناقة إليك حتى بلغتك..
٤ قائله طرفة بن العبد. والهاء في "سقته" و"لثاته" يعود على الثغر، وكذا المضمر الذي في "أسف". ومعنى سقفه: حسنته وبيضته وأشربته حسنا. و"أسف": ذر عليه. "فلم تكدم عليه": أي لم تعضض عظما فيؤثر في ثغرها. (عن شرح المعلقات)..

### الآية 1:6

> ﻿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [1:6]

السابعة والعشرون : قوله تعالى :" اهدنا الصراط المستقيم " اهدنا دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب، والمعنى : دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك. قال بعض العلماء : فجعل الله جل وعز عظم الدعاء وجملته موضوعا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به \[ الداعي \] لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به، وفي الحديث :( ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ). وقيل المعنى : أرشدنا باستعمال السنن في أداء فرائضك وقيل : الأصل فيه الإمالة ومنه قوله تعالى :" إنا هُدنا إليك[(١)](#foonote-١) " \[ الأعراف : ١٥٦ \] أي ملنا، وخرج عليه السلام في مرضه يتهادى بين اثنين، أي يتمايل. ومنه الهدية لأنها تمال من مِلك إلى مِلك. ومنه الهدي للحيوان الذي يساق إلى الحرم، فالمعنى مل بقلوبنا إلى الحق. وقال الفضيل بن عياض :" الصراط المستقيم " طريق الحج، وهذا خاص والعموم أولى. 
قال محمد بن الحنفية في قوله عز وجل " اهدنا الصراط المستقيم " : هو دين الله الذي لا يقبل من العبادة غيره. وقال عاصم الأحول عن أبي العالية :" الصراط المستقيم " رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده. قال عاصم فقلت للحسن : إن أبا العالية يقول :" الصراط المستقيم " رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه قال : صدق ونصح. 
أصل الصراط في كلام العرب الطريق، قال عامر بن الطفيل :

شحنَّا أرضهم بالخيل حتى  تركناهم أذلَّ من الصراط**وقال جرير :**أمير المؤمنين على صراط  إذا اعوَجّ المواردُ مستقيم**وقال آخر :**
فصدّ عن نهجِ الصراط الواضح
حكى النقّاش : الصراط الطريق بلغة الروم، فقال ابن عطية : وهذا ضعيف جدا. وقرئ : السراط ( بالسين ) من الاستراط بمعنى الابتلاع، كأن الطريق يسترط من يسلكه. وقرئ بين الزاي والصاد. وقرئ بزاي خالصة والسين الأصل. وحكى سلمة عن الفراء قال : الزراط بإخلاص الزاي لغة لعُذرة وكلب وبني القَيْن قال : وهؤلاء يقولون \[ في أصدق \] : أزدق. وقد قالوا : الأزْد والأسْد، ولسق به ولصق به. و " الصراط " نصب على المفعول الثاني ؛ لأن الفعل من الهداية يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف جر، قال الله تعالى :" فاهدوهم[(٢)](#foonote-٢) إلى صراط الجحيم ". \[ الصافات : ٢٣ \]. وبغير حرف كما في هذه الآية. " المستقيم " صفة ل " الصراط " وهو الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف ومنه قوله تعالى :" وأن هذا صراطي مستقيما[(٣)](#foonote-٣) فاتبعوه " \[ الأنعام : ١٥٣ \] وأصله مستقوم، نقلت الحركة إلى القاف وانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. 
١ راجع ج ٧ ص ٢٩٦.
٢ راجع ج ١٥ ص ٧٣.
٣ راجع ج ٧ ص ١٣٧.

