---
title: "تفسير سورة الكوثر - مفاتيح الغيب - فخر الدين الرازي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/108/book/352.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/108/book/352"
surah_id: "108"
book_id: "352"
book_name: "مفاتيح الغيب"
author: "فخر الدين الرازي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الكوثر - مفاتيح الغيب - فخر الدين الرازي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/108/book/352)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الكوثر - مفاتيح الغيب - فخر الدين الرازي — https://quranpedia.net/surah/1/108/book/352*.

Tafsir of Surah الكوثر from "مفاتيح الغيب" by فخر الدين الرازي.

### الآية 108:1

> إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [108:1]

بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر 
اعلم أن هذه السورة على اختصارها فيها لطائف :( إحداها ) أن هذه السورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، وذلك لأن في السورة المتقدمة وصف الله تعالى المنافق بأمور أربعة :( أولها ) البخل وهو المراد من قوله : يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين  ( الثاني ) : ترك الصلاة وهو المراد من قوله : الذين هم عن صلاتهم ساهون  ( والثالث ) : المراءاة في الصلاة هو المراد من قوله : الذين هم يراءون  ( والرابع ) : المنع من الزكاة وهو المراد من قوله : ويمنعون الماعون  فذكر في هذه السورة في مقابلة تلك الصفات الأربع صفات أربعة، فذكر في مقابلة البخل قوله : إنا أعطيناك الكوثر  أي إنا أعطيناك الكثير، فأعط أنت الكثير ولا تبخل، وذكر في مقابلة : الذين هم عن صلاتهم ساهون  قوله : فصل  أي دم على الصلاة، وذكر في مقابلة : الذين هم يراءون  قوله : لربك  أي ائت بالصلاة لرضا ربك، لا لمراءاة الناس، وذكر في مقابلة : ويمنعون الماعون  قوله : وانحر  وأراد به التصدق بلحم الأضاحي، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة، ثم ختم السورة بقوله : إن شانئك هو الأبتر  أي المنافق الذي يأتي بتلك الأفعال القبيحة المذكورة في تلك السورة سيموت ولا يبقى من دنياه أثر ولا خبر، وأما أنت فيبقى لك في الدنيا الذكر الجميل، وفي الآخرة الثواب الجزيل. 
والوجه الثاني : في لطائف هذه السورة أن السالكين إلى الله تعالى لهم ثلاث درجات :( أعلاها ) أن يكونوا مستغرقين بقلوبهم وأرواحهم في نور جلال الله ( وثانيها ) : أن يكونوا مشتغلين بالطاعات والعبادات البدنية ( وثالثها ) : أن يكونوا في مقام منع النفس عن الانصباب إلى اللذات المحسوسة والشهوات العاجلة، فقوله : إنا أعطيناك الكوثر  إشارة إلى المقام الأول وهو كون روحه القدسية متميزة عن سائر الأرواح البشرية بالكم والكيف. أما بالكم فلأنها أكثر مقدمات، وأما بالكيف فلأنها أسرع انتقالا من تلك المقدمات إلى النتائج من سائر الأرواح، وأما قوله : فصل لربك  فهو إشارة إلى المرتبة الثانية، وقوله : وانحر  إشارة إلى المرتبة الثالثة، فإن منع النفس عن اللذات العاجلة جار مجرى النحر والذبح، ثم قال : إن شانئك هو الأبتر  ومعناه أن النفس التي تدعوك إلى طلب هذه المحسوسات والشهوات العاجلة، أنها دائرة فانية، وإنما الباقيات الصالحات خير عند ربك، وهي السعادات الروحانية والمعارف الربانية التي هي باقية أبدية. ولنشرع الآن في التفسير قوله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر  اعلم أن فيه فوائد :
الفائدة الأولى : أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور، وكالأصل لما بعدها من السور. أما أنها كالتتمة لما قبلها من السور، فلأن الله تعالى جعل سورة ( والضحى ) في مدح محمد عليه الصلاة والسلام وتفصيل أحواله، فذكر في أول السورة ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته ( أولها ) : قوله : ما ودعك ربك وما قلى ، ( وثانيها ) قوله : وللآخرة خير لك من الأولى  ( وثالثها ) : ولسوف يعطيك ربك فترضى  ثم ختم هذه السورة بذكر ثلاثة أحوال من أحواله عليه السلام فيما يتعلق بالدنيا وهي قوله : ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى 
ثم ذكر في سورة : ألم نشرح  أنه شرفه بثلاثة أشياء ( أولها ) : ألم نشرح لك صدرك  ( وثانيها ) : ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ، ( وثالثها ) : ورفعنا لك ذكرك . 
ثم إنه تعالى شرفه في سورة : التين بثلاثة أنواع من التشريف ( أولها ) : أنه أقسم ببلده وهو قوله : وهذا البلد الأمين ، ( وثانيها ) : أنه أخبر عن خلاص أمته عن النار وهو قوله : إلا الذين آمنوا ، ( وثالثها ) : وصولهم إلى الثواب وهو قوله : فلهم أجر غير ممنون . 
