---
title: "تفسير سورة هود - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/11/book/339.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/11/book/339"
surah_id: "11"
book_id: "339"
book_name: "الجواهر الحسان في تفسير القرآن"
author: "الثعالبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة هود - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/11/book/339)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة هود - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي — https://quranpedia.net/surah/1/11/book/339*.

Tafsir of Surah هود from "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" by الثعالبي.

### الآية 11:1

> الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [11:1]

قوله عز وجل : الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آياته  \[ هود : ١ \]. 
أي : أتْقِنَتْ وأجيدَتْ، وبهذه الصفة كان القرآن في الأزَل، ثم فُصِّل بتقطيعه، وتَبْيين أحكامه وأوامره علَى محمَّد نبيه عليه السلام في أزمنةٍ مختلفةٍ ؛ ف****«ثُمَّ »**** على بابها، فالإِحْكَامُ صفةٌ ذاتية، والتفصيلُ إِنما هو بحسب من يفصَّل له، والكتابُ بأَجمعه محكَمٌ ومفَصَّل، والإِحْكَام الذي هو ضدُّ النَّسْخ، والتفصيلُ الذي هو خلافُ الإِجمال، إِنما يقالان مع ما ذَكَرناه باشتراك. 
قال ( ص ) : ثُمَّ فُصِّلَتْ  :****«ثُمَّ »**** لترتيب الأخبار، لا لترتيب الوقوع في الزمان، وَ لَّدُنْ  بمعنى :**«عند »**، انتهى. 
قال الداوديُّ : وعن الحسن  أُحْكِمَتْ آياته  قَالَ : أحكمت بالأَمْرِ والنهْي، ثم فُصِّلَتْ بالوعْدِ والوعيدِ، وعنه : فُصِّلَتْ  بالثوابِ والعقابِ. انتهى.

### الآية 11:2

> ﻿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۚ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [11:2]

وقدَّم ال نَذِيرٌ  ؛ لأن التَّحذيرَ من النَّار هو الأهمّ،

### الآية 11:3

> ﻿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [11:3]

وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ  \[ هود : ٣ \] أي : اطلبوا مغفرتَهُ ؛ وذلك بطلب دُخُولكم في الإِسلام،  ثُمَّ تُوبُوا  من الكُفْرِ  يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا ، ووصف المَتَاع بالحُسْنِ ؛ لطيب عيش المؤمن برجائِهِ في ثوابِ ربِّه، وفَرَحِهِ بالتقرُّب إِليه بأَداء مفتَرَضَاته، والسرورِ بمواعيِدِه سُبْحانه، والكافِرُ ليس في شيء مِنْ هذا،  وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ ، أي : كلَّ ذي إِحسان  فَضْلَهُ ، فيحتملُ أنْ يعود الضميرُ من **«فَضْلِهِ »** على **«ذي فضل »** أي : ثوابَ فَضْلِهِ، ويحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، أي : يؤتى اللَّه فضله كلَّ ذي فضلٍ وعملٍ صالحٍ من المؤمنين، ونَحْو هذا المعنى ما وعد به سبحانَهُ مِنْ تضعيف الحسنَاتِ  وَإِن تَوَلَّوا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ ، أي : فقُلْ : إِني أخافُ عليكم عذابَ يوم كبيرٍ، وهو يومُ القيامة.

### الآية 11:4

> ﻿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [11:4]

تفسير سورة هود
 مكية إلا نحو ثلاث آيات قال الداوديّ: وعن أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه، قلت: يا رسول الله، لقد أسرع إليك الشّيب؟! قال: **«شيّبتني «هود»** و **«الواقعة»** و **«المرسلات»** و **«عمّ يتساءلون»** و **«إذا الشّمس كوّرت»** **«١»**، وفي رواية عن ابن عباس: **«هود وأخواتها»**. انتهى **«٢»**.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ١ الى ٤\]

