---
title: "تفسير سورة يونس - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/10/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/10/book/350"
surah_id: "10"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة يونس - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/10/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة يونس - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/10/book/350*.

Tafsir of Surah يونس from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 10:1

> الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [10:1]

تقدم في أول سورة البقرة ذكر الاختلاف في فواتح السور، وتلك الأقوال كلها تترتب هنا، وفي هذا الموضع قول يختص به، قاله ابن عباس وسالم بن عبد الله وابن جبير والشعبي : الر   حم  \[ غافر : ١، فصلت : ١، الشورى : ١، الزخرف : ١، الدخان : ١، الجاثية : ١، الأحقاف : ١ \] و  ن  \[ القلم : ١ \] هو الرحمن قطع اللفظ في أوائل هذه السورة[(١)](#foonote-١). واختلف عن نافع في إمالة الراء والقياس أن لا يمال وكذلك اختلف القرّاء وعلة من أمال الراء أن يدل بذلك على أنها اسم للحرف وليست بحرف في نفسها وإنما الحرف **«ر »**[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله تعالى : تلك  قيل هو بمعنى هذه[(٣)](#foonote-٣) وقد يشبه أن يتصل المعنى ب  تلك  دون أن نقدرها بدل غيرها والنظر في هذه اللفظة إنما يتركب على الخلاف في فواتح السور فتدبره. و  الكتاب  قال مجاهد وقتادة : المراد به التوراة والإنجيل، وقال مجاهد أيضاً وغيره : المراد به القرآن وهو الأظهر، و  الحكيم  فعيل بمعنى محكم كما قال تعالى : هذا ما لدي عتيد [(٤)](#foonote-٤) أي ُمْعَتد ُمَعد، ويمكن أن يكون **«حكيم »** بمعنى ذو حكمة فهو على النسب، وقال الطبري فهو مثل أليم بمعنى مؤلم ثم قال : هو الذي أحكمه وبيّنه. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية رضي الله عنه : فساق قولين على أنهما واحد.

١ -تعبير القرطبي هنا نقلا عن ابن عباس: "الر، وحم، ونون: حروف (الرحمان) مفرقة"، وهو يفسر المعنى المراد هنا..
٢ - قال ابن خالويه في كتاب "الحجة": "يقرأ بكسر الراء وفتحها، فالحجة لمن أمال أنه أراد التخفيف، والحجة لمن فتح أنه أتى باللفظ على الأصل، وكلهم قصروا الراء، وأهل العربية يقولون في حروف المعجم: إنه يجوز إمالتها، وتفخيمها، وقصرها ومدّها، وتذكيرها وتأنيثها"..
٣ - والمشار إليه –على هذا- حاضر قريب، وهذا هو رأي ابن عباس رضي الله عنهما، واختاره أبو عبيدة كما ذكر أبو حيان في "البحر"، وعليه جاء قول الأعشى:
 تلك خيلي منه وتلك ركابي هنّ صفر أولادها كالزبيب
 ثم اختلف- بعد ذلك- في المقصود بالإشارة، فقيل: آيات القرآن الكريم، وقيل: آيات السورة التي تقدم ذكرها في آخر التوبة في قوله تعالى: وإذا ما أنزلت سورة، وقيل: المشار إليه هو (الراء) فإنها كنوز القرآن، وبها العلوم التي استأثر الله بها، إذ المراد أن الحروف التي افتتحت بها السور وإن قربت ألفاظها فمعانيها بعيدة المنال. .
٤ - من الآية (٢٣) من سورة (ق)..

### الآية 10:2

> ﻿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ [10:2]

وقوله : أكان للناس عجباً  الآية، قال ابن عباس وابن جريج وغيرهما : نسبت هذه الآية أن قريشاً استبعدوا أن يبعث الله رسولاً من البشر، وقال الزجاج : إنما عجبوا من إخباره أنهم يبعثون من القبور إذ النذارة والبشارة تتضمنان ذلك، وكثر كلامهم في ذلك حتى قال بعضهم : أما وجد الله من يبعث إلا يتيم أبي طالب، ونحو هذا من الأقاويل التي اختصرتها لشهرتها فنزلت الآية، وقوله : أكان  تقرير[(١)](#foonote-١) والمراد ب **«الناس »** قائلوا هذه المقالة، و  عجباً  خبر كان واسمها  أن أوحينا ، وفي مصحف ابن مسعود **«أكان للناس عجب »** وجعل الخبر في قوله  أن أوحينا  والأول أصوب لأن الاسم معرفة والخبر نكرة وهذا القلب لا يصح ولا يجيء إلا شاذاً[(٢)](#foonote-٢) ومنه قول حسان :\[ الوافر \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* يكون مزاجها عسلٌ وماء[(٣)](#foonote-٣)
ولفظة العجب هنا ليست بمعنى التعجب فقط بل معناه أَوَصَل إنكارهم وتعجبهم إلى التكذيب ؟ وقرأت فرقة **«إلى رجل »** بسكون الجيم، ثم فسر الوحي وقسمه عل النذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين، و ****«القدم »**** هنا : ما قدم، واختلف في المراد بها ها هنا فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وابن زيد : هي الأعمال الصالحة من العبادات، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة : هي شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال زيد بن أسلم وغيره : هي المصيبة بمحمد صلى الله عليه وسلم في موته، وقال ابن عباس أيضاً وغيره : هي السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ، وهذا أليق الأقوال بالآية، ومن هذه اللفظة قول حسان :\[ الطويل \]
لنا القدم العليا إليك وخلْفَنا \*\*\* لأوّلنا في طاعةِ اللهِ تابعُ[(٤)](#foonote-٤)
وقول ذي الرمة :\[ الطويل \]
لكم قدم لا ينكر الناس أنها\*\*\* مع الحسب العادي طمت على البحر[(٥)](#foonote-٥)
ومن هذه اللفظة قول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم :**«حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط »**[(٦)](#foonote-٦)، أي ما قدم لها من خلقه، هذا على أن الجبار اسم الله تعالى، ومن جعله اسم جنس كأنه أراد الجبارين من بني آدم، ف ****«القدم »**** على التأويل الجارحة[(٧)](#foonote-٧) والصدق في هذه الآية بمعنى الصلاح، كما تقول رجل صدق ورجل سوء[(٨)](#foonote-٨)، وقوله  قال الكافرون  يحتمل أن يكون تفسيراً لقوله أكان وحينا إلى بشر عجباً قال الكافرون عنه كذا وكذا، وذهب الطبري إلى أن في الكلام حذفاً يدل الظاهر عليه تقديره فلما أنذر وبشر قال الكافرون كذا وكذا، وقرأ جمهور الناس وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر **«إن هذا لسحر مبين »**، وقرأ مسروق بن الأجدع وابن جبير والباقون من السبعة وابن مسعود وأبو رزين ومجاهد وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى بن عمر بخلاف، وابن محيصن وابن كثير بخلاف عنه **«إنه لساحر »** والمعنى متقارب، وفي مصحف أبي **«قال الكافرون ما هذا إلا سحر مبين »**، وقولهم في الإنذار والبشارة سحر إنما هو بسبب أنه فرق بذلك كلمتهم وحال بين القريب وقريبه فأشبه ذلك ما يفعله الساحر فظنوه من ذلك الباب.

١ - قال القرطبي: "استفهام معناه التقرير والتوبيخ"، وقال الشوكاني: "لإنكار العجب مع ما يفيده من التقريع والتوبيخ". وجعله الألوسي وأبو حيان للإنكار فقط..
٢ - قال أبو حيان: "وهذا تخريج الزمخشري وابن عطية، وقيل: \[كان\] تامة، و\[عجب\] فاعل بها، والمعنى: أحدث للناس عجب لأن أوحينا؟ وهذا التوجيه حسن".
 فالشذوذ ناتج عنده عن فهم الزمخشري وابن عطية وليس في القراءة نفسها..
٣ -وهذا عجز بيت لحسان، وهو بتمامه:
 كأن سبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء
 والسبيئة: الخمر، وقد سبق الاستشهاد بهذا البيت عند تفسير قوله تعالى: وما كان صلاتهم عند البيت الآية (٣٥) من سورة (الأنفال)..
٤ - ورواه في (اللسان): "القدم الأولى"، والقدم: السابقة وما تقدموا فيه غيرهم من الخير، والخلف: الباقي بعد الهالك والتابع له، سمي به المتخلف والخالف لا على جهد البدل، وجمعه: خلوف مثل قرن وقرون، والخلف هنا محمود، أما في قوله تعالى: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة فهو مذموم. والبيت من قصيدة له يذكر فيها الأيام الأولى من تاريخ المسلمين في المدينة، وهي أحد عشر بيتا..
٥ - أنشد هذا البيت الزمخشري في "أساس البلاغة" (قدم) قال: "ولفلان قدم في هذا الأمر: سابقة وتقدم، وله قدم صدق، قالوا ذو الرمة: "لكم قدم..." وهو في الديوان وتفسير الطبري: "مع الحسب العادي"، وفي الديوان: "على الفخر"، ومعنى العادي: القديم. ومعنى البيت: لكم سوابق تقدمت من الخير والفضل والحسب ما يعدّه الإنسان من مفاخره..
٦ -رواه البخاري في تفسير سورة (ق)، وفي الإيمان، وفي التوحيد، وكذلك رواه مسلم، والترمذي، والإمام أحمد في مواطن كثيرة في مسنده، ولفظه كما في البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يلقى في النار وتقول: هل من مزيد حتى يضع قدمه فيها فتقول: قط قط)، وروى مثله عن أبي هريرة في لفظ طويل، ومثله عن أبي هريرة أيضا بلفظ موجز..
٧ - هذا الاحتمال غير وارد لأن بعض روايات الحديث في مسلم تقول: (حتى يضع رب العزة)، ولأن معنى الحديث يرفضه..
٨ - رجل صدق بفتح الصاد. جاء في الصحاح: "رجل صدق اللقاء وصدق النظر وقوم صُدُقٌ بالضم، مثل فرس ورد وأفراس ورد، وجون وجون". وفي المعجم الوسيط: الصدق: الكامل من كل شيء، يقال: "رمح صدق: مستو صلب، ورجل صدق اللقاء: ثبت فيه". ويقال كذلك بالكسر: رجل صدق.
 وأما السوء فبفتح السين: "يقال: رجل سوء وعمل سوء، ورجل السوء والرجل السوء" (المعجم الوسيط)..

### الآية 10:3

> ﻿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [10:3]

هذا ابتداء دعاء إلى عبادة الله عز وجل وإعلام بصفاته، والخطاب بها لجميع الناس، و  خلق السماوات والأرض  هو على ما تقرر أن الله عز وجل خلق الأرض  ثم استوى  إلى السماء وهي دخان فخلقها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقوله  في ستة أيام  قيل هي من أيام الآخرة، وقال الجمهور، وهو الصواب : بل من أيام الدنيا. 
قال القاضي أبو محمد : وذلك في التقدير لأن الشمس وجريها لم يتقدم حينئذ وقول النبي صلى الله عليه وسلم في خلق الله المخلوقات ( إن الله ابتدأ يوم الأحد كذا ويوم كذا كذا ) إنما هو على أن نقدر ذلك الزمان ونعكس إليه التجربة من حين ابتدأ ترتيب اليوم والليلة، والمشهور أن الله ابتدأ بالخلق يوم الأحد، ووقع في بعض الأحاديث في كتاب مسلم وفي الدلائل أن البداءة وقعت يوم السبت[(١)](#foonote-١) وذكر بعض الناس أن الحكمة في خلق الله تعالى هذه الأشياء في مدة محدودة ممتدة وفي القدرة أن يقول كن فيكون إنما هو ليعلم عباده التؤدة والتماهل في الأمور. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا مما لا يوصل إلى تعليله، وعلى هذا هي الأجنة في البطون وخلق الثمار وغير ذلك، والله عز وجل قد جعل لكل شيء قدراً وهو أعلم بوجه الحكمة. وقوله  ثم استوى على العرش  قد تقدم القول فيه في  المص  \[ الأعراف : ١ \] وقوله  يدبر الأمر  يصح أن يريد ب  الأمر  اسم الجنس من الأمور ويحتمل أن يريد  الأمر  الذي هو مصدر أمر يأمر، وتدبيره لا إله إلا هو إنما هو الإنفاذ لأنه قد أحاط بكل شيء علماً، وقال مجاهد : يدبر الأمر  معناه يقضيه وحده، وقوله  ما من شفيع الا من بعد إذنه  رد على العرب في اعتقادها أن الأصنام تشفع لها[(٢)](#foonote-٢)، وقوله  ذلكم  إشارة الى الله تعالى أي هذا الذي هذه صفاته فاعبدوه، ثم قررهم على هذه الآيات والعبر فقال  أفلا تذكرون  أي فيكون التذكر سبباً للاهتداء، واختصار القول في قوله  ثم استوى على العرش  \[ إما \] أن يكون  استوى  بقهره وغلبته وإما أن يكون  استوى  بمعنى استولى إن صحت اللفظة في اللسان، فقد قيل في قول الشاعر :
قد استوى بشر على العراق\*\*\* من غير سيف ودم مهراق
إنه بيت مصنوع. وإما أن يكون فعل فعلاً في العرش سماه  استوى  واستيعاب القول قد تقدم[(٣)](#foonote-٣).

١ - عبارة ابن عطية هنا تدل على أنه يشك في صحة هذه الرواية، بدليل قوله: "ووقع في بعض الأحاديث"، والحقيقة المشهورة عند العلماء أن الله بدأ الخلق يوم الأحد، وأن مدة الخلق كانت ستة أيام بنص القرآن الكريم. ومعنى ذلك أن هذه الرواية تتعارض مع الآية فلا بد من إسقاطها أو تأويلها، ولا يمنع من ذلك ورودها في صحيح مسلم غفر الله لنا وله، وقد تكلم كثير من الحفاظ في هذا الحديث. والله أعلم..
٢ - قال بعض العلماء: فماذا إذا ادّعوا الإذن لها وقالوا: إنها تشفع بعد أن يؤذن لها، والآية لا تنفي الإذن؟ يقال: ولن يأذن لها لأنها ليست أهلا للشفاعة..
٣ - في الآية (٥٤) من سورة (الأعراف). واللغويون لهم آراء كثيرة في معنى (استوى) أشهرها أنه بمعنى: استولى وظهر، وقد سئل مالك بن أنس رضي الله عنه: كيف استوى؟ فقال: "الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".

### الآية 10:4

> ﻿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [10:4]

وقوله  إليه مرجعكم جميعاً  الآية، آية إنباء بالبعث من القبور وهي من الأمور التي جوزها العقل وأثبت وقوعها الشرع، وقوله  جميعاً  الآية، حال من الضمير في  مرجعكم ،  وعد الله  نصب على المصدر، وكذلك قوله  حقاً  وقال أبو الفتح  حقاً  نعت، وقرأ الجمهور **«إنه »** بكسر الألف على القطع والاستئناف، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع والأعمش وسهل بن شعيب وعبد الله ****«أنه »**** بفتح الألف، وموضعها النصب على تقدير أحق أنه، وقال الفراء : موضعها رفع على تقدير يحق أنه. 
قال القاضي أبو محمد : يجوز عندي أن يكون  أنه  بدلاً من قوله  وعد الله ، قال أبو الفتح : إن شئت قدرت لأنه يبدأ الخلق أي فمن في قدرته هذا فهو غني عن إخلاف الوعد. وإن شئت قدرته **«وعد الله حقاً أنه »** ولا يعمل فيه المصدر الذي هو  وعد الله  لأنه قد وصف فإذن ذلك بتمامه وقطع عمله[(١)](#foonote-١)، وقرأ ابن أبي عبلة **«حقٌّ »** بالرفع فهو ابتداء وخبره ****«أنه »**** وقوله  يبدأ الخلق  يريد النشأة الأولى، والإعادة هي البعث من القبور، وقرأ طلحة **«يُبدِىء الخلق »** بضم الياء وكسر الدال، وقوله  ليجزي  هي لام كي والمعنى أن الإعادة إنما هي ليقع الجزاء على الأعمال، وقوله  بالقسط  أي بالعدل في رحمتهم وحسن جزائهم، وقوله  والذين كفروا  ابتداء و **«الحميم »** الحار المسخن وهو فعيل بمعنى مفعول ومنه الحمام والحمة ومنه قول المرقش :

في كل يوم لها مقطرة  وكباء معدة وحميم[(٢)](#foonote-٢)وحميم النار فيما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه سلم إذا أدناه الكافر من فيه تساقطت فروة رأسه[(٣)](#foonote-٣)، وهو كما وصفه تعالى  يشوي الوجوه [(٤)](#foonote-٤). 
١ - فلا يصح أن يوصف قبل تمامه..
٢ - البيت للمرقّش الأصغر، واسمه ربيعة بن سفيان بن سعد، وهو ابن أخ المرقش الأكبر، وعمّ لطرفة بن العبد، وهو أشهر المرقشين، ويعد واحدا من فرسان العرب وشجعانهم، والبيت من قصيدة يتغزل فيها في محبوبته ابنة عجلان، والرواية هنا ناقصة، وفيها اختلاف عن الديوان، واللفظ كما في الديوان:
 في كل مسمى لها مقطرة فيها كباء معدّة وحميم.
 ورواية اللسان: "كل عشاء- ومعدّ". وجميع الروايات تحتاج إلى مناقشة في الوزن الشعري، والمقطرة: المحجرة، والكباء بكسر الكاف: العود، والحميم: ماء حار تحمّ به، ويصفها بالنظافة فيقول: إنها تعد كل مساء ماء ساخنا لتغتسل به، وهذا المعنى مأثور ومتكرر في الشعر الغزلي عند الجاهليين، إذ ينسبون إلى الحبيبات كل نعيم للتدليل على الترف..
٣ - رواه الترمذي، والإمام أحمد (٥/٢٦٥) ولفظه كما جاء فيه: عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ويُسقى من ماء صديد يتجرعه) قال: يقرب إليه فيتكرهه فإذا دنا منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه... الخ الحديث..
٤ - من الآية (٢٩) من سورة (الكهف)..

### الآية 10:5

> ﻿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [10:5]

هذا استمرار على وصف آيات الله والتنبيه على صنعته الدالة على الصانع، وهذه الآية تقتضي أن ****«الضياء »**** أعظم من ****«النور »**** وأبهى بحسب  الشمس  و  القمر ، ويلحق ها هنا اعتراض وهو أنّا وجدنا الله تعالى شبه هداه ولطفه بخلقه بالنور فقال  الله نور السماوات والأرض [(١)](#foonote-١)، وهذا يقتضي أن النور أعظم هذه الأشياء وأبلغها في الشروق وإلا فلم ترك التشبيه إلا على الذي هو ****«الضياء »**** وعدل إلى الأقل الذي هو ****«النور »**** فالجواب عن هذا والانفصال : أن تقول إن لفظة النور أحكم وأبلغ في قوله  الله نور السموات والإرض  \[ النور : ٣٥ \]، وذلك أنه تعالى شبه هداه ولطفه الذي نصبه لقوم يهتدون وآخرين يضلون مع النور الذي هو أبداً موجود في الليل وأثناء الظلام، ولو شبهه بالضياء لوجب أن لا يضل أحد إذ كان الهدى يكون مثل الشمس التي لا تبقى معها ظلمة، فمعنى الآية أن الله تعالى قد جعل هداه في الكفر كالنور في الظلام فيهتدي قوم ويضل آخرين، ولو جعله كالضياء لوجب أن لا يضل أحد وبقي الضياء على هذا الانفصال أبلغ في الشروق كما اقتضت آيتنا هذه والله عز وجل هو ضياء السماوات والأرض ونورها وقيومها، ويحتمل أن يعترض هذا الانفصال والله المستعان، وقوله : وقدره منازل  يريد البروج المذكورة في غير هذه الآية[(٢)](#foonote-٢)، وأما الضمير الذي رده على  القمر  وقد تقدم ذكر  الشمس  معه فيحتمل أن يريد بال-ضمير **«القمر »** وحده لأنه هو المراعى في معرفة  عدد السنين والحساب  عند العرب ويحتمل أن يريدهما معاً بحسب أنهما يتصرفان في معرفة عدد السنين والحساب عند العرب. لكنه اجتزأ بذكر الواحد كما قال  والله ورسوله أحق أن يرضوه [(٣)](#foonote-٣) وكما قال الشاعر \[ أبو حيان \] :\[ الطويل \]
رماني بذنب كنت منه ووالدي\*\*\* بريّاً ومن أجل الطويّ رماني[(٤)](#foonote-٤)
قال الزجّاج وكما قال الآخر :\[ المنسرح \]
نحن بما عندنا وأنت بما عن\*\*\* دك راضٍ والرأي مختلفُ[(٥)](#foonote-٥)
وقوله  لتعلموا  المعنى قدر هذين النيرين،  منازل  لكي  تعلموا  بها،  عدد السنين والحساب  رفقاً بكم ورفعاً للالتباس في معاشكم وتجركم وإجاراتكم وغير ذلك مما يضطر فيه إلى معرفة التواريخ، وقوله  ما خلق الله ذلك إلا بالحق  أي للفائدة : لا للعب والإهمال فهي إذاً يحق أن تكون كما هي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص **«يفصل الآيات »**، وقرأ ابن كثير أيضاً وعاصم والباقون[(٦)](#foonote-٦) والأعرج وأبو جعفر وشيبة وأهل مكة والحسن والأعمش **«نفصل »** بنون العظمة، وقوله  لقوم يعلمون  إنما خصهم لأن نفع التفصيل فيهم ظهر وعليهم أضاء وإن كان التفصيل إنما وقع مجملاً للكل معداً ليحصله الجميع، وقرأ جمهور السبعة وقد رويت عن ابن كثير **«ضياء »**، وقرأ ابن كثير وحده فيما روي أيضاً عنه[(٧)](#foonote-٧) **«ضئاء »** بهمزتين، وأصله ضياء فقلبت[(٨)](#foonote-٨) فجاءت ضئائاً، فقلبت الياء همزة لوقوعها بين ألفين، وقال أبو علي : وهي غلط[(٩)](#foonote-٩).

١ - من الآية (٣٥) من سورة (النور)..
٢ - في قوله تعالى في سورة الحجر: ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين، وفي سورة الفرقان: تبارك الذي جعل في السماء بروجا، وفي سورة البروج: والسماء ذات البروج، وكانت العرب تنسب للبروج الأنواء، وهي ثمانية وعشرون برجا..
٣ - من الآية (٦٢) من سورة (التوبة)..
٤ - لأن الشاعر قال: (بريئا) ولم يقل (بريئين)، وقد سبق الاستشهاد بالبيت، وقد رواه الفراء في كتابه "معاني القرآن"، وفي اللسان أن ابن برّي قال: البيت لابن أحمر، وقيل: هو للأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي، وروي: (ومن جول الطوي)، والطوي: بئر اختصم عليها الشاعر مع أحد الناس فقال خصمه: إنه لص وابن لص، فقال هذه القصيدة، وبعد البيت:
 دعاني لصا في نصوص وما دعا بها والدي فيما مضى رجلان
 وجول الطوي: كل ناحية من نواحي البئر من أعلاها إلى أسفلها..
٥ -إذ قال: (راض) ولم يقل: (راضون)، وقد سبق الاستشهاد بالبيت عند تفسير قوله تعالى في الآية (٣٤) من سورة التوبة: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، وكذلك عند تفسير قوله سبحانه في الآية (٦٢) من نفس السورة: والله ورسوله أحق أن يرضوه.
 هذا ومثل الآية والبيتين قوله تعالى في سورة الجمعة:  وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها إذا لم يقل سبحانه (إليهما)، ومثلها أيضا قول حسان بن ثابت الأنصاري: 
 إن شرخ الشباب والشعر الأســ ـود ما لم يعاص كان جنونا
 فقد قال: (يعاص) ولم يقل: (يعاصيان).
 .
٦ - يريد باقي السبعة..
٧ - في القرطبي وفي البحر المحيط أنها قراءة قنبل..
٨ - يعني: قدمت الهمزة التي بعد الألف فصارت قبل الألف وصارت ضئايا، ثم قبلت الياء همزة لوقوعها بعد ألف زائدة فصارت ضئاءا، وكذلك إن قدرت أن الياء حين تأخرت رجعت إلى أصلها وهو الواو التي انقلبت عنها- إن قدرت هذا فإن الياء تقلب همزة أيضا وتكون على وزن فلاع مقلوب من فعال..
٩ - لأن القياس هو الفرار من اجتماع همزتين إلى تخفيف إحداهما فكيف نتخيل تقديما وتأخيرا يؤديان إلى اجتماعهما ولم يكونا موجودين في الأصل. وتأمل التعليل الذي ذكره ابن عطية لقلب الياء المتأخرة همزة وهو أنها وقعت بين ألفين، وما ذكرنا هنا من أنها قلبت همزة لوقوعها بعد ألف زائدة، فقد قيل بالرأيين..

### الآية 10:6

> ﻿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ [10:6]

وقوله تعالى  إن في اختلاف الليل والنهار  الآية، آية اعتبار وتنبيه، ولفظه الاختلاف تعم تعاقب الليل والنهار وكونهما خلفه وما يتعاورانه من الزيادة والنقص وغير ذلك من لواحق سير الشمس وبحسب أقطار الأرض، قوله  وما خلق الله في السماوات والأرض  لفظ عام لجميع المخلوقات، و **«الآيات »** العلامات والدلائل، وخصص **«القوم المتقين »** تشريفاً لهم إذ الاعتبار فيهم يقع ونسبتهم إلى هذه الأشياء المنظور فيها أفضل من نسبة من لم يهتد ولا اتقى.

### الآية 10:7

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ [10:7]

قال أبو عبيدة وتابعه القتبي وغيره،  يرجون  في هذه الآية بمعنى يخافون واحتجوا ببيت أبي ذؤيب :\[ الطويل \]
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها\*\*\* وخالفها في بيت نوب عواسل[(١)](#foonote-١)
وحكى المهدوي عن بعض أهل اللغة وقال ابن سيده والفراء : إن لفظة الرجاء إذا جاءت منفية فإنها تكون بمعنى الخوف، وحكي عن بعضهم أنها تكون بمعناها في كل موضع تدل عليه قرائن ما قبله وما بعده، فعلى هذا التأويل معنى الآية : إن الذين لا يخافون لقاءنا، وقال ابن زيد : هذه الآية في الكفار، وقال بعض أهل العلم :**«الرجاء »** في هذه الآية على بابه، وذلك أن الكافر المكذب بالبعث ليس يرجو رحمة في الآخرة ولا يحسن ظناً بأنه يلقى الله ولا له في الآخرة أمل، فإنه لو كان له فيها أمل لقارنه لا محالة خوف، وهذه الحال من الخوف المقارن هي الفائدة إلى النجاة، والذي أقول : إن الرجاء في كل موضع على بابه وإن بيت الهذلي معناه لم يرج فقد لسعها فهو يبني عليه ويصبر إذ يعلم أنه لا بد منه، وقوله  ورضوا بالحياة الدنيا  يريد كانت آخر همهم ومنتهى غرضهم، وأسند الطبري عن قتادة أنه قال في تفسير هذه الآية : إذا شئت رأيت هذا الموصوف، صاحب دنيا لها يغضب ولها يرضى ولها يفرح ولها يهتم ويحزن، فكأن قتادة صورها في العصاة ولا يترتب ذلك إلا مع تأول الرجاء على بابه، إذ قد يكون العاصي المجلح[(٢)](#foonote-٢) مستوحشاً من آخرته، فأما على التأويل الأول فمن لا يخاف لقاء الله فهو كافر، وقوله  واطمأنوا بها  تكميل في معنى القناعة بها والرفض لغيرها وأن الطمأنينة بالشيء هي زوال التحرّك إلى غيره، وقوله  والذين هم عن آياتنا غافلون  يحتمل أن يكون ابتداء إشارة إلى فرقة أخرى من الكفار وهؤلاء على هذا التأويل أضل صفقة لأنهم ليسوا أهل دنيا بل غفلة فقط[(٣)](#foonote-٣).

١ - جاء في اللسان: "وقال ثعلب: قال الفراء: الرجاء في معنى الخوف لا يكون إلا مع الجحد، تقول: ما رجوتك، أي: ما خفتك، ولا تقول: رجوتك بمعنى خفتك وأنشد لأبي ذؤيب: إذا لسعته... البيت. أي: لم يخف ولم يبال، ويروى: وحالفها"..
٢ - المُجلّح في الأمر: الذي يقدم عليه في عزم وتصميم ويركب رأسه فلا يتراجع..
٣ - لم يذكر الاحتمال الثاني وهو أن يكون قوله تعالى: والذين هم عن آياتنا غافلون من عطف الصفات، فيكون الغافلون عن الآيات هم الذين لا يرجون لقاء الله..

### الآية 10:8

> ﻿أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [10:8]

ثم حتم عليهم بالنار وجعلها  مأواهم ، وهو حيث يأوي الإنسان ويستقر، ثم جعل ذلك بسبب كسبهم واجتراحهم، وفي هذه اللفظة رد على الجبرية ونص على تعلّق العقاب بالتكسب الذي للإنسان.

### الآية 10:9

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [10:9]

وقوله تعالى : إن الذين آمنوا . الآية لما قرر تبارك وتعالى حالة الفرقة الهالكة عقب ذلك بذكر حالة الفرقة الناجية ليتضح الطريقان ويرى الناظر فرق ما بين الهدى والضلال، وهذا كله لطف منه بعباده، وقوله  يهديهم  لا يترتب أن يكون معناه يرشدهم إلى الإيمان لأنه قد قررهم مؤمنين فإنما الهدى في هذه الآية على أحد وجهين : إما أن يريد أنه يديمهم ويثبتهم، كما قال : يا أيها الذين آمنوا آمنوا [(١)](#foonote-١) فإنما معناه اثبتوا، وإما أن يريد يرشدهم إلى طرق الجنان في الآخرة، وقوله : بإيمانهم  يحتمل أن يريد بسبب إيمانهم ويكون مقابلاً لقوله قبل  مأواهم النار بما كانوا يكسبون ، ويحتمل أن يكون الإيمان هو نفس الهدى، أي يهديهم إلى طرق الجنة بنور إيمانهم، قال مجاهد : يكون لهم إيمانهم نوراً يمشون به ويتركب هذا التأويل على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم :**«إن العبد المؤمن إذا قام من قبره للحشر تمثل له رجل جميل الوجه طيب الرائحة فيقول : من أنت ؟ فيقول أنا عملك الصالح فيقوده إلى الجنة[(٢)](#foonote-٢)، وبعكس هذا في الكافر »**، ونحو هذا مما أسنده الطبري وغيره وقوله  تجري من تحتهم الأنهار  يريد من تحت علياتهم وغرفهم وليس التحت الذي هو بالمما سة بل يكون إلى الناحية من الإنسان كما قال تعالى : جعل ربك تحتك سرياً [(٣)](#foonote-٣) وكما قال حكاية عن فرعون  وهذه الأنهار تجري من تحتي [(٤)](#foonote-٤).