ثم شرفه في سورة اقرأ بثلاثة أنواع من التشريفات ( أولها ) : اقرأ باسم ربك  أي اقرأ القرآن على الحق مستعينا باسم ربك ( وثانيها ) : أنه قهر خصمه بقوله : فليدع ناديه سندع الزبانية ، ( وثالثها ) : أنه خصه بالقربة التامة وهو : واسجد واقترب . 
وشرفه في سورة القدر بليلة القدر التي لها ثلاثة أنواع من الفضيلة ( أولها ) كونها : خيرا من ألف شهر ، ( وثانيها ) : نزول :( الملائكة والروح فيها ) ( وثالثها ) : كونها :( سلاما حتى مطلع الفجر ). 
وشرفه في سورة :( لم يكن ) بأن شرف أمته بثلاثة تشريفات ( أولها ) : أنهم :( خير البرية ) ( وثانيها ) :( أن جزاؤهم عند ربهم جنات )، ( وثالثها ) : رضا الله عنهم. 
وشرفه في سورة إذا زلزلت بثلاث تشريفات :( أولها ) : قوله : يومئذ تحدث أخبارها  وذلك يقتضي أن الأرض تشهد يوم القيامة لأمته بالطاعة والعبودية ( والثاني ) : قوله : يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم  وذلك يدل على أنه تعرض عليهم طاعاتهم فيحصل لهم الفرح والسرور، ( وثالثها ) : قوله : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره  ومعرفة الله لا شك أنها أعظم من كل عظيم فلابد وأن يصلوا إلى ثوابها ثم شرفه في سورة العاديات بأن أقسم بخيل الغزاة من أمته فوصف تلك الخيل بصفات ثلاث : والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا . 
ثم شرف أمته في سورة القارعة بأمور ثلاثة ( أولها ) : فمن ثقلت موازينه ( وثانيها ) : أنهم في عيشة راضية ( وثالثها ) : أنهم يرون أعداءهم في نار حامية. 
في شرفه ثم سورة ألهاكم بأن بين أن المعرضين عن دينه وشرعه يصيرون معذبين من ثلاثة أوجه ( أولها ) : أنهم يرون الجحيم ( وثانيها ) : أنهم يرونها عين اليقين ( وثالثها ) : أنهم يسألون عن النعيم. 
ثم شرف أمته في سورة والعصر بأمور ثلاثة ( أولها ) الإيمان : إلا الذين آمنوا ، ( وثانيها ) : وعملوا الصالحات  ( وثالثها ) : إرشاد الخلق إلى الأعمال الصالحة، وهو التواصي بالحق، والتواصي بالصبر. 
ثم شرفه في سورة الهمزة بأن ذكر أن من همز ولمز، فله ثلاثة أنواع من العذاب ( أولها ) : أنه لا ينتفع بدنياه البتة، وهو قوله : يحسب أن ماله أخلده كلا  ( وثانيها ) : أنه ينبذ في الحطمة، ( وثالثها ) : أنه يغلق عليه تلك الأبواب حتى لا يبقى له رجاء في الخروج، وهو قوله : إنها عليهم مؤصدة . 
ثم شرف في سورة الفيل بأن رد كيد أعدائه في نحرهم من ثلاثة أوجه ( أولها ) : جعل كيدهم في تضليل ( وثانيها ) : أرسل عليهم طير أبابيل ( وثالثها ) : جعلهم كعصف مأكول. 
ثم شرفه في سورة قريش بأنه راعى مصلحة أسلافه من ثلاثة أوجه ( أولها ) : جعلهم مؤتلفين متوافقين لإيلاف قريش ( وثانيها ) : أطعمهم من جوع ( وثالثها ) : أنه آمنهم من خوف. 
وشرفه في سورة الماعون، بأن وصف المكذبين بدينه بثلاثة أنواع من الصفات المذمومة ( أولها ) : الدناءة واللؤم، وهو قوله : يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين  ( وثانيها ) : ترك تعظيم الخالق، وهو قوله : عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون  ( وثالثها ) : ترك انتفاع الخلق، وهو قوله : ويمنعون الماعون . 