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)
 (١) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٠٢) كتاب **«التفسير»** باب: ومن سورة الواقعة، حديث (٣٢٩٧)، والحاكم (٢/ ٣٤٤)، وأبو نعيم في **«الحلية»** (٤/ ٣٥٠)، كلهم من طريق شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر الصديق به.
 وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه.
 وذكره من هذا الوجه السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٥٧٧)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في **«البعث والنشور»**.
 وأخرجه أبو يعلى (١/ ١٠٢- ١٠٣) رقم: (١٠٧- ١٠٨) من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن أبي بكر به، وذكره الهيثمي في **«مجمع الزوائد»** (٧/ ٤٠)، وقال: رواه الطبراني في **«الأوسط»**، ورجاله رجال الصحيح، ورواه أبو يعلى إلا أن عكرمة لم يدرك أبا بكر.
 قال ابن أبي حاتم في **«العلل»** (٢/ ١١٠) رقم: (١٨٢٦) : سئل أبي عن حديث أبي إسحاق عن عكرمة، عن ابن عباس، قال أبو بكر للنبي صلّى الله عليه وسلّم: ما شيبك؟ قال: **«شيبتني هود»**. والحديث متصل أصحّ، كما رواه شيبان، أو مرسلا كما رواه أبو الأحوص مرسل قال: مرسل أصحّ، قلت لأبي: روى بقية عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أبي بكر، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال: هذا خطأ ليس فيه ابن عباس اه.
 والحديث ذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٥٧٦) من وجه آخر عن أبي بكر، وعزاه إلى ابن المنذر، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر من طريق مسروق عن أبي بكر وعزاه أيضا إلى البزار، وابن مردويه، من طريق أنس، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
 (٢) ذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٥٧٧)، وعزاه إلى ابن عساكر من طريق عطاء، عن ابن عباس.

### الآية 11:5

> ﻿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [11:5]

وقوله سبحانه : أَلاَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ  \[ هود : ٥ \]. 
قيل : إِن هذه الآية نزلَتْ في الكفَّار الذين كانوا إِذا لقيهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم تَطَامَنُوا وَثَنَوْا صُدُورهم ؛ كالمتستِّر، ورَدُّوا إِليه ظهورَهُم، وغَشُوا وجوهَهُمْ بثيابهم، تباعداً منهم، وكراهيةً للقائه، وهم يَظُنُّون أنَّ ذلك يخفَى عليه، أوْ عن اللَّه عزَّ وجلَّ، وقيل : هي استعارة للْغِلِّ والحِقْدِ الذي كانوا يَنْطَوُونَ عليه، فمعنى الآية : أَلاَ إِنهم يُسِرُّون العداوةَ، ويَتَكَتَّمون بها، لِتَخْفى في ظَنِّهِم عن اللَّه وهو سبحانه حينَ تغشِّيهم بثيابهم، وبلاغِهِم في التستُّر، يعلَمُ ما يُسرُّون، و يَسْتَغْشُونَ  معناه يجعلونها أغشيةً وأغطيةً. 
قال ( ص ) : قرأ الجمهور :**«يَثْنُونَ »** بفتح الياء مضارع ثَنَى الشَّيْءَ ثَنْياً طَوَاهُ. انتهى، وقرأ ابن عبَّاس وجماعة :**«تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ »** بالرفْعِ ؛ على وزن **«تَفْعَوْعِلُ »**، وهي تحتملُ المعنيين المتقدِّمين، وحكى الطبريُّ عن ابن عبَّاس على هذه القراءة. أنَّ هذه الآية نزَلَتْ في قومٍ كانوا لا يأتون النساءَ والحَدَثَ إِلاَّ ويستَغْشُونَ ثيابهم ؛ كراهيةَ أنْ يُفْضُوا بفروجهم إِلى السماء.

### الآية 11:6

> ﻿۞ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [11:6]

وقوله عزَّ وجلَّ : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا  \[ هود : ٦ \]. 
المرادُ جميعُ الحيوانِ المحتاجِ إِلى رزْقٍ، والمستقر : صُلْب الأبِ، و**«المستودَعُ »** بَطْن الأُمِّ، وقيل غير هذا، وقد تقدَّم. 
وقوله : فِي كتاب  : إِشارةٌ إِلى اللوح المحفوظ.

### الآية 11:7

> ﻿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [11:7]

قال ( ص ) : لِيَبْلُوَكُمْ  \[ هود : ٧ \] اللام متعلِّقة ب**«خَلَقَ »** وقيل : بفعلٍ محذوفٍ، أي : أَعْلَمَ بذلك لَيَبْلُوَكُمْ، انتهى. 
 وَلَئِن قُلْتَ  : اللام في **«لَئِنْ »** : مُؤذنةٌ بأَنَّ اللام في  لَيَقُولَنَّ  لامُ قسم، لا جوابِ شرطٍ، وقولهم : إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  تناقُضٌ منهم ؛ لأنهم مقرُّونَ بأن اللَّه خلق السموات والأرض، وهم مع ذلك ينكرون ما هو أيْسَرُ من ذلك، وهو البَعْثُ مِنَ القبورِ، وإِذْ خَلْقُ السموات والأرضِ، أكْبَرُ من خَلْقِ الناس.