١ - من الآية (١٣٦) من سورة (النساء).
٢ -أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: يهديهم ربهم بإيمانهم قال: حدثنا الحسن قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن إذا خرج من قبره صُوّر له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، فيقول له: ما أنت؟ فوالله إني لأراك عين امرئ صدق، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، وأما الكافر فإذا خرج من قبره صُوّر له عمله في سورة سيئة وريح منتنة، فيقول له: ما أنت؟ فوالله إني لأراك عين امرئ سوء، فيقول: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار). (الدر المنثور)..
٣ - من الآية (٢٤) من سورة (مريم).
٤ - من الآية (٥١) من سورة (الزخرف)..

### الآية 10:10

> ﻿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [10:10]

وقوله  دعواهم  الآية، الدعوى بمعنى الدعاء يقال دعا الرجل وادعى بمعنى واحد، قاله سيبويه،  وسبحانك اللهم  تقديس وتسبيح وتنزيه لجلاله عن كل ما لا يليق به، وقال علي بن أبي طالب في ذلك : هي كلمات رضيها الله تعالى لنفسه، وقال طلحة بن عبيد الله : قلت يا رسول الله، ما معنى سبحان الله ؟ فقال : معناها تنزيه الله من السوء، وقد تقدم ذكر خلاف النحاة في  اللهم ، وحكي عن بعض المفسرين أنهم رأوا أن هذه الكلمة إنما يقولها المؤمن في الجنة عندما يشتهي الطعام فإنه إذا رأى طائراً أو غير ذلك قال : سبحانك اللهم  فنزلت تلك الإرادة بين يديه فوق ما اشتهى[(١)](#foonote-١)، رواه ابن جريج وسفيان بن عيينة، وقوله  وتحيتهم فيها سلام  يريد تسليم بعضهم على بعض، و **«التحية »** مأخوذة من تمني الحياة للإنسان والدعاء بها، يقال حياه يحييه، ومنه قول زهير بن جناب :\[ مجزوء الكامل \]
من كل ما نال الفتى\*\*\* قد نلته إلا التحية[(٢)](#foonote-٢)
يريد دعاء الناس للملوك بالحياة، وقد سمي الملك تحية بهذا التدريج ومنه قول عمرو بن معديكرب :
أزور أبا قابوس حتى\*\*\* أنيخ على تحيته بجندي[(٣)](#foonote-٣)
أراد علي مملكته وقال بعض العلماء  وتحيتهم  يريد أن تسليم الله عز وجل عليهم، و **«السلام »** مأخوذ من السلامة، وقوله  وآخر دعواهم  يريد وخاتمة دعواهم في كل موطن وكلامهم شكر الله تعالى وحمده على سابغ نعمه، وكانت بدأتهم بالتنزيه والتعظيم، وقرأ جمهور الناس **«أن الحمد لله »** وهي عند سيبويه **«أن »** المخففة من الثقيلة، وقرأ ابن محيصن وبلال بن أبي بردة ويعقوب وأبو حيوة **«أنّ الحمد لله »**، وهي على الوجهين رفع على خبر الابتداء، قال أبو الفتح : هذه القراءة تدل على أن قراءة الجماعة هي أن المخففة من الثقيلة بمنزلة الأعشى :\[ البسيط \]
في فتية كسيوف الهند قد علموا\*\*\* أنْ هالك كلُّ من يحفى وينتعل[(٤)](#foonote-٤)

١ - أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: أُخبرت أن قوله: سبحانك اللهم إذا مر بهم الطائر يشتهونه قالوا: سبحانك اللهم، ذلك دعاؤهم به، فيأتيهم الملك بما اشتهوا، فإذا جاء الملك بما يشتهونه فيسلم عليهم فيردون عليه فذلك قوله: {وتحيتهم فيها سلام، فإذا أكلوا قدر حاجتهم قالوا: الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (الدر المنثور)..
٢ -رواية التاج: "ولكل ما" وكذلك في غيره من المراجع، يقول: لقد نلت كل ما يتمناه أمثالي ولم ينقصني إلا أن أكون ملكا ينحني لي الناس بالتحية، وزُهير كان سيدا وخطيبا وشاعرا وبطلا في قومه (قضاعة) ونال فعلا مكانة عالية وعمّر طويلا، وقيل: رأته ابنة له يوما يدبّ على عصاه فقالت لابن ابنها: خذ بيد جدك، فقال له: من أنت؟ فلما أجابه أنشأ يقول:
 أبنيّ إن أهلك فقد أورثتكم مجدا بنيّه
 وتركتكم أبناء سـا دات زنادكم وريّة
 ولكل ما نال الفتـى قد نلته إلا التحيه.
٣ - عن اللسان: (قال أبو عمرو: التحية الملك، وأنشد قول عمرو بن معديكرب: "أسير به إلى النعمان حتى... البيت" يعني على ملكه، ويُروى: "أسير بها"، ويروى: "أؤم بها". وقال خالد بن يزيد: لو كانت التحية الملك لما قيل: التحيات لله)..
٤ - الرواية في الديوان:
 في فتية كسيوف الهند قد علموا أن ليس يدفع عن ذي الحلية الحيل
 وهو أنسب للمعنى، أما الحديث عن الحفاء والانتعال ففي بيت آخر قبل هذا البيت بثلاثة أبيات، وفيه يقول الأعشى:
 إما ترينا حُفاة لا نعال لنا إنا كذلك مانحفى وننتعل
 والبيتان من قصيدته المشهورة التي مطلعها:
 ودّع هريرة إن الركب مُرتحل وهل تطيق وداعا أيها الرجل؟
 .

### الآية 10:11

> ﻿۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [10:11]

هذه الآية قال مجاهد نزلت في دعاء الرجل على نفسه أو ماله أو ولده ونحو هذا، فأخبر الله تعالى أنه لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم، ثم حذف بعد ذلك من القول جملة يتضمنها الظاهر، تقديرها ولا يفعل ذلك ولكن يذر الذين لا يرجون فاقتضب القول وتوصّل إلى هذا المعنى بقوله  فنذر الذين لا يرجون لقاءنا  فتأمل هذا التقدير تجده صحيحاً، و  استعجالهم  نصب على المصدر، والتقدير مثل استعجالهم، وقيل : التقدير تعجيلاً مثل استعجالهم، وهذا قريب من الأول، وقيل إن هذه الآية نزلت في قوله  اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء [(١)](#foonote-١) وقيل نزلت في قوله  آتنا بما تعدنا [(٢)](#foonote-٢) وما جرى مجراه، وقرأ جمهور القراء **«لقُضي »** على بناء الفعل للفاعل ورفع **«الأجلُ »** وقرأ ابن عامر وحده[(٣)](#foonote-٣) وعوف وعيسى بن عمر ويعقوب، **«لقضى »** على بناء الفعل للفاعل ونصب **«الأجلَ »**، وقرأ الأعمش :**«لقضينا »**، و **«الأجل »** في هذا الموضع أجل الموت، ومعنى قضى في هذه الآية أكمل وفرغ، ومنه قول أبي ذؤيب :\[ الكامل \]
وعليهما مسرودتان قضاهما\*\*\* داودُ أوْ صَنَعُ السوابغِ تبع[(٤)](#foonote-٤)
وأنشد أبو علي في هذا المعنى :\[ الطويل \]
قضيت أموراً ثم غادرت بعدها\*\*\* فوائح في أكمامها لم تفتق[(٥)](#foonote-٥)
وتعدّى **«قضى »** في هذه الآية ب **«إلى »** لما كان بمعنى فرغ، وفرغ يتعدى بإلى ويتعدى باللام، فمن ذلك قول جرير :
ألانَ فقد فرغت إلى نُمَير\*\*\* فصرت على جماعتها عذابا[(٦)](#foonote-٦)
ومن الآخر قوله عز وجل  سنفرغ لكم أيه الثقلان [(٧)](#foonote-٧) وقرأ الأعمش[(٨)](#foonote-٨) :**«فنذر الذين لا يرجون لقاءنا »**، و  يرجون  في هذا الموضع على بابها والمراد الذين لا يؤمنون بالبعث فهم لا يرجون لقاء الله، والرجاء مقترن أبداً بخوف، **«والطغيان »** الغلو في الأمر وتجاوز الحد، و **«العمه »** الخبط في ضلال، فهذه الآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في الناس، يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة فيحملهم أحياناً سوء الخلق على الدعاء في الشر، فلو عجل لهم لهلكوا.

١ - من الآية (٣٢) من سورة (الأنفال)..
٢ - من الآية (٧٧) من سورة (الأعراف)، وهي قوله سبحانه: فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا..
٣ - يعني من بين القراء السبعة، وإلا فقد قرأ بها معه عوف وغيره ممن ذكرهم ابن عطية..
٤ -هذا البيت من عينية أبي ذؤيب المشهورة التي قالها في الرثاء، ومطلعها: "أمن المنون وريبه تتوجع"، وقوله: "مسرودتان": رواية المفضل الضبي في "المفضليات"، والمسرودة: الدرع التي سمرت حلقاتها، والسّرد: الحلق، وقوله تعالى: وقدر في السرد معناه أن يجعل المسمار على قدر الثقب بحيث لا يكون الثقب واسعا فيتقلقل المسمار، ولا يكون الثقب دقيقا والمسمار غليظا فينقصم الحلق. ورواية جمهرة أشعار العرب: "وعليهما ماذيتان" أي: درعان من الحديد لينتان سهلتان. ومعنى" قضاهما": أحكمهما وأكملهما وفرغ منهما، ورجل صنع: ماهر في الصناعة، وتبّع: من ملوك اليمن، قيل: كان يجيد صناعة الدروع، أو يأمر بصنعها محكمة، وداود عليه السلام اشتهر أيضا بصنع الدروع، قال تعالى: وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم و(صنع) مضافة إلى (السوابغ)، وروي بالفعل الماضي في صنع، (والسوابغ) مفعول به.
 .
٥ - ويروى (حوائج) بدلا من (فوائح)، وقضى هنا بمعنى انتهى منها وأكملها، وكم كل نور وعاؤه، والتفتق: التفتح ويترتب عليه انتشار الرائحة الطيبة. ولم نقف على قائله..
٦ - البيت غير موجود في ديوانه (دار المعارف بمصر- تحقيق نعمان محمد أمين د.) وأقرب الظن أن يكون من قصيدته المشهورة التي قالها في هجاء الراعي النميري، ومطلعها:
 أقلي اللوم عاذل والعتابا وقولي إن أصبت لقد أصابا
 ومنها البيت المشهور الذي قال النقاد عنه إنه أهجى بيت قالته العرب:
 فغضّ الطرف إنك من نُمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
 .
٧ - الآية (٣١) من سورة (الرحمن)..
٨ - يفهم من كلام الزمخشري أن هذه القراءة بالنصب \[فنذر\] حيث قال: "فإن قلت: فكيف اتصل به قوله: فنذر الذين لا يرجون لقاءنا؟ وما معناه؟ قلت: قوله: ولو يُعجل متضمن نفي التعجيل، كأنه قيل: ولا نعجل لهم الشرّ ولا نقضي إليهم أجلهم فنذرهم"..

### الآية 10:12

> ﻿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [10:12]

وقوله تعالى : وإذا مسّ الإنسان الضر  الآية، هذه الآية أيضاً عتاب على سوء الخلق من بعض الناس، ومضمنه النهي عن مثل هذا والأمر بالتسليم إلى الله تعالى والضراعة إليه في كل حال والعلم بأن الخير والشر منه لا رب غيره، وقوله  لجنبه  في موضع حال كأنه قال : مضطجعاً، ويجوز أن يكون حالاً من الإنسان والعامل فيه  مس [(١)](#foonote-١)، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير الفاعل في  دعانا  والعامل فيه دعا وهما معنيان متباينان، و  الضر  لفظ لجميع الأمراض، والرزايا في النفس والمال والأحبة هذا قول اللغويين، وقيل هو مختص برازيا البدن، الهزال والمرض، وقوله  مر  يقتضي أن نزولها في الكفار ثم هي بعد تتناول كل من دخل تحت معناها من كافر أو عاص، فمعنى الآية  مر  في إشراكه بالله وقلة توكله عليه، وقوله  زين  إن قدرناه من الله تعالى فهو خلقه الكفر لهم واختراعه في نفوسهم صحبة أعمالهم الفاسدة ومثابرتهم عليها، وإن قدرنا ذلك من الشيطان فهو بمعنى الوسوسة والمخادعة، ولفظة التزيين قد جاءت في القرآن بهذين المعنيين من فعل الله تعالى ومرة من فعل الشياطين.

١ - هذا قول الزجاج، وضعفه أبو البقاء لأمرين، أحدهما: أن الحال-على هذا- واقع جواب بعد \[إذا\] وليس بالوجه والثاني: كثرة دعائه في كل أحواله لا على الضر يصيبه في كل أحواله، وعليه آيات كثيرة في القرآن. راجع البحر المحيط-٥-١٢٩..

### الآية 10:13

> ﻿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [10:13]

هذه الآية وعيد للكفار وضرب أمثال لهم، أي كما فعل هؤلاء فعلكم فكذلك يفعل بكم ما فعل بهم، وقوله،  وما كانوا ليؤمنوا  إخبار عن قسوة قلوبهم وشدّة كفرهم، وقرأ جمهور السبعة وغيرهم :**«نجزي »** بنون الجماعة، وفرقة **«يجزي »** بالياء على معنى يجزي الله.

### الآية 10:14

> ﻿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [10:14]

و  خلائف  جمع خليفة، وقوله  لننظر  معناه لنبين في الوجود ما علمناه أزلاً، لكن جرى القول على طريق الإيجاز والفصاحة والمجاز، وقرأ يحيى بن الحارث[(١)](#foonote-١) وقال : رأيتها في الإمام مصحف عثمان، **«لنظر »** بإدغام النون في الظاء[(٢)](#foonote-٢). 
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إن الله تعالى إنما جعلنا خلفاء لينظر كيف عملنا فأروا الله حسن أعمالكم في السر والعلانية، وكان أيضاً يقول : قد استخلفت يا ابن الخطاب فانظر كيف تعمل ؟ وأحيانا كان يقول قد استخلفت يا ابن أم عمر.

### الآية 10:15

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [10:15]

قوله تعالى  وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات  الآية، هذه الآية نزلت في قريش لأن بعض كفارهم قال هذه المقالة على معنى ساهلنا يا محمد واجعل هذا الكلام الذي هو من قبلك على اختيارنا وأحل ما حرمته وحرم ما حللته ليكون أمرنا حينئذ واحداً وكلمتنا متصلة، فذم الله هذه الصنعة وذكرهم بأنهم يقولون هذا للآيات البيّنات، ووصفهم لأنهم لا يؤمنون بالبعث، ثم أمر الله نبيه عليه السلام أن يرد عليهم بالحق الواضح وأن يستسلم ويتبع حكم الله تعالى ويعلم بخوفه ربه، و **«اليوم العظيم »** يوم القيامة.

### الآية 10:16

> ﻿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [10:16]

هذه من كمال الحجة، أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي وإنما هو من عند الله، ولو شاء ما بعثني به ولا تلوته عليكم ولا أعلمتكم به، و  أدراكم  بمعنى أعلمكم، يقال : دريت بالأمر وأدريت غيري، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير[(١)](#foonote-١) في بعض ما روي عنه :**«ولا دراكم به »** وهي لام تأكيد دخلت على أدرى، والمعنى على هذا ولا علمكم به من غير طريقي وقرأ ابن عباس وابن سيرين[(٢)](#foonote-٢) وأبو رجاء[(٣)](#foonote-٣) والحسن[(٤)](#foonote-٤) **«ولا أدرأتكم به »**، وقرأ ابن عباس أيضاً وشهر بن حوشب، **«ولا أنذرتكم به »**، وخرج الفراء قراءة ابن عباس والحسن على لغة لبعض العرب منها قولهم : لبأت بمعنى لبيت، ومنها قول امرأة منهم : رثأت زوجي بأبيات أي رثيت، وقال أبو الفتح إنما هي **«أدريتكم »** قلبت الياء ألفاً لانفتاح ما قبلها[(٥)](#foonote-٥)، وروينا عن قطرب : أن لغة عقيل في أعطيتك أعطأتك، قال أبو حاتم : قلبت الياء ألفاً كما في لغة بني الحارث بن كعب : السلام علاك، ثم قال  فقد لبثت فيكم عمراً من قبله  أي الأربعين سنة قبل بعثته عليه السلام، ويريد لم تجربوني في كذب ولا تكلمت في شيء من هذا  أفلا تعقلون  أن من كان على هذه الصفة لا يصح منه كذب بعد أن كلا عمره[(٦)](#foonote-٦) وتقاصر أمله واشتدت حنكته وخوفه لربه، وقرأ الجمهور بالبيان في **«لبثت »** وقرأ أبو عمرو :**«لبت »** بإدغام الثاء في التاء.

١ -هو عبد الله بن كثير الداري، مولى عمرو بن علقمة الكناني، ويكنى أبا معبد، توفي بمكة سنة عشرين ومائة للهجرة..
٢ - محمد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء، أبو بكر، إمام وقته في علوم الدين بالبصرة، تابعي، من أشراف الكتاب نشأ بزازا وتفقه وروى الحديث، واشتهر بالورع، ينسب له كتاب "تعبير الرؤيا. ط"، وهو غير "منتخب الكلام في تفسير الأحلام" المنسوب إليه. وردت عنه الرواية في حروف القرآن، مات سنة ١١٠هـ (طبقات القراء)..
٣ - هو عمران بن تيم، أبو رجاء العطاردي البصري التابعي، ولد قبل الهجرة وأسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، عرض القرآن على ابن عباس رضي الله عنهما وتلقنه من أبي موسى رضي الله عنه، وحدث عن عمر رضي الله عنه وغيره، مات سنة ١٠٥هـ- (طبقات القراء)..
٤ - هو أبو سعيد الحسن البصري إمام أهل البصرة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وكان جامعا عالما فقيها حجة مأمونا عابدا كثير العلم فصيحا، توفي سنة ١١٠هـ (طبقات القراء)..
٥ - هذا مع أن الياء ساكنة، وذلك كقولهم في ييبس: يابس، وقالوا في الإضافة إلى الحيرة: حاريّ، وإلى طيء: طائيّ، فقد قلبت الياء الساكنة في هذه الكلمات ألفا، ثم لما صارت الياء ألفا هُمِز على لغة من قال في الباز: البأز، وفي العالم: العألم، وفي الخاتم: الخأتم. (راجع ذلك في كتاب الخصائص لابن جني- باب ما همزته العرب ولا أصل له في همز مثله ٣-١٤٢)..
٦ - أي: ضعف وثقل عن العمل، يقال: كلّ عن الأمر بمعنى: ثقل الأمر عليه فلم ينبعث له. (المعجم الوسيط)..

### الآية 10:17

> ﻿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ [10:17]

وقوله  فمن أظلم  الآية، جاء في هذه الآية التوقيف على عظم جرم المفتري على الله بعد تقدم التنصل من ذلك قبل، فاتسق القول واطردت فصاحته، وقوله  فمن أظلم  استفهام وتقرير أي لا أحد أظلم  ممن افترى على الله كذباً ، أو ممن  كذب بآياته  بعد بيانها، وذلك أعظم جرم على الله وأكثر استشراف إلى عذابه، ثم قرر  إنه لا يفلح  أهل الجرم، و  يفلح  معناه يظفر ببغيته.

### الآية 10:18

> ﻿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [10:18]

وقوله  ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم  الآية، الضمير في  يعبدون  عائد على الكفار من قريش الذين تقدّمت محاورتهم، و  ما لا يضرهم ولا ينفعهم  هي الأصنام، وقولهم  هؤلاء شفعاؤنا  هو مذهب النبلاء منهم، فأمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يقررهم ويوبخهم أهم يعلمون الله بأنباء من السماوات والأرض لا يعلمها هو ؟ وذكر  السماوات  لأن العرب من يعبد الملائكة والشعرى، وبحسب هذا حسن أن يقول  هؤلاء  وقيل ذلك على تجوز في الأصنام التي لا تعقل، وفي التوقيف على هذا أعظم غلبة لهم، ولا يمكنهم ألا أن يقولوا : لا نفعل ولا نقدر، وذلك لهم لازم من قولهم : هؤلاء شفعاؤنا ، و  سبحانه  استئناف تنزيه لله عز وجل، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر هنا :**«عما يشركون »** بالياء على الغيبة، وفي حرفين في النحل وحرف في الروم وحرف في النمل[(١)](#foonote-١)، وذكر أبو حاتم أنه قرأها كذلك نافع والحسن والأعرج وابن القعقاع وشيبة وحميد وطلحة والأعمش، وقرأ ابن كثير ونافع هنا وفي النمل فقط **«تشركون »** بالتاء على مخاطبة الحاضر، وقرأ حمزة والكسائي الخمسة الأحرف بالتاء وهي قراءة أبي عبد الرحمن.

١ - أما في (النحل) ففي الآية (١) وهي قوله سبحانه: أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون، وفي الآية (٣) وهي قوله تعالى: خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون- وأما في الروم ففي الآية (٤٠) وفيها يقول سبحانه وتعالى عما يشركون}- وأما في النمل ففي الآية (٦٣) حيث يقول تبارك وتعالى: أإله مع الله تعالى الله عما يشركون. والحجة لمن قرأ بالياء أنه أخبر بها عن المشركين في حالة الغيبة، والحجة لمن قرأ بالتاء أنه أراد: قل لهم يا محمد: تعالى الله عما تشركون أيها الكفرة..

### الآية 10:19

> ﻿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [10:19]

قالت فرقة : المراد آدم كان أمة واحدة ثم اختلف الناس بعد في أمر ابنيه وقالت فرقة : المراد نسم بنيه إذ استخرجهم الله من ظهره وأشهدهم على أنفسهم وقالت فرقة : المراد آدم وبنوه من لدن نزوله إلى قتل أحد ابنيه الآخر، وقالت فرقة : المراد  وما كان الناس إلا أمة واحدة  في الضلالة والجهل بالله فاختلفوا فرقاً في ذلك بحسب الجهالة، ويحتمل أن يكون المعنى كان الناس صنفاً واحداً معداً للاهتداء، واستيفاء القول في هذا متقدم في سورة البقرة في قوله  كان الناس أمة واحدة [(١)](#foonote-١). وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو جعفر ونافع وشيبة وأبو عمرو **«لقُضِي بينهم »** بضم القاف وكسر الضاد، وقرأ عيسى بن عمر **«لقَضى »** بفتحهما على الفعل الماضي، وقوله  ولولا كلمة سبقت من ربك  يريد قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال المؤقتة، ويحتمل أن يريد الكلمة، في أمر القيامة وأن العقاب والثواب إنما كان حينئذ. [(٢)](#foonote-٢)

١ - من الآية (٢١٣) من سورة (البقرة)..
٢ - في بعض النسخ: "إنما حينئذ"، وقد آثرنا التعبير الذي أثبته أبو حيان في نقله عن ابن عطية رحمه الله..

### الآية 10:20

> ﻿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [10:20]

وقوله تعالى  ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه  الآية، يريدون بقولهم  آية من ربه  آية تضطر الناس إلى الإيمان وهذا النوع من الآيات لم يأت بها نبي قط ولا هي المعجزات اضطرارية وإنما هي معرضة للنظر ليهتدي قوم ويضل آخرون، وقوله  فقل إنما الغيب لله  إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل لا يطلع على غيبه أحد، وقوله  فانتظروا  وعيد ما قد صدقه الله تعالى بنصرته محمداً صلى الله عليه وسلم، قال الطبري : في بدر وغيره.

### الآية 10:21

> ﻿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ [10:21]

وقوله  وإذا أذقنا الناس  الآية، المراد ب  الناس  في هذه الآية الكفار وهي بعد تتناول من العاصين من لا يؤدي شكر الله تعالى عند زوال المكروه عنه ولا يرتدع بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثير، و **«الرحمة »** هنا بعد الضراء، كالمطر بعد القحط والأمن بعد الخوف والصحة بعد المرض ونحو هذا مما لا ينحصر، و **«المكر »** الاستهزاء والطعن عليها من الكفار واطراح الشكر والخوف من العصاة، ووصف مكر الله بالسرعة وإن كان الاستدراج بمهلهم لأنه متيقن به واقع لا محالة، وكل آت قريب، قال أبو حاتم : قرأ الناس **«أن رسُلنا »** بضم السين، وخفف السين الحسن وابن أبي إسحاق وأبو عمرو، وقال أبو علي  اسرع  من سرع ولا يكون من أسرع يسرع، قال ولو كان من أسرع لكان شاذاً. 
قال القاضي أبو محمد : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نار جهنم **«لهي أسود من القار »**[(١)](#foonote-١) وما حفظ للنبي صلى الله عليه وسلم فليس بشاذ[(٢)](#foonote-٢). وقرأ الحسن والأعرج ونافع وقتادة ومجاهد **«تمكرون »** بتاء على المخاطبة وهي قراءة أهل مكة وشبل وأبي عمرو وعيسى وطلحة وعاصم والأعمش والجحدري وأيوب بن المتوكل \[ وقرأ الحسن، وقتادة، ومجاهد \][(٣)](#foonote-٣)، ورويت أيضر عن نافع والأعرج، قال أبو حاتم : قال أيوب بن المتوكل : في مصحف أبيّ **«يا أيها الناس إن الله أسرع مكراً وإن رسله لديكم يكتبون ما تمكرون »**[(٤)](#foonote-٤).

١ - الحديث في الموطأ..
٢ -معنى كلام أبي علي أن (أسرع) اسم تفضيل لأنها من الثلاثي. وابن عطية يرى أنها مثل (أسود) التي وردت في حديث نبوي شريف. قال أبو حيان تعليقا على ذلك: "في بناء التعجب وأفعل التفضيل من (أفعل) ثلاثة مذاهب: المنع مطلقا وما ورد من ذلك فهو شاذ، والجواز مطلقا، والتفصيل بين أن تكون الهمزة فيه للنقل فيمنع، أو لغير النقل فيجوز نحو: أشكل الأمر، وأظلم الليل". ثم قال: "وما تنظير "أسود من القار" بأسرع ففاسد، لأن أسود فعله ثلاثي، ولم يمتنع التعجب والتفضيل من نحو سوِد وحمر وأدم إلا لكونه لونا، وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين في الألوان مطلقا، وبعضهم في السواد والبياض فقط". (البحر: ٥/ ١٣٦)..
٣ - ما بين القوسين المعقوفين زيادة يقتضيها المعنى، وقد نقلناها عن البحر، وإلا لما كان هنا مبرر لأن يقول: "ورويت أيضا" عن نافع، والأعرج..
٤ -قال أبو حيان تعليقا على ذلك: "وينبغي أن يحمل هذا على التفسير لأنه مخالف لما أجمع عليه المسلمون من سواد المصحف، والمحفوظ عن أبي القراءة والإقراء بسواد المصحف". (البحر ٥/ ١٣٧)..

### الآية 10:22

> ﻿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [10:22]

هذه الآية تتضمن تعديد النعمة فيما هي الحال بسبيله من ركوب البحر، وركوبه وقت حسن الظن به للجهاد والحج متفق على جوازه، وكذلك لضروة المعاش بالصيد فيه أو لتصرف التجر، وأما ركوبه لطلب الغنى والاستكثار فمكروه عند الأكثر، وغاية مبيحة أن يقول وتركه أحسن، وأما ركوبه في ارتجاجه فمكروه ممنوع وفي الحديث :**«من ركب البحر في ارتجاجه فقد برئت منه الذمة »**[(١)](#foonote-١) وقال النبي صلى الله عليه وسلم **«البحر لا أركبه أبداً »**[(٢)](#foonote-٢) وقرأ جمهور القراء من السبعة وغيرهم ********«يسيركم »******** قال أبو علي وهو تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، لأن العرب تقول : سرت الرجل وسيّرته ومنه قول الهذلي :\[ الطويل \]
فلا تجزعنْ من سُنة أنت سرتها\*\*\* فأول راض سنة من يسيرها[(٣)](#foonote-٣)
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا البيت اعتراض حتى لا يكون شاهداً في هذا. وهو أن يجعل الضمير كالظرف كما تقول سرت الطريق[(٤)](#foonote-٤) وهذه قراءة الجمهور من سير، وكذلك هي في مصحف ابن مسعود وفي مصحف أبي شيخ[(٥)](#foonote-٥) وقال عوف بن أبي جميلة قد : كان يقرأ ****«ينشركم »**** فغيرها الحجاج بن يوسف ********«يسيركم »********، قال سفيان بن أبي الزعل : كانوا يقرأون ****«ينشركم »**** فنظروا في مصحف ابن عفان فوجدوها ********«يسيركم »******** فأول من كتبها كذلك الحجاج، وقرأ ابن كثير في بعض طرقه ********«يسيركم »******** من أسار، وقرأ ابن عامر وحده من السبعة **«يَنْشُركم »** بفتح الياء وضم الشين من النشر والبث، وهي قراءة زيد بن ثابت والحسن وأبي العالية وأبي جعفر وعبيد الله بن جبير بن الفصيح وأبي عبد الرحمن وشيبة، وروي عن الحسن أنه قرأ **«يُنشِركم »** بضم الياء وكسر الشين وقال : هي قراءة عبد الله، قال أبو حاتم : أظنه غلط، و  الفلك  جمع فلك وليس باسم واحد للجميع والفرد[(٦)](#foonote-٦) ولكنه فعل جمع على فُعل، ومما يدل على ذلك قولهم فلكان في التثنية وقراءة أبي الدرداء وأم الدرداء **«في الفلكي »** على وزن فعليّ بياء نسب[(٧)](#foonote-٧)، لقولهم أشقري ودواري[(٨)](#foonote-٨) في دور الدهر وكقول الصلتان[(٩)](#foonote-٩) :
انا الصلتاني. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(١٠)](#foonote-١٠)
وقوله  وجرين  علامة قليل العدد[(١١)](#foonote-١١)، وقوله  بهم  خروج من الحضور إلى الغيبة، وحسن ذلك لأن قولهم : كنتم في الفلك  هو بالمعنى المعقول حتى إذا حصل بعضهم في السفن[(١٢)](#foonote-١٢)، و **«الريح »** إذا أفردت فعرفها أن تستعمل في العذاب والمكروه، لكنها لا يحسن في البحر أن تكونه إلا واحدة متصلة لا نشراً، فقيدت المفردة **«بالطيب »** فخرجت عن ذلك العرف وبرع المعنى، وقرأ ابن أبي عبلة **«جاءتهم ريح عاصف »**، والعاصف الشديدة من الريح، يقال : عصفت الريح[(١٣)](#foonote-١٣)، وقوله  وظنوا  على بابه في الظن لكنه ظن غالب مفزع بحسب أنه في محذور، وقوله  دعوا الله  أي نسوا الأصنام والشركاء وجردوا الدعاء لله، وذكر الطبري في ذلك عن بعض العلماء حكاية قول العجم : هيا شراهيا ومعناه يا حي يا قيوم، قال الطبري : جواب قوله  حتى إذا كنتم في الفلك وجرين  : جاءتها ريح عاصف  وجواب قوله : وظنوا أنهم أحيط بهم  : دعوا الله مخلصين [(١٤)](#foonote-١٤).

١ - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٧٩) عن أبي عمران الجوني قال: حدثني بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغزونا نحو فارس فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بات فوق بيت ليس له إجار فوقع فمات فبرئت منه الذمة، ومن ركب البحر عند ارتجاجه فمات فقد برئت منه الذمة). وقد علّق على الحديث الشيخ ناصر الدين الألباني في كتابه: "الأحاديث الصحيحة" فقال: "أخرجه الإمام أحمد وهو صحيح متصل الإسناد وجهالة الصحابي لا تضر"..
٢ - لم نقف على تخريج هذا الحديث، ولكن في الدرامي حديث آخر فيه: (لا يركب البحر إلا حاجّ أو معتمر أو غاز)، ومعنى هذا التحذير من ركوب البحر إلا في الطاعة ولأمر هام كالجهاد والحج، على أن الثابت في القرآن الكريم أن البحر نعمة من نعم الله، وفيه فوائد كثيرة، وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. فإن صح الحديث فليس لنا أن نفهم منه إلا مجرد التحذير من ركوب البحر إلا عند الضرورة. وقوله تعالى هنا: في البر والبحر دلالة على جواز ركوب البحر، والله أعلم..
٣ - جاء في (اللسان-سير): "والسيرة: السنة، وقد سارت وسرتها، قال خالد بن زهير-وقال ابن بري: هو لخالد ابن أخت أبي ذؤيب- كان أبو ذئيب يرسله إلى محبوبته فأفسدها عليه فعاتبه أبو ذؤيب في أبيات كثيرة فقال له خالد:
 فإن التي فينا زعمت ومثلها لفيك، ولكني أراك تجورها
 تنقذتها من عند وهب بن جابر وأنت صفي النفس منه وخيرها
 فلا تجزعن من سنة أنت سرتها فأول راض سنّة من يسيرها.
 يقول: أنت جعلتها سائرة في الناس، وقال أبو عبيد: سار الشيء وسرته، فعمّ". وعلى هذا فالبيت لخالد بن زهير..
٤ - قال أبو حيان في "البحر" تعليقا على ذلك: "هذا لا يجوز عند الجمهور لأن (الطريق) عندهم ظرف مختص كالدار والمسجد فلا يصل إليه الفعل غير (دخلت) عند سيبويه، و(انطلقت وذهبت) عند الفراء إلا بواسطة (في) إلا في الضرورة، وإذا كان كذلك فضميره أحرى ألا يتعدى إليه الفعل..
٥ - أبو الشيخ الهُنائي، اسمه حيوان بحاء مهملة أو معجمة والياء ساكنة، روى عن عمر رضي الله عنه، ومعاوية، وروى عنه بيهس وقتادة، وثّقه ابن حبان، ومات بعد المائة. (خلاصة تذهيب الكمال ٣٨١). هذا وقد اضطربت الأصولة المخطوطة في كتابته..
٦ - يشير بذلك إلى رأي الفراء، ثم استدل على كلامه بأنه قد ثُني فقيل: فلكان، ذلك أن التثنية تدل على أنه قد حدث تغيير، إذ من المعروف أن مالا يُغيّر ليس بجمع بل هو مشترك، والخلاف أصلا بين ابن جني والفراء، فابن جني يقدّر التغيير ويعتبر سكون الجمع غير سكون الواحد، والفراء لا يقدر التغيير لأن السكون أمر عدمي فكيف نقدره؟ راجع حواشي البيضاوي..
٧ - نسب أبو الفتح هذه القراءة إلى أن الدرداء فقط، واسمها هجيمة بنت حيي الأوصابية الحميرية أم الدرداء الصغرى زوجة أبي الدرداء، أخذت القراءة عن زوجها، وأخذ عنها إبراهيم بن عبلة، وعطية بن قيس، ويونس بن هبيرة، توفيت بعد الثمانين. (طبقات القراء ٢/ ٣٥٤)..
٨ - يقال للدهر: دوّاري، قال الليث: الدّوّاري الدّهر الدائر بالإنسان أحوالا، قال العجاج:
 والدهر بالإنسان دوّاريّ أفنى القرون وهو قعسريّ
 .
٩ - الصّلتان بفتح الصاد المشددة واللام: اسم لثلاثة شعراء، (عبدي) نسبة إلى عبد القيس، واسمه قُثم وهو المراد هنا، و(ضبيّ) نسبة إلى ضب بن أدّ، و(فهمي) نسبة إلى فهم بن مالك. (راجع تاج العروس للزبيدي)..
١٠ - هذا جزء من بيت قاله في مطلع قصيدة نظمها حين جعلوا إليه الحكم بين الفرزدق وجرير، أيهما أشعر. (راجع الأمالي للقالي ٢-١٤٢، ١٤٣)، والبيت بتمامه: 
 أنا الصلتاني الذي قد علمتم متى ما يُحكّم فهو بالحق صادع.
١١ - يقول: إن النون علامة جمع قليل العدد، وهو جمع المؤنث السالم، وهذا يتفق مع ما نبّه عليه الأشموني عند الكلام على جموع القلة من أن استعمالها في القلة على سبيل الحقيقة، واستعمالها في الكثرة على سبيل المجاز، وقد خالف في ذلك ابن خروف وتبعه الرضي وقالا: إن الجمعين لمطلق الجمع دون نظر إلى قلة أو كثرة..
١٢ -قال أبو حيان في "البحر" تعقيبا على ذلك بعد أن نقله: "فكأنه قدّر مفردا غائبا يعاد الضمير عليه فيصير كقوله تعالى: أو كظلمات في بحر لجيّ يغشاه أي: أو كذي ظلمات، فعاد الضمير غائبا على اسم غائب فلا يكون من باب الالتفات"..
١٣ - ويقال أيضا: (أعصفت الريح)، فهي عاصف ومعصف ومعصفة، أي: شديدة، فالفعلان لازمان، قال الشاعر:
 حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة فيها قطار ورعد صوته زجل.
١٤ - هذا مخالف للظاهر لأن قوله: (وظنوا) ظاهره العطف على جواب (إذا) لا أنه معطوف على (كنتم) لكنه محتمل، قاله في البحر..

### الآية 10:23

> ﻿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ ۖ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [10:23]

يبغون  : أي يفسدون ويكفرون، والبغي : التعدي والأعمال الفاسدة، ووكد ذلك بقوله : بغير الحق [(١)](#foonote-١) ثم ابتدأ بالرجز وذم البغي في أوجز لفظ، وقوله **«متاعُ الحياة »** رفع، وهذه قراءة الجمهور وذلك على خبر الابتداء، والمبتدأ  بغيكم ، ويصح أن يرتفع  متاع  على خبر ابتداء مضمر تقديره ذلك متاع أو هو متاع، وخبر ****«البغي »**** قوله  على أنفسكم ، وقرأ حفص عن عاصم وهارون عن أبي كثير وابن أبي إسحاق :**«متاعَ »** بالنصب وهو مصدر في موضع الحال من ****«البغي »**** وخبر البغي على هذا محذوف تقديره : مذموم أو مكروه ونحو هذا، ولا يجوز أن يكون الخبر قوله  على أنفسكم  لأنه كان يحول بين المصدر وما عمل فيه بأجنبي، ويصح أن ينتصب  متاع  بفعل مضمر تقديره : تمتعون متاع الحياة الدنيا، وقرأ ابن أبي إسحاق. **«متاعاً الحياةَ الدنيا »** بالنصب فيهما، ومعنى الآية إنما بغيكم وإفسادكم مضر لكم وهو في حالة الدنيا ثم تلقون عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عيينة : إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا  أي تعجل لكم عقوبته في الحياة الدنيا، وعلى هذا قالوا : البغي يصرع أهله. 
قال القاضي أبو محمد : وقالوا : الباغي مصروع، قال الله تعالى  ثم بغي عليه لينصرنه الله [(٢)](#foonote-٢) وقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«ما من ذنب أسرع عقوبة من بغي »**[(٣)](#foonote-٣) وقرأت فرقة **«فننبئكم »** على ضمير المعظم المتكلم وقرأت فرقة :**«فينبئكم »**، على ضمير الغائب، والمراد الله عز وجل. 
١ -قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى قوله: (بغير الحق) والبغي لا يكون بحق؟ قلت: بلى، وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقطع أشجارهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة. اهـ. وعلّق على ذلك أبو حيان في "البحر" فقال: وكأنه قد شرح قوله تعالى: \[يبغون\] بأنهم يفسدون ويبعثون مترقين في ذلك ممعنين فيه من: بغى الجراح إذا ترقّى للفساد. ولا يصح أن يقال في المسلمين إنهم باغون على الكفرة إلا إذا ذكر أن أصل البغي هو الطلب مطلقا ولا يتضمن الفساد، وحينئذ ينقسم إلى طلب بحق وطلب بغير حق، ولما حمل ابن عطية البغي هنا على الفساد قال: "أكد ذلك بقوله: بغير الحق. وجواب \[لما\] هو \[إذا\] الفجائية وما بعدها، وذلك دليل على أنها حرف يترتب ما بعدها من الجواب على ما قبله من الفعل الذي وقع بعد \[لما\] وأنها تفيد الترتيب والتعليق في المضي، وأنها كما قال سيبويه حرف، والجواب بها دليل على أنه لم يتأخر (بغيهم) عن (إنجائهم)، بل بنفس ما وقع الإنجاء وقع البغي..
٢ - من الآية (٦٠) من سورة (الحج)..
٣ - أخرجه البخاري، والإمام أحمد في مسنده، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه في سننهم، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه عن أبي بكرة، قال ذلك في "الجامع الصغير"، ولفظه فيه: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)..

### الآية 10:24

> ﻿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [10:24]

المعنى : إنما مثل  تفاخر الحياة الدنيا وزينتها بالمال والبنين إذ يصير ذلك إلى الفناء كمطر نزل من السماء  فاختلط  ووقف هنا بعض القراء على معنى، فاختلط الماء بالأرض ثم استأنف به  نبات الأرض  على الابتداء والخبر المقدم، ويحتمل على هذا أن يعود الضمير في  به  على **«الماء »** أو على **«الاختلاط »** الذي يتضمنه القول[(١)](#foonote-١). ووصلت فرقة فرفع **«النباتُ »** على ذلك بقوله  اختلط  أي اختلط النبات بعضه ببعض بسبب الماء، وقوله  مما يأكل الناس ، يريد الزروع والأشجار ونحو ذلك، وقوله  والأنعام  يريد سائر العشب المرعي، و  أخذت الأرض ، لفظة كثرت في مثل هذا كقوله  خذوا زينتكم [(٢)](#foonote-٢) و **«الزخرف »** التزين بالألوان، وقد يجيء الزخرف بمعنى الذهب إذ الذهب منه، وقرأ مروان بن الحكم وأبو جعفر والسبعة وشيبة ومجاهد والجمهور : وازينت  أصله : تزينت سكنت التاء لتدغم فاحتيج إلى ألف الوصل وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبيّ بن كعب **«وتزينت »** وهذه أصل قراءة الجمهور، وقرأ الحسن وأبو العالية والشعبي وقتادة ونصر بن عاصم وعيسى ****«وأزينت »**** على معنى حضرت زينتها كما تقول أحصد الزرع، ****«وأزينت »**** على مثال أفعلت[(٣)](#foonote-٣) وقال عوف بن أبي جميلة : كان أشياخنا يقرؤونها **«وازيانت »** النون شديدة والألف ساكنة قبلها[(٤)](#foonote-٤)، وهي قراءة أبي عثمان النهدي، وقرأت فرقة **«وأزيأنت »** وهي لغة منها قول الشاعر \[ ابن كثير \] :\[ الطويل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* إذا ما الهوادي بالغبيطِ احْمأرَّتِ[(٥)](#foonote-٥)
وقرأت فرقة **«وازاينت »** والمعنى في هذا كله ظهرت زينتها، وقوله  وظن أهلها  على بابها[(٦)](#foonote-٦). والضمير في  عليها  عائد على  الأرض ، والمراد ما فيها من نعمة ونبات، وهذا الكلام فيه تشبيه جملة أمر الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها، و  حتى  غاية وهي حرف ابتداء لدخولها على  إذا  ومعناها متصل إلى قوله  قادرون عليها ، ومن بعد ذلك بدأ الجواب، والأمر الآتي واحد الأمور كالريح والصر والسموم ونحو ذلك، وتقسيمه  ليلاً أو نهاراً  تنبيه على الخوف وارتفاع الأمن في كل وقت، و  حصيداً  : فعيل بمعنى مفعول وعبر ب **«حصيد »** عن التالف الهالك من النبات وإن لم يهلك بحصاد، إذ الحكم فيهما وكأن الآفة حصدته قبل أوانه، وقوله  كأن لم تغن  أي كأن لم تنعم ولم تنضر ولم تغر بغضارتها وقرأ قتادة **« »** يغن **«بالياء من تحت يعني الحصيد وقرأ مروان »** كأن لم تتغن «بتاءين مثل تتفعل[(٧)](#foonote-٧) والمغاني المنازل المعمورة ومنه قول الشاعر :\[ الوافر \]
وقد نغنى بها ونرى عصوراً\*\*\* بها يقتدننا الخرد الخذالا[(٨)](#foonote-٨)
وفي مصحف أبي بن كعب **«كأن لم تغن بالأمس وما كنا لنهلكها إلا بذنوب أهلها كذلك نفصل الآيات »**، رواها عنه ابن عباس، وقيل : إن فيه **«وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها »**[(٩)](#foonote-٩)، وقرأ أبو الدرداء **«لقوم يتذكرون »** ومعنى الآية التحذير من الاغترار بالدنيا، إذ هي معرضة للتلف وأن يصيبها ما أصاب هذه الأرض المذكورة بموت أو غيره من رزايا الدنيا، وخص **«المتفكرين »** بالذكر تشريفاً للمنزلة وليقع التسابق إلى هذه الرتبة.

١ - قال أبو حيات تعقيبا على ما ذكره ابن عطية: "والوقف على قوله: \[فاختلط\] لا يجوز وخاصة في القرآن لأنه تفكيك للكلام المتصل الصحيح المعنى الفصيح اللفظ، وذهاب إلى اللغز والتعقيد والمعنى الضعيف، ألا ترى أنه لو قيل: بالاختلاط نبات الأرض لم يكد ينعقد كلاما لضعف الإسناد وقربه من عدم الإفادة؟ ولولا أن ابن عطية ذكره وخرجه لم نذكره في كتابنا"..
٢ - من الآية (٣١) من سورة (الأعراف)..
٣ - صحّت الياء فيه على جهة الندرة كأغيلت المرأة، وكان القياس أن تقلب الياء ألفا فيقال: ازّانت.
٤ - على وزن اسوادّت واحمارّت..
٥ - هذا عجز بيت لكثيّر، والبيت بتمامه:
 وأنت ابن ليلى خير قومك مشهدا إذا ما الهوادي بالعبيط احمأرت
 ورواية الديوان: "إذا ما احمأرت بالعبيط العوامل"، وهو من قصيدة قالها كثير يمدح بها عبد العزيز بن مروان، وقد سبق الاستشهاد بالبيت عند تفسير قوله تعالى في الفاتحة: ولا الضالين، وروي هناك بلفظ "العوالى" بدلا من الهوادي" (١-١٣٠)، وكثير هو صاحب عزّة، توفي سنة ١٠٥هـ.
 .
٦ - بابها هو المعنى الأصلي للظن وهو أن يدرك الذهن الشيء مع ترجيحه..
٧ - قال أبو الفتح: "جاء هذا مجيء نظائره، كقولهم: تمتعت بكذا، وتأنقت فيه، وتلبّست بالأمر" (المحتسب ١-٣١٢)..
٨ - سبق الاستشهاد به عند تفسير قوله تعالى: الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الآية (٩٢) من سورة (الأعراف)..
٩ - قال العلماء: هذا مخالف لما في سواد المصحف ولا يصح أن يقرأ به، ولعلّه من قبيل الشرح والتوضيح..

### الآية 10:25

> ﻿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [10:25]

نصت هذه الآية أن الدعاء إلى الشرع عام في كل بشر، والهداية التي هي الإرشاد مختصة بمن قدر إيمانه، و  السلام  قيل : هو اسم الله عز وجل، فالمعنى يدعو إلى داره التي هي الجنة، وإضافتها إليه إضافة ملك الى مالك، وقيل : السلام  بمعنى السلامة، أي من دخلها ظفر بالسلامة وأمن الفناء والآفات، وهذه الآية رادة على المعتزلة[(١)](#foonote-١)، وقد وردت في دعوة الله تعالى عباده أحاديث منها رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم إذ رأى في نومه جبريل وميكائيل ومثلا دعوة الله ومحمداً الداعي والملة المدعو إليها والجنة التي هي ثمرة الغفران بالمادية يدعو إليها ملك إلى منزله[(٢)](#foonote-٢). وقال قتادة في كلامه على هذه الآية ذكر لنا أت في التوراة مكتوباً **«يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر انته »**[(٣)](#foonote-٣).

١ - يتركز الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في "إرادة الاهتداء"، فأهل السنة يقولون: إن هذه الإرادة خاصة، والمعتزلة يقولون: إنها عامة، ومعنى كلام المعتزلة أن يكون الله جل شأنه قد أراد إيمان الكفار ولم يقع مراده سبحانه وتعالى عن ذلك، وكلام ابن عطية هذا ينفي ما قاله ابن تيمية وبعض المحدثين من أن لابن عطية ميولا اعتزالية. وقد رددنا عليهم في مقدمة هذا التفسير. وهذا وقد قال قتادة ومجاهد: هذه الآية بينة الحجة والردّ على القدرية لأنهم قالوا: هدى الله الخلق كلهم إلى صراط مستقيم، والله قال: ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فردوا على الله نصوص القرآن، قال ذلك القرطبي..
٢ - أخرجه ابن جرير، والحاكم، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي رضي الله عنه وتلا والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فقال: حدثني جابر رضي الله عنه قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا، ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه. فالله الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها). (التخريج عن الدر المنثور، واللفظ عن الطبري)..
٣ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والإمام أحمد عن قتادة. (الشوكاني)..

### الآية 10:26

> ﻿۞ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [10:26]

وقوله تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  الآية، قالت فرقة وهي الجمهور : الحسنى  الجنة و ******«الزيادة »****** النظر إلى وجه الله عز وجل، وروي في نحو ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه صهيب[(١)](#foonote-١)، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وحذيفة وأبي موسى الأشعري وعامر بن سعد وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال :******«الزيادة »****** غرفة من لؤلؤة واحدة، وقالت فرقة  الحسنى  هي الحسنة، و ******«الزيادة »****** هي تضعيف الحسنات إلى سبعمائة فدونها حسبما روي في نص الحديث، وتفسير قوله تعالى : والله يضاعف لمن يشاء  \[ البقرة : ٢٦١ \]، وهذا قول يعضده النظر ولولا عظم القائلين بالقول الأول لترجح هذا القول، وطريق ترجيحه أن الآية تتضمن اقتراناً بين ذكر عمال الحسنات وعمال السيئات، فوصف المحسنين بأن لهم حسنى وزيادة من جنسها، ووصف المسيئين بأن لهم بالسيئة مثلها فتعادل الكلامان، وعبر عن الحسنات ب  الحسنى  مبالغة، إذ هي عشرة، وقال الطبري : الحسنى  عام في كل حسنى فهي تعم جميع ما قيل، ووعد الله تعالى على جميعها بالزيادة، ويؤيد ذلك ذلك أيضاً قوله  أولئك أصحاب الجنة ، ولو كان معنى  الحسنى  الجنة لكان في القول تكرير بالمعنى، على أن هذا ينفصل عنه بأنه وصف المحسنين بأن لهم الجنة وأنهم لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، ثم قال  أولئك أصحاب الجنة  على جهة المدح لهم، أي أولئك مستحقوها وأصحابها حقاً وباستيجاب. و  يرهق  معناه يغشى مع ذلة وتضييق، والقتر الغبار المسود، ومنه قول الشاعر \[ الفرزدق \] :\[ البسيط \]
متوج برداء الملك يتبعه\*\*\* موج ترى وسطه الرايات والقترا[(٢)](#foonote-٢)
وقرأ الحسن وعيسى بن عمر والأعمش وأبو رجاء **«قتْر »** بسكون التاء.

١ - حديث صهيب هذا أخرجه الإمام مسلم، والإمام أحمد في مسنده، والترمذي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وكثيرون غيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ناد مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم تثقل موازيننا وتبيض وجوهنا وتدخلنا الجنة وتزحزحنا عن النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقرّ لأعينهم).
 وخرجه أيضا ابن المبارك في دقائقه عن أبي موسى الأشعري موقوفا، وخرّج الترمذي عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزيادتين في كتاب الله، في قوله: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال: (النظر إلى وجه الرحمن). ، وعن قوله: وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون قال: (عشرون ألفا).
 وأخرج أبو الشيخ، وابن منده في الرد على الجهمية، والدارقطني في الرؤية، وابن مردويه، واللالكائي، والخطيب، وابن النجار عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة فقال: الذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. (الدر المنثور، والشوكاني، وابن كثير، والقرطبي)..
٢ - البيت للفرزدق، والتتويج لا يكون بالرداء، ولكنه أراد بالرداء المهابة، والموج: الجيش الكثيف، والرايات: الأعلام، والقتر بالفتح: الغبرة، وتأمل كيف يكون القتر وسط الموج؟ ولهذا روي: "ترى فوقه وهي الأصح..

### الآية 10:27

> ﻿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۖ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [10:27]

وقوله : والذين كسبوا السيئات  الآية، اختلف النحويون في رفع ****«الجزاء »**** بم هو ؟ فقالت فرقة : التقدير لهم جزاء سيئة بمثلها، وقالت فرقة : التقدير جزاء سيئة مثلها والباء زائدة. 
قال القاضي أبو محمد : ويتوجه أن يكون رفع ****«الجزاء »**** على المبتدأ وخبره في  الذين  لأن  الذين  معطوف على قوله  للذين أحسنوا  فكأنه قال والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وعلى الوجه الآخر فقوله  والذين كسبوا السيئات  رفع بالابتداء، وتعم  السيئات  ها هنا الكفر والمعاصي فمثل سيئة الكفر التخليد في النار، ومثل سيئة المعاصي مصروف إلى مشيئة الله تعالى. و **«العاصم »** المنجي **«، ومنه قوله تعالى  إلى جبل يعصمني من الماء [(١)](#foonote-١). و  أغشيت  كسيت ومنه الغشاوة، و »** القطع **«جمع قطعة، وقرأ ابن كثير والكسائي »** قطْعاً **«من الليل بسكون الطاء، وقرأ الباقون بفتح الطاء، و »** القطع **«الجزء من الليل ومنه قوله تعالى : فاسر بأهلك بقطع من الليل [(٢)](#foonote-٢) وهذا يراد به الجزء من زمان الليل، وفي هذه الآية الجزء من سواده[(٣)](#foonote-٣). و  مظلماً ، نعت ل »** قطع **«، ويجوز أن يكون حالاً من الذكر الذي في قوله  من الليل [(٤)](#foonote-٤)، فإذا كان نعتاً فكان حقه أن يكون قبل الجملة ولكن قد يجيء بعدها، وتقدير الجملة قطعاً استقر من الليل »** مظلماً **«على نحو قوله تعالى : وهذا كتاب أنزلناه مبارك [(٥)](#foonote-٥) ومن قرأ »** قطعاً **«على جمع قطعة فنصب »** مظلماً **«على الحال  من الليل  والعامل في الحال  من  إذ هي العامل في ذي الحال[(٦)](#foonote-٦)، وقرأ أبي بن كعب، »** كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم[(٧)](#foonote-٧)**«، وقرأ ابن أبي عبلة »** قطَع من الليل مظلم «بتحريك الطاء في قطع.

١ - من الآية (٤٣) من سورة (هود)..
٢ - من الآية (٨١) من سورة (هود)، والآية (٦٥) من سورة (الحجر)..
٣ - أي: يراد الزمان من الليل في آية هود وآية الحجر، حيث طلب إلى لوط عليه السلام أن يسري بأهله في هذا الزمن من الليل، أما في آيتنا كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل فيراد به جزء من سواده وظلامه..
٤ - يريد بقوله: "الذكر" الضمير في متعلق من الليل.
٥ - من الآية (٩٢) من سورة (الأنعام)، وقد نقل أبو حيان هذا الكلام عن ابن عطية ثم عقب عليه بقوله: "ولا يتعين تقدير العامل في المجرور بالفعل فيكون جملة، بل الظاهر أن يقدر باسم الفاعل فيكون من قبيل الوصف بالمفرد، والتقدير: فقطعا كائنا من الليل مظلما"..
٦ - قال في تفسير "أبو السعود": "العامل فيه (أغشيت) لأنه العامل في (قطعا)، وهو موصوف بالجار والمجرور، والعامل في الموصوف عامل في الصفة، أو معنى الفعل في (من الليل). وهذا التوضيح مذكور أيضا في الكشاف..
٧ - بسكون الطاء في (قطع)، أما قراءة ابن أبي عبلة فالطاء مفتوحة كما قال ابن عطية..

### الآية 10:28

> ﻿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ [10:28]

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم والحسن وشيبة وغيرهم، **«نحشرهم »** بالنون، وقرأت فرقة :****«يحشرهم »**** بالياء، والضمير في ****«يحشرهم »**** عائد على جميع الناس محسنين ومسيئين، و  مكانكم  نصب على تقدير لازموا مكانكم وذلك مقترن بحال شدة وخزي، و  مكانكم  في هذا الموضع من أسماء الأفعال إذ معناه قفوا واسكنوا، وهذا خبر من الله تعالى عن حالة تكون لعبدة الأوثان يوم القيامة يؤمرون بالإقامة في موقف الخزي مع أصنامهم ثم ينطق الله الأصنام بالتبري منهم. وقوله : وشركاؤكم ، أي الذين تزعمون أنتم أنهم شركاء لله، فأضافهم إليهم لأن كونهم شركاء إنما هو بزعم هؤلاء وقوله  فزيلنا بينهم  معناه فرقنا في الحجة والذهب وهو من زلت الشيء عن الشيء أزيله، وهو تضعيف مبالغة لا تعدية، وكون مصدر زيل تزييلاً، يدل على أن زيل إنما هو فعل لا فيعل، لأن مصدره كان يجيء على فيعلة، وقرأت **«فزايلنا »**، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الكفار إذ رأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب قيل لهم : اتبعوا ما كنتم تعبدون فيقولون : كنا نعبد هؤلاء فتقول الأصنام : والله ما كنا نسمع أو نعقل : ما كنتم إيانا تعبدون  فيقولون والله لإياكم كنا نعبد فتقول الآلهة : كفى بالله شهيداً [(١)](#foonote-١) الآية. 
قال القاضي أبو محمد : وظاهر هذه الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة وعيسى بن مريم بدليل القول لهم  مكانكم أنتم وشركاؤكم  ودون فرعون ومن عبد من الجن بدليل قولهم  إن كنا عن عبادتكم لغافلين ، وهؤلاء لم يغفلوا قط عن عبادة من عبدهم، و  أنتم  رفع بالابتداء والخبر موبخون أو مهانون[(٢)](#foonote-٢)، ويجوز أن يكون  أنتم  تأكيداً للضمير الذي في الفعل المقدر الذي هو قفوا أو نحوه[(٣)](#foonote-٣). و  شهيداً  نصب على التمييز، وقيل على الحال[(٤)](#foonote-٤)، **«وأنْ »** هذه عند سيبويه هي مخففة موجبة حرف ابتداء ولزمتها اللام فرقاً بينها وبين ****«إن »**** النافية، وقال الفراء :****«إن »**** بمعنى ما واللام بمعنى إلا، و  هنالك  نصب على الظرف، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر **«تبلوا »** بالباء بواحدة بمعنى اختبر، وقرأ حمزة والكسائي **«تتلوا »** بالتاء بنقطتين من فوق بمعنى تتبع أي تطلب وتتبع ما أسلفت من أعمالها، ويصح أن يكون بمعنى تقرأ كتبها التي ترفع إليها، وقرأ يحيى بن وثاب **«ودوا »** بكسر الراء والجمهور **«وردوا إلى الله »**، أي ردوا إلى عقاب مالكهم وشديد بأسه، فهو مولاهم في الملك والإحاطة لا في الرحمة والنصر ونحوه. 
قال القاضي أبو محمد : وظاهر هذه الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة وعيسى بن مريم بدليل القول لهم  مكانكم أنتم وشركاؤكم  ودون فرعون ومن عبد من الجن بدليل قولهم  إن كنا عن عبادتكم لغافلين ، وهؤلاء لم يغفلوا قط عن عبادة من عبدهم،  وأنتم  رفع بالابتداء والخبر موبخون أو مهانون، ويجوز أن يكون  أنتم  تأكيداُ للضمير الذي في الفعل المقدر الذي هو قفوا أو نحوه.

١ - أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه. (الدر المنثور)..
٢ - هذا الإعراب عليه مآخذ، من أهمها أنه يفك الكلام الذي اتصلت أجزاؤه، وفيه تقدير إضمار لا ضرورة له، وأيضا فإن قوله تعالى: فزيلنا بينهم يدل على أنهم ثبتوا هم وشركاؤهم في مكان واحد حتى وقع التفريق بينهم، وكذلك فإن قراءة من قرأ: أنتم وشركاءكم بالنصب يدب على أنه مفعول معه والعامل فيه اسم الفعل، فلو كان \[أنتم\] مبتدأ حُذف خبره لما جاء أن يأتي بعده مفعول معه، تقول: "كل رجل وضيعته" بالرفع، ولا يجوز النصب..
٣ - وهذا أيضا ليس بجيد، إذ لو كان تأكيدا لذلك الضمير الذي في الفعل المقدر (قفوا أو نحوه) لجاز تقديمه على الظرف، إذ الظرف لم يتحمل ضميرا على هذا القول فيلزم تأخيره عنه، وهو غير جائز، لا تقول: "أنت مكانك"، والأصح أنه لا يجوز حذف المؤكد في التأكيد المعنوي، فكذلك هذا لأن التأكيد ينافي الحذف، وليس في كلامهم "أنت زيدا"..
٤ - التمييز أحسن لقبوله (من). راجع "البحر المحيط"..

### الآية 10:29

> ﻿فَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ [10:29]

و  شهيداً  نصب عل التمييز، وقيل على الحال، **«وأن »** هذه عند سيبويه هي مخففة موجبة حرف ابتداء ولزمتها اللام فرقاً بينها وبين ****«إن »**** النافية، وقال الفراء :****«إن »**** بمعنى ما، واللام بمعنى إلا.