ثم إنه سبحانه وتعالى لما شرفه في هذه السور من هذه الوجوه العظيمة، قال بعدها : إنا أعطيناك الكوثر  أي إنا أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة المذكورة في السورة المتقدمة التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها، فاشتغل أنت بعبادة هذا الرب، وبإرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم، أما عبادة الرب فإما بالنفس، وهو قوله : فصل لربك  وإما بالمال، وهو قوله : وانحر  وأما إرشاد عباده إلى ما هو الأصلح لهم في دينهم ودنياهم، فهو قوله : يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون  فثبت أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها من السور، وأما أنها كالأصل لما بعدها، فهو أنه تعالى يأمره بعد هذه السورة بأن يكفر جميع أهل الدنيا بقوله : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون  ومعلوم أن عسف الناس على مذاهبهم وأديانهم أشد من عسفهم على أرواحهم وأموالهم، وذلك أنهم يبذلون أموالهم وأرواحهم في نصرة أديانهم، فلا جرم كان الطعن في مذاهب الناس يثير من العداوة والغضب مالا يثير سائر المطاعن، فلما أمره بأن يكفر جميع أهل الدنيا، ويبطل أديانهم لزم أن يصير جميع أهل الدنيا في غاية العداوة له، وذلك مما يحترف عنه كل أحد من الخلق فلا يكاد يقدم عليه، وانظر إلى موسى عليه السلام كيف كان يخاف من فرعون وعسكره. وأما ههنا فإن محمدا عليه السلام لما كان مبعوثا إلى جميع أهل الدنيا، كان كل واحد من الخلق، كفرعون بالنسبة إليه، فدبر تعالى في إزالة هذا الخوف الشديد تدبيرا لطيفا، وهو أنه قدم على تلك السورة هذه السورة فإن قوله : إنا أعطيناك الكوثر  يزيل عنه ذلك الخوف من وجوه ( أحدها ) : أن قوله : إنا أعطيناك الكوثر  أي الخير الكثير في الدنيا والدين، فيكون ذلك وعدا من الله إياه بالنصرة والحفظ، وهو كقوله : يا أيها النبي حسبك الله  وقوله : والله يعصمك من الناس  وقوله : إلا تنصروه فقد نصره الله  ومن كان الله تعالى ضامنا لحفظه، فإنه لا يخشى أحدا ( وثانيها ) أنه تعالى لما قال : إنا أعطيناك الكوثر  وهذا اللفظ يتناول خيرات الدنيا وخيرات الآخرة، وأن خيرات الدنيا ما كانت واصلة إليه حين كان بمكة، والخلف في كلام الله تعالى محال، فوجب في حكمة الله تعالى إبقاؤه في دار الدنيا إلى حيث يصل إليه تلك الخيرات، فكان ذلك كالبشارة له والوعد بأنهم لا يقتلونه، ولا يقهرونه، ولا يصل إليه مكرهم بل يصير أمره كل يوم في الازدياد والقوة ( وثالثها ) : أنه عليه السلام لما كفروا وزيف أديانهم ودعاهم إلى الإيمان اجتمعوا عنده، وقالوا : إن كنت تفعل هذا طلبا للمال فنعطيك من المال ما تصير به أغنى الناس، وإن كان مطلوبك الزوجة نزوجك أكرم نسائنا، وإن كان مطلوبك الرياسة فنحن نجعلك رئيسا على أنفسنا، فقال الله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر  أي لما أعطاك خالق السموات والأرض خيرات الدنيا والآخرة، فلا تغتر لما لهم ومراعاتهم ( ورابعها ) : أن قوله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر  يفيد أن الله تعالى تكلم معه لا بواسطة، فهذا يقوم مقام قوله : وكلم الله موسى تكليما  بل هذا أشرف لأن المولى إذا شافه عبده بالتزام التربية والإحسان كان ذلك أعلى مما إذا شافهه في غير هذا المعنى، بل يفيده قوة في القلب ويزيل الجبن عن النفس، فثبت أن مخاطبة الله إياه بقوله : إنا أعطيناك الكوثر  مما يزيل الخوف عن القلب والجبن عن النفس، فقدم هذه السورة على سورة : قل يا أيها الكافرون  حتى يمكنه الاشتغال بذلك التكليف الشاق والإقدام على تكفير جميع العالم، وإظهار البراءة عن معبودهم فلما امتثلت أمري، فانظر كيف أنجزت لك الوعد، وأعطيتك كثرة الأتباع والأشياع، إن أهل الدنيا يدخلون في دين الله أفواجا، ثم إنه لما تم أمر الدعوة وإظهار الشريعة، شرع في بيان ما يتعلق بأحوال القلب والباطن، وذلك لأن الطالب إما أن يكون طلبه مقصورا على الدنيا، أو يكون طالبا للآخرة، أما طالب الدنيا فليس له إلا الخسار والذل والهوان، ثم يكون مصيره إلى النار، وهو المراد من سورة تبت، وأما طالب الآخرة فأعظم أحواله أن تصير نفسه كالمرآة التي تنتقش فيها صور الموجودات، وقد ثبت في العلوم العقلية أن طريق الخلق في معرفة الصانع على وجهين : منهم من عرف الصانع، ثم توسل بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته،

### الآية 108:2

> ﻿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [108:2]