### الآية 1:7

> ﻿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ [1:7]

التاسعة والعشرون :" صراط الذين أنعمت عليهم " صراط بدل من الأول بدل الشيء من الشيء، كقولك : جاءني زيد أبوك. ومعناه[(١)](#foonote-١) : أدم هدايتنا، فإن الإنسان قد يهدى إلى الطريق ثم يقطع به. وقيل : هو صراط آخر، ومعناه العلم بالله جل وعز والفهم عنه، قاله جعفر بن محمد. ولغة القرآن " الذين " في الرفع والنصب والجر وهذيل تقول : اللذون في الرفع، ومن العرب من يقول : اللذو[(٢)](#foonote-٢)، ومنهم من يقول الذي، وسيأتي. 
وفي " عليهم " عشر لغات، قرئ بعامتها :" عليهُم " بضم الهاء وإسكان الميم. " وعليهِم " بكسر الهاء وإسكان الميم. و " عليهمي " بكسر الهاء والميم وإلحاق ياء بعد الكسرة. و " عليهمو " بكسر الهاء وضم الميم وزيادة واو بعد الضمة. و " عليهمو " بضم الهاء والميم كلتيهما وإدخال واو بعد الميم. و " عليهم " بضم الهاء والميم من غير زيادة واو. وهذه الأوجه الستة مأثورة عن الأئمة من القراء. وأوجه أربعة منقولة عن العرب غير محكية عن القراء :" عليهمي " بضم الهاء وكسر الميم وإدخال ياء بعد الميم، حكاها الحسن[(٣)](#foonote-٣) البصري عن العرب. و " عليهُمِ " بضم الهاء وكسر الميم من غير زيادة ياء. و " عليهِمُ " بكسر الهاء وضم الميم من غير إلحاق واو. و " عليهِمِ " بكسر الهاء والميم ولا ياء بعد الميم. وكلها صواب، قاله ابن الأنباري. 
الموفية الثلاثين : قرأ عمر بن الخطاب وابن الزبير رضي الله عنهما " صراط من أنعمت عليهم ". واختلف الناس في المنعم عليهم، فقال الجمهور من المفسرين : إنه أراد صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وانتزعوا ذلك من قوله تعالى :" ومن يطع الله والرسول فأولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا[(٤)](#foonote-٤) " \[ النساء : ٦٩ \]. فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد وجميع ما قيل إلى هذا يرجع، فلا معنى لتعديد الأقوال والله المستعان. 
الحادية والثلاثون : في هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة والإمامية ؛ لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعال منه طاعة كانت أو معصية ؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه، وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم، فلو كان الأمر إليهم والاختيار بيدهم دون ربهم لما سألوه الهداية، ولا كرروا السؤال في كل صلاة وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه وهو ما يناقض الهداية حيث قالوا :" صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " \[ الفاتحة : الآية \]. فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا يضلهم، وكذلك يدعون فيقولون :" ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إن هديتنا[(٥)](#foonote-٥) " \[ آل عمران : ٨ \] الآية. 
الثانية والثلاثون :" غير المغضوب عليهم ولا الضالين " اختلف في " المغضوب عليهم " و " الضالين " من هم ؟ فالجمهور أن المغضوب عليهم اليهود والضالين النصارى، وجاء ذلك مفسرا عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده والترمذي في جامعه. وشهد لهذا التفسير أيضا قوله سبحانه في اليهود :" وباؤوا بغضب من الله " \[ البقرة : ٦١ وآل عمران : ١١٢ \]. وقال :" وغضب[(٦)](#foonote-٦) الله عليهم " \[ الفتح : ٦ \] وقال في النصارى :" قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل[(٧)](#foonote-٧) " \[ المائدة : ٧٧ \]. وقيل :" المغضوب عليهم " المشركون. و " الضالين " المنافقون. وقيل :" المغضوب عليهم " هو من أسقط فرض هذه السورة في الصلاة و " الضالين " عن بركة قراءتها. حكاه السلمي في حقائقه والماوردي في تفسيره وليس بشيء. قال الماوردي : وهذا وجه مردود ؛ لأن ما تعارضت فيه الأخبار وتقابلت فيه الآثار وانتشر فيه الخلاف لم يجز أن يطلق عليه هذا الحكم. وقيل :" المغضوب عليهم " باتباع البدع و " الضالين " عن سنن الهدى. 
قلت : وهذا حسن، وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم أولى وأعلى وأحسن. و " عليهم " في موضع رفع ؛ لأن المعنى غضب عليهم. والغضب في اللغة الشدة. ورجل غضوب أي شديد الخلق. والغضوب : الحية الخبيثة لشدتها. والغضبة : الدرقة من جلد البعير، يطوى بعضها على بعض، سميت بذلك لشدتها. ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة، فهو صفة ذات وإرادة الله تعالى من صفات ذاته أو نفس العقوبة ومنه الحديث :( إن الصدقة لتطفئ غضب الرب ) فهو صفة فعل. 
الثالثة والثلاثون :" ولا الضالين " الضلال في كلام العرب هو الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق، ومنه : ضل اللبن في الماء أي غاب. ومنه :" أئذا ضللنا في الأرض " \[ السجدة : ١٠ \] أي غبنا بالموت وصرنا ترابا، قال :