### الآية 10:30

> ﻿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [10:30]

و  هنالك  نصب على الظرف. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر :\[ تبلو \]بالباء بواحدة بمعنى : تختبر، وقرأ حمزة، والكسائي :\[ تتلو \]بالتاء بنقطتين من فوق بمعنى : تتبع، أي : تطلب وتتبع ما أسلفت من أعمالها، ويصح أن يكون بمعنى : تقرأ كتبها التي ترفع إليها. وقرأ يحيى بن وثاب **«وردوا »** بكسر الراء والجمهور **«وردوا إلى الله »**، أي ردوا إلى عقاب مالكهم وشديد بأسه، فهو مولاهم في الملك والإحاطة لا في الرحمة والنصر ونحوه.

### الآية 10:31

> ﻿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [10:31]

هذا توقيف وتوبيخ واحتجاج لا محيد عن التزامه، و  من السماء  يريد بالمطهر ومن  الأرض  يريد بالإنبات ونحو ذلك، و  يملك السمع والأبصار ، لفظ يعم جملة الإنسان ومعظمه حتى أن ما عداهما من الحواس تبع،  ويخرج الحي من الميت  الجنين من النطفة، والطائر من البيضة، والنبات من الأرض إذ له نمو شبيه بالحياة،  ويخرج الميت من الحي ، مثل البيضة من الطائر ونحو ذلك، وقد تقدم فيما سلف إيعاب القول في هذه المعاني، و **«تدبير الأمر »** عام لهذا وغيره من جميع الأشياء، وذلك استقامة الأمور كلها عن إرادته عز وجل، وليس تدبيره بفكر ولا روية وتغيرات تعالى عن ذلك بل علمه محيط كامل دائم،  فسيقولون الله  لا مندوحة لهم عن ذلك، ولا تمكنهم المباهتة بسواه، فإذا أقروا بذلك  فقل أفلا تتقون . في افترائكم وجعلكم الأصنام آلهة.

### الآية 10:32

> ﻿فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ [10:32]

وقوله تعالى  فذلكم الله ربكم  الآية، يقول : فهذا الذي هذه صفاته  ربكم الحق  أي المستوجب للعبادة والألوهية، وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغير حق، وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوت كل تفسير براعة وإيجازاً وإيضاحاً، وحكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد، لأن الكلام فيها إنما هو في تقرير وجود ذات كيف وهي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها  لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً [(١)](#foonote-١) وقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات »**[(٢)](#foonote-٢)، و **« الحق  في هذه في الطرفين لأن المتعبدين إنما طلبوا بالاجتهاد لا بعين في كل نازلة ويدلك على أن »** الحق «في الطرفين اختلاف الشرائع بتحليل وتحريم في شيء واحد، والكلام في مسائل الفروع إنما هو في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يختلف فيها وإنما يختلف في الأحكام المتعلقة بالمتشرع[(٣)](#foonote-٣)، وقوله : فأنى تصرفون  تقرير[(٤)](#foonote-٤) كما قال  فأين تذهبون [(٥)](#foonote-٥).

١ - من الآية (٤٨) من سورة (المائدة)..
٢ - رواه البخاري في الإيمان والبيوع، ومسلم في المساقاة، وأبو داود في البيوع وكذلك الترمذي والنسائي، وابن ماجه في الفتن، والدارمي في البيوع، والإمام أحمد في مواطن كثيرة من مسنده، ولفظه كما في البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أو شك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه)..
٣ - ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل قال: (اللهم لك الحمد) الحديث، وفيه: (أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، والجنة حق، ولقاؤك حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق. ومحمد حق). سبحانه وتعالى هو الواجب الوجود..
٤ - يمكن أن يكون الاستفهام إنكاريا كما قال الألوسي بمعنى إنكار الواقع والتعجب منه بالنظر للمخلوقين..
٥ -الآية (٢٦) من سورة (الكوثر)..

### الآية 10:33

> ﻿كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [10:33]

ثم قال : كذلك حقت  أي كما كانت صفات الله كما وصف وعبادته واجبة كما تقرر وانصراف هؤلاء كما قدر عليهم وتكسبوا  كذلك حقت ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، وحمزة والكسائي هنا وفي آخر السورة**«[(١)](#foonote-١) كلمة »**على الإفراد الذي يراد به الجمع كما يقال للقصيدة كلمة، فعبر عن وعيد الله تعالى بكلمته، وقرأ نافع وابن عامر في الموضعين المذكورين » كلمات **«وهي قراءة أبي جعفر وشيبة بن نصاح، وهذه الآية إخبار أن في الكفار من حتم بكفره وقضى بتخليده، وقرأ ابن أبي عبلة، »** إنهم «بكسر الألف.

١ - في الآية (٩٦) من هذه السورة حيث يقول سبحانه: إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون..

### الآية 10:34

> ﻿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [10:34]

هذا توقيف أيضاً على قصور الأصنام وعجزها، وتنبيه على قدرة الله عز وجل، و **«بدء الخلق »** يريد به إنشاء الإنسان في أول أمره، و **«إعادته »** هي البعث من القبور، و  تؤفكون  معناه : تصرفون وتحرمون، تقول العرب : أرض مأفوكة إذا لم يصبها مطر فهي بمعنى الخيبة والتلف، كما قال  والمؤتفكة أهوى [(١)](#foonote-١).

١ - الآية (٥٣) من سورة (النجم)..

### الآية 10:35

> ﻿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [10:35]

وقوله تعالى  قل هل من شركائكم من يهدي  الآية،  يهدي إلى الحق  يريد به : يبين الطرق والصواب ويدعو إلى العدل ويفصح بالآيات ونحو هذا، ووصف الأصنام بأنها لا تهدي إلا أن تهدى، ونحن نجدها لا تهتدي وإن هديت، فوجه ذلك أنه عامل في العبارة عنها معاملتهم في وصفها بأوصاف من يعقل وذلك مجاز وموجود في كثير من القرآن، وذكر ذلك أبو علي الفارسي، والذي أقول : أن قراءة حمزة والكسائي تحتمل أن يكون المعنى أمن لا يهدي أحداً إلا أن يهدى ذلك الأحد بهداية من عند الله، وأما على غيرها من القراءات التي مقتضاها **«أمن لا يهتدي إلا أن يهدى »** فيتجه المعنى على ما تقدم لأبي علي الفارسي، وفيه تجوز كثير، وقال بعضهم : هي عبارة عن أنها لا تنتقل إلا أن تنقل، ويحتمل أن يكون ما ذكر الله من تسبيح الجمادات هو اهتداؤها ويحتمل أن يكون الاستثناء في اهتدائها إلى مناكرة الكفار يوم القيامة، حسبما مضى في هذه السورة، وقراءة حمزة والكسائي هي **«يَهْدي »** بفتح الياء وسكون الهاء، وقرأ نافع وأبو عمرو وشيبة والأعرج وأبو جعفر **«يَهْدّي »** بسكون الهاء وتشديد الدال[(١)](#foonote-١)، وقرأ ابن كثير وابن عامر **«يَهَدي »** بفتح الياء والهاء، وهذه أفصح القراءات، نقلت حركة تاء **«يهتدي »** إلى الهاء وأدغمت التاء في الدال، وهذه رواية ورش عن نافع وقرأ عاصم في رواية حفص **«يَهِدّي »** بفتح الياء وكسر الهاء وشد الدال، أتبع الكسرة الكسرة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، **«يِهِدّي »** بكسر الياء والهاء وشد الدال وهذا أيضاً إتباع وقال مجاهد : الله يهدي من الأوثان وغيرها ما شاء. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وقرأ يحيى بن الحارث الزماري. **«إلا أن يهَدّي »** بفتح الهاء وشد الدال، ووقف القراء  فما لكم ، ثم يبدأ  كيف تحكمون [(٢)](#foonote-٢).

١ - قال أبو حيان في "البحر": "فجمعوا بين ساكنين"، قال النحاس: "لا يقدر أحد أن ينطق به"، وقال المبرد: من رام هذا لابد أن يحرك حركة خفيفة، وسيبويه يسمى هذا: اختلاس الحركة..
٢ - فيكون قوله تعالى: فما لكم كلام تام معناه: أي شيء لكم في عبادة الأوثان؟ ثم قيل لهم: كيف تحكمون لأنفسكم وتقضون بهذا الباطل الصراح فتعبدون آلهة لا تغني عن أنفسها شيئا، و\[كيف\] منصوبة بـ\[تحكمون\]، فالجملة الأولى وهي \[مالكم\] استفهام معناه الإنكار والتعجب، والجملة الثانية وهي: كيف تحكمون استفهام آخر فيه معنى الإنكار والتعجب، وسبب التعجب في الإستفهامين مختلف..

### الآية 10:36

> ﻿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [10:36]

وقوله  وما يتبع أكثرهم ، إخبار عن فساد طرائقهم وضعف نظرهم وأنه ظن، ثم بين منزلة الظن من المعارف وبعده من الحق، و  الظن  في هذه الآية على بابه في أنه معتقد أحد جائزين لكن ثم ميل إلى أحدهما دون حجة تبطل الآخر، وجواز ما اعتقده هؤلاء إنما هو بزعمهم لا في نفسه. 
بل ظنهم محال في ذاته. و  الحق  أيضاً على بابه في أنه معرفة المعلوم على ما هو به. وبهذه الشروط **«لا يغني الظن من الحق شيئاً »**. وأما في طريق الأحكام التي تعبد الناس بظواهرها فيغني الظن في تلك الحقائق ويصرف من طريق إلى طريق. والشهادة إنما هي مظنونة. وكذلك التهم في الشهادات وغيرها تغني. وليس المراد في هذه الآية هذا النمط. وقرأ جمهور الناس. **«يفعلون »** وقرأ عبد الله بن مسعود **«تفعلون »** بالتاء على مخاطبة الحاضر.

### الآية 10:37

> ﻿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَىٰ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [10:37]

هذا نفي قول من قال من قريش إن محمداً يفتري القرآن وينسبه إلى الله تعالى، وعبر عن ذلك بهذه الألفاظ التي تتضمن تشنيع قولهم وإعظام الأمر كما قال تعالى : وما كان لنبي أن يغل [(١)](#foonote-١) وكما قال حكاية عن عيسى عليه السلام  ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق [(٢)](#foonote-٢) ونحو هذا مما يعطي المعنى والقرائن والبراهين استحالته، و  يفترى  معناه : يختلق وينشأ، وكأن المرء يفريه من حديثه أي يقطعه ويسمه سمة، فهو مشتق من فريت إذا قطعت لإصلاح، و  تصديق  نصب على المصدر والعامل فيه فعل مضمر وقال الزجّاج : هو خبر **«كان »** مضمرة، والتقدير المتقدم للشيء، وقالت فرقة في هذه الآية : إن الذي بين يديه هي أشراط الساعة وما يأتي من الأمور. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا خطأ، والأمر بالعكس كتاب الله تعالى بين يدي تلك، أما أن الزجّاج تحفظ فقال : الضمير يعود على الأشراط، والتقدير ولكن تصديق الذي بين يديه القرآن. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا أيضاً قلق، وقيام البرهان على قريش حينئذ إنما كان في أن يصدق القرآن ما في التوراة والإنجيل مع أن الآتي بالقرآن ممن يقطعون أنه لم يطالع تلك الكتب ولا هي في بلده ولا في قومه، و  تفصيل الكتاب  هو تبيينه، و  لا ريب فيه  يريد هو في نفسه على هذه الحالة وإن ارتاب مبطل فذلك لا يلتفت إليه.

١ - من الآية (١٦١) من سورة (آل عمران)..
٢ - من الآية (١١٦) من سورة (المائدة)..

### الآية 10:38

> ﻿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [10:38]

وقوله : أم يقولونه افتراه  الآية،  أم  هذه ليست بالمعادلة لألف الاستفهام التي في قولك أزيد قام أم عمرو، وإنما هي تتوسط الكلام، ومذهب سيبويه أنها بمنزلة الألف وبل لأنها تتضمن استفهاماً وإضراباً عما تقدم، وهي كقوله : إنها لا بل أم شاء، وقالت فرقة في  أم  هذه : هي بمنزلة ألف الاستفهام، ثم عجزهم في قوله  قل فأتوا بسورة مثله  والسورة مأخوذة من سورة البناء[(١)](#foonote-١) وهي من القرآن هذه القطعة التي لها مبدأ وختم، والتحدي في هذه الآية وقع بجهتي الإعجاز اللتين في القرآن : إحداهما النظم والرصف والإيجاز والجزالة، كل ذلك في التعريف بالحقائق، والأخرى المعاني من الغيب لما مضى ولما يستقبل، وحين تحداهم بعشر مفتريات إنما تحداهم بالنظم وحده. 
قال القاضي أبو محمد : هكذا قول جماعة من المتكلمين، وفيه عندي نظر، وكيف يجيء التحدي بمماثلة في الغيوب رداً على قولهم  افتراه ، وما وقع التحدي في الآيتين هذه وآية العشر السور إلا بالنظم والرصف والإيجاز في التعريف بالحقائق، وما ألزموا قط إتياناً بغيب، لأن التحدي بالإعلام بالغيوب كقوله
 وهم من بعد غلبهم سيغلبون [(٢)](#foonote-٢) وكقوله  لتدخلن المسجد الحرام [(٣)](#foonote-٣) ونحو ذلك من غيوب القرآن فبين أن البشر مقصر عن ذلك، وأما التحدي بالنظم فبين أيضاً أن البشر مقصر عن نظم القرآن إذ الله عز وجل قد أحاط بكل شيء علماً، فإذا قدر الله اللفظة في القرآن علم بالإحاطة اللفظة التي هي أليق بها في جميع كلام العرب في المعنى المقصود، حتى كمل القرآن على هذا النظام الأول فالأول، والبشر مع أن يفرض أفصح العالم، محقوق بنيان وجهل بالألفاظ والحق وبغلط وآفات بشرية، فمحال أن يمشي في اختياره على الأول فالأول، ونحن نجد العربي ينقح قصيدته - وهي الحوليات - يبدل فيها ويقدم ويؤخر، ثم يدفع تلك القصيدة إلى أفصح منه فيزيد في التنقيح، ومذهب أهل الصرفة مكسور بهذا الدليل، فما كان قط في العالم إلا من فيه تقصير سوى من يوحي إليه الله تعالى، وميّزت فصحاء العرب هذا القدر من القرآن وأذعنت له لصحة فطرتها وخلوص سليقتها وأنهم يعرف بعضهم كلام بعض ويميزه من غيره، كفعل الفرزدق في أبيات جرير، والجارية في شعر الأعشى، وقول الأعرابي **«عرفجكم »**[(٤)](#foonote-٤) فقطع، ونحو ذلك مما إذا تتبع بان. والقدر المعجز من القرآن ما جمع الجهتين **«اطراد النظم والسرد، وتحصيل المعاني وتركيب الكثير منها في اللفظ القليل، فأما مثل قوله تعالى : مدهامتان [(٥)](#foonote-٥) وقوله  ثم نظر [(٦)](#foonote-٦) فلا يصح التحدي بالإتيان بمثله لكن بانتظامه واتصاله يقع العجز عنه، وقوله  مثله  صفة للسورة والضمير عائد على القرآن المتقدم الذكر، كأنه قال : فأتوا بسورة مثل القرآن أي في معانيه وألفاظه[(٧)](#foonote-٧)، وخلطت فرق في قوله »** مثله **«من جهة اللسان كقول الطبري : ذلك على المعنى، ولو كان على اللفظ لقال :»** مثلها **«، وهذا وهم بيّن لا يحتاج إليه، وقرأ عمرو بن فائد »** بسورةِ مثلهِ **«، على الإضافة، قال أبو الفتح : التقدير بسورة كلام مثله[(٨)](#foonote-٨)، قال أبو حاتم : أمر عبد الله الأسود أن يسأل عمر عن إضافة »** سورة «أو تنوينها فقال له عمر كيف شئت، وقوله  وادعوا من استطعتم  إحالة على شركائهم وجنهم وغير ذلك، وهو كقوله في الآية الأخرى،  لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً [(٩)](#foonote-٩) أي معيناً، وهذا أشد إقامة لنفوسهم وأوضح تعجيزاً لهم.

١ - سورة مثل بُسرة: كل منزلة من البناء، ومنه سورة القرآن لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى..
٢ - من الآية (٣) من سورة (الروم)..
٣ - من الآية (٢٧) من سورة (الفتح)..
٤ - العرفج: نبات طيب الرائحة أغبر إلى الخضرة له زهرة صفراء وليس له حب ولا شوك، والإبل والغنم تأكله رطبا ويابسا، ولهبه شديد الحمرة، ويبالغ بحمرته فيقال: كأن لحيته ضرام عرفجة..
٥ - الآية (٦٤) من سورة (الرحمن).
٦ - الآية (٢١) من سورة (المدثر)..
٧ - احتج المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق، قالوا: لأنه تحدى به، وطلب الإتيان بمثله، وعجزوا، ولا يمكن هذا إلا إذا كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة، ولو كان القرآن قديما لكان الإتيان بمثله محالا في نفس الأمر، فوجب ألا يصح التحدي به..
٨ - فهو عند ابن جني على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه..
٩ - من الآية (٨٨) من سورة(الإسراء)..

### الآية 10:39

> ﻿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [10:39]

المعنى : ليس الأمر كما قالوا في أنه مفترى  بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ، وهذا اللفظ يحتمل معنيين : أحدهما أن يريد بها الوعيد الذي توعدهم الله عز وجل على الكفر، وتأويله على هذا يراد به ما يؤول إليه أمره كما هو في قوله  هل ينظرون إلا تأويله [(١)](#foonote-١)، والآية بجملتها على هذا التأويل تتضمن وعيداً، والمعنى الثاني أنه أراد بل كذبوا بهذا القرآن العظيم المنبىء بالغيوب الذي لم تتقدم لهم به معرفة ولا أحاطوا بعلم غيوبه وحسن نظمه ولا جاءهم تفسير ذلك وبيانه، و  الذين من قبلهم  يريد من سلف من أمم الأنبياء، قال الزجّاج  كيف  في موضع نصب على خبر  كان  ولا يجوز أن يعمل فيها **«انظر »**[(٢)](#foonote-٢) لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه. 
قال القاضي أبو محمد : هذا قانون النحويين لأنهم عاملوا ****«كيف »**** في كل مكان معاملة الاستفهام المحض في قولك : كيف زيد ول ****«كيف »**** تصرفات غير هذا، وتحل محل المصدر الذي هو كيفية وتخلع معنى الاستفهام، ويحتمل هذا أن يكون منها ومن تصرفاتها قولهم : كن كيف شئت، وانظر قول البخاري : كيف كان بدء الوحي فإنه لم يستفهم[(٣)](#foonote-٣). وذكر الفعل المسند إلى **«العاقبة »** لما كانت بمعنى المآل ونحوه وليس تأنيثها بحقيقي.

١ - من الآية (٥٣) من سورة (الأعراف)..
٢ - أي: لا يعمل فيها لفظا، لكن الجملة في موضع نصب بـ (انظر) معلقة، وهي من نظر القلب لا العين..
٣ - علّق أبو حيان على هذا بكلام طويل خلاصته أن (كيف) لها معنيان: أحدهما: الاستفهام المحض، فهي سؤال عن الهيئة إلا إذا تعلق عنها العامل فيكون معناها معنى الأسماء التي يستفهم بها عند تعليق العامل عنها، والثاني: الشرط كقول العرب: "كيف تكون أكون"، وأما قول البخاري: "كيف كان بدء الوحي"؟ فهو استفهام محض على سبيل الحكاية، كأن سائلا سأله فقال: "كيف كان بدء الوحي"؟ فأجاب بالحديث الذي فيه كيفية ذلك."البحر ٥/١٦٠"..

### الآية 10:40

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ [10:40]

وقوله تعالى : ومنهم من يؤمن به  الآية، الضمير في  منهم  عائد على قريش، ولهذا الكلام معنيان قالت فرقة : معناه من هؤلاء القوم من سيؤمن في المستقبل ومنهم من حتم الله أنه لا يؤمن به أبداً، وقالت فرقة : معناه من هؤلاء القوم من هو مؤمن بهذا الرسول إلا أنه يكتم إيمانه وعلمه بأن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن حق، حفظاً لرياسته أو خوفاً من قومه، كالفتية الذين خرجوا إلى بدر مع الكفار فقتلوا فنزل فيهم  إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم [(١)](#foonote-١) وكالعباس ونحو هذا، ومنهم من ليس بمؤمن. 
قال القاضي أبو محمد : وفائدة الآية على هذا التأويل التفرق لكلمة الكفار، وإضعاف نفوسهم، وأن يكون بعضهم على وجل من بعض، وفي قوله  وربك أعلم بالمفسدين ، تهديد ووعيد.

١ - من الآية (٩٧) من سورة (النساء)..

### الآية 10:41

> ﻿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [10:41]

وقوله  وإن كذبوك ، آية مناجزة لهم ومتاركة وفي ضمنها وعيد وتهديد، وهذه الآية نحو قوله  قل يا آيها الكافرون  \[ الكافرون : ١ \] إلى آخر السورة، وقال كثير من المفسرين منهم ابن زيد : هذه الآية منسوخة بالقتال لأن هذه مكية، وهذا صحيح[(١)](#foonote-١).

١ - قال بالنسخ مع ابن زيد مجاهد، والكلبي، ومقاتل. وقال المحققون: ليست بمنسوخة، ومدلولها اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمراتها من الثواب والعقاب، ولم ترفع آية السيف شيئا من هذا. قال أبو حيان في البحر، ثم قال: هذا وقد جاء ترتيب الآية على نسق بلاغي بديع، إذ بدأ في المأمور بقوله: لي عملي لأنه آكد في الانتفاء منهم، وفي براءة بدأ بقوله: أنتم بريئون لأن هذه الجملة جاءت متممة لما قبلها ومؤكدة له وهو: ولكم عملكم، ولمراعاة الفواصل إذ لو تقدم ذكر براءته كما تقدم ذكر أن عمله له لم تقع الجملة فاصلة إذ كان يكون التركيب: وأنتم بريئون مما أعمل..

### الآية 10:42

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ [10:42]

وقوله تعالى  ومنهم من يستمعون إليك ، جمع  يستمعون  على معنى  من  لا على لفظها، ومعنى الآية : ومن هؤلاء الكفار من يستمع إلى ما يأتي به من القرآن بإذنه ولكنه حين لا يؤمن ولا يحصل فكأنه لا يسمع، ثم قال على وجه التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم : أفأنت يا محمد تريد أن تسمع الصم. 
أي لا تكترث بذلك، وقوله  ولو كانوا لا يعقلون  معناه : ولو كانوا من أشد حالات الأصم، لأن الأصم الذي لا يسمع شيئاً بحال، فذلك لا يكون في الأغلب إلا مع فساد العقل والدماغ فلا سبيل أن يعقل حجة ولا دليلاً أبداً،  ولو  هذه بمعنى **«إن »** وهذا توقيف للنبي صلى الله عليه وسلم أي ألزم نفسك هذا.

### الآية 10:43

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ [10:43]

وقوله  ومنهم من ينظر إليك  الآية، هي نحو الأولى في المعنى، وجاء  ينظر  على لفظ  من ، وإذا جاء الفعل على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخر على المعنى، وإذا جاء أولاً على معناها فلا يجوز أن يعطف آخر اللفظ، لأن الكلام يلبس حينئذ[(١)](#foonote-١)، وهذه الآية نحو الأولى في المعنى كأنه قال : ومنهم من ينظر إليك ببصره لكنه لا يعتبر ولا ينظر ببصيرته، فهو لذلك كالأعمى فهون ذلك عليك، أفتريد أن تهدي العمي، والهداية أجمع إنما هي بيد الله عز وجل[(٢)](#foonote-٢).

١ - قال أبو حيان بعد أن نقل كلام ابن عطية هذا: "وليس كما قال، بل يجوز أن تراعي المعنى أولا فتعيد الضمير على حسب ما تريد من المعنى من تأنيث وتثنية وجمع، ثم تراعي اللفظ فتعيد الضمير مفردا مذكرا، وفي ذلك تفصيل ذكر في علم النحو"..
٢ - الاستفهام في الآيتين معناه النفي، فكأن الكلام: أنت لا تسمع الصم، وأنت لا تهدي العمي..

### الآية 10:44

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [10:44]

قرأت فرقة :**«ولكنْ الناس »** بتخفيف **«لكِن »** ورفع **«الناسُ »**، وقرأت فرقة **«ولكنّ »** بتشديد **«لكنّ »** ونصب **«الناسَ »**، وظلم الناس لأنفسهم إنما هو بالتكسب منهم الذي يقارن اختراع الله تعالى لأفعالهم، وعرف ****«لكن »**** إذا كان قبلها واو أن تثقل وإذا عريت من الواو أن تخفف، وقد ينخرم هذا، وقال الكوفيون : قد يدخل اللام في خبر ****«لكن »**** المشددة على حد دخولها في **«أن »** ومنع ذلك البصريون.

### الآية 10:45

> ﻿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [10:45]

وقوله تعالى : ويوم نحشرهم  الآية، وعيد بالحشر وخزيهم فيه وتعاونهم في التلاوم بعضهم لبعض، و  يوم  ظرف ونصبه يصح بفعل مضمر تقديره واذكر يوم، ويصح أن ينتصب بالفعل الذي يتضمنه قوله  كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار [(١)](#foonote-١)، ويصح نصبه ب  يتعارفون ، والكاف من قوله  كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار  يصح أن تكون في معنى الصفة لليوم[(٢)](#foonote-٢)، ويصح أن تكون في موضع نصب للمصدر، كأنه قال ويوم نحشرهم حشراً كأن لم يلبثوا، ويصح أن يكون قوله  كأن لم يلبثوا  في موضع الحال من الضمير في  نحشرهم  وخصص  النهار  بالذكر لأن ساعاته وقسمه معروفة بيّنه للجميع، فكأن هؤلاء يتحققون قلة ما لبثوا، إذ كل أمد طويل إذا انقضى فهو واليسير سواء، وأما قوله  يتعارفون  فيحتمل أن يكون معادلة لقوله : ويوم نحشرهم  كأنه أخبر أنهم يوم الحشر  يتعارفون  وهذا التعارف على جهة التلاوم والخزي من بعضهم لبعض. ويحتمل أن يكون في موضع الحال من الضمير في  نحشرهم  ويكون معنى التعارف كالذي قبله، ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير في  يلبثوا  ويكون التعارف في الدنيا، ويجيء معنى الآية ويوم نحشرهم للقيامة فتنقطع المعرفة بينهم والأسباب ويصير تعارفهم في الدنيا كساعة من النهار لا قدر لها، وبنحو هذا المعنى فسر الطبري[(٣)](#foonote-٣)، وقرأ السبعة وجمهور الناس **«نحشرهم »**، بالنون، وقرأ الأعمش فيما روي عنه، **«يحشرهم »** بالياء، وقوله  قد خسر الذين  إلى آخرها حكم على المكذبين بالخسار وفي اللفظ إغلاظ على المحشورين من إظهار لما هم عليه من الغرر مع الله تعالى، وهذا على أن الكلام إخبار من الله تعالى وقيل : إنه من كلام المحشورين على جهة التوبيخ لأنفسهم.

١ - قال أبو حيان: "هذا كلام مجمل لم يبين الفعل الذي يتضمنه كأن لم يلبثوا ولعله أراد ما قاله الحوفي من أن الكاف في موضع نصب بما تضمنت من معنى الكلام وهو السرعة"..
٢ -قيل: "هذا لا يصح لأن يوم نحشرهم معرفة، والجمل نكرات، ولا تنعت المعرفة بالنكرة." وأفضل إعراب لقوله تعالى: \[كأن...\] هو أنها جملة حالية من مفعول \[نحشر\]، وهذا ما اتفق عليه كل من الألوسي، والزمخشري، وأبو حيان، وذكره ابن عطية في آخر آرائه..
٣ - قيل: لا تعارف يوم القيامة لقوله تعالى: ولا يسأل حميم حميما، وقيل: يبقى تعارف التوبيخ، وهو الأصح، والآية السابقة معناها: لا يسأله سؤال شفقة ورحمة، والدليل على بقاء التعارف للتوبيخ قوله تعالى: كلما دخلت أمة لعنت أختها الآية، وقوله تعالى: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا الآية..

### الآية 10:46

> ﻿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ [10:46]

وقوله تعالى : وإما نرينك  الآية،  إما  شرط وجوابه  فإلينا ، والرؤية في قوله  نرينك  رؤية بصر وقد عدي الفعل بالهمزة فلذلك تعدى إلى مفعولين أحدهما الكاف والآخر  بعض ، والإشارة بقوله  بعض الذي  إلى عقوبة الله لهم نحو بدر وغيرها، ومعنى هذا الوعيد بالرجوع إلى الله تعالى أي إن أريناك عقوبتهم أو لم نركها فهم على كل حال راجعون إلينا إلى الحساب والعذاب ثم مع ذلك فالله شهيد من أول تكليفهم على جميع أعمالهم ف  ثم  ها هنا لترتيب الإخبار لا لترتيب القصص في أنفسها[(١)](#foonote-١)، وإما هي **«إن »** زيدت عليها **«ما »** ولأجلها جاز دخول النون الثقيلة ولو كانت إن وحدها لم يجز.

١ - هذا إذا أريدت الشهادة على حقيقتها، أما إذا أريد لازمها وهو ما يترتب عليها من عقاب فإن (ثم) تكون لترتيب القصص في أنفسها، قاله في الشوكاني وأبي السعود..

### الآية 10:47

> ﻿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [10:47]

قوله تعالى : ولكل أمة رسول ، إخبار مثل قوله تعالى : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى  [(١)](#foonote-١) وقال مجاهد وغيره : المعنى فإذا جاء رسولهم يوم القيامة للشهادة عليم صير قوم للجنة وقوم للنار فذلك **«القضاء بينهم بالقسط »**[(٢)](#foonote-٢) وقيل : المعنى فإذا جاء رسولهم في الدنيا وبعث صاروا من حتم الله بالعذاب لقوم والمغفرة لآخرين لغاياتهم، فذلك قضاء بينهم بالقسط، وقرن بعض المتأولين هذه الآية بقوله  وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً [(٣)](#foonote-٣) وذلك يتفق إما بأن نجعل  معذبين  \[ الاسراء : ١٥ \] في الآخرة، وإما بأن نجعل **«القضاء بينهم »** في الدنيا بحيث يصح اشتباه الآيتين.

١ - من الآيتين (٨، ٩) من سورة (الملك)..
٢ - دليل ذلك قول الله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وقوله سبحانه: ويكون الرسول عليكم شهيدا..
٣ - من الآية (١٥) من سورة (الإسراء)..

### الآية 10:48

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [10:48]

وقوله  ويقولون متى هذا الوعد  إلى  يستقدمون ، الضمير في  يقولون  يراد به لكفار، وسؤالهم عن الوعد تحرير بزعمهم في الحجة، أي هذا العذاب الذي توعدنا حدد لنا فيه وقته لنعلم الصدق في ذلك من الكذب، وقال بعض المفسرين، قولهم هذا على جهة الاستخفاف. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا لا يظهر من اللفظة.