قوله تعالى : فصل لربك وانحر  في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في قوله : فصل  وجوه ( الأول ) : أن المراد هو الأمر بالصلاة، فإن قيل : اللائق عند النعمة الشكر، فلم قال : فصل ولم يقل : فاشكر ؟ ( الجواب ) : من وجوه ( الأول ) : أن الشكر عبارة عن التعظيم وله ثلاثة أركان ( أحدها ) : يتعلق بالقلب وهو أن يعلم أن تلك النعمة منه لا من غيره ( والثاني ) : باللسان وهو أن يمدحه ( والثالث ) : بالعمل وهو أن يخدمه ويتواضع له، والصلاة مشتملة على هذه المعاني، وعلى ما هو أزيد منها فالأمر بالصلاة أمر بالشكر وزيادة فكان الأمر بالصلاة أحسن ( وثانيها ) أنه لو قال فاشكر لكان ذلك يوهم أنه ما كان شاكرا لكنه كان من أول أمره عارفا بربه مطيعا له شاكرا لنعمه، أما الصلاة فإنه إنما عرفها بالوحي، قال : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان  ( الثالث ) : أنه في أول ما أمره بالصلاة. قال محمد عليه الصلاة والسلام : كيف أصلي ولست على الوضوء، فقال الله : إنا أعطيناك الكوثر  ثم ضرب جبريل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضأ فقيل له عند ذلك : فصل ، فأما إذا حملنا الكوثر على الرسالة، فكأنه قال : أعطيتك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات وأشرفها الصلاة فصل لربك ( القول الثاني ) : فصل لربك  أي فاشكر لربك، وهو قول مجاهد وعكرمة، وعلى هذا القول ذكروا في فائدة الفاء في قوله  فصل  وجوها ( أحدها ) : التنبيه على أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي ( وثانيها ) : أن المراد من فاء التعقيب ههنا الإشارة، إلى ما قرره بقوله : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ثم إنه خص محمدا صلى الله عليه وسلم في هذا الباب بمزيد مبالغة، وهو قوله : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ولأنه قال له : فإذا فرغت فانصب  أي فعليك بأخرى عقيب الأولى فكيف بعد وصول نعمتي إليك، ألا يجب عليك أن تشرع في الشكر عقيب ذلك ( القول الثالث ) : فصل  أي فادع الله لأن الصلاة هي الدعاء، وفائدة الفاء على هذا التقدير كأنه تعالى يقول : قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا عليك : بالكوثر  فكيف بعد سؤالك لكن :**«سل تعطه واشفع تشفع »** وذلك لأنه كان أبدا في هم أمته، واعلم أن القول الأول أولى لأنه أقرب إلى عرف الشرع. 
المسألة الثانية : في قوله : وانحر  قولان :
الأول : وهو قول عامة المفسرين : أن المراد هو نحر البدن ( والقول الثاني ) : أن المراد بقوله : وانحر  فعل يتعلق بالصلاة، إما قبلها أو فيها أو بعدها، ثم ذكروا فيه وجوها :( أحدها ) قال الفراء : معناها استقبل القبلة ( وثانيها ) : روى الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام قال : لما نزلت هذه السورة قال النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل :**«ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي ؟ قال ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع وإذا سجدت فإنه صلاتنا، وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة »** ( وثالثها ) : روي عن علي بن أبي طالب أنه فسر هذا النحر بوضع اليدين على النحر في الصلاة، وقال : رفع اليدين قبل الصلاة عادة المستجير العائذ، ووضعها على النحر عادة الخاضع الخاشع ( ورابعها ) قال عطاء : معناه اقعد بين السجدتين حتى يبدو نحرك ( وخامسها ) : روي عن الضحاك، وسليمان التيمي أنهما قالا : وانحر  معناه ارفع يديك عقيب الدعاء إلى نحرك، قال الواحدي : وأصل هذه الأقوال كلها من النحر الذي هو الصدر يقال لمذبح البعير النحر لأن منحره في صدره حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر فمعنى النحر في هذا الموضع هو إصابة النحر كما يقال : رأسه وبطنه إذا أصاب ذلك منه. وأما قول الفراء إنه عبارة عن استقبال القبلة فقال ابن الأعرابي : النحر انتصاب الرجل في الصلاة بإزاء المحراب وهو أن ينصب نحره بإزاء القبلة، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا، وقال الفراء : منازلهم تتناحر أي تتقابل وأنشد :

أبا حكم هل أنت عم مجالد  وسيد أهل الأبطح المتناحروالنكتة المعنوية فيه كأنه تعالى يقول الكعبة بيتي وهي قبلة صلاتك وقلبك وقبلة رحمتي ونظر عنايتي فلتكن القبلتان متناحرتين قال : الأكثرون حمله على نحر البدن أولى لوجوه ( أحدها ) : هو أن الله تعالى كلما ذكر الصلاة في كتابه ذكر الزكاة بعدها ( وثانيها ) : أن القوم كانوا يصلون وينحرون للأوثان فقيل له : فصل وانحر لربك ( وثالثها ) : أن هذه الأشياء آداب الصلاة وأبعاضها فكانت داخلة تحت قوله : فصل لربك  فوجب أن يكون المراد من النحر غيرها لأنه يبعد أن يعطف بعض الشيء على جميعه ( ورابعها ) أن قوله : فصل  إشارة إلى التعظيم لأمر الله، وقوله : وانحر  إشارة إلى الشفقة على خلق الله وجملة العبودية لا تخرج عن هذين الأصلين ( وخامسها ) : أن استعمال لفظة النحر على نحر البدن أشهر من استعماله في سائر الوجوه المذكورة، فيجب حمل كلام الله عليه، وإذا ثبت هذا فنقول استدلت الحنفية على وجوب الأضحية بأن الله تعالى أمره بالنحر، ولابد وأن يكون قد فعله، لأن ترك الواجب عليه غير جائر، وإذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام وجب علينا مثله لقوله : واتبعوه  ولقوله : فاتبعوني يحببكم الله  وأصحابنا قالوا : الأمر بالمتابعة مخصوص بقوله :**«ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم الضحى والأضحى والوتر »**. 