### الآية 11:8

> ﻿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ۗ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [11:8]

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب  \[ هود : ٨ \] أي : المتوعَّد به  إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ ، أي مدَّةٍ معدودة  لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ، أي : ما هذا الحابسُ لهذا العذاب ؛ على جهة التكذيب،  وَحَاقَ  : معناه : حَلَّ وأحاطَ. البخاريُّ : حاق  : نَزَلَ.

### الآية 11:9

> ﻿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ [11:9]

وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً  \[ هود : ٦ \]. 
**«الرحمة »** هنا : تَعمُّ جميع ما ينتفُعُ به مِنْ مطعومٍ وملبوسٍ وجَاهٍ وغيرِ ذلك، و الإنسان  هنا اسمُ جنْسٍ، والمعنَى : أن هذا الخُلُقَ في سجيَّة الإِنسان، ثم استثنى منهم الذين ردَّتهم الشرائعُ والإِيمانُ إِلى الصبْرِ والعملِ الصالحِ، و كَفُورٌ  هنا : مِنْ كُفْر النعمة،

### الآية 11:10

> ﻿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [11:10]

وال نَعْمَاءَ  \[ هود : ١٠ \] تَشْمَلُ الصحَّة والمَال، وال ضَرَّاءَ  : من الضُّرِّ، وهو أيضاً شاملٌ ؛ ولفظة  ذَهَبَ السيئات عَنِّي  : يقتضي بطَراً وجهلاً أَنَّ ذلك بإِنعامٍ من اللَّه تعالى، و السيئات  هنا : كلُّ ما يسوء في الدنيا، والْ فَرِح  ؛ هنا : مطلق ؛ فلذلك ذُمَّ، إِذ الفرحُ انهمال النفْسِ، ولا يأتي الفرحُ في القرآن ممدوحاً إِلا إِذا قيد بأنه في خَيْرٍ.

### الآية 11:11

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [11:11]

وقوله : إِلاَّ الذين صَبَرُوا  \[ هود : ١١ \]. 
استثناء متصلٌ ؛ على ما قدَّمنا مِنْ أَنَّ الإِنسان عامٌ يراد به الجنْسُ ؛ وهو الصواب، ومَنْ قال : إِنه مخصوصٌ بالكافر قال : هاهنا الاستثناء منقطعٌ، وهو قول ضعيفٌ من جهة المعنَى، لا من جهة اللفظ ؛ لأن صفة الكُفْر لا تطلق على جميعِ الناسِ ؛ كما تقتضي لفظةُ الإِنسان، واستثنى اللَّه تعالى من الماشِينَ على سجيَّة الإِنسان، هؤلاءِ الذين حملَتْهم الأديان على الصبْرِ على المكارِهِ، والمثابرةِ على عبادةِ اللَّهِ، وليس شَيْءٌ من ذلك في سجيَّة البَشَر، وإِنما حمل على ذلك خَوْفُ اللَّه وحبُّ الدَّارِ الآخرة، والصبْرُ على العملِ الصالحِ، لا يَنْفَعُ إِلاَّ مع هداية وإِيمانٍ، ثم وعد تعالَى أهْلَ هذه الصفة بالمَغْفِرةِ للذُّنُوبِ والتفضُّلِ بالأجرِ والنَّعِيمِ.

### الآية 11:12

> ﻿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [11:12]

وقوله سبحانه : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ  \[ هود : ١٢ \]. 
سَببُ هذه الآية : أَنَّ كفَّار قريش قالوا : يا محمَّد، لو تركْتَ سبَّ آلهتنا، وتسفيه آبائنا، لَجَالَسْناك واتبعناك، وقالوا له : ائت بِقُرآن غيرِ هذا أو بدِّله، ونحو هذا من الأقوال، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطَبَة، ووقَّفَهُ بها توقيفاً رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنَى أنَّه عليه السلام هَمَّ بشيء من ذلك، فَزُجِرَ عنه، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان. 
قال ( ص، وع ) : وعبَّر ب ضَائِقٌ  وإِن كان أقلَّ استعمالا من **«ضَيِّقٍ »** لمناسبة  تَارِكٌ  ؛ ولأن  ضَائِقٌ  وصفٌ عارضٌ ؛ بخلاف **«ضيق »** ؛ فإِنه يدل على الثبوت، والصَّالحُ هنا الأولُ بالنسبة إِليه صلى الله عليه وسلم، والضمير في **«به »** عائدٌ على البعْضِ، ويحتمل أن يعود على **«ما »** و  أَن يَقُولُوا  أي : كراهةَ أنْ يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، ثم آنسه تعالَى بقوله : إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ ، أي : هذا القدْرُ هو الذي فُوِّضَ إِليك، واللَّه تعالَى بَعْدَ ذلك هو الوكيلُ الممضي لإِيمان من شاء، وكُفْرِ من شاء.