### الآية 10:49

> ﻿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [10:49]

ثم أمره تعالى أن يقول لهم  لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله ، المعنى قل لهم يا محمد رداً للحجة إني  لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً  من دون الله ولا أنا إلا في قبضة سلطانه وبضمن الحاجة إلى لطفه، فإذا كنت هكذا فأحرى أن لا أعرف غيبه ولا أتعاطى شيئاً من أمره، لكن  لكل أمة أجل  انفرد الله تعالى بعلم حده ووقته، فإذا جاء ذلك الأجل في موت أو هلاك أمة لم يتأخروا ساعة ولا أمكنهم التقدم عن حد الله عز وجل، وقرأ ابن سيرين **«آجالهم »** بالجمع.

### الآية 10:50

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ [10:50]

المعنى : قال يا أيها الكفرة المستعجلون عذاب الله عز وجل  أرأيتم إن أتاكم عذابه  ليلاً وقت المبيت، يقال : بيت القوم القوم إذا طرقوهم ليلاً بحرب أو نحوها  أو نهاراً  لكم منه منعة أو به طاقة ؟ فماذا تستعجلون منه، وأنتم لا قبل لكم به ؟ و **«ما »** ابتداء و **«ذا »** خبره، ويصح أن تكون  ماذا  بمنزلة اسم واحد في موضع رفع بالابتداء وخبره الجملة التي بعده، وضعف هذا أبو علي وقال : إنما يجوز ذلك على تقدير إضمار في  يستعجل  وحذفه كما قال \[ أبو النجم \] :\[ الرجز \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كله لم أصنع[(١)](#foonote-١)
وزيدت ضربت قال : ويصح أن تكون  ماذا  في حال نصب ل  يستعجل ، والضمير في  منه  يحتمل أن يعود على الله عز وجل، ويحتمل أن يعود على **«العذاب »**.

١ - هذا جزء من بيت لأبي النجم، والبيت بتمامه:
 قد أصبحت أم الخيار تدّعي عليّ ذنبا كله لم أصنع
 برفع (كل)، وبها يتم المعنى الصحيح لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنب، ولو نصب (كل) لكان ظاهر قوله أنه صنع بعضه، وهذا هو حذف الضمير من الخبر، وهو قبيح، والتقدير: لم أصنعه، وقد سبق الاستشهاد به عند تفسير الآية (٥٠) من سورة (المائدة).
 .

### الآية 10:51

> ﻿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ۚ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [10:51]

وقوله  أثم إذا ما وقع  الآية، عطف بقوله  ثم  جملة القول على ما تقدم ثم أدخل على الجميع ألف التقرير، ومعنى الآية : إذا وقع العذاب وعاينتموه آمنتم به حينئذ، وذلك غير نافعكم بل جوابكم الآن وقد كنتم تستعجلونه مكذبين به، وقرأ طلحة بن مصرف **«أثَم »** بفتح الثاء، وقال الطبري في قوله ****«ثُم »**** بضم الثاء، معناه هنالك وقال : ليست ****«ثُم »**** هذه التي تأتي بمعنى العطف. 
قال القاضي أبو محمد : والمعنى صحيح على أنها **«ثم »** المعروفة ولكن إطباقه على لفظ التنزيل هو كما قلنا، وما ادعاه الطبري غير معروف و  الآن  أصله عند بعض النحاة آن فعل ماض دخلت عليه الألف واللام على حدها في قوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحمار اليجدع [(١)](#foonote-١)
ولم يتعرف بذلك كل التعريف ولكنها لفظة مضمنة معنى حرف التعريف ولذلك بنيت على الفتح لتضمنها معنى الحرف ولوقوعها موقع المبهم لأن معناها هذا الوقت، وقرأ الأعمش وأبو عمرو وعاصم والجمهور  الآن  بالمد والاستفهام على حد التوبيخ، وكذلك  الآن وقد عصيت [(٢)](#foonote-٢) وقرأها باستفهام بغير مد طلحة والأعرج.

١ - وهذا أيضا جزء من بيت قاله ذو الخرق الطهوي، وقد ذكره صاحب اللسان مع بيت سابق عليه للاستشهاد على معنى (مُجدّع)، قال: "الجدع: القطع، وقيل: هو القطع البائن... يقال: جَدَعه يجدعه جدعا فهو جادع، وحمار مُجدّع: مقطوع الأذن، قال:
 أتاني كلام التغلبيّ بن ديسق ففي أي هذا ويله يتترّعُ؟
 يقول الخنى، وأبغض العُجْم ناطقا إلى ربه صوت الحمار اليُجدّع
 أراد: الذي يُجدّع فأدخل اللام على الفعل المضارع لمضارعة اللام الذي، كما تقول: هو اليضربك، وهو من أبيات الكتاب". يريد: كتاب سيبويه، واليُجدّع: فعل مضارع مبني للمجهول، وقد قال أبو بكر بن السّرّاج: لما احتاج إلى رفع القافية قلب الاسم فعلا، وهو من أقبح ضرورات الشعر، وأنكر ابن برّي أن يكون هذا البيت من أبيات الكتاب كما ذكر الجوهري وقال: وإنما هو في نوادر أبي زيد..
٢ - من الآية (٩١) من هذه السورة (يونس)..

### الآية 10:52

> ﻿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [10:52]

وقوله تعالى : ثم قيل للذين ظلموا  الآية، هو الوعيد الأعظم بالخلود لأهل الظلم الأخص الذي هو ظلم الكفر لا ظلم المعصية، وقوله  هل تجزون  توقيف وتوبيخ، ونصت هذه الآية على أن الجزاء في الآخرة، هو على تكسب العبد.

### الآية 10:53

> ﻿۞ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ۖ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [10:53]

وقوله  ويسألونك  معناه : يستخبرونك، وهي على هذا تتعدى إلى مفعولين : أحدهما الكاف، والآخر في الابتداء والخبر، وقيل هي بمعنى يستعلمونك، فهي على هذا تحتاج إلى مفعولين ثلاثة : أحدها الكاف، والابتداء والخبر يسد مسد المفعولين[(١)](#foonote-١)، و  أحق هو  قيل الإشارة إلى الشرع والقرآن، وقيل : إلى الوعيد وهو الأظهر، وقرأ الأعمش **«الحق هو »** بمدة وبلام التعريف[(٢)](#foonote-٢)، وقوله  إي ، هي لفظة تتقدم القسم وهي بمعنى **«نعم »** ويجيء بعدها حرف القسم وقد لا يجيء، تقول : إي وربي  وإي ربي  معجزين  معناه مفلتين، وهذا الفعل أصله تعدية عجز لكن كثر فيه حذف المفعول حتى قالت العرب : أعجز فلان، إذا ذهب في الأرض فلم يقدر عليه.

١ - الأصل أن (استنبأ) يتعدى إلى مفعولين أحدهما بعن تقول: استنبأت زيدا عن عمرو، والظاهر أنها معلّقة عن المفعول الثاني، ولا يلزم من كونها بمعنى (يستعملونك) أنها تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل لأن (استعلم) لا يتعدى هو إلى ثلاثة مفاعيل فأولى بذلك ما كان بمعناه..
٢ - قال أبو الفتح تعليقا على هذه القراءة: "إن الأجناس تتساوى فائدتها معرفتها ونكرتها في نحو هذا، تقول: ثق بأمان من الله، وثق بالأمان من الله، وهذا حق، وهذا الحق، وهذا صدق، وهذا الصدق، ومنه قولهم: خرجت فإذا بالباب أسد، وإذا بالباب الأسد، المعنى واحد ووضع اللفظ مختلف، وسبب ذلك كون الموضع جنسا". (المحتسب٢/ ٣١٣)..

### الآية 10:54

> ﻿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ۗ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [10:54]

هذا إخبار للكفار في سياق إخبارهم بأن ذلك الوعد حق،  وأسروا  لفظة تجيء بمعنى : أخفوا، وهي حينئذ من السر، وتجيء بمعنى أظهروا، وهي حينئذ من أسارير الوجه[(١)](#foonote-١)، قال الطبري : المعنى وأخفى رؤساء هؤلاء الكفار الندامة عن سفلتهم ووضعائهم. 
قال القاضي أبو محمد : بل هو عام في جميعهم.

١ - من شواهد مجيئها بمعنى أظهروا قول كثير:
 فأسررت الندامة يوم نادى برد جمال غاضرة المُنادي
 أي: أظهرت الندامة، ويقوّي معنى الإظهار في الآية أن يوم القيامة ليس بيوم تصبر ولا تجلّد، ولا يقدر فيه الكافر على كتمان ما ناله، ولأنه عند رؤية العذاب يوم القيامة يتحسّر الإنسان على ارتكاب ما سببه له وأوجبه عليه، ويظهر الندامة على ما فاته من الفوز والخلاص من العذاب، ولهذا يقولون: ربنا غلبت علينا شقوتنا..

### الآية 10:55

> ﻿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [10:55]

و  ألا  استفتاح وتنبيه، ثم أوجب أن جميع  ما في السماوات والأرض  ملك لله تعالى، قال الطبري : يقول فليس لهذا الكافر يومئذ شيء يقتدي به. 
قال القاضي أبو محمد : وربط الآيتين هكذا يتجه على بعد، وليس هذا من فصيح المقاصد، وقوله : ولكن أكثرهم لا يعلمون  قيد بالأكثر لأن بعض الناس يؤمن فهم يعلمون حقيقة وعد الله تعالى وأكثرهم لا يعلمون فهم لأجل ذلك يكذبون.

### الآية 10:56

> ﻿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [10:56]

وقوله  هو يحيي  يريد يحيي من النطفة  ويميت  بالأجل ثم يجعل المرجع إليه بالحشر يوم القيامة وفي قوة هذه الآيات ما يستدعي الإيمان وإجابة دعوة الله، وقرأ **«ترجعون »** بالتاء من فوق الأعرج وأبو عمرو وعاصم ونافع والناس، وقرأ عيسى بن عمر **«يرجعون »** بالياء من تحت، واختلف عن الحسن.

### الآية 10:57

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [10:57]

هذه آية خوطب بها جميع العالم، و **«الموعظة »** القرآن لأن الوعظ إنما هو بقول يأمر بالمعروف ويزجر ويرقق ويوعد ويعد، وهذه صفة الكتاب العزيز، وقوله : من ربكم  يريد لم يختلقها محمد صلى الله عليه وسلم بل هي من عند الله و  ما في الصدور  يريد به الجهل والعتو عن النظر في آيات الله ونحو هذا مما يدفع الإيمان، وجعله موعظة بحسب الناس أجمع، وجعله  هدى ورحمة  بحسب المؤمنين فقط، وهذا تفسير صحيح المعنى إذا تؤمل بان وجهه.

### الآية 10:58

> ﻿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [10:58]

وقوله سبحانه  قل بفضل الله وبرحمته ، الباء متعلقة بمحذوف استغني عن ذكره يدل عليه قوله : وهدى ورحمة  قال بعض المتأولين وهو هلال بن يساف[(١)](#foonote-١) وقتادة والحسن وابن عباس **********«الفضل »********** : الإسلام، و **********«الرحمة »********** : القرآن، وقال أبو سعيد الخدري :**********«الفضل »********** : القرآن، و **********«الرحمة »********** أن جعلهم من أهله، وقال زيد بن أسلم والضحاك **********«الفضل »********** : القرآن، و **********«الرحمة »********** : الإسلام، وقالت فرقة :**********«الفضل »********** : محمد صلى الله عليه وسلم، و **********«الرحمة »********** : القرآن. 
قال القاضي أبو محمد : ولا وجه عندي لشيء من هذا التخصيص إلا أن يستند منه شيء إلى النبي صلى الله عليه سلم، وإنما الذي يقتضيه اللفظ ويلزم منه، أن **********«الفضل »********** هو هداية الله تعالى إلى دينه والتوفيق إلى إتباع الشرع، و **********«الرحمة »********** : هي عفوه وسكنى جنته التي جعلها جزاء على التشرع بالإسلام والإيمان به، ومعنى الآية : قل يا محمد لجميع الناس : بفضل الله وبرحمته  فليقع الفرح منكم، لا بأمور الدنيا وما جمع من حطامها، فالمؤمنون يقال لهم فلتفرحوا، وهم متلبسون بعلة الفرح وسببه، ومحصلون لفضل الله منتظرون الرحمة، والكافرون يقال لهم : بفضل الله وبرحمته  فلتفرحوا، على معنى أن لو اتفق لكم أو لو سعدتم بالهداية إلى تحصيل ذلك، وقرأ أبي بن كعب وابن القعقاع وابن عامر والحسن على ما زعم هارون ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم ****«فلتفرحوا »****، و **«تجمعون »** بالتاء فيهما على المخاطبة، وهي قراءة جماعة من السلف كبيرة، وعن أكثرهم خلاف، وقرأ السبعة سوى ابن عامر[(٢)](#foonote-٢) وأهل المدينة والأعرج ومجاهد وابن أبي إسحاق وقتادة وطلحة والأعمش : بالياء فيهما على ذكر الغائب، ورويت عن الحسن بالتاء من فوق فيهما، وقرأ أبو التياح وأبو جعفر وقتادة : بخلاف عنهم وابن عامر بالياء في الأولى وبالتاء في الآخرة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وجماعة من السلف ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالياء في الأولى وفي الآخرة، ورويت عن أبي التياح، وإذا تأملت وجوه ذلك بانت على مهيع الفصيح من كلام العرب ولذلك كثر الخلاف من كل قارىء، وفي مصحف أبي بن كعب، **«فبذلك فافرحوا »** وأما من قرأ ****«فلتفرحوا »**** فأدخل اللام في أمر المخاطب فذلك على لغة قليلة، حكى ذلك أبو علي في الحجة، وقال أبو حاتم وغيره : الأصل في كل أمر إدخال اللام إذا كان النهي بحرف فكذلك الأمر، وإذا كان أمراً لغائب بلام[(٣)](#foonote-٣)، قال أبو الفتح : إلا أن العرب رفضت إدخال اللام في أمر المخاطب لكثرة ترداده[(٤)](#foonote-٤)، وقرأ أبو الفتوح والحسن : بكسر اللام من **«فلِتفرحوا »**، فإن قيل : كيف أمر الله بالفرح في هذه الآية ؟ وقد ورد ذمه في قوله  لفرح فخور [(٥)](#foonote-٥)، وفي قوله  لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين [(٦)](#foonote-٦) قيل إن الفرح إذا ورد مقيداً في خير فليس بمذموم وكذلك هو في هذه الآية، وإذا ورد مقيداً في شر أو مطلقاً لحقه ذم إذ ليس من أفعال الآخرة بل ينبغي أن يغلب على الإنسان حزنه على ذنبه وخوفه لربه، وقوله : مما يجمعون  يريد من مال الدنيا وحطامها الفاني المؤذي في الآخرة.

١ - ضبطه محقق "المحتسب" لابن جني بالفتح، وذكر في الهامش نقلا عن القاموس أنه بالكسر وقد يفتح..
٢ - ذكر ابن عطية أن ابن عامر في الجماعة الأولى التي قرأت بالتاء، وأكّد ذلك بقوله: "وقرأ السبعة سوى ابن عامر بالياء"، ثم عاد فنقل أن ابن عامر قرأ في الأولى وهي \[فلتفرحوا\] بالياء، وفي الثانية وهي \[تجمعون\] بالتاء، ولو تأملت الأسماء في كل جماعة لوجدت تكرارا أو ما يشبه التناقض، لكن يتضح لك الموقف حين تقرأ قوله: "وإذا تأملت وجوه ذلك بانت- أي ظهرت كلها- على مهيع الفصيح من كلام العرب، ولذلك كثر الخلاف من كل قارئ". ولهذا فلا داعي لتعليق أبي حيان على ما نسبه ابن عطية لابن عامر من القراءة بالتاء وتأكيده أنه قرأ الياء، فقد عاد ابن عطية وذكر ذلك..
٣ - معنى هذا أن أصل الأمر أن يكون بحرف الأمر وهو اللام، فأصل اضرب: لتضرب، وأصل قم: لتقم، ولكن لما كثر أمر الحاضر حذفوا حرف المضارعة تخفيفا ودل المقام عليه، فلما حذف حرف المضارعة بقي ما بعده في الأغلب ساكنا فاحتيج إلى همزة الوصل ليقع الابتداء به فقيل: اضرب، اكتب، اذهب... الخ. ذكر ذلك أبو الفتح في المحتسب (٢/٣١٣)..
٤ - كان أمر الحاضر أكثر لأن الغائب بعيد عنك، فإذا أردت أن تأمره احتجت إلى أن تأمر المخاطب ليؤدي كلامك إلى الغائب، فتقول: يا محمد قل لعلي اقرأ، أما الحاضر فلا يحتاج إلى ذلك لأن خطابك إياه مباشرة أغنى عن تكليف غيره أن يحمل إليه كلامك. (عن أبي الفتح في المحتسب، (٢/٣١٣).
٥ - من الآية (١٠) من سورة (هود)..
٦ - من الآية (٧٦) من سورة (القصص)..

### الآية 10:59

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [10:59]

هذه المخاطبة لكفار العرب الذين جعلوا البحائر والسوائب والنصيب من الحرث والأنعام وغير ذلك مما لم يأذن الله به، وإنما اختلقوه بأمرهم، وقوله تعالى : أنزل  لفظة فيها تجوز، وإنزال الرزق، إما أن يكون في ضمن إنزال المطر بالمآل، أو نزول الأمر به الذي هو ظهور الأثر في المخلوق منه المخترع، ثم أمر الله نبيه بتوقيفهم على أحد القسمين، وهو لا يمكنهم ادعاء إذن الله تعالى في ذلك، فلم يبق إلا أنهم افتروه، وهذه الآية نحو قوله تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده [(١)](#foonote-١)، ذكر ذلك الطبري عن ابن عباس.

١ - من الآية (٣٢) من سورة (الأعراف)..

### الآية 10:60

> ﻿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ [10:60]

وقوله  وما ظن الذين يفترون على الله  الآية، وعيد، لما تحقق عليهم، بتقسيم الآية التي قبلها، أنهم مفترون على الله، عظم في هذه الآية جرم الافتراء، أي ظنهم في غاية الرداءة بحسب سوء أفعالهم، ثم ثنى بإيجاب الفضل على الناس في الإمهال لهم مع الافتراء والعصيان : والإمهال داعية إلى التوبة والإنابة، ثم استدرك ذكر من لا يرى حق الإمهال ولا يشكره ولا يبادر به فيه على جهة الذم لهم، والآية بعد هذا تعم جميع فضل الله وجميع تقصير الخلق في شكره، لا رب غيره.

### الآية 10:61

> ﻿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [10:61]

قصد الآية وصف إحاطة الله تعالى بكل شيء، ومعنى اللفظ  وما تكون  يا محمد، والمراد هو وغيره  في شأن  من جميع الشؤون  وما تتلوا نه  الضمير عائد على  شأن  أي فيه وبسببه من قرآن، ويحتمل أن يعود الضمير على جميع القرآن، ثم عم بقوله  ولا تعملون من عمل  وفي قوله  إلا كنا عليكم شهوداً ، تحذير وتنبيه، و  تفيضون  تنهضون بجد، يقال : أفاض الرجل في سيره وفي حديثه، ومنه الإفاضة في الحج ومفيض القداح[(١)](#foonote-١)، ويحتمل أن **«فاض »** عدي بالهمزة، و  يعزب  معناه : يغيب حتى يخفى حتى قالوا للبعيد : عازب، ومنه قول الشاعر \[ ابن مقبل \] : الطويل \]
عوازب لم تسمع نبوح مقامه\*\*\* ولم تر ناراً تم حول مجرم[(٢)](#foonote-٢)
وقيل للغائب عن أهله : عازب حتى قالوه لمن لا زوجة له، وفي السير أن بيت سعد بن خيثمة كان يقال : بيت العزاب، وقرأ جمهور السبعة والناس **«يعزُب »** يضم الزاي، وقرأ الكسائي وحده منهم :**«يعزِب »** بكسرها وهي قراءة ابن وثاب والأعمش وطلحة بن مصرف، قال أبو حاتم : القراءة بالضم، والكسر لغة، و **«المثقال »** : الوزن، وهو اسم، لا صفة كمعطار ومضراب والذر : صغار النمل، جعلها الله مثالاً إذ لا يعرف في الحيوان المتغذي المتناسل المشهور النوع والموضع أصغر منه، وقرأ جمهور الناس وأكثر السبعة :**«ولا أصغرَ ولا أكبرَ »** بفتح الراء عطفاً على  ذرة  في موضع خفض لكن منع من ظهوره امتناع الصرف، وقرأ حمزة وحده :**«ولا أصغر ولا أكبر »** عطفاً على موضع قوله  مثقال ، لأن التقدير وما يعزب عن ربك مثقال ذرة، و **«الكتاب المبين »** : اللوح المحفوظ، كذا قال بعض المفسرين، ويحتمل أن يريد تحصيل الكتبة، ويكون القصد ذكر الأعمال المذكورة قبل، وتقديم **«الأصغر »** في الترتيب جرى على قولهم : القمرين والعمرين، ومنه قوله تعالى : لا يغادر صغيرة ولا كبيرة [(٣)](#foonote-٣) والقصد بذلك تنبيه الأقل وأن الحكم المقصود إذ وقع على الأقل فأحرى أن يقع على الأعظم.

١ - القداح: جمع قدح. يقال: أفاض الرجل بالقداح إفاضة: ضرب بها، لأنها تقع منبثة متفرقة، ويجوز أفاض على القداح، قال أبو ذؤيب الهذلي يصف حمارا وأتنه:
 وكأنهن ربابة وكأنه يسر يفيض على القداح ويصدع
 يعني: يفيض بالقداح..
٢ - البيت لطفيل، قال ذلك في أساس البلاغة، والعوازب: البعيدة، والنّبوح: ضجّة الحيّ وأًوات كلابهم، وتم الشيء بكسر التاء: تمامه وكماله، والحول المجرّم: الذي كمل وانقضى، يقول: إنها لبعدها الشديد لم تعرف شيئا عن ضجيج الحياة ونباح الكلاب في الحيّ ولم تر نارا ولا علامة من علامات الحياة المألوفة مدة عام كامل..
٣ - من الآية (٤٩) من سورة (الكهف)..

### الآية 10:62

> ﻿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [10:62]

و  ألا  استفتاح وتنبيه، و  أولياء الله  هم المؤمنون الذين والوه بالطاعة والعبادة، وهذه الآية يعطي ظاهرها أن من آمن واتقى فهو داخل في أولياء الله، وهذا هو الذي تقتضيه الشريعة في الولي، وإنما نبهنا هذا التنبيه حذراً من بعض الوصفية وبعض الملحدين في الولي[(١)](#foonote-١)، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا سئل عن أولياء الله ؟ فقال : الذين إذا رأيتهم ذكرت الله[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وصف لازم للمتقين لأنهم يخشعون ويخشعون، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال :**«أولياء الله قوم تحابوا في الله واجتمعوا في ذاته لم تجمعهم قرابة ولا مال يتعاطونه »**[(٣)](#foonote-٣) وقوله  لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  يحتمل أن يكون في الآخرة، أي لا يهتمون بهمها ولا يخافون عذاباً ولا عقاباً ولا يحزنون لذلك، ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا أي لا يخافون أحداً من أهل الدنيا ولا من أعراضها ولا يحزنون على ما فاتهم منها، والأول أظهر والعموم في ذلك صحيح لا يخافون في الآخرة جملة ولا في الدنيا الخوف الدنياوي الذي هو في فوت آمالها وزوال منازلها وكذلك في الحزن، وذكر الطبري عن جماعة من العلماء مثل ما في الحديث من الأولياء الذين إذا رآهم أحد ذكر الله، وروي فيهم حديث :**«إن أولياء الله هم قوم يتحابون في الله وتجعل لهم يوم القيامة منابر من نور وتنير وجوههم، فهم في عرصة القيامة لا يخافون ولا يحزنون »**[(٤)](#foonote-٤) وروي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله قالوا : ومن هم يا رسول الله ؟ قال : قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام ولا أموال »**، الحديث، ثم قرأ  ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون [(٥)](#foonote-٥).

١ - يشير بذلك إلى ما يرويه بعض الناس من أن الولي أفضل من النبي، هناك عبارات نقلت عن بعض المتصوفين تحمل مثل هذه المعاني..
٢ - أخرجه ابن المبارك، والحكيم والترمذي في نوادر الأصول، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه: (قيل: يا رسول الله من أولياء الله؟ قال: الذين إذا رؤوا ذكر الله)، وروى ابن الشيخ مثله عن سهل بن الأسد. وتعددت رواياته من طرق عدة في صيغ قريب بعضها من بعض..
٣ -أخرج ابن أبي شيبة عن العلاء بن زياد رضي الله عنه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (عباد من عباد الله ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بقربهم من الله على منابر من نور، يقول الأنبياء والشهداء: من هؤلاء؟ فيقول: هؤلاء كانوا يتحابون في الله على غير أموال يتعاطونها ولا أرحام كانت بينهم)..
٤ - الحديث مروي من عدة طرق مع اختلاف في بعض الألفاظ باختلاف الرواة..
٥ - رواه ابن جرير عن أبي زرعة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخرجه أبو داود، وهناد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر رضي الله عنه. (تفسير ابن جرير، والدر المنثور)..

### الآية 10:63

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [10:63]

وقوله  الذين آمنوا  يصح أن يكون في موضع نصب على البدل من الأولياء، ويصح أن يكون في موضع رفع على الابتداء على تقديرهم الذين، وكثيراً ما يفعل ذلك بنعت ما عملت فيه **«أن »** إذا جاء بعد خبرها، ويصح أن يكون  الذين  ابتداء وخبره في قوله  لهم البشرى ، وقوله  وكانوا يتقون  لفظ عام في تقوى الشرك والمعاصي.

### الآية 10:64

> ﻿لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [10:64]

أما بشرى الآخرة فهي بالجنة قولاً واحداً وتلك هي الفضل الكبير الذي في قوله  وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً [(١)](#foonote-١) وأما بشرى الدنيا فتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له، وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو الدرداء وعمران بن حصين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهم على أنه سئل عن ذلك ففسره بالرؤيا[(٢)](#foonote-٢)، وعن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال :**«لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة »**[(٣)](#foonote-٣)، وروت عنه أم كرز الكعبية أنه قال :**«ذهبت النبوءة وبقيت المبشرات »**[(٤)](#foonote-٤)، وقال قتادة والضحاك : البشرى في الدنيا هي ما يبشر به المؤمن عند موته وهو حي عند المعاينة. 
قال القاضي أبو محمد : ويصح أن تكون بشرى الدنيا في القرآن من الآيات المبشرات، ويقوى ذلك بقوله في هذه الآية  لا تبديل لكلمات الله  وإن كان ذلك كله يعارضه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«هي الرؤيا »** إلا إن قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى مثالاً من البشرى وهي تعم جميع الناس، وقوله  لا تبديل لكلمات الله  يريد لا خلف لمواعيده ولا رد في أمره. 
قال القاضي أبو محمد : وقد أخذ ذلك عبد الله بن عمر على نحو غير هذا وجعل التبديل المنفي في الألفاظ وذلك أنه روي : أن الحجّاج بن يوسف خطب فأطال خطبته حتى قال : إن عبد الله بن الزبير قد بدل كتاب الله، فقال له عبد الله بن عمر : إنك لا تطيق ذلك أنت ولا ابن الزبير  لا تبديل لكلمات الله ، فقال له الحجاج : لقد أعطيت علماً فلما انصرف إليه في خاصته سكت عنه، وقد روي هذا النظر عن ابن عباس في غير مقاولة الحجّاج، ذكره البخاري، وقوله  ذلك هو الفوز العظيم  إشارة إلى النعيم الذي به وقعت البشرى.

١ - من الآية (٤٧) من سورة (الأحزاب)..
٢ - أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وغيرهم عن رجل من أهل مصر قال: سألت أبا الدرداء رضي الله عنه عن قول الله تعالى: لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة فقال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال: (ما سألني عنها أحد منذ أنزلت، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، فهي بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة). الدر المنثور..
٣ - أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كشف النبي صلى الله عليه وسلم الستارة في مرضه الذي مات فيه والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه فقال: (إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له)، المرجع السابق..
٤ -أخرجه ابن ماجه، وابن جرير. (المرجع السابق)..

### الآية 10:65

> ﻿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [10:65]

وقوله : ولا يحزنك  الآية، هذه آية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، المعنى ولا يحزنك يا محمد ويهمك قولهم، أي قول كفار قريش، ولفظة القول تعم جحودهم واستهزاءهم وخداعهم وغير ذلك، ثم ابتدأ بوجوب  إن العزة لله جميعاً ، أي فهم لا يقدرون على شيء ولا يؤذونه إلا بما شاء الله وهو القادر على عقابهم لا يعازه شيء، ففي الآية وعيد لهم، وكسر  إن  في الابتداء ولا ارتباط لها بالقول المتقدم لها، وقال ابن قتيبة لا يجوز فتح **«إن »** في هذا الموضع وهو كفر. 
قال القاضي أبو محمد : وقوله هو كفر غلو، وكأن ذلك يخرج على تقدير لأجل أن العزة لله[(١)](#foonote-١)، وقوله : هو السميع  أي لجميع ما يقولونه  العليم  بما في نفوسهم من ذلك، وفي ضمن هذه الصفات تهديد.

١ - معنى هذا أن قوله تعالى: إن العزة لله جميعا تعليل، أي: لا يقع منك حزن لما يقولون لأجل أن العزة لله، ولكن هذا المعنى لا يتضح إلا في قراءة فتح (إن)، أما إذا كسرت الهمزة فالواضح الاستئناف. والذي قرأ بالفتح هو أبو حيوة..

### الآية 10:66

> ﻿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [10:66]

ثم استفتح بقوله  ألا إن لله من في السماوات والأرض  أي بالملك والإحاطة، وغلب من يعقل في قوله  من  إذ له ملك الجميع ما فيها ومن فيها، وإذا جاءت العبارة ب **«ما »** فذلك تغليب للكثرة إذ الأكثر عدداً من المخلوقات لا يعقل، ف  من  تقع للصنفين بمجموعهما، **«وما »** كذلك **«، ولا تقع لما يعقل إذا تجرد من أن تقول : ما قائل هذا القول ؟ هذا ما يتقلده من يفهم كلام العرب، وقوله  وما يتبع  يصح أن تكون  ما  استفهاماً بمعنى التقرير وتوقيف نظر المخاطب، ويعمل  يدعون  في قوله  شركاء  ويصح أن تكون نافية ويعمل  يتبع  في  شركاء  على معنى أنهم لا يتبعون شركاء حقاً، ويكون مفعول  يدعون  محذوفا، وفي هذا الوجه عندي تكلف[(١)](#foonote-١). وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي :\[ تدعون \] بالتاء، وهي قراءة غير متجهة[(٢)](#foonote-٢)، وقوله وقوله  إن  نافية و  يخرصون  معناه يحدسون ويخمنون لا يقولون بقياس ولا نظر، وقرأت فرقة »** ولا يُحزنك **«من أحزن، وقرأت فرقة »** ولا يَحزنك «من حزن.