المسألة الثالثة : اختلف من فسر قوله : فصل  بالصلاة على وجوه ( الأول ) : أنه أراد بالصلاة جنس الصلاة لأنهم كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله فأمره أن لا يصلي ولا ينحر إلا لله تعالى، واحتج من جوز تأخير بيان المجمل بهذه الآية، وذلك لأنه تعالى أمر بالصلاة مع أنه ما بين كيفية هذه الصلاة أجاب أبو مسلم، وقال : أراد به الصلاة المفروضة أعني الخمس وإنما لم يذكر الكيفية، لأن الكيفية كانت معلومة من قبل ( القول الثاني ) : أراد صلاة العيد والأضحية لأنهم كانوا يقدمون الأضحية على الصلاة فنزلت هذه الآية، قال المحققون : هذا قول ضعيف لأن عطف الشيء على غيره بالواو لا يوجب الترتيب ( القول الثالث ) : عن سعيد بن جبير صل الفجر بالمزدلفة وانحر بمنى، والأقرب القول الأول لأنه لا يجب إذا قرن ذكر النحر بالصلاة أن تحمل الصلاة على ما يقع يوم النحر. 
المسألة الرابعة : اللام في قوله : لربك  فيها فوائد الفائدة ( الأولى ) : هذه اللام للصلاة كالروح للبدن، فكما أن البدن من الفرق إلى القدم، إنما يكون حسنا ممدوحا إذا كان فيه روح أما إذا كان ميتا فيكون مرميا، كذا الصلاة والركوع والسجود، وإن حسنت في الصورة وطالت، لو لم يكن فيها لام لربك كانت ميتة مرمية، والمراد من قوله تعالى لموسى : وأقم الصلاة لذكري  وقيل : إنه كانت صلاتهم ونحرهم للصنم فقيل له : لتكن صلاتك ونحرك لله. 
الفائدة الثانية : كأنه تعالى يقول : ذكر في السورة المتقدمة أنهم كانوا يصلون للمراءاة فصل أنت لا للرياء لكن على سبيل الإخلاص. 
المسألة الخامسة : الفاء في قوله : فصل  تفيد سببية أمرين ( أحدهما ) : سببية العبادة كأنه قيل : تكثير الإنعام عليك يوجب عليك الاشتغال بالعبودية ( والثاني ) : سببية ترك المبالاة كأنهم لما قالوا له : إنك أبتر فقيل له : كما أنعمنا عليك بهذه النعم الكثيرة، فاشتغل أنت بطاعتك ولا تبال بقولهم وهذيانهم. 
واعلم أنه لما كانت النعم الكثيرة محبوبة ولازم المحبوب محبوب، والفاء في قوله : فصل  اقتضت كون الصلاة من لوازم تلك النعم، لا جرم صارت الصلاة أحب الأشياء للنبي عليه الصلاة والسلام فقال :**«وجعلت قرة عيني في الصلاة »** ولقد صلى حتى تورمت قدماه، فقيل له : أوليس قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال :****«أفلا أكون عبدا شكورا »**** فقوله :****«أفلا أكون عبدا شكورا »**** إشارة إلى أنه يجب على الاشتغال بالطاعة بمقتضى الفاء في قوله : فصل . 