ألم تسأل فتخبرَك الديار  عن الحي المُضَلَّلِ أين سارواوالضُّلَضِلَة : حجر أملس يردده الماء في الوادي. وكذلك الغضبة : صخرة في الجبل مخالفة لونه قال :
أو غَضْبَةٍ في هَضْبَةٍ ما أمنعا
الرابعة والثلاثون : قرأ عمر بن الخطاب وأبي بن كعب " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " وروي عنهما في الراء النصب والخفض في الحرفين، فالخفض على البدل من " الذين " أو من الهاء والميم في " عليهم " أو صفة للذين والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف، إلا أن الذين ليس بمقصود قصدهم فهو عام فالكلام بمنزلة قولك : إني لأمر بمثلك فأكرمه أو لأن " غير " تعرفت لكونها بين شيئين لا وسط بينهما كما تقول : الحي غير الميت والساكن غير المتحرك والقائم غير القاعد، قولان : الأول للفارسي والثاني للزمخشري. والنصب في الراء على وجهين : على الحال من الذين أو من الهاء والميم في عليهم كأنك قلت : أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم. أو على الاستثناء كأنك قلت : إلا المغضوب عليهم. ويجوز النصب بأعني، وحكي عن الخليل. 
الخامسة والثلاثون :" لا " في قوله " ولا الضالين " اختلف فيها فقيل هي زائدة، قاله الطبري. ومنه قوله تعالى :" ما منعك ألا تسجد " \[ الأعراف : ١٢ \]. وقيل : هي تأكيد دخلت لئلا يتوهم أن الضالين معطوف على الذين، حكاه مكي والمهدوي. وقال الكوفيون :" لا " بمعنى غير، وهي قراءة عمر وأُبَي، وقد تقدم. 
السادسة والثلاثون : الأصل في " الضالين " : الضاللين حذفت حركة اللام الأولى ثم أدغمت اللام في اللام فاجتمع ساكنان مدة الألف واللام المدغمة. وقرأ أيوب السختياني :" ولا الضالين " بهمزة غير ممدودة كأنه فر من التقاء الساكنين، وهي لغة. حكى أبو زيد قال : سمعت عمرو بن عبيد - يقرأ :" فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأَنّ " \[ الرحمن : ٣٩ \] فظننته قد لحن حتى سمعت من العرب : دأبة وشأبة. قال أبوالفتح : وعلى هذه اللغة قول كُثَير :
إذا ماالعَوَالي بالعَبِيطِ احْمَأَرَّتِ
نُجز تفسير سورة الحمد، ولله الحمد والمنة. 
١ أي قوله تعالى: "اهدنا" وما بعده..
٢ أي إفرادا أو جمعا في الرفع والنصب والجر، كما يؤخذ من لسان العرب..
٣ في بعض نسخ الأصل: "الأخفش البصري"وهو أبو الحسن سعيد بن مسعدة..
٤ راجع ج ٥ ص ٢٧١.
٥ راجع ج ٤ ص ١٩..
٦ راجع ج ١٦ ص ٢٦٥.
٧ راجع ج ٦ ص ٢٥٢.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/1.md)
- [كل تفاسير سورة الفاتحة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/1.md)
- [ترجمات سورة الفاتحة
](https://quranpedia.net/translations/1.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/366.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/1/book/366) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