١ - يظهر من كلام أبي حيان أنه لا تكلف، لأن التقدير: إن الذين جعلوهم آلهة وأشركوهم مع الله في الربوبية ليسوا شركاء حقيقة، إذ الشركة في الألوهية مستحيلة. ولو لم نقدر (حقيقة) أو (حقا) لدل التعبير على نفي اتباعهم الشركاء مع أنهم اتبعوهم فعلا..
٢ -قراءة التاء هي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه أيضا كما قال الزمخشري، قال: ووجه هذه القراءة أن يحمل (وما يتبع) على الاستفهام، أي: وأيّ شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين؟ إنهم يتبعون الله تعالى ويطيعونه، فما لكم لا تفعلون مثل فعلهم؟ كقوله: أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة.
 وفي إعراب \[ما\] أجاز الزمخشري أن تكون موصولة عطفا على (من) والعائد محذوف، أي: والذي يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء. وأجاز غيره أن تكون (ما) موصولة في موضع رفع على الابتداء والخبر محذوف، والتقدير: والذي يتبعه المشركون باطل..

### الآية 10:67

> ﻿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ [10:67]

لما نص عظمة الله تعالى في الآية المتقدمة عقب ذلك في هذه بالتنبيه على أفعاله لتبين العظمة المحكوم بها قبل، وقوله  لتسكنوا  دال على أن النهار للحركة والتصرف، وكذلك هو في الوجود، وذلك أن حركة الليل متعذرة بفقد الضوء، وقوله  والنهار مبصراً  مجاز لأن النهار لا يبصر ولكنه ظرف للإبصار، وهذا موجود في كلام العرب إذ المقصود من ذلك مفهوم، فمن ذلك قول ذي الرمة :\[ الطويل \]
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى\*\*\* ونمت وما ليل المطي بنائم[(١)](#foonote-١)
وليس هذا من باب النسب كعيشة راضية ونحوها. وإنما ذلك مثل قول الشاعر :\[ الكامل \]
أما النهار ففي قيد وسلسلة\*\*\* والليل في بيت منحوت من الساج[(٢)](#foonote-٢)
فجعل الليل والنهار بهاتين الحالتين وليس يريد إلا أنه هو فيهما كذلك، وهذا البيت لمسجون كان يبيت في خشبة السجن، وعلى أن هذا البيت قد ينشد **«أما النهار »** بالنصب، وفي هذه الألفاظ إيجاز وإحالة على ذهن السامع لأن العبرة هي في أن الليل مظلم يسكن فيه والنهار مبصر يتصرف فيه، فذكر طرف من هذا والطرف الآخر من الجهة الثانية ودل المذكوران على المتروكين، وهذا كما في قوله تعالى : ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع [(٣)](#foonote-٣). وقوله  يسمعون  يريد ويعون.

١ - البيت لجرير لا لذي الرمّة، وهو البيت رقم (٦) من قصيدة له يجيب بها الفرزدق، ومطلعها:
 لا خير في مستعجلات الملاوم ولا في خليل وصله غير دائم
 وأم غيلان: ابنة جرير، والسُّرى: السير بالليل، وقد أسند النوم إلى الليل على سبيل المجاز العقلي وأراد أنه هو نفسه لا ينام، والإسناد إلى ظرف زمان هو الليل، والنوم يقع فيه..
٢ -السّاج: خشب أسود لا تكاد الأرض تبليه يُجلب من الهند، وواحدته: ساجة، وقد جعل الشاعر النهار مقيدا بالسلاسل، والليل محبوسا في بيت من الخشب الأسود المتين، وهو يريد أن يصف نفسه بذلك، ولم نقف على قائله فيما لدينا من المراجع..
٣ - من الآية (١٧١) من سورة (البقرة)..

### الآية 10:68

> ﻿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ ۖ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَٰذَا ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [10:68]

والضمير في  قالوا  للكفار العرب وذلك قول طائفة منهم : الملائكة بنات الله، والآية بعد تعم كل من قال نحو هذا القول كالنصارى ومن يمكن أن يعتقد ذلك من الكفرة، و  سبحانه  : مصدر معناه تنزيهاً له وبراءة من ذلك، فسره بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله  هو الغني  صفة على الإطلاق أي لا يفتقر إلى شيء من الجهات، و **«الولد »** جزء مما هو غني عنه، والحق هو قول الله تعالى  أنتم الفقراء إلى الله [(١)](#foonote-١)، وقوله  ما في السماوات ، أي بالملك والإحاطة والخلق، و  إن  نافية، و **«السلطان »** الحجة، وكذلك معناه حيث تكرر من القرآن[(٢)](#foonote-٢)، ثم وقفهم موبخاً بقوله  أتقولون على الله ما لا تعلمون ، .

١ - من الآية (١٥) من سورة (فاطر)..
٢ - \[بهذا\] من قوله سبحانه: إن عندكم من سلطان بهذا متعلق بمعنى الاستقرار وهو الذي تعلق به الظرف، قال ذلك الحوفي، وتبعه الزمخشري فقال: "الباء حقها أن تتعلق بقوله: إن عندكم على أن يجعل القول مكانا للسلطان، والتقدير: إن عندكم فيما تقولون سلطان". وقال أبو البقاء: "\[بهذا\] متعلق بـ \[سلطان\] أو نعت له"..

### الآية 10:69

> ﻿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ [10:69]

وقوله  قل إن الذين يفترون على الله  الآية، هذا توعد لهم بأنهم لا يظفرون ببغية ولا يبقون في نعمة إذ هذه حال من يصير إلى العذاب وإن نعم في دنياه يسيراً.

### الآية 10:70

> ﻿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [10:70]

وقوله : متاع  مرفوع على خبر ابتداء، أي ذلك متاع أو هو متاع أو على الابتداء بتقدير : لهم متاع، وقوله  ثم إلينا مرجعهم  إلى آخر الآية توعد بحق.

### الآية 10:71

> ﻿۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ [10:71]

تقدم في الأعراف الكلام على لفظة  نوح  و **«المقام »** وقوف الرجل لكلام أو خطبة أو نحوه، و **«المُقام بضم الميم إقامته ساكناً في موضع أو بلد، ولم يقرأ هنا بضم الميم[(١)](#foonote-١) و »** تذكيره **« : وعظه وزجره، والمعنى : يا قوم إن كنتم تستضعفون حالي ودعائي لكم إلى الله فإني لا أبالي عنكم[(٢)](#foonote-٢) لتوكلي على الله تعالى فافعلوا ما قدرتم عليه، وقرأ السبعة وجهور الناس وابن أبي إسحاق وعيسى :»** فأجمعوا «من أجمع الرجل على الشيء إذا عزم عليه ومنه قول الشاعر :\[ الكامل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\*. . \*\*\* هل أغدونْ يوماً وأمر مجمع[(٣)](#foonote-٣) ؟
ومنه قول الآخر :\[ الخفيف \]
أجمعوا أمرهم بليلِ فلما\*\*\* أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء[(٤)](#foonote-٤)
ومنه الحديث ما لم يجمع مكثاً[(٥)](#foonote-٥) ومنه قول أبي ذؤيب :\[ الكامل \]
ذكر الورود بها فأجمع أمرَهُ\*\*\* شوقاً وأقبلَ حينه يتتبع[(٦)](#foonote-٦)
وقرأ نافع فيما روى عنه الأصمعي وهي قراءة الأعرج وأبي رجاء وعاصم الجحدري والزهري والأعمش » فاجمَعوا بفتح الميم من جمع إذا ضم شيئاً إلى شيء، و  أمركم  يريد به قدرتكم وحياتكم ويؤيد هذه القراءة قوله تعالى : فتولى فرعون فجمع كيده [(٧)](#foonote-٧) وكل هؤلاء نصب ******«الشركاء »******، ونصب قوله : شركاءكم ، يحتمل أن يعطف على قوله  أمركم ، وهذا على قراءة **«فاجمعوا »** بالوصل[(٨)](#foonote-٨)، وأما من قرأ :**«فأجمعوا »** بقطع الألف فنصب ******«الشركاء »****** بفعل مضمر كأنه قال : وادعوا شركاءكم فهو من باب قول الشاعر :\[ المتقارب \]
\*شراب اللبان وتمر وأقط\*[(٩)](#foonote-٩)
ومن قول الآخر :\[ مجزوء الكامل مرفل \]
ورأيت زوجك في الوغى\*\*\* متقلداً سيفاً ورمحا[(١٠)](#foonote-١٠)
ومن قول الآخر :\[ الرجز \]
علفتها تبناً وماء بارداً\*\*\* حتى شَأت همالة عيناها[(١١)](#foonote-١١)
وفي مصحف أبي بن كعب :**«فأجمعوا وادعوا شركاءكم »**، قال أبو علي : وقد ينتصب ******«الشركاء »****** بواو **«مع »**، كما قالوا : جاء البريد والطيالسة، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وسلام ويعقوب وأبو عمرو فيما روي عنه **«وشركاؤكم »** بالرفع عطفاً على الضمير في  أجمعوا ، وعطف على الضمير قبل تأكيده لأن الكاف والميم في  أمركم  ناب مناب أنتم المؤكد للضمير، ولطول الكلام أيضاً، وهذه العبارة أحسن من أن يطول الكلام بغير ضمير[(١٢)](#foonote-١٢)، ويصح أن يرتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره وشركاؤهم فليجمعوا، وقرأت فرقة **«وشركائكم »** بالخفض على العطف على الضمير في قوله : أمركم ، التقدير وأمر شركائكم، فهو كقول الشاعر \[ العجّاج \] :
أكل امرىء تحسبين أمرأً\*\*\* ونار توقد بالليل نارا[(١٣)](#foonote-١٣)
أي وكل نار، والمراد بالشركاء في هذه الآية الأنداد من دون الله، فأضافهم إليهم إذ يجعلونهم شركاء بزعمهم، وقوله  ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ، أي ملتبساً مشكلاً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الهلال، **«فإن غم عليكم »** ومنه قول الراجز :
ولو شهدت الناس إذا تكمّوا\*\*\* بغمة لو لم تفرجْ غمّوا[(١٤)](#foonote-١٤)
وقوله  ثم اقضوا إلي  ومعناه أنفذوا قضاءكم نحوي، وقرأ السدي بن ينعم :**«ثم أفضوا »** بالفاء وقطع الألف، ومعناه : أسرعوا وهو مأخوذ من الأرض الفضاء أي اسلكوا إلي بكيدكم واخرجوا معي وبي إلى سعة[(١٥)](#foonote-١٥) وجلية، وقوله  ولا تنظرون  أي لا تؤخرون والنظرة التأخير.

١ - قال أبو حيان: "وليس كما ذكر، بل قرأ \[مُقامي\] بضم الميم أبو مجلز، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء"..
٢ -تتعدى (بالَى) بنفسها أو بالباء فيقال: ما أباليه، وما أبالي بالأمر، ولم يسمع أنها تتعدى بعن..
٣ - هذا عجز بيت أورده صاحب "اللسان" في (جمَعَ)، وهو من شواهد الفراء في "معاني القرآن"، وذكره القرطبي وأبو حيان في "البحر المحيط"، وهو كذلك في "الصحاح" و"التاج"، والبيت بتمامه:
 يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يوما وأمري مجمع؟
 قال في "اللسان": "وجمع أمره، وأجمعه، وأجمع عليه: عزم عليه كأنه جمع نفسه له، والأمر مُجمع، ويقال أيضا: أجمع أمرك ولا تدعه منتشرا"..
٤ - هذا البيت من شواهد النحويين، ولم يذكره من المفسرين غير ابن عطية والبحر المحيط، وأجمعوا أمرهم: عزموا عليه واتفقوا، والشاعر في البيت يصور اتفاقهم على أمرهم بالليل، فلما جاء الصباح كان لهم ضجيج وضوضاء، هذا ينادي، وذاك يجيب، وبين الإجابة والنداء يرتفع الرغاء والثغاء..
٥ - هذا جزء من حديث عن صلاة المسافر رواه في الموطأ، ولفظه: (أصلي صلاة المسافر ما لم أجمع مكثا)، أي أعزم إقامة. هكذا في "النهاية"، وفي "الموطأ" وراجع أيضا "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي- مكث"..
٦ -ورد المكان: أشرف عليه سواء دخل أو لم يدخل، والمعنى هنا: "تذكر الوصول إلى غايته"، وأجمع أمره: عزم وصمم من شدة شوقه، والحين: الهلاك. يصور شوقه ورغبته في ورود الماء وسعيه إليه ومن ورائه الهلاك..
٧ - من الآية (٦٠) من سورة (طه)..
٨ - ويحتمل أن يكون منصوبا على أنه مفعول معه، أو على حذف مضاف، أي: ذوي الأمر منكم، فجرى على المضاف إليه ما جرى على المضاف لو ثبت. قاله أبو حيان في البحر نقلا عن أبي علي الفارسي، وقد نقل المؤلف احتمال النصب على المعية عن الفارسي..
٩ - لأن التمر لا يشرب وكذلك الأقط فلا بد من فعل محذوف تقديره: "وأكّال"، لأن في المذكور من الكلام دليل على المحذوف، والأقط: لبن محمض يجمّد حتى يستحجر ويطبخ، أو يطبخ به..
١٠ - والرمح لا يُتقلّد بل يحملن ولهذا يقدر الناصب: "وحاملا"، وقائل البيت هو عبد الله بن الزبعري كما في الكامل للمبرد، ويروى: "يا ليت زوجك قد غدا". وهذا قد سبق الاستشهاد به في الجزء الأول ص ١٥٧..
١١ -والماءُ لا يعلف، ولهذا يقدر الناصب: "وسقيتها"، ويروى: (بدت) و(غدت) بدلا من (شتت) والمعنى واحد، والبيت في ابن عقيل والعيني، وقد روي البيت بلفظ آخر سبق أن ذكرناه في الجزء الأول ص ١٥٧ وهو:
 لما حططت الرحل عنها واردا علفتها تبنا وماء باردا
 والبيت مجهول القائل، وقيل: إنه لذي الرمّة..
١٢ - وقد جاز العطف على الضمير بدون تأكيد لطول الكلام بـ(لا) في قوله تعالى: ما أشركنا ولا آباؤنا \[١٤٨-الأنعام\] وذلك مع وقوعها بعد الواو، فمن باب أولى يجوز هنا للفصل بالكاف والميم الواقعين قبل الواو. ولكن ذلك ليس في قوة التأكيد نحو قوله تبارك وتعالى: اسكن أنت وزوجك الجنة، وذلك لأن التوكيد فيه معنى لا يوجد في الفصل بغيره، إذ هو يثبت معنى الإسمية للمضمر المتصل الذي مازج الفعل وصار كجزء منه فضعف الفعل عن أن يعطف عليه، لكنه إذا أكد صار في حيّز الأسماء ولحق بما يحسن العطف عليه. قاله أبو الفتح في كتابه "المحتسب"..
١٣ - نسب هذا البيت لجارية بن الحجاج، ولحارثة بن حمران، ولعدي بن زيد، ولكن المشهور أنه لأبي داؤد، وهو في الكتاب لسيبويه، وفي الكامل للمبرد، وفي ابن عقيل..
١٤ - الراجز هو العجاج، والبيت في ديوانه، ونسبه له ابن منظور في "اللسان" والقرطبي في تفسيره، ونسبه الطبري إلى رؤبة، وهذا غير صحيح، والبيت مطلع أرجوزة للعجاج يذكر كسعود بن عمرو العتكي من الأزد، وتُكمّوا بضم التاء والكاف: ألبسوا كمة فتغطوا بها، والأصل: تكمموا بميمين من كممت الشيء إذا سترته، ثم أبدلت الميم الأخيرة ياء فصار في التقدير: تكميوا، ثم حذفت الياء فصارت: تُكُمّوا، نقل ذلك "التاج" عن الفراء، والغمّ والغُمّة: الكرب، والمعنى: تغطّوا بالكرب والهم..
١٥ - قال أبو الفتح: هو أفعلت من الفضاء، وذلك أنه إذا صار إلى الفضاء تمكن من الإسراع، ولام أفضيت والفضاء وما تصرف منهما واو لقولهم: فضا الشيء يفضوا فضوا إذا اتسع، وقولهم: أفضيت: صرت إلى الفضاء، مثل أنجدت: صرت إلى نجد..

### الآية 10:72

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [10:72]

المعنى فإن لم تقبلوا على دعوتي وكفرتم بها وتوليتم عنها، و **«التولي »** أصله في البدن ويستعمل في الإعراض عن المعاني، يقول : فأنا لم أسألكم أجراً على ذلك ولا مالاً، فيقع منكم قطع بي وتقصير بإرادتي، وإنما أجري على الذي بعثني، وقرأ نافع وأبو عمرو بخلاف عنه :**«أجري »** بسكون الياء، وقرأ **«أجريَ »** بفتح الياء الأعرج وطلحة بن مصرف وعيسى وأبو عمرو، ، وقال أبو حاتم : هما لغتان، والقراءة بالإسكان في كل القرآن، ثم أخبرهم بأن الله أمره بالإسلام والدين الحنيفي الذي هو توحيد الله والعمل بطاعته والإعداد للقائه.

### الآية 10:73

> ﻿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [10:73]

وقوله  فكذبوه  الآية، إخبار من الله عز وجل عن حال قوم نوح المكذبين له، وفي ضمن ذلك الإخبار توعد للكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم وضرب المثال لهم، أي أنتم بحال هؤلاء من التكذيب فسيكونون بحالهم من النقمة والتعذيب، و  الفلك  : السفينة، والمفسرون وأهل الآثار مجمعون على أن سفينة نوح كانت واحدة، و  الفلك  لفظ الواحد منه ولفظ الجمع مستو وليس به وقد مضى شرح هذا في الأعراف، و  خلائف  جمع خليفة، وقوله  فانظر  مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم يشاركه في معناها جميع الخلق، وفي هذه الآية أنه أغرق جميع أهل الأرض كما قال بعض الناس لاستوى نوح ومحمد صلى الله عليه وسلم في البعث إلى أهل الأرض، ويرد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي »** الحديث[(١)](#foonote-١). ويترجح بهذا النظر أن بعثة نوح والغرق إنما كان[(٢)](#foonote-٢) في أهل صقع لا في أهل جميع الأرض.

١ - الحديث مشهور رواه الشيخان البخاري ومسلم، ورواه النسائي، وتمامه: (نُصرت بالرعب ميسرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة)..
٢ - هكذا في جميع النسخ..

### الآية 10:74

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ [10:74]

الضمير في قوله  من بعده  عائد على نوح عليه السلام والضمير في  قومهم  عائد على الرسل، ومعنى هذه الآيات كلها ضرب المثل لحاضري محمد صلى الله عليه وسلم، أي كما حل بهؤلاء يحل بكم، و  البينات  المعجزات والبراهين الواضحة، والضمير في قوله  كانوا  وفي  ليؤمنوا  عائد على قوم الرسل، والضمير في  كانوا  عائد على قوم نوح، وهذا قول بعض المتأولين، وقال بعضهم : بل تعود الثلاثة على قوم الرسل على معنى أنهم بادروا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول ثم لجوا في الكفر وتمادوا فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم، وقال يحيى بن سلام[(١)](#foonote-١)  من قبل  معناه من قبل العذاب. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا القول بعد، ويحتمل اللفظ عندي معنى آخر وهو أن تكون **«ما »** مصدرية والمعنى فكذبوا رسلهم فكان عقابهم من الله أن لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل أي من سببه ومن جرائه[(٢)](#foonote-٢)، ويؤيد هذا التأويل قوله  كذلك نطبع ، وقال بعض العلماء : عقوبة التكذيب الطبع على القلوب، وقرأ جمهور الناس :**«نطبع »** بالنون، وقرأ العباس بن الفضل :**«يطبع »** بالياء، وقوله  كذلك  أي هذا فعلنا بهؤلاء، ثم ابتدأ  كذلك نطبع  أي كفعلنا هذا و  المعتدين  هم الذين تجاوزوا طورهم واجترحوا ما لا يجوز لهم وهي ها هنا في الكفر.

١ - يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي بالولاء، البصري ثم الأفريقي، مفسر، فقيه، عالم بالحديث واللغة، ولد بالكوفة ورحل طويلا ثم توفي بمصر سنة ٢٠٠هـ. ومن كتبه "تفسير القرآن" خ. و"اختيارات في الفقه" و"الجامع"، وله مصنفات كثيرة في العلم..
٢ - قال أبو حيان: "والظاهر أن \[ما\] موصولة، ولذلك عاد الضمير عليها في قوله: بما كذبوا به، ولو كانت مصدرية لبقي الضمير غير عائد على مذكور فتحتاج أن يتكلف ما يعود عليه الضمير"..

### الآية 10:75

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [10:75]

والضمير في  بعدهم  على الرسل، والضمير في  ملئه  عائد على  فرعون ، والملأ : الجماعة من قبيلة وأهل مدينة، ثم يقال للأشراف والأعيان من القبيلة أو البلد ملأ، أي هم يقومون مقام الملأ، وعلى هذا الحد هي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قريش بدر :**«أولئك »** الملأ «وكذلك هي في قوله تعالى : إن الملأ يأتمرون بك [(١)](#foonote-١). وأما في هذه الآية فهي عامة لأن بعثة موسى وهارون كانت إلى فرعون وجميع قومه من شريف ومشروف، وقد مضى في  المص  \[ الأعراف : ١ \]، ذكر ما بعث إليهم فيه، و الآيات : البراهين والمعجزات وما في معناها، وقوله  فاستكبروا  أي تعظموا وكفروا بها، و  مجرمين  معناه يرتكبون ما لم يبح الله ويجسرون من ذلك على الخطر الصعب.

١ - من الآية (٢٠) من سورة (القصص)..

### الآية 10:76

> ﻿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ [10:76]

يريد ب  الحق  آيتي العصا واليد، ويدل على ذلك قولهم عندهما : هذا سحر ولم يقولوا ذلك إلا عندهما ولا تعاطوا إلا مقاومة العصا فهي معجزة موسى عليه السلام التي وقع فيها عجز المعارض، وقرأ جمهور الناس :**«لسحر مبين »** وقرأ سعيد بن جبير والأعمش :**«لساحر مبين »**[(١)](#foonote-١).

١ - على قراءة الجمهور تكون \[هذا\] إشارة إلى الفعل الذي حدث للعصا. وعلى قراءة سعيد الأعمش تكون \[هذا\] إشارة إلى موسى عليه السلام..

### الآية 10:77

> ﻿قَالَ مُوسَىٰ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ [10:77]

ثم حكى عن موسى أنه وقفهم ووبخهم بقوله  أتقولون للحق لما جاءكم  ثم اختلف المتأولون في قوله  أسحر هذا  فقالت فرقة : هو حكاية من موسى عنهم على معنى أن قولهم كان  أسحر هذا  ثم اختلف في معنى قول قوم فرعون : أسحر هذا  فقال بعضهم : قالها منهم كل مستفهم جاهل بالأمر فهو يسأل عنه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل يضعفه ما ذكر الله قبل عنهم من أنهم صمموا على أنه سحر بقولهم : إن هذا لسحر مبين  وقال بعضهم بل قالوا ذلك على معنى التعظيم للسحر الذي رأوه بزعمهم كما تقول لفرس تراه يجيد الجري : أفرس هذا ؟ على معنى التعجب منه والاستغراب وأنت قد علمت أنه فرس، وقالت فرقة غير هاتين : ليس ذلك حكاية من موسى عنهم بل القول الذي حكاه عنهم مقدر تقديره أتقولون للحق لما جاءكم سحر. 
قال القاضي أبو محمد : أو نحو هذا من التقدير، ثم ابتدأ يوقفهم بقوله : أسحر هذا  على جهة التوبيخ، ثم أخبرهم عن الله تعالى أن الساحرين لا يفلحون ولا يظفرون ببغية، ومثل هذا التقدير المحذوف على هذا التأويل موجود في كلام العرب، ومنه قول ذي الرمة :
فلما لبسن الليل أو حين نصّبت\*\*\* له من خذا آذانها وهو جانح[(١)](#foonote-١)
يريد أو حين قاربن ذلك، ومنه قول الله تعالى : فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم [(٢)](#foonote-٢) المعنى بعثناهم ليسوءوا، ومثل هذا كثير شائع.

١ - البيت في الديوان، وقوله: "لبسن الليل": أدلجن فيه وسترهن حتى صار لباسا لهن، و"خذا آذانها": استرخاؤها، والأخذى: المسترخي الأذن، والجانح هو الليل، يقال: جنح الليل بمعنى: مال للذهاب أو المجيء.
٢ - من الآية (٧) من سورة (الإسراء)..

### الآية 10:78

> ﻿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [10:78]

وقوله تعالى : قالوا أجئتنا  الآية، المعنى قال قوم فرعون لموسى : أجئتنا لتصرفنا وتلوينا وتردنا عن دين آبائنا، ويقال لفت الرجل عن الآخر إذا لواه، ومنه قولهم : التفت فإنه افتعل من لفت عنقه، ومنه قول رؤبة :\[ الرجز \]
لفتاً وتهزيعاً سواء اللفت. . [(١)](#foonote-١)
وقرأ السبعة سوى أبي عمرو فإنه اختلف عنه **«وتكون »** بالتاء من فوق وهي قراءة جمهور الناس، وقرأ الحسن بن أبي الحسن فيما زعم خارجة وإسماعيل، **«ويكون »** بالياء من تحت ورويت عن أبي عمرو وعن عاصم وهي قراءة ابن مسعود، و  الكبرياء  : مصدر مبالغ من الكبر، والمراد به في هذا الموضع الملك، وكذلك قال فيه مجاهد والضحاك وأكثر المتأولين، لأنه أعظم تكبر الدنيا، ومنه قول الشاعر \[ ابن الرقاع \] :\[ الخفيف \]
مؤددا غير فاحش لا تداني\*\*\* ه تجبارة ولا كبرياء[(٢)](#foonote-٢)
وقوله  بمؤمنين  بمصدقين.

١ - هذا بيت لرؤبة قاله ضمن قصيدة عن نفسه جاء في مطلعها:
 يا بنت عمرو لا تسبي بنتي حسبك إحسانك إن أحسنت
 وبعده يقول:........................... وطامح النخوة مستكت
 واللَّفت: اللّيّ، يقال: لفته يلفته لفتا إذا لواه وصرفه، والتهزيع: التكسير أو دقّ العنق، وسواء اللفت: سوى اللفت. يقول: التهزيع غير اللفت. ومن اللفت قول شاعر:
 تلفت نحو الحي حتى رأيتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا..
٢ - السؤدد: المجد والشرف والسيادة، غير فاحش: ليس فيه بغي ولا تجبر ولا عدوان ولا تخالطه الكبرياء، والتّجبار: مصدر بمعنى الجبر والقهر، والكبرياء بوزن فعلياء هي العظمة إذا كانت وصفا لله سبحانه، فإذا كانت وصفا للمخلوقين فهي التكبر والاستعلاء على الناس مع الظلم لهم..

### الآية 10:79

> ﻿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ [10:79]

يخبر أن فرعون قال لخدمته ومتصرفيه : ائتوني بكل ساحر ، هذه قراءة جمهور الناس، وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب وعيسى **«بكل سحار »** على المبالغة، قال أبو حاتم : لسنا نقرأ **«سحار »** إلا في سورة الشعراء، فروي أنهم أتوه بسحرة الفرما وغيرها من بلاد مصر حسبما قد ذكر في غير هذه الآية.

### الآية 10:80

> ﻿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ [10:80]

فلما ورد السحرة باستعدادهم للمعارضة خيّروا موسى كما ذكر في غير هذه الآية، فقال لهم عن أمر الله : ألقوا ما أنتم ملقون [(١)](#foonote-١).

١ -راجع تفسير سورة الأعراف ابتداء من قوله تعالى في الآية (١٠٣): ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا وما بعد ذلك من آيات نزلت في قصة موسى عليه السلام. (الجزء السادس صفحة ٢٤)..

### الآية 10:81

> ﻿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [10:81]

وقوله تعالى : فلما ألقوا  الآية، المعنى فلما ألقوا حبالهم وعصيهم وخيلوا بها وظنوا أنهم قد ظهروا قال لهم موسى هذه المقالة، ، وقرأ السبعة سوى أبي عمرو  السحر  وهي قراءة جمهور الناس، وقرأ أبو عمرو ومجاهد وأصحابه وابن القعقاع  به السحر  بألف الاستفهام ممدودة قبل  السحر . 
فأما من قرأ  السحر  بغير ألف استفهام قبله ف  ما  في موضع رفع على الابتداء وهي بمعنى الذي وصلتها قوله  جئتم به  والعائد الضمير في  به  وخبرها  السحر ، ويؤيد هذه القراءة والتأويل أن في مصحف ابن مسعود **«ما جئتم به سحر »**، وكذلك قرأها الأعمش وهي قراءة أبي بن كعب، **«ما أتيتم به سحر »**، والتعريف هنا في السحر أرتب لأنه قد تقدم منكراً في قولهم  إن هذا لسحر  \[ يونس : ٧٦ \] فجاء هنا بلام العهد كما يقال في أول الرسالة، سلام عليك وفي آخرها والسلام عليك[(١)](#foonote-١)، ويجوز أن تكون  ما  استفهاماً في موضع رفع بالابتداء و  جئتم به  الخبر و  السحر  خبر ابتداء تقديره هو السحر إن الله سيبطله، ووجه استفهامه هذا هو التقرير والتوبيخ، ويجوز أن تكون  ما  في موضع نصب على معنى أي شيء جئتم و  السحر  مرفوع على خبر الابتداء تقدير الكلام أي شيء جئتم به هو السحر،  إن الله سيبطله ، وأما من قرأ الاستفهام والمد قبل  السحر  ف  ما  استفهام رفع بالابتداء و  جئتم به  الخبر، وهذا على جهة التقدير، وقوله : السحر  استفهام أيضاً كذلك، وهو بدل من الاستفهام الأول، ويجوز أن تكون  ما  في موضع نصب بمضمر تفسيره  جئتم به  تقديره أي شيء جئتم به السحر، وقوله  إن الله سيبطله  إيجاب عن عدة من الله تعالى، وقوله  إن الله لا يصلح عمل المفسدين ، يصح أن يكون من كلام موسى عليه السلام، ويصح أن يكون ابتداء خبر من الله تعالى.