المسألة السادسة : كان الأليق في الظاهر أن يقول : إن أعطيناك الكوثر، فصل لنا وانحر. لكنه ترك ذلك إلى قوله : فصل لربك  لفوائد ( إحداها ) : أن وروده على طريق الالتفات من أمهات أبواب الفصاحة ( وثانيها ) : أن صرف الكلام من المضمر إلى المظهر يوجب نوع عظمة ومهابة، ومنه قول الخلفاء لمن يخاطبونهم : يأمرك أمير المؤمنين، وينهاك أمير المؤمنين ( وثالثها ) أن قوله : إنا أعطيناك  ليس في صريح لفظه أن هذا القائل هو الله أو غيره، وأيضا كلمة  إنا  تحتمل الجمع كما تحتمل الواحد المعظم نفسه، فلو قال : صل لنا، لنفي ذلك الاحتمال وهو أنه ما كان يعرف أن هذه الصلاة لله وحده أم له ولغيره على سبيل التشريك، فلهذا ترك اللفظ، وقال : فصل لربك  ليكون ذلك إزالة لذلك الاحتمال وتصريحا بالتوحيد في الطاعة والعمل لله تعالى. 
المسألة السابعة : قوله  فصل لربك  أبلغ من قوله : فصل لله لأن لفظ الرب يفيد التربية المتقدمة المشار إليها بقوله : إنا أعطيناك الكوثر  ويفيد الوعد الجميل في المستقبل أنه يربيه ولا يتركه. 
المسألة الثامنة : في الآية سؤالان :( أحدهما ) : أن المذكور عقب الصلاة هو الزكاة، فلم كان المذكور ههنا هو النحر ؟ ( والثاني ) : لما لم يقل : ضحي حتى يشمل جميع أنواع الضحايا ؟ ( والجواب ) : عن الأول، أما على قول من قال : المراد من الصلاة صلاة العيد، فالأمر ظاهر فيه، وأما على قول من حمله على مطلق الصلاة، فلوجوه ( أحدها ) : أن المشركين كانت صلواتهم وقرابينهم للأوثان، فقيل له : اجعلهما لله ( وثانيها ) أن من الناس من قال : إنه عليه السلام ما كان يدخل في ملكه شيء من الدنيا، بل كان يملك بقدر الحاجة، فلا جرم لم تجب الزكاة عليه، أما النحر فقد كان واجبا عليه لقوله :**«ثلاث كتبت علي ولم تكتب على أمتي ؛ الضحى والأضحى والوتر »** ( وثالثها ) : أن أعز الأموال عند العرب، هو الإبل فأمره بنحرها وصرفها إلى طاعة الله تعالى تنبيها على قطع العلائق النفسانية عن لذات الدنيا وطيباتها، روي أنه عليه السلام أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب فنحر هو عليه السلام حتى أعيا، ثم أمر عليا عليه السلام بذلك، وكانت النوق يزدحمن على رسول الله، فلما أخذ على السكين تباعدت منه ( والجواب عن الثاني ) : أن الصلاة أعظم العبادات البدنية فقرن بها أعظم أنواع الضحايا، وأيضا فيه إشارة إلى أنك بعد فقرك تصير بحيث تنحر المائة من الإبل. 
المسألة التاسعة : دلت الآية على وجوب تقديم الصلاة على النحر، لا لأن الواو توجب الترتيب، بل لقوله عليه السلام :**«ابدؤوا بما بدأ الله به »**. 
المسألة العاشرة : السورة مكية في أصح الأقوال، وكان الأمر بالنحر جاريا مجرى البشارة بحصول الدولة، وزوال الفقر والخوف.

### الآية 108:3

> ﻿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [108:3]

قوله تعالى : إن شانئك هو الأبتر  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها ( أحدها ) : أنه عليه السلام كان يخرج من المسجد، والعاص بن وائل السهمي يدخل فالتقيا فتحدثا، وصناديد قريش في المسجد، فلما دخل قالوا من الذي كنت تتحدث معه ؟ فقال : ذلك الأبتر، وأقول : إن ذلك من إسرار بعضهم مع بعض، مع أن الله تعالى أظهره، فحينئذ يكون ذلك معجزا، وروي أيضا أن العاص بن وائل كان يقول : إن محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده، فإذا مات انقطع ذكره واسترحم منه، وكان قد مات ابنه عبد الله من خديجة، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير ( القول الثاني ) : روي عن ابن عباس لما قدم كعب بن الأشرف مكة أتاه جمامة قريش فقالوا : نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيد أهل المدينة، فنحن خير أم هذا الأبتر من قومه، يزعم أنه خير منا ؟ فقال : بل أنتم خير منه فنزل : إن شانئك هو الأبتر  ونزل أيضا : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت  ( والقول الثالث ) : قال عكرمة وشهر بن حوشب : لما أوحى الله إلى رسوله ودعا قريشا إلى الإسلام، قالوا : بتر محمد أي خالفنا وانقطع عنا، فأخبر تعالى أنهم هم المبتورون ( القول الرابع ) : نزلت في أبي جهل فإنه لما مات ابن رسول الله قال أبو جهل : إن أبغضه لأنه أبتر، وهذا منه حماقة حيث أبغضه بأمر لم يكن باختياره فإن موت الابن لم يكن مراده ( القول الخامس ) : نزلت في عمه أبي لهب فإنه لما شافهه بقوله : تبا لك كان يقول في غيبته : إنه أبتر ( والقول السادس ) : أنها نزلت في عقبة بن أبي معيط، وإنه هو الذي كان يقول ذلك، واعلم أنه لا يبعد في كل أولئك الكفرة أن يقولوا مثل ذلك فإنهم كانوا يقولون فيه ما هو أسوأ من ذلك، ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه. 
المسألة الثانية : الشنآن هو البغض والشانئ هو المبغض، وأما البتر فهو في اللغة استئصال القطع يقال : بترته أبتره بترا وبتر أي صار أبتر وهو مقطوع الذنب، ويقال للذي لا عقب له أبتر، ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له، وكذلك لمن انقطع عنه الخير. 
ثم إن الكفار لما وصفوه بذلك بين تعالى أن الموصوف بهذه الصفة هو ذلك المبغض على سبيل الحضر فيه، فإنك إذا قلت : زيد هو العالم يفيد أنه لا عالم غيره، إذا عرفت هذا فقول الكفار فيه عليه الصلاة والسلام : إنه أبتر لا شك أنهم لعنهم الله أرادوا به أنه انقطع الخير عنه. 
ثم ذلك إما أن يحمل على خير معين، أو على جميع الخيرات ( أما الأول ) : فيحتمل وجوها ( أحدها ) قال السدي : كانت قريش يقولون لمن مات الذكور من أولاده بتر، فلما مات ابنه القاسم وعبد الله بمكة وإبراهيم بالمدينة قالوا : بتر فليس له من يقوم مقامه، ثم إنه تعالى بين أن عدوه هو الموصوف بهذه الصفة، فإنا نرى أن نسل أولئك الكفرة قد انقطع، ونسله عليه الصلاة والسلام كل يوم يزداد وينمو وهكذا يكون إلى قيام القيامة ( وثانيها ) قال الحسن : عنوا بكونه أبتر أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه، والله تعالى بين أن خصمه هو الذي يكون كذلك، فإنهم صاروا مدبرين مغلوبين مقهورين، وصارت رايات الإسلام عالية، وأهل الشرق والغرب لها متواضعة ( وثالثها ) : زعموا أنه أبتر لأنه ليس له ناصر ومعين، وقد كذبوا لأن الله تعالى هو مولاه، وجبريل وصالح المؤمنين، وأما الكفرة فلم يبق لهم ناصر ولا حبيب ( ورابعها ) : الأبتر هو الحقير الذليل، روي أن أبا جهل اتخذ ضيافة لقوم، ثم إنه وصف رسول الله بهذا الوصف، ثم قال : قوموا حتى نذهب إلى محمد وأصارعه وأجعله ذليلا حقيرا، فلما وصلوا إلى دار خديجة وتوافقوا على ذلك أخرجت خديجة بساطا، فلما تصارعا جعل أبو جهل يجتهد في أن يصرعه، وبقي النبي عليه الصلاة والسلام واقفا كالجبل، ثم بعد ذلك رماه النبي صلى الله عليه وسلم على أقبح وجه، فلما رجع أخذه باليد اليسرى، لأن اليسرى للاستنجاء، فكان نجسا فصرعه على الأرض مرة أخرى ووضع قدمه على صدره، فذكر بعض القصاص أن المراد من قوله : إن شانئك هو الأبتر  هذه الواقعة ( وخامسها ) : أن الكفرة لما وصفوه بهذا الوصف، قيل : إن شانئك هو الأبتر  أي الذي قالوه فيك كلام فاسد يضمحل ويفنى، وأما المدح الذي ذكرناه فيك، فإنه باق على وجه الدهر ( وسادسها ) : أن رجلا قام إلى الحسن بن علي عليهما السلام، وقال : سودت وجوه المؤمنين بأن تركت الإمامة لمعاوية، فقال : لا تؤذيني يرحمك الله، فإن رسول الله رأى بني أمية في المنام يصعدون منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك، فأنزل الله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر   إنا أنزلناه في ليلة القدر  فكان ملك بني أمية كذلك، ثم انقطعوا وصاروا مبتورين. 
المسألة الثالثة : الكفار لما شتموه، فهو تعالى أجاب عنه من غير واسطة، فقال : إن شانئك هو الأبتر  وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من يشتم حبيبه تولى بنفسه جوابه، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم، وذكر مثل ذلك في مواضع حين قالوا : هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذبا أم به جنة  فقال سبحانه : بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد  وحين قالوا : هو مجنون أقسم ثلاثا، ثم قال : ما أنت بنعمة ربك بمجنون  ولما قالوا : لست مرسلا  أجاب فقال : يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين  وحين قالوا : أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون  رد عليهم وقال : بل جاء بالحق وصدق المرسلين  فصدقه، ثم ذكر وعيد خصمائه، وقال : إنكم لذائقوا العذاب الأليم  وحين قال حاكيا : أم يقولون شاعر  قال : وما علمناه الشعر  ولما حكى عنهم قوله : إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون  سماهم كاذبين بقوله : فقد جاءوا ظلما وزورا 
ولما قالوا : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق  أجابهم فقال : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق  \] فما أجل هذه الكرامة. 
المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى لما بشره بالنعم العظيمة، وعلم تعالى أن النعمة لا تهنأ إلا إذا صار العدو مقهورا، لا جرم وعده بقهر العدو، فقال : إن شانئك هو الأبتر  وفيه لطائف ( إحداها ) : كأنه تعالى يقول : لا أفعله لكي يرى بعض أسباب دولتك، وبعض أسباب محنة نفسه فيقتله الغيظ ( وثانيها ) : وصفه بكونه شانئا، كأنه تعالى يقول : هذا الذي يبغضك لا يقدر على شيء آخر سوى أنه يبغضك، والمبغض إذا عجز عن الإيذاء، فحينئذ يحترق قلبه غيظا وحسدا، فتصير تلك العداوة من أعظم أسباب حصول المحنة لذلك العدو ( وثالثها ) : أن هذا الترتيب يدل على أنه إنما صار أبتر، لأنه كان شانئا له ومبغضا، والأمر بالحقيقة كذلك، فإن من عادى محسودا فقد عادى الله تعالى، لاسيما من تكفل الله بإعلان شأنه وتعظيم مرتبته ( ورابعها ) : أن العدو وصف محمدا عليه الصلاة والسلام بالقلة والذلة، ونفسه بالكثرة والدولة، فقلب الله الأمر عليه، وقال العزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، فالكثرة والكوثر لمحمد عليه السلام، والأبترية والدناءة والذلة للعدو، فحصل بين أول السورة وآخرها نوع من المطابقة لطيف. 
المسألة الخامسة : اعلم أن من تأمل في مطالع هذه السورة ومقاطعها عرف أن الفوائد التي ذكرناها بالنسبة إلى ما استأثر الله بعلمه من فوائد هذه السورة كالقطرة في البحر. روي عن مسيلمة أنه عارضها فقال : إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وجاهر، إن مبغضك رجل كافر، ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب لوجوه ( أحدها ) : أن الألفاظ والترتيب مأخوذان من هذه السورة، وهذا لا يكون معارضة ( وثانيها ) : أنا ذكرنا أن هذه السورة كالتتمة لما قبلها، وكالأصل لما بعدها، فذكر هذه الكلمات وحدها يكون إهمالا لأكثر لطائف هذه السورة ( وثالثها ) : التفاوت العظيم الذي يقر به من له ذوق سليم بين قوله : إن شانئك هو الأبتر  وبين قوله : إن مبغضك رجل كافر، ومن لطائف هذه السورة أن كل أحد من الكفار وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف آخر، فوصفه بأنه لا ولد له، وآخر بأنه لا معين له ولا ناصر له، وآخر بأنه لا يبقى منه ذكر، فالله سبحانه مدحه مدحا أدخل فيه كل الفضائل، وهو قوله : إنا أعطيناك الكوثر  لأنه لما لم يقيد ذلك الكوثر بشيء دون شيء، لا جرم تناول جميع خيرات الدنيا والآخرة، ثم أمره حال حياته بمجموع الطاعات، لأن الطاعات إما أن تكون طاعة البدن أو طاعة القلب، أما طاعة البدن فأفضله شيئان، لأن طاعة البدن هي الصلاة، وطاعة المال هي الزكاة، وأما طاعة القلب فهو أن لا يأتي بشيء إلا لأجل الله، واللام في قوله : لربك  يدل على هذه الحالة، ثم كأنه نبه على أن طاعة القلب لا تحصل إلا بعد حصول طاعة البدن، فقدم طاعة البدن في الذكر، وهو قوله : فصل  وأخر اللام الدالة على طاعة القلب تنبيها على فساد مذهب أهل الإباحة في أن العبد قد يستغني بطاعة قلبه عن طاعة جوارحه، فهذه اللام تدل على بطلان مذهب الإباحة، وعلى أنه لا بد من الإخلاص، ثم نبه بلفظ الرب على علو حاله في المعاد، كأنه يقول : كنت ربيتك قبل وجودك، أفأترك تربيتك بعد مواظبتك على هذه الطاعات، ثم كما تكفل أولا بإفاضة النعم عليه تكفل في آخر السورة بالذب عنه وإبطال قول أعدائه، وفيه إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول بإفاضة النعم، والآخر بتكميل النعم في الدنيا والآخرة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/108.md)
- [كل تفاسير سورة الكوثر
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/108.md)
- [ترجمات سورة الكوثر
](https://quranpedia.net/translations/108.md)
- [صفحة الكتاب: مفاتيح الغيب](https://quranpedia.net/book/352.md)
- [المؤلف: فخر الدين الرازي](https://quranpedia.net/person/4003.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/108/book/352) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