١ - قال أبو حيان في "البحر" تعقيبا على ذلك: "وهذا أخذه من الفراء، قال الفراء: وإنما قال: \[السحر\] بالألف واللام لأن النكرة إذا أعيدت أعيدت بالألف واللام، ولو قال له: من رجل؟ لم يقع في وهمه أنه يسأله عن الرجل الذي ذكره له اهـ. وما ذكراه هنا في السحر ليس هو من باب تقدم النكرة ثم الإخبار عنها بعد ذلك، لأن شرط هذا أن يكون المعرف بالألف واللام هو النكرة المتقدم لا غيره، كما قال تبارك وتعالى: كما أرسلنا إلى فرعون رسولا، فعصى فرعون الرسول، والسحر هنا ليس هو السحر الذي في قولهم: إن هذا لسحر لأنهم أخبروا عن الأمر الذي فعله موسى عليه السلام، والسحر الذي في قول موسى عليه السلام إنها هو سحرهم الذي جاءوا به، فقد اختلف المدلولان"..

### الآية 10:82

> ﻿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [10:82]

وقوله  ويحق الله الحق  الآية، يحتمل أن يكون من كلام موسى عليه السلام، ويحتمل أن يكون من إخبار الله عز وجل، وكون ذلك كله من كلام موسى أقرب وهو الذي ذكر الطبري، وأما قوله  بكلماته  فمعناه بكلماته السابقة الأزلية في الوعد بذلك، قال ابن سلام  بكلماته  بقوله : لا تخف ومعنى  ولو كره المجرمون  وإن كره المجرمون والمجرم : المجترم الراكب للخطر.

### الآية 10:83

> ﻿فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ [10:83]

المعنى فما صدق موسى، ولفظة  آمن  تتعدى بالباء، وتتعدى باللام وفي ضمن المعنى الباء، واختلف المتأولون في عود الضمير الذي في  قومه  فقالت فرقة : هو عائد على موسى، وقالت فرقة هو عائد على  فرعون ، فمن قال إن العود على موسى قال معنى الآية وصف حال موسى في أول مبعثه أنه لم يؤمن به إلا فتيان وشباب أكثرهم أولو آباء كانوا تحت خوف من فرعون وملأ بني إسرائيل، فالضمير في **«الملأ »** كعائد على ****«الذرية »**** وتكون الفاء على هذا التأويل عاطفة جملة على جملة لا مرتبة، وقال بعض القائلين بعود الضمير على موسى : إن معنى الآية أن قوماً أدركهم موسى ولم يؤمنوا به وإنما آمن ذريتهم بعد هلاكهم لطول الزمان، قاله مجاد والأعمش، وهذا قول غير واضح، وإذا آمن قوم بعد موت آبائهم فلا معنى لتخصيصهم باسم الذرية، وأيضاً فما روي من أخبار بني إسرائيل لا يعطي هذا، وهيئة قوله  فما آمن  يعطي تقليل المؤمنين به لأنه نفى الإيمان ثم أوجبه للبعض ولو كان الأكثر مؤمناً لأوجب الإيمان أولاً ثم نفاه عن الأقل، وعلى هذا الوجه يترجح قول ابن عباس في الذرية إنه القليل لا أنه أراد أن لفظة الذرية هي بمعنى القليل كما ظن مكي وغيره، وقالت فرقة إنما سماهم ذرية لأن أمهاتهم كانت من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط، فكان يقال لهم الذرية كما قيل لُفرس اليمن : الأبناء، وهم الفرس المنتقلون مع وهرز بسعاية سيف بن ذي يزن[(١)](#foonote-١)، والأمر بكماله في السير، وقال السدي كانوا سبعين أهل بيت من قوم فرعون. 
قال القاضي أبو محمد : ومما يضعف عود الضمير على **«موسى »** أن المعروف من أخبار بني إسرائيل أنهم كانوا قوماً قد تقدمت فيهم النبوات وكانوا في مدة فرعون قد نالهم ذل مفرط وقد رجوا كشفه على يد مولود يخرج فيهم يكون نبياً، فلما جاءهم موسى عليه السلام أصفقوا عليه[(٢)](#foonote-٢) واتبعوه ولم يحفظ قط أن طائفة من بني إسرائيل كفرت به فكيف تعطي هذه الآية أن الأقل منهم كان الذي آمن، فالذي يترجح بحسب هذا أن الضمير عائد على **«فرعون »** ويؤيد ذلك أيضاً ما تقدم من محاورة موسى ورده عليهم وتوبيخهم على قولهم هذا سحر، فذكر الله ذلك عنهم، ثم قال  فما آمن لموسى إلا ذرية  من قوم فرعون الذين هذه أقوالهم، وروي في ذلك أنه آمنت زوجة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وشباب من قومه، قال ابن عباس، والسحرة أيضاً فإنهم معدودون في قوم فرعون وتكون القصة على هذا التأويل بعد ظهور الآية والتعجيز بالعصا، وتكون الفاء مرتبة للمعاني، التي عطفت[(٣)](#foonote-٣)، ويعود الضمير في  ملئهم  على ****«الذرية »****، ولاعتقاد الفراء وغيره عود الضمير على موسى تخبطوا في عود الضمير في  ملئهم ، فقال بعضهم : ذكر فرعون وهو الملك يتضمن الجماعة والجنود، كما تقول جاء الخليفة وسافر الملك وأنت تريد جيوشه معه، وقال الفراء : المعنى على خوف من آل فرعون وملئهم وهو من باب  واسأل القرية [(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا التنظير غير جيد لأن إسقاط المضاف في قوله  واسأل القرية  \[ يوسف : ٨٢ \] هو سائغ بسبب ما يعقل من أن **«اسأل القرية »** لا تسأل، ففي الظاهر دليل على ما أضمر، وأما ها هنا فالخوف من فرعون متمكن لا يحتاج معه إلى إضمار، إما أنه ربما احتج أن الضمير المجموع في  ملئهم  يقتضي ذلك والخوف إنما يكون من الأفعال والأحداث التي للجثة ولكن لكثرة استعماله ولقصد الإيجاز أضيف إلى الأشخاص، وقوله  أن يفتنهم  بدل من  فرعون  وهو بدل الاشتمال، ف  أن  في موضع خفض، ويصح أن تكون في موضع نصب على المفعول من أجله، وقرأ الحسن والجراح، ونبيح **«أن يُفتنهم »** بضم الياء، ثم أخبر عن فرعون بالعلو في الأرض والإسراف في الأفعال والقتل والدعاوى ليتبين عذر الخائفين.

١ - وهْرز: كان سجينا عند كسرى، وكان ذا حسب ونسب وفضل وسنّ بين قومه، فلما استنجد سيف بن ذي يزن بكسرى ليساعده ضد مسروق بن أبرهة ملك الحبشة بعد أن غلب وتسلط على أرض اليمين أمده كسرى بجيش، واختار وهرز ليضعه على رأس هذا الجيش لفضله وسنه وحسبه. (راجع كتب السيرة، وبخاصة سيرة ابن هشام)..
٢ - يقال أصفق القوم على كذا، أْوَله: أطبقوا عليه واجتمعوا (المعجم الوسيط)..
٣ - يظهر من كلام ابن عطية أنه يؤيد الرأي القائل بأن الضمير في قوله تعالى: \[قومه\] يعود على فرعون، وأن القول بعوده على موسى ضعيف، ولكن الطبري ومن وافقه يؤيدون رأيهم بعود الضمير على موسى بأمور، منها: أنه أقرب مذكور والحديث عنه، وقد مضى الحديث عن فرعون من مدة، فالأولى عود الضمير على أقرب مذكور وهو موسى. ومنها أنه لو كان عائدا على فرعون لما ذكر بعد ذلك في قوله: على خوف من فرعون بل لقيل: "على خوف منه"، ومنها أنه يمكن أن يكون المعنى فما آمن أي: ما أظهر إيمانه وأعلنه إلا ذرية من قوم موسى عليه السلام، فلا يدل ذلك على أن طائفة من بني إسرائيل كفرت بموسى. وقد ردّ ابن عطية على بعض ما تقدم وهو الإظهار لاسم فرعون بدلا من الإضمار..
٤ - من الآية (٨٢) من سورة (يوسف)..

### الآية 10:84

> ﻿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [10:84]

وقوله تعالى : وقال موسى - إلى - الكافرين ، ابتداء حكاية قول موسى لجماعة بني إسرائيل المؤمنين منهم مؤنساً لهم ونادباً إلى التوكل على الله الذي بيده النصر ومسألة التوكل متشعبة للناس فيها خوضات، والذي أقول : إن التوكل الذي يأمرنا له هو مقترن بتسبب جميل على مقتضى الشرع، وهو الذي في قوله صلى الله عليه وسلم **«قيدها وتوكل »**[(١)](#foonote-١) فقد جعله متوكلاً مع التقييد والنبي صلى الله عليه وسلم رأس المتوكلين وقد تسبب عمره كله، وكذلك السلف كله، فإن شذ متوكل فترك التسبب جملة فهي رتبة رفيعة ما لم يسرف بها إلى حد قتل نفسه وإهلاكها، كمن يدخل غاراً خفياً يتوكل فيه فهذا ونحوه مكروه عند جماعة من العلماء، وما روي من إقدام عامر بن قيس على الأسد ونحو ذلك كله ضعيف، وللصحيح منه قرائن تسهله، وللمسلمين أجمعين قال الله تعالى  ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم [(٢)](#foonote-٢)، ولهم قال  وعلى الله فتوكلوا [(٣)](#foonote-٣)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في مدح السبعين ألفا من أمته : وعلى ربهم يتوكلون [(٤)](#foonote-٤) ليس فيه أنهم يتركون التسبب جملة واحدة ولا حفظ عن عكاشة أنه ترك التسبب بل كان يغزو ويأخذ سهامه[(٥)](#foonote-٥)، وأعني بذلك ترك التسبب في الغذاء، وأما ترك التسبب في الطب فسهل وكثير من الناس جبل عليه دون نية وحسبة، فكيف بمن يحتسب، وقال لهم : إن كنتم آمنتم  مع علمه بإيمانهم على جهة إقامة الحجة وتنبيه الأنفس و «إثارة الأنفة كما تقول، إن كنت رجلاً فقاتل، تخاطب بذلك رجلاً تريد إقامة نفسه، وقوله  إن كنتم مسلمين ، يريد أهل طاعة منضافة إلى الإيمان المشروط، فذكر الإسلام فيه زيادة معنى.

١ - أخرجه البيهقي في "الشعب" عن عمرو بن أمية الضمري، ورواه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن أمية أيضا بلفظ: (اعقلها وتوكل)، وبنفس اللفظ رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه، وأخرجه ابن خزيمة والطبراني من طريق عمرو بن أمية الضمري بإسناد جيد بلفظ (قيدها وتوكل). ورمز له السيوطي في "الجامع الصغير" بالضعف، غير أن المناوي نقلا عن الزركشي قال: إن القطّان إنما أنكره من حديث أنس، هذا وقد سبق الاستشهاد به في الجزء الثالث ص ٤٠٠ من هذا التفسير..
٢ - من الآية (١٩٨) من سورة (البقرة)..
٣ -من الآية (٢٣) من سورة (المائدة)..
٤ - من الآية (٢) من سورة (الأنفال)..
٥ - عُكاشة بن محصن صحابي جليل، شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقُتل في حرب الردة، وقد ذكر في الصحيحين في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عكاشة حين سمع ذلك: ادع الله أن يجعلني منهم (فقال صلوات الله وسلامه عليه: أنت منهم)-ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بشره بالجنة، فإنه ما تأخر عن الأخذ بالأسباب، فاشترك في كل الحروب والغزوات، وهذا عند ابن عطية دليل على أن التوكل على الله لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب..

### الآية 10:85

> ﻿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [10:85]

ثم ذكر أنه أجاب بنو إسرائيل بنية التوكل على الله والنطق بذلك.

### الآية 10:86

> ﻿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [10:86]

ثم دعوا في أن لا يجعلهم فتنة للظلمة، والمعنى لا تنزل بنا بلاء بأيديهم أو بغير ذلك مدة مجاورتنا لهم فيفتنون ويعتقدون إن إهلاكنا إنما هو بقصد منك لسوء ديننا وصلاح دينهم وأنهم أهل الحق، قاله مجاهد وغيره. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا لدعاء على هذا التأويل يتضمن دفع فصلين، أحدهما القتل والبلاء الذي توقعه المؤمنون، والآخر ظهور الشرك باعتقاد أهله أنهم أهل الحق، وفي ذلك فساد الأرض، ونحو هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم، **«بئس الميت أبو أمامة ليهود والمشركين، يقولون : لو كان نبياً لم يمت صاحبه »**[(١)](#foonote-١)، ويحتمل اللفظ من التأويل وقد قالته فرقة : إن المعنى لا تفتنهم وتبتلهم بقتلنا فتعذبهم على ذلك في الآخرة، وفي هذا التأويل قلق، باقي الآية بيّن.

١ - حديث أبي أمامة هذا رواه الإمام أحمد في مسنده (٤-١٣٨)، عن زمعة بن صالح قال: سمعت ابن شهاب يُحدث أن أبا أمامة بن سهل بن حنيف أخبره عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، وكان أحد النقباء يوم العقبة أنه أخذته الشوكة فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فقال: (بئس الميت ليهود) مرتين، (سيقولون: لولا دفع عن صاحبه، ولا أملك له ضرا ولا نفعا ولأتمحلنّ له) فأمر به، وكوي بخطين فوق رأسه فمات. اهـ قال ابن الأثير في "النهاية" "الشوكة: حُمرة تعلو الوجه والجسد، يقال منه: شيك الرجل فهو مشوك". وقد اختلفت النسخ الخطية في كلمة (بئس) فكتبت مرة (ليس) ومرات (بئس).

### الآية 10:87

> ﻿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [10:87]

روي أن فرعون أخاف بني إسرائيل وهدم لهم مواضع كانوا اتخذوها للصلاة ونحو هذا، فأوحى الله إلى موسى وهارون أن اتخذا وتخيرا لبني إسرائيل بيوتاً بمصر، قال مجاهد : مصر  في هذه الآية الإسكندرية، ومصر ما بين البحر إلى أسوان، والإسكندرية من أرض مصر، و  تبوّآ  معناه كما قلنا تخيراً واتخذا، وهي لفظة مستعملة في الأماكن وما يشبه بها، ومن ذلك قول الشاعر :\[ الطويل \]
لها أمرها حتى إذا ما تبوأت\*\*\* لأنحامها مرعى تبوأ مضجعا[(١)](#foonote-١)
وهذا البيت للراعي وبه سمى المراعي ومنه قول امرىء القيس :\[ الكامل \]
يتبوأون مقاعداً لقتالكم\*\*\* كليوثِ غابٍ ليلهن زئير[(٢)](#foonote-٢)
وقرأ الناس **«تبوّآ »** بهمزة على تقدير تبوعا[(٣)](#foonote-٣)، وقرأ حفص في رواية هبيرة **«تبويا »** وهذا تسهيل ليس بقياسي، ولو جرى على القياس لكان بين الهمزة والألف، قوله  قبلة  ومعناه مساجد، قاله ابن عباس والربيع والضحاك والنخعي وغيرهم، قالوا : خافوا فأمروا بالصلاة في بيوتهم، وقيل يقابل بعضها بعضاً، قاله سعيد بن جبير والأول أصوب، وقيل معناه متوجهة إلى القبلة، قاله ابن عباس، ومن هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«خير بيوتكم ما استقبل به القبلة »**، وقوله  وأقيموا الصلاة  خطاب لبني إسرائيل هذا قبل نزول التوراة لأنها لم تنزل إلا بعد إجازة البحر[(٤)](#foonote-٤)، وقوله  وبشر المؤمنين  أمر لموسى عليه السلام، وقال مكي والطبري هو أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا غير متمكن

١ - البيت للراعي كما قال ابن عطية، واسمه عبيد بن الحصين، وهو من فحول الشعراء، عدّه ابن سلام الجمحي في كتابه "الطبقات" من فحول الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين، وكان يفضل الفرزدق على جرير، وله في ذلك قصة مشهورة، وقد روي البيت بلفظ: "لأمحالها" و"لأخفافها" جمع خفّ بدلا من "لأقحافها"، والأقحاف: جمع قِحف، والقحف واحد من أقحاف ثمانية تكون الجمجمة، والمعنى واضح على روايتي الأخفاف والأقحاف..
٢ - في (اللسان): "تبوأ فلان منزلا: اتخذه، وتبوأت منزلا: نزلته، وعليه قوله تعالى: والذين تبوءوا الدار والإيمان فمعنى يتبوءون في البيت: ينزلونها ويتخذونها مقاعد للقتال. والزئير: صوت الأسد يكون من صدره..
٣ - يوجد بياض بالأصل في أكثر النسخ، وفي نسخة واحدة: "على تقدير: تبوعا"..
٤ - يقال: جاز الموضع وبه: سار فيه وقطعه، ويقال: أجاز الموضع: جازه. (المعجم الوسيط)..

### الآية 10:88

> ﻿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [10:88]

وقوله تعالى  وقال موسى  الآية، غضب من موسى على القبط ودعاء عليهم فقدم للدعاء تقرير نعم الله عليهم وكفرهم بها، و  آتيت  معناه أعطيت وملكت، وتكرر قوله  ربنا  استغاثة كما يقول الداعي بالله، وقوله  ليضلوا  يحتمل أن يكون لام كي على بابها على معنى آتيتهم الأموال إملاء لهم واستدراجاً فكان الإيتاء كي يضلوا ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة، كما قال  فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزناً [(١)](#foonote-١) والمعنى آتيتهم ذلك فصار أمرهم إلى كذا، وروي عن الحسن أنه قال : هو دعاء ويحتمل أن يكون المعنى على جهة الاستفهام أي ربنا ليضلوا فعلت ذلك، وفي تقرير الشنعة عليهم[(٢)](#foonote-٢). 
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والحسن والأعرج وشيبة وأبو جعفر ومجاهد وأبو رجاء وأهل مكة :**«ليَضلوا »** بفتح الياء على معنى ليضلوا في أنفسهم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي والأعمش وقتادة وعيسى والحسن والأعرج بخلاف عنه **«ليُضلوا »** بضم الياء على معنى ليضلوا غيرهم، وقرأ الشعبي **«ليِضلوا »** بكسر الياء، وقرأ الشعبي أيضاً وغير **«اطمُس »** بضم الميم، وقرأت فرقة **«اطمِس »** بكسر الميم وهما لغتان، وطمس يطمس ويطمُس، قال أبو حاتم : وقراءة الناس بكسر الميم والضم لغة مشهورة، معناه عف وغيره وهو من طموس الأثر والعين وطمس الوجوه ومنه قول كعب بن زهير :\[ البسيط \]
من كل نضاخه الذفرى إذا عرفت\*\*\* عرضتها طامس الأعلام مجهول[(٣)](#foonote-٣)
وروي أنهم حين دعا موسى بهذه الدعوة رجع سكرهم حجارة وزادهم ودنانيرهم وحبوبهم من الأطعمة رجعت حجارة، قاله محمد بن كعب القرظي وقتادة وابن زيد، قاله مجاهد وغيره، معناه أهلكها ودمرها، وروي أن الطمسة من آيات موسى التسع، وقوله  اشدد على قلوبهم  بمعنى : اطبع واختم عليهم بالكفر، قاله مجاهد والضحاك، ولما أشار عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أسرى بدر شبهه بموسى في دعائه على قومه الذين بعث إليهم في هذه الآية وبنوح في قوله  لا تذر على الأرض من الكافريرن دياراً [(٤)](#foonote-٤). وقوله  فلا يؤمنوا  مذهب الأخفش وغيره أن الفعل منصوب عطفاً على قوله  ليضلوا ، وقيل هو منصوب في جواب الأمر، وقال الفراء والكسائي : هو مجزوم على الدعاء ومنه قول الشاعر \[ الأعشى \] :\[ الطويل \]
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى\*\*\* ولا تلقني إلاَّ وأنفُكَ راغمُ[(٥)](#foonote-٥)
وجعل رؤية العذاب نهاية وغاية، وذلك لعلمه من قبل الله أن المؤمن عند رؤية العذاب لا ينفعه إيمانه في ذلك الوقت ولا يخرجه من كفره، ثم أجاب الله هذه الدعوة في فرعون نفسه[(٦)](#foonote-٦)، قال ابن عباس : العذاب  هنا الغرق، وقرأ الناس **«دعوتكما »**، وقرأ السدي والضحاك **«دعواتكما »**، وروي عن ابن جريج ومحمد بن علي والضحاك أن الدعوة لم تظهر إجابتها إلا بعد أربعين سنة، وحينئذ كان الغرق[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : وأعلما أن دعاءهما صادف مقدوراً، وهذا معنى إجابة الدعاء، وقيل لهما  لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون  أي في أن تستعجلا قضائي فإن وعدي لا خلف له، وقوله  دعوتكما  ولم يتقدم الدعاء إلا لموسى، وروي أن هارون كان يؤمِّن على دعاء موسى، قاله محمد بن كعب القرظي، نسب الدعوة إليهما، وقيل كنّى عن الواحد بلفظ التثنية كما قال :
**«قفا نبكي »**. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٨)](#foonote-٨)
و نحو هذا. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لأن الآية تتضمن بعد مخاطبتهما من غير شيء، قال علي بن سليمان قول موسى : ربنا  دال على أنهما دعوا معاً[(٩)](#foonote-٩)

١ - من الآية (٨) من سورة (القصص)..
٢ - قال بعض النحويين: هذه اللام في \[ليضلوا\] وما أشبهها بتأويل الخفض، أي: آتيتهم ما آتيتهم لضلالهم، والعرب تجعل لام \[كي\] في معنى لام الخفض، ولام الخفض في معنى لام \[كي\] لتقارب المعنى، قال الله تعالى: يحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم أي لإعراضكم، ولم يحلفوا لإعراضهم، وقال الشاعر:
 سموت ولم تكن أهلا لتسموا ولكن المضيع قد يصاب..
٣ - النّضّاخة: كثيرة رشح العرق. والذّفرى: النُّقرة خلف أذن الناقة، أو العظم الشّاخص خلف الأذن، أو من لدن المقذّ إلى نصف القذال، وكلها أماكن قريبة من غُذّة العرق. وعُرضتها: همّتها، والأعلام: العلامات تكون في الطريق ليهتدي بها السائر في الصحراء كالأحجار والآبار والتلال ونحوها، وطامس الأعلام: الدارس منها. يقول: هذه الناقة كثيرة العرق لنشاطها في سيرها وإجهادها نفسها، وهي تعرف الطريق وتمضي فيه مُسرعة مجدّة- وإن طمست أعلامه وتغيرت- لكثرة ما سافرت فيه..
٤ - من الآية (٢٦) من سورة(نوح)..
٥ - البيت للأعشى، وهو من ميميته، التي يهجو بها يزيد بن مسهر الشيباني، ولذلك يقول قبله:
 يزيد يغض الطرف دوني كأنما زوى بين عينيه عليّ المحاجم
 يقال: زوى ما بين عينيه فانزوى بمعنى: جمعه فاجتمع، يقول: إن يزيد ينفر مني حين يلقاني، ويتجهم لي مقطبا وجهه كأنما وضعت بين عينيه المحاجم، وما أبالي أن يستمر غضبه عليّ وإعراضه عني وأن أكون شجا في حلقه..
٦ -وذلك حين أدركه الغرق فقال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين وأجيب بقول الله سبحانه: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين..
٧ - جاءت هذه الجملة في إحدى النسخ بلفظ: "وحينئذ كان الغرق"..
٨ - هذا أول البيت الذي افتتح به امرؤ القيس معلقته المشهورة، وفيه يقول:
 قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللّوى بين الدخول فحومل
 وقد خاطب الشاعر صاحبيه على عادة العرب في المخاطبة بالمثنى..
٩ - نقل أبو حيان في "البحر" أن ابن السميفع قرأ: قد أجبت دعوتكما خبرا عن الله تعالى، وبنصب"دعوة"، وأن الربيع قرأ: \[دعوتيكما\]، ثم قال" "وهذا يؤيد قول من قال: إن هارون دعا مع موسى، وقراءة. \[دعوتيكما\] تدل على أنه قرأ: قد أجبت على أنه فعل وفاعل". "البحر المحيط ٥/١٨٧". وقال أبو الفتح في "المحتسب": "ومن ذلك قراءة أبي عبد الرحمن: قد أجيبت دعواتكما، وهذه جمع دعوة، وبهذه القراءة تعلم أن قراءة الجماعة: \[دعوتكما\] يراد فيها بالواحد معنى الكثرة، وساغ ذلك لأن المصدر جنس، والأجناس يقع قليلها موقع كثيرها، وكثيرها موضع قليلها"..

### الآية 10:89

> ﻿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [10:89]

وقوله  فاستقيما  أي على ما أمرتما به من الدعاء إلى الله، وأمر بالاستقامة وهما على الإدامة والتمادي، وقرأ نافع والناس **«تتّبعانّ »** بشد التاء والنون على النهي، وقرأ ابن عامر وابن ذكوان **«تتبعانّ »** بتخفيف التاء وشد النون، وقرأ ابن ذكوان أيضاً :**«تتّبعانِ »** بشد التاء وتخفيف النون وكسرها، وقرأت فرقة **«تَتبعانْ »** بتخفيفها وسكون النون رواه الأخفش الدمشقي عن أصحابه عن ابن عامر، فأما شد النون فهي النون الثقيلة حذفت معها نون التثنية للجزم كما تحذف معها الضمة في لتفعلنّ بعد ألف التثنية وأما تخفيفها فيصح أن تكون الثقيلة خففت ويصح أن تكون نون التثنية ويكون الكلام خبراً معناه الأمر، أي لا ينبغي أن تتبعا، قال أبو علي : إن شئت جعلته حالاً من استقيما كأنه قال غير متبعين. قال القاضي أبو محمد : والعطف يمانع في هذا فتأمله.

### الآية 10:90

> ﻿۞ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [10:90]

قرأ الحسن بن أبي الحسن **«وجوّزنا »** بشد الواو، وطرح الألف، ويشبه عندي أن يكون **«جاوزنا »** كتب في بعض المصاحف بغير ألف، وتقدم القول في صورة جوازهم في البقرة والأعراف، وقرأ جمهور الناس **«فأتبعهم »** لأنه يقال تبع وأتبع بمعنى واحد، وقرأ قتادة والحسن **«فاتّبعهم »** بشد التاء، قال أبو حاتم : القراءة **«أتبع »** بقطع الألف لأنها تتضمن الإدراك، و **«اتّبع »** بشد التاء هي طلب الأثر سواء أدرك أو لم يدرك، وروي أن بني إسرائيل الذين جاوزوا البحر كانوا ستمائة ألف، وكان يعقوب قد استقر أولاً بمصر في نيف على السبعين ألفاً من ذريته فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور، وروي أن فرعون كان في ثمانمائة ألف أدهم حاشى ما يناسبها من ألوان الخيل، وروي أقل من هذه الأعداد. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله ضعيف، والذي تقتضيه ألفاظ القرآن أن بني اسرائيل كان لهم جمع كثير في نفسه قليل بالإضافة إلى قوم فرعون المتبعين، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكوفيون وجماعة  عدواً  على مثال غزا غزاً، وقرأ الحسن وقتادة **«غزواً »** على مثال علا علواً، وقوله  أدركه الغرق  أي في البحر، وروي في ذلك أن فرعون لما انتهى إلى البحر فوجده قد انفرق ومشى فيه بنو إسرائيل، قال لقومه إنما انفلق بأمري وكان على فرس ذكر فبعث الله جبريل على فرس أنثى وديق[(١)](#foonote-١) فدخل بها البحر ولج فرس فرعون ورآه وحثت الجيوش خلفه فلما رأى الانفراق يثبت له استمر، وبعث ميكائيل يسوق الناس حتى حصل جميعهم في البحر، فانطبق عليهم حينئذ، فلما عاين فرعون قال ما حكى عنه في هذه الآية، قرأ الجمهور الناس **«أنه »** بفتح الألف، ويحتمل أن تكون في موضع نصب، ويحتمل أن تكون في موضع خفض على إسقاط الباء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو ****«إنه »**** بكسر الألف، إما على إضمار الفعل أي آمنت فقلت إنه، وإما على أن يتم الكلام في قوله  آمنت  ثم يتبدىء إيجاب ****«إنه »**** وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم **«أن جبريل عليه السلام قال ما أبغضت أحداً بغضي لفرعون، ولقد سمعته يقول  آمنت  الآية، فأخذت من حال البحر[(٢)](#foonote-٢) فملأت فمه مخافة أن تلحقه رحمة الله »**[(٣)](#foonote-٣) وفي بعض الطرق :**«مخافة أن يقول لا إله إلا الله فتلحقه الرحمة »**[(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : فانظر إلى كلام فرعون ففيه مجهلة وتلعثم، ولا عذر لأحد في جهل هذا وإنما العذر فيما لا سبيل إلى علمه كقول علي رضي الله عنه، **«أهللت بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم »**، والحال الطين، كذا في الغريب المصنف وغيره، والأثر بهذا كثير مختلف اللفظ والمعنى واحد، وفعل جبريل عليه السلام هذا يشبه أن يكون لأنه اعتقد تجويز المغفرة للتائب وإن عاين ولم يكن عنده قبل إعلام من الله تعالى أن التوبة بعد المعاينة غير نافعة

١ - يريد: استسلمت للفرس الذي يركبه فرعون واستأنست به، يقال: ودق إلى الشيء: دنا من الشيء وأمكنه، ودق له الصيد، وبه: استأنس، وفي المثل: "ودق العير إلى الماء" أيدنا منه، يضرب لمن خضع للشيء لحرصه عليه. (المعجم الوسيط، والصحاح)..
٢ - حالُ البحر: الطين الأسود الذي يكون في أرضه، قاله القرطبي نقلا عن أهل اللغة..
٣ - وأخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه "حمأة البحر"، وأخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك عنه أخرج الطيالسي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان"، (الدر المنثور)..
٤ -أشار أبو حيان في البحر إلى هذه الزيادة فقال: "وأما ما يضم إليه من قولهم: "خشيت أن تدركه رحمة الله تعالى" فمن زيادات الباهتين لله تعالى وملائكته، وفيها جهالتان، إحداهما: أن الإيمان يصح بالقلب كإيمان الأخرس فحال البحر لا يمنعه، والأخرى: أن من كره إيمان الكافر وأحبّ بقاءه على الكفر فهو كافر، لأن الرضا بالكفر كفر..

### الآية 10:91

> ﻿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [10:91]

وقوله تعالى  الآن وقد عصيت  الآية، قال أبو علي : اعلم أن لام المعرفة إذا دخلت على كلمة أولها الهمزة فخففت الهمزة فإن في تخفيفها وجهين : أحدهما أن تحذف وتلقى حركتها على اللام وتقر همزة الوصل فيه فيقال الحمر وقد حكى ذلك سيبويه، وحكى أبو عثمان عن أبي الحسن أن ناساً يقولون لحمر فيحذفون الهمزة التي للوصل فمن ذلك قول الشاعر :\[ الطويل \]
وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة\*\*\* فبح لان منها بالذي أنت بائح[(١)](#foonote-١)
قرأ نافع في رواية ورش لم يختلف عنه ****«الآن »**** بمد الهمزة وفتح اللام، وقرأ الباقون بمد الهمزة وسكون اللام وهمز الثانية، وقرأت فرقة ****«الآن »**** بقصر الهمزة وفتح اللام وتخفيف الثانية وقرأ جمهور الناس **«ألأْن »** بقصر الأولى وسكون اللام وهمز الثانية. 
قال القاضي أبو محمد : وقراءات التخفيف في الهمزة تترتب على ما قال أبو علي فتأمله، فإن الأولى على لغة من يقول الحمر، وهذا على جهة التوبيخ له والإعلان بالنقمة منه، وهذا اللفظ يحتمل أن بكون مسموعاً لفرعون من قول ملك موصل عن الله وكيف شاء الله، ويحتمل أن كون معنى هذا الكلام معنى حاله وصورة خزيه، وهذه الآية نص في رد توبة المعاين.

١ - البيت غير منسوب، والشاهد فيه كلمة (الآن) التي تنطق (لآن) على النحو الذي وضحه أبو علي الفارسي، وقد نقل ابن خالويه عن اللغويين السبب في بناء (الآن) مع أن فيه الألف واللام، قال سيبويه: (الآن) إشارة إلى وقت أنت فيه بمنزلة (هذا) والألف واللام تدخل لعهد قد تقدم، فلما دخلت هاهنا لغير عهد ترك مبنيا. وقال المبرد: معرفته وقعت قبل نكرته وليس يشركه غيره في التسمية، فتكون الألف واللام معرفة له، وإنما تعني به الوقت الذي أنت فيه من الزمان، فلذلك بُني. وقال الفراء: أصله أوان، فقلبت الواو ألفا فصار (أأان) ودخلت الألف واللام على مبني فلم تغيره عن بنائه. (راجع الحجة في القراءات لابن خالويه، ومعاني القرآن للفراء)..

### الآية 10:92

> ﻿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ [10:92]

وقوله تعالى  فاليوم ننجيك  الآية، يقوي ما ذكرناه من أنها صورة الحال لأن هذه الألفاظ إنما قيلت بعد فرقة، وسبب هذه المقالة على ما روي أن بني إسرائيل بعد عندهم غرق فرعون وهلاكه لعظمه عندهم، وكذب بعضهم أن يكون فرعون يموت فنجي على نجوة من الأرض حتى رآه جميعهم ميتاً كأنه ثور أحمر، وتحققوا غرقه[(١)](#foonote-١)، وقرأت فرقة **«فاليوم ننجيك »** وقالت فرقة معناه من النجاة أي من غمرات البحر والماء، وقال جماعة معناه : نلقيك على نجوة من الأرض وهي ما ارتفع منها، ومنه قول أوس بن حجر :\[ البسيط \]
فمن بعقوته كمن بنجوته\*\*\* والمستكن كمن يمشي بقرواح[(٢)](#foonote-٢)
وقرأ يعقوب **«ننْجِيك »** بسكون النون وتخفيف الجيم، وقرأ أبي بن كعب **«ننحّيك »** بالحاء المشددة من التنحية، وهي قراءة محمد بن السميفع اليماني ويزيد البريدي[(٣)](#foonote-٣)، وقالت فرقة : معنى  ببدنك  بدرعك[(٤)](#foonote-٤)، وقالت فرقة معناه بشخصك وقرأت فرقة **«بندائك »** أي بقولك  آمنت  الخ الآية، ويشبه أن يكتب بندائك بغير ألف في بعض المصاحف، ومعنى الآية أنا نجعلك آية مع ندائك الذي لا ينفع[(٥)](#foonote-٥)، وقرأت فرقة هي الجمهور **«خلفك »** أي من أتى بعدك، وقرأت فرقة **«خلقك »** المعنى يجعلك الله آية له في عباده[(٦)](#foonote-٦)، ثم بيّن عز وجل العظة لعباده بقوله  وإن كثير من الناس عن آياتنا لغافلون  وهذا خبر في ضمنه توعد.

١ - يقال: تحقق الأمر: صحّ ووقع، ويقال أيضا: تحقق الأمر: عرف حقيقته..
٢ - البيت منسوب في "اللسان" إلى عبيد بن الأبرص، في (عقا) وفي (قرح). والمعروف أنه لأوس، وهو من قصيدة له مشهورة يصف فيها المطر، وهي قصيدة فريدة تغنى بها الموصلي لالتحام مقاطعها، ومطلعها:
 ودع لميس وداع الصارم اللاحي إذ فنّكت في فساد بعد إصلاح
 **ورواية الديوان:**
 فمن بنجوته كمن بمحفله والمستكنّ كمن يمشي بقرواح
 والعقوة: الساحة وما حول الدار والمحلة، والجمع: عقاء، والنجوة: ما ارتفع من الأرض والمحفل: مستقر الماء ووسطه. والكنّ: الوقاء والستر- وهو أيضا: البيت، والقرواح: الأرض البارزة للشمس. يقول: إن المطر عمّ الأرض وغمر كل شيء فمن كان في مرتفع تساوى مع من كان في محلّ مستو من الأرض، ومن كان في كنّ تساوى مع من كان على ظهر الأرض بارزا للشمس..
٣ - وفي معنى التنحية يقول الحطيئة لأمه: (سامحه الله):
 تنحّيْ فاقعدي مني بعيدا أراد الله منك العالمينا..
٤ - من معاني البدن في اللغة: الدرع القصيرة، أنشد أبو عبيد لعمرو بن معديكرب: 
 ومضى نساؤهم بكل مفاضة جدلاء سابغة وبالأبدان
 المفاضة: الدرع الواسعة، والجدلاء: المحكمة النسج، والأبدان: الدروع القصيرة..
٥ -قال القرطبي: "هذه القراءة مرغوب عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامة المسلمين، والقراءة سنّة يأخذها آخر عن أول، وفي معناها نقص عن تأويل قراءتنا"..
٦ - معنى قراءة \[خلفك\] بسكون اللام: أي لبني إسرائيل ولمن بقي من قوم فرعون ممن لم يدركه الغرق ولم يبلغه الخبر. ومعنى قراءة فتح اللام: أي لمن يخلفك في أرضك، وربما كانت عبارة ابن عطية لا توضح الفرق بالدقة المطلوبة..

### الآية 10:93

> ﻿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [10:93]

المعنى لقد اخترنا لبني إسرائيل أحسن اختيار وحللناهم من الأماكن أحسن محل، و  مبوأ صدق  أي يصدق فيه ظن قاصده وساكنه وأهله، ويعني بهذه الآية إحلال بلاد الشام وبيت المقدس، قاله قتادة وابن زيد، وقيل بلاد مصر والشام، قاله الضحاك، والأول أصح بحسب ما حفظ من أنهم لن يعودوا إلى مصر، على أن القرآن كذلك  وأورثناها بني إسرائيل [(١)](#foonote-١) يعني ما ترك القبط من جنات وعيون وغير ذلك، وقد يحتمل أن يكون  أورثناها  \[ الشعراء : ٥٩ \] معناه الحالة من النعمة وإن لم يكن في قطر واحد، وقوله  فما اختلفوا حتى جاءهم العلم  يحتمل معنيين أحدهما فما اختلفوا في نبوة محمد وانتظاره حتى جاءهم وبان علمه وأمره فاختلفوا حينئذ. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا التخصيص هو الذي وقع في كتب المتأولين، وهذا التأويل يحتاج إلى سند والتأويل الآخر الذي يحتمله اللفظ أن بني إسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسى في أول حاله فلما جاءهم العلم والأوامر وغرق فرعون اختلفوا. 
قال القاضي أبو محمد : فمعنى الآية مذمة ذلك الصدر من بني إسرائيل، ثم أوجب الله بعد ذلك أنه  يقضي بينهم  ويفصل بعقاب من يعاقب ورحمة من يرحم.

١ - من الآية (٥٩) من سورة (الشعراء)..

### الآية 10:94

> ﻿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [10:94]

وقوله تعالى : فإن كنت في شك  الآية، قال بعض المتأولين وروي ذلك عن الحسن : أن  إن  نافية بمعنى ما والجمهور على أن  إن  شرطية، والصواب في معنى الآية أنها مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد بها سواه من كل من يمكن أن يشك أو يعارض، وقال قوم : الكلام بمنزلة قولك إن كنت ابني فبرَّني[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : وليس هذا المثال بجيد وإنما مثال هذه قوله تعالى لعيسى **«أأنت قلت للناس اتخذوني »**[(٢)](#foonote-٢). وروي أن رجلاً سأل ابن عباس عما يحيك في الصدر من الشك فقال : ما نجا من ذلك أحد ولا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنزل عليه  فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك . 
قال القاضي أبو محمد : وذكر الزهراوي أن هذه المقالة أنكرت أن يقولها ابن عباس وبذلك أقول، لأن الخواطر لا ينجو منها أحد وهي خلاف الشك الذي يحال فيه عليه الاستشفاء بالسؤال، و  الذين يقرأون الكتب من قبلك  هم من أسلم من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية :**«أنا لا أشك ولا أسأل »**[(٣)](#foonote-٣) وقرأ **«فسل »** دون همز الحسن وأبو جعفر وأهل المدينة وأبو عمرو وعيسى وعاصم، وقرأ جمهور عظيم بالهمز، ثم جزم الله الخبر بقوله  لقد جاءك الحق من ربك ، واللام في  لقد  لام قسم، و  الممترين  معناه الشاكين الذين يحتاجون في اعتقادهم إلى المماراة فيها، وقوله  مما أنزلنا إليك  يريد به من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في أمره إلا من بعد مجيئه، وهذا قول أهل التأويل قاطبة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو الذي يشبه أن ترتجى إزالة الشك فيه من قبل أهل الكتاب، ويحتمل اللفظ أن يريد بما أنزلنا جميع الشرع ولكنه بعيد بالمعنى لأن ذلك لا يعرف ويزول الشك فيه إلا بأدلة العقل لا بالسماع من مؤمني بني إسرائيل.

١ - قال أبو حيان: "إن الشرطية تقتضي تعليق شيء على شيء، ولا تستلزم تحقق وقوعه ولا إمكانه، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلا، كقوله تعالى: قل إن كان للرحمان ولد فأنا أول العابدين \[الزخرف ٨١\]، ومستحيل أن يكون له ولد، وكذلك مستحيل أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام في شك، وقد يكون في المستحيل عادة كقوله تعالى: فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية أي فافعل، ولكن وقوع (إن) للتعليق على المستحيل قليل، وهذه الآية من ذلك، ولما خفي هذا الوجه على أكثر الناس اختلفوا في تخريج هذه الآية"..
٢ - من الآية (١١٦) من سورة (المائدة)..
٣ - أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة بدون كلمة (أنا)، وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما- والعبارة فيه على لسان ابن عباس لا من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: (الدر المنثور)..

### الآية 10:95

> ﻿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [10:95]

وقوله  ولا تكونن من الذين كذبوا  الآية، مما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمراد سواه. 
قال القاضي أبو محمد : ولهذا فائد، ليس في مخاطبة الناس به وذلك شدة التخويف لأنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من مثل هذا فغيره من الناس أولى أن يحذر ويتقي على نفسه.

### الآية 10:96

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ [10:96]

جاء في هذا تحذير مردود وإعلام بسوء حال هؤلاء المحتوم عليهم، والمعنى أن الله أوجب لهم سخه في الأزل وخلقهم لعذابه فلا يؤمنون، ولو جاءهم كل بيان وكل وضوح إلا في الوقت الذي لا ينفعهم فيه إيمان، كما صنع فرعون وأشباهه من الخلق وذلك وقت المعاينة، وفي ضمن الألفاظ التحذير من هذه الحال وبعث الكل على المبادرة إلى الإيمان والفرار من سخط الله، وقرأ أبو عمرو وعاصم والحسن وأبو رجاء **«كلمة »** بالإفراد، وقرأ نافع وأهل المدينة **«كلمات »** بالجمع، وقد تقدم ذكر هذه الترجمة.

### الآية 10:97

> ﻿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [10:97]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٦:جاء في هذا تحذير مردود وإعلام بسوء حال هؤلاء المحتوم عليهم، والمعنى أن الله أوجب لهم سخه في الأزل وخلقهم لعذابه فلا يؤمنون، ولو جاءهم كل بيان وكل وضوح إلا في الوقت الذي لا ينفعهم فيه إيمان، كما صنع فرعون وأشباهه من الخلق وذلك وقت المعاينة، وفي ضمن الألفاظ التحذير من هذه الحال وبعث الكل على المبادرة إلى الإيمان والفرار من سخط الله، وقرأ أبو عمرو وعاصم والحسن وأبو رجاء ****«كلمة »**** بالإفراد، وقرأ نافع وأهل المدينة ****«كلمات »**** بالجمع، وقد تقدم ذكر هذه الترجمة. ---

### الآية 10:98

> ﻿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ [10:98]

وقوله  فلولا كانت قرية آمنت  الآية، في مصحف أبيّ وابن مسعود **«فهلا »** والمعنى فيهما واحد، وأصل ****«لولا »**** في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره، فأما هذه فبعيدة عن هذه الآية لكنها من جملة التي هي للتحضيض بها، أن يكون المحضض يريد من المخاطب فعل ذلك الشيء الذي يخصه عليه، وقد تجيء ****«لولا »****، وليس من قصد المخاطب أن يحض المخاطب على فعل ذلك الشيء فتكون حينئذ لمعنى توبيخ كقول جرير :\[ الطويل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . لولا الكمي المقنعا[(١)](#foonote-١)
وذلك أنه لم يقصد حضهم على عقر الكمي، كقولك لرجل قد وقع في أمر صعب : لولا تحرزت، وهذه الآية من هذا القبيل. 
قال القاضي أبو محمد : ومفهوم من معنى الآية نفى إيمان أهل القرى، ومعنى الآية فهلا آمن من أهل قرية وهم على مهل لم يلتبس العذاب بهم فيكون الإيمان نافعاً في هذه الحالة، ثم استثنى قوم يونس، فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وكذلك رسمه النحويون أجمع وهو بحسب المعنى متصل، لأن تقديره ما آمن من أهل قرية إلا قوم يونس والنصب في قوله  إلا قوم  هو الوجه، ولذلك أدخله سيبويه في باب ما لا يكون فيه إلا النصب، وكذلك مع انقطاع الاستثناء ويشبه الآية قول النابغة :
إلا الأواري \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٢)](#foonote-٢)
وذلك هو حكم لفظ الآية، وقالت فرقة : يجوز فيه الرفع وهذا اتصال الاستثناء[(٣)](#foonote-٣)، وقال المهدوي : والرفع على البدل من  قرية  وروي في قصة قوم موسى : أن القوم لما كفروا أوحى الله إليه : أن أنذرهم بالعذاب الثلاثة، ففعل فقالوا : هو رجل لا يكذب فارقبوه، فإن قام بين أظهركم فلا عليكم، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك، فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله وآمنوا ولبسوا المسوح وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، والعذاب منهم فيما روي عن ابن عبّاس على ثلثي ميل، وروي عن علي ميل، وقال ابن جبير غشيهم العذاب كما يغشي الثوب القبر فرفع الله عنهم العذاب فلما مضت الثلاثة وعلم يونس أن العذاب لم ينزل قال كيف أنصرف وقد وجدوني في كذب فذهب مغاضباً كما ذكر الله في هذه الآية. 
قال القاضي أبو محمد : وذهب الطبري إلى أن قوم يونس خصوا من بين الأمم بأن تيب عليهم من بعد معاينة العذاب ذكر ذلك عن جماعة من المفسرين وليس كذلك، والمعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي تلبس العذب أو الموت بشخص الإنسان كقصة فرعون، وأما قوم يونس فلم يصلوا هذا الحد، وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف وعيسى بن عمر وابن وثاب والأعمش **«يونِس »** بكسر النون وفيه للعرب ثلاث لغات ضم النون وفتحها وكسرها وكذلك في **«يوسف »**، وقوله : إلى حين ، يريد إلى آجالهم المفروضة في الأزل، وروي أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل ويقتضي ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم حين قال له إنه من أهل نينوى، من قرية الرجل الصالح يونس بن متى الحديث، الذي في السيرة لابن إسحاق.

١ - هذا جزء من آخر بيت قاله جرير ضمن قصيدة يجيب بها الفرزدق، وهي من النقائض يقول في مطلعها:
 أقمنا وربّتنا الدّيار ولا أرى كمربعنا بين الحنيين مربعا
 والبيت بتمامه كما جاء في الديوان (دار المعارف ٢/٩٠٧).
 تعدون عقر النيب أفضل سعيكم بني ضوطرى هلا الكمي المقنّعا
 ويروى: "أفضل مجدكم" و"لولا الكمّي". والنيب: جمع أنيب، وهو الذي غلط نابه لأنه كبر وصار ضخما "من الإبل"، والكمي: الشجاع المقدام الجريء، كان عليه سلاح أو لم يكن، والمقنّع: الذي لبس القناع في الحرب استعدادا لها. والمعنى فعلا فيه توبيخ لأنهم يعدون ذبح الإبل الضخمة غاية مجدهم وفضلهم، ويقول لهم: هلا تحدثتم عن الشجاعة وعددتم الشجعان منكم؟.
٢ - هذا أول البيت الثالث من الدالية التي قالها النابغة يمدح النعمان ويعتذر إليه، وفيها يقول: 
 يا دار ميّة بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأبد
 وقفت فيها أصيلانا أسائلها عيّت جوابا وما بالربع من أحد
 إلا الأواري لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
 والأواريّ مستثنى منصوب لأنه من غير جنس السابق وهو (أحد)، والأواري: جمع أريّ وهو عود أعلاه معوج يُدق لتشدّ فيه حبال الخيمة، ولأيا: تعبا أو بُطئا، و(ما) زائدة للتوكيد، أي لا أبينها لعيني إلا بيانا تعبا. والنؤث: الحفير الذي يحيط بالخيمة ليمنع ماء المطر، والباء للظرفية، والمظلومة: صفة لموصوف محذوف تقديره: بالأرض المظلومة وهي اليابسة التي انحبس عنها المطر، والجلد: الصلبة اليابسة التي يصعب فيها الحفر. والنؤي بالنصب معطوفة على الأواري. يقول: لا أرى بالدار من أحد إلا هذه الأوتاد التي لا أكاد أتبينها تحت التراب، وهذا النؤي الجاف الذي يشبه الحوض في الأرض الجافة الصلبة..
٣ - قال الزجاح: ويكون المعنى: غير قوم يونس، فلما جاء بإلا أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب (غير) كما قال:
 وكل أخ مفارقة أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان.

### الآية 10:99

> ﻿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [10:99]

المعنى أن هذا الذي تقدم إنما كان جميعه بقضاء الله عليهم ومشيئته فيهم، ولو شاء الله لكان الجميع مؤمناً فلا تأسف أنت يا محمد على كفر من لم يؤمن بك، وادع ولا عليك فالأمر محتوم، أفتريد أنت أن تكره الناس بإدخال الإيمان في قلوبهم وتضطرهم إلى ذلك والله عز وجل قد شاء غيره. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا التأويل الآية عليه محكمة أي ادع وقاتل من خالفك، وإيمان من آمن مصروف إلى المشيئة وقالت فرقة : المعنى أفأنت تكره الناس بالقتال حتى يدخلوا في الإيمان، وزعمت أن هذه الآية في صدر الإسلام وأنها منسوخة بآية السيف، والآية على كلا التأويلين رادة على المعتزلة[(١)](#foonote-١)، وقوله تعالى : كلهم جميعاً  تأكيد وهو من فصيح الكلام، و  جميعاً  حال مؤكدة، ونحوه قوله  لا تتخذوا إلهين اثنين [(٢)](#foonote-٢).

١ - الذين يقولون: "إن الله لا يريد الشر". ذلك لأنها أثبتت مشيئة الإيمان والكفر لله سبحانه وتعالى..
٢ - من الآية (٥١) من سورة (النحل)..

### الآية 10:100

> ﻿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [10:100]

وقوله تعالى : وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله  الآية، رد إلى الله تعالى وإلى أن الحول والقوة لله، في إيمان من يؤمن وكون الرجس على الكفار، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر **«ونجعل الرجس »** بنون العظمة، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم :****«ويجعل »**** بالياء وقرأ الأعمش :****«ويجعل »**** الله الرجس **«، و  الرجس  يكون بمعنى العذاب كالرجز، ويكون بمعنى القذر والنجاسة ذكره أبو علي هنا وغيره وهو في هذه الآية بمعنى العذاب، و  لا يعقلون  يريد آيات الله وحجج الشرع. ومعنى «الإذن »**في هذه الآية الإرادة والتقدير لذلك، فهو العلم والتمكين.

### الآية 10:101

> ﻿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [10:101]

وقوله تعالى : قل انظروا في السماوات والأرض ، هذه الآية أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع وغير ذلك من آيات السماوات وأفلاكها وكواكبها وسحابها ونحو ذلك، والأرض ونباتها ومعادنها وغير ذلك، المعنى : انظروا في ذلك بالواجب فهو ينهاكم إلى المعرفة بالله والإيمان بالله والإيمان بوحدانيته، وقرأ أبو عبد الرحمن والعامة بالبصرة، » قلِ انظروا **«بكسر اللام، وقرأ نافع وأهل المدينة :»** قلُ انظروا «بضم اللام، ثم أعلم في آخر الآية أن النظر في الآيات والسماع من النذر وهم الأنبياء لا يغني إلا بمشيئة الله، وأن ذلك غير نافع لقوم قد قضى الله أنهم لا يؤمنون، وهذا على أن تكون  ما  نافية، ويجوز أن يعد استفهاماً على جهة التقرير الذي في ضمنه نفي وقوع الغناء، وفي الآية على هذا توبيخ لحاضري رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين، وقوله : الآيات والنذر ، حصر طريقي تعريف الله تعالى عباده، ويحتمل أن تكون  ما  في قوله : وما تغني ، مفعولة بقوله  انظروا  معطوفة على قوله : ماذا ، أي تأملوا قدر غناء الآيات والنذر عن الكفار إذا قبلوا ذلك كفعل قوم يونس فإنه يرفع بالعذاب في الدنيا والآخرة وينجي من المهلكات، فالآية على هذا تحريض على الإيمان. 
قال القاضي أبو محمد : وتجوز اللفظ على هذا التأويل إنما هو في قوله  لا يؤمنون . 
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم من المنتظرين.

### الآية 10:102

> ﻿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [10:102]

هذا وعيد وحض على الإيمان، أي إذا لجوا في الكفر حل بهم العذاب، وإذا آمنوا نجوا، هذه سنة الله في الأمم الخالية، فهل عند هؤلاء غير ذلك. وهو استفهام بمعنى التوقيف، وفي قوله  قل فانتظروا  مهادنة ما، وهي من جملة ما نسخه القتال.

### الآية 10:103

> ﻿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [10:103]

وقوله  ننجي رسلنا  الآية، لما كان العذاب لم تحصر مدته وكان النبي والمؤمنون بين أظهر الكفرة وقع التصريح بأن عادة الله سلفت بإنجاء رسله ومتبعيهم، فالتخويف على هذا أشد، وكلهم قرأ **«ننجّي »** مشددة الجيم إلا الكسائي، وحفصاً عن عاصم فإنهما قرأ **«ننْجِي »** بسكون النون وتخفيف الجيم، وقرأ عاصم في سورة الأنبياء في بعض ما روي عنه **«نُجي »** بضم النون وحذف الثانية وشد الجيم، كأن النون أدغمت فيها، وهي قراءة لا وجه لها، ذكر ذلك الزجاج[(١)](#foonote-١). وحكى أبو حاتم نحوها عن الأعمش، وخط المصحف في هذه اللفظة **«ننج »** بجيم مطلقة دون ياء وكذلك قرأ الكسائي في سورة مريم  ثم ننْجِي الذين اتقوا [(٢)](#foonote-٢) بسكون النون وتخفيف الجيم، والباقون بفتح النون وشد الجيم، والكاف في قوله  كذلك  يصح أن تكون في موضع رفع، ويصح أن تكون في موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف.

١ - الآية المقصودة من سورة الأنبياء هي قوله تعالى: فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين. ومع أن ابن عطية نقل عن الزجاج أن هذه القراءة لا وجه لها فقد قال ابن خالويه في كتاب "الحجة": "ولعاصم في قراءته وجه من النحو، لأنه جعل (نُجيّ) فعل ما لم يسمّ فاعله، وأرسل الياء بغير حركة، لأن الحركة لا تدخل عليها في الرفع، وهي ساقطة في الجزم إذا دخلت في المضارع، وأضمر مكان المفعول الأول المصدر لدلالة الفعل عليه، ومنه قولهم: "من كذب كان شرا له"، يريدون: كان الكذب، فلما دلّ (كذب) عليه حذف، فكأنه هنا قال: "وكذلك نُجّي النجاء المؤمنين"، وأنشد شاهدا لذلك:
 ولو ولدت قفيرة جرو كلب لسبّ بذلك الجرو الكلابا
 قال في "الخزانة": "وقفيرة: اسم أم الفرزدق، والجرو: مثلث الجيم، والبيت لجرير" والشاهد في البيت كما جاء في "الدر اللوامع": نيابة غير المعفول به مع وجوده، فـ(بذلك) جار ومجرور وناب عن فاعل (سبّ) مع وجود المفعول وهو الكلاب"..
٢ - من الآية (٧٢). ذ.

### الآية 10:104

> ﻿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [10:104]

وقوله تعالى : قل يا أيها الناس  الآية، مخاطبة عامة للناس أجمعين إلى يوم القيامة يدخل تحتها كل من اتصف بالشك في دين الإسلام، وهذه الآية يتسق معناها بمحذوفات يدل عليها هذا الظاهر الوجيز، والمعنى إن كنتم في شك من ديني فأنتم لا تعبدون الله فاقتضت فصاحة الكلام وإيجازه اختصار هذا كله، ثم صرح بمعبوده وخص من أوصافه  الذي يتوفاكم  لما فيها من التذكير للموت وقرع النفوس به، والمصير إلى الله بعده والفقد للأصنام التي كانوا يعتقدونها ضارة ونافعة.

### الآية 10:105

> ﻿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [10:105]

المعنى : قيل لي : كن من المؤمنين وأقم وجهك للدين، ثم جاءت العبارة بهذا الترتيب، و **«الوجه »** في هذه الآية بمعنى المنحى والمقصد، أي اجعل طريقك واعتمالك للدين والشرع، و  حنيفاً  معناه : مستقيماً على قول من قال، الحنف الاستقامة، وجعل تسمية المعوج القدم أحنف على جهة التفاؤل. ومن قال الحنف الميل جعل  حنيفاً  ها هنا مائلاً عن حال الكفرة وطريقهم، و  حنيفاً  نصب على الحال

### الآية 10:106

> ﻿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [10:106]

وقوله  ولا تدع  معناه قيل لي : ولا تدع  فهو عطف على  أقم ، وهذا الأمر والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت هكذا فأحرى أن يتحرز من ذلك غيره، وما لا ينفع ولا يضر هو الأصنام والأوثان، والظالم الذي يضع الشيء في غير موضعه.

### الآية 10:107

> ﻿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [10:107]

وقوله  وإن يمسسك الله بضر  الآية، مقصد هذه الآية أن الحول والقوة لله، ويبين ذلك للناس بما يحسونه من أنفسهم، و **«الضر »** لفظ جامع لكل ما يكرهه الإنسان كان ذلك في ماله أو في بدنه، وهذه الآية مظهرة فساد حال الأصنام، لكن كل مميز أدنى ميز يعرف يقيناً أنها لا تكشف ضرّاً ولا تجلب نفعاً، وقوله  وإن يردك بخير  لفظ تام العموم[(١)](#foonote-١)، وخصص النبي صلى الله عليه وسلم الفقه بالذكر في قوله **«من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين »**[(٢)](#foonote-٢) وهو على جهة التشريف للفقه، وقوله تعالى : وهو الغفور الرحيم  ترجية وبسط ووعد َّما.

١ - أتى في (الضر) بلفظ (المسّ) وفي الخير بلفظ (الإرادة)، وطابق بين الخير والضر مطابقة معنوية لا لفظية، لأن مقابل الضر النفع، ومقابل الخير الشر، فجاءت لفظة الضرّ ألطف وأخص من لفظة الشر، وجاءت لفظة الخير أتمّ من لفظة النفع، ولفظة المس أوجز من لفظة الإرادة وأنصّ على الإصابة وأنسب لقوله: فلا كاشف له إلا هو، ولفظه الإرادة أدل على الحصول في وقت الخطاب وفي غيره، وأنسب للفظ الخير، قاله في البحر..
٢ - رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم عن معاوية، ورواه الإمام أحمد، والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود بلفظ: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويُلهمه رشده)، ورمز له الإمام السيوطي في الجامع الصغير بأنه حديث حسن..

### الآية 10:108

> ﻿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [10:108]

هذه مخاطبة لجميع الكفار مستمرة مدى الدهر،  الحق  هو القرآن والشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١)،  فمن اهتدى ، أي اتبع الحق وتدين به فإنما يسعى لنفسه لأنه يوجب لها رحمة الله، ويدفع عذابه،  ومن ضل  أي حاد عن طريق الحق ولم ينظر بعين الحقيقة وكفر بالله عز وجل فيضل ذلك، وقوله  وما أنا عليكم بوكيل ، أي لست بآخذكم ولا بد بالإيمان وإنما أنا مبلغ، وهذه الآية منسوخة بالقتال[(٢)](#foonote-٢).

١ - وقيل: الحق هو الرسول صلى الله عليه وسلم..
٢ - وذهب بعض العلماء إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، وكذلك الآية التي بعدها، وحملوا قوله تعالى: وما أنا عليكم بوكيل على أنه ليس بحفيظ على أعمالهم ليجازيهم عليها، بل ذلك لله، وكذلك حملوا قوله: واصبر على الصبر على طاعة الله وحمل أثقال النبوة وأداء الرسالة، وعلى هذا لا تعارض بين الآيتين وبين آية السيف. قال أبو حيان في البحر: "وإلى هذا مال المحققون"..

### الآية 10:109

> ﻿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [10:109]

وقوله  واتبع ما يوحى إليك  الآية معناه : اتبع ما رسمه لك شرعك وما أعلمك الله به من نصرته لك،  واصبر  على شقاء الرسالة وما ينالك في الله من الأذى، وقوله  حتى يحكم الله  وعد للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يغلبهم - كما وقع - تقتضيه قوة اللفظ، وهذا الصبر منسوخ بالقتال، وهذه السورة مكية وقد تقدم ذكر هذا في أولها[(١)](#foonote-١).

١ - روي أنه لما نزلت: واصبر حتى يحكم الله جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار فقال: {إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/10.md)
- [كل تفاسير سورة يونس
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/10.md)
- [ترجمات سورة يونس
](https://quranpedia.net/translations/10.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/10/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