### الآية 11:13

> ﻿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [11:13]

أَمْ يَقُولُونَ افتراه  \[ هود : ١٣ \] **«أم »** بمعنى :**«بل »**، والافتراء أَخصُّ من الكذبِ، ولا يستعملُ إِلا فيما بَهَتَ به المرءُ وكَابَر. 
وقوله سبحانه : قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين . 
تقدَّم تفسير نظيرها، وقال بعضُ الناس : هذه الآية متقدِّمة على التي في يُونُسَ ؛ إِذْ لا يصحُّ أَنْ يعجزوا في واحدةٍ، ثم يكلَّفوا عشراً. 
قال ( ع ) : وقائلُ هذا القولِ لم يَلْحَظْ ما ذكَرْناه مِنَ الفَرْقِ بين التكْليفين، في كمال المماثَلَةِ مرةً كما هو في **«سورة يونس »**، ووقوفها على النظْمِ مرَّة كما هو هنا، وقوله : إِن كُنتُمْ صادقين  : يريد في أَنَّ القُرآن مفترًى.

### الآية 11:14

> ﻿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [11:14]

وقوله سبحانه : فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ  \[ هود : ١٤ \]
لهذه الآية تأويلان : أحدهما : أنْ تكون المخاطبةُ من النبيِّ صلى الله عليه وسلم للكفَّار، أي : ويكون ضميرُ  يَسْتَجِيبُوا  ؛ على هذا التأويل عائداً على معبوداتهم، والثاني : أن تكون المخاطبةُ من اللَّه تعالَى للمُؤمنين، ويكون قوله ؛ على هذا  فاعلموا  بمعنى : دُومُوا علَى عِلْمِكُم قال مجاهد : قوله تعالى : فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ  : هو لأصحابِ محمَّد عليه السلام.

### الآية 11:15

> ﻿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ [11:15]

وقوله سبحانه : مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا  \[ هود : ١٥ \]. 
قال قتادةُ وغيره : هي في الكَفَرة، وقال مجاهد : هي في الكفرة وأهْلِ الرياءِ من المؤمنين. وإليه ذهب معاويَةُ، والتأويل الأول أَرْجَحُ ؛ بحسب تقدُّمِ ذكْرِ الكفَّار. 
وقال ابنُ العربيِّ في **«أحكامِه »** : بل الآية عامَّة في كلِّ من ينوي غيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِه، كان معه إيمان أو لم يكُنْ، وفي هذه الآية بيانٌ لقوله صلى الله عليه وسلم :( إِنَّمَا الأَعمْالُ بِالنِّيَّاتِ وإِنَّما لِكُلِّ امرىء مَا نَوَى )، وذلك أنَّ العبد لا يُعْطَى إِلا عَلَى وَجْهٍ قَصدَهُ، وبحُكْم ما ينعقدُ في ضَمِيرِهِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه. 
وقوله : نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا  : قيل : ذلك في صحَّة أبدانهم وإِدرَارِ أرزَاقهم، وقيل : إِن هذه الآية مطْلَقةٌ، وكذلك التي في **«حم عسق »** : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ  \[ الشورى : ٢٠ \] الآية إِلى آخرها، قيَّدتْهما وفسَّرتْهما الآيةُ التي في **«سورة سُبْحانَ »**، وهي قوله تعالى : مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ. . .  الآية \[ الإِسراء : ١٨ \]، فأخبر سبحانه أَنَّ العبدِ ينوي ويريدُ، واللَّه يحكُمُ ما يريدُ، ثم ذكر ابنُ العربيِّ الحديثَ الصحيحَ في النَّفَرِ الثلاثة الذين كَانَتْ أعمالهم رياءً، وهم رَجُلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورَجُلٌ كثيرُ المالِ، وقولَ اللَّهِ لكلِّ واحدٍ منهم :**«مَاذَا عَمِلْتَ ؟ »** ثم قال في آخر الحديث : ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رُكْبَتَيَّ، وَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، ( أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ )

### الآية 11:16

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [11:16]

ثُمَّ قرأ قوله تعالى : أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الأخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا  \[ هود : ١٦ \]. أي : في الدنيا وهذا نصٌّ في مراد الآية، واللَّه أعلم. انتهى. 
و حَبِطَ  : معناه : بَطَلَ وسَقَط، وهي مستعملةٌ في فَسَاد الأعمال. 
قال ( ص ) قوله : مَا صَنَعُوا  :**«ما »** بمعنى :**«الَّذِي »**، أو مصدريةٌ، و****«فيها »**** : متعلِّقٌ ب**«حَبِطَ »**، والضمير في ****«فيها »**** عائدً على الآخرة، أي : ظهر حبوطُ ما صَنَعُوا في الآخرة، أَو متعلِّق ب**«صَنَعُوا »** ؛ فيكون عائداً على الدنيا. انتهى. 
وال بَاطِلٌ  : كُلُّ ما تقتضي ذاتُه أَلاَّ تُنَال به غايةٌ في ثوابٍ ونحوه،

### الآية 11:17

> ﻿أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۚ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [11:17]

وقوله سبحانه : أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ  \[ هود : ١٧ \]. 
في الآية تأويلات. 
قال ( ع ) : والراجحُ عندِي مِنَ الأقوال في هذه الآية : أَنْ يكون **«أَفَمَن »** للمؤمنين، أولهم وللنبيِّ صلى الله عليه وسلم معهم، وال بَيِّنَةً  : القرآن وما تضمَّن، وال شَاهِدٌ  : الإِنجيلُ، يريد : أَو إِعجاز القرآن في قولٍ، والضميرُ في **«يتلوه »** للبيِّنة، وفي ****«منه »**** للربِّ، والضميرُ في **«قبله »** للبينة أيضاً، وغير هذا مما ذُكِرَ محتملٌ، فإِن قيل : إِذا كان الضمير في **«قَبْله »** عائداً على القُرْآنِ، فَلِمَ لَمْ يذْكَر الإِنجيل، وهوَ قبله، وبَيْنَه وبَيْن كتاب موسَى ؟، فالجوابُ : أنه خَصَّ التوراة بالذكْرِ ؛ لأنه مجمَعٌ عليه، والإِنجيل ليس كذلك ؛ لأن اليهود تخالِفُ فيه، فكان الاستشهاد بما تقُومُ به الحجَّةُ على الجميع أولَى، وهذا يجري مَعَ قولِ الجنِّ : إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى  \[ الأحقاف : ٣٠ \] والأحزاب ؛ هاهنا يُراد بهم جميعُ الأُمَمِ، وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن أبي موسَى الأَشعريِّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أَنه قَالَ :( مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بي إِلاَّ دَخَلَ النَّار ). قال سعيدٌ : فقلْتُ : أَيْنَ مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ حَتَّى وَجَدتُّهُ فِي هَذِهِ الآيةِ، وَكُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ حَديثاً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم طَلَبْتُ مِصْدَاقَهُ في كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وقرأ الجمهورُ :**«فِي مِرْيَةٍ »** بكسر الميم، وهو الشكُّ، والضمير في ****«منه »**** عائدٌ على كون الكَفَرة موعدُهُم النَّارُ، وسائر الآية بيِّن.

### الآية 11:18

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [11:18]

وقوله تعالى : وَيَقُولُ الأشهاد  : قالت فرقة : يُريدُ الشهداءَ مِنَ الأنبياء والملائكةِ، وقالت فرقة : الأشهادُ : بمعنى المشاهِدِينَ، ويريد جميعَ الخلائق، وفي ذلك إِشادةٌ بهم وتشهيرٌ لخزيهم، وروي في نحو هذا حديثٌ :)أَنَّهُ لاَ يُخْزَى أَحَدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ إلاَّ وَيَعْلَمُ ذَلِكَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ المَحْشَرَ )، وباقي الآية بيِّن مما تقدَّم في غيرها. 
قال ( ص ) : وقوله : أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين  يحتملُ أنْ يكون داخلاً في مفعولِ القولِ، وإِليه نحا بعضُهم. انتهى.

### الآية 11:19

> ﻿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [11:19]

الأقوال، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطَبَة، ووقَّفَهُ بها توقيفاً رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنَى أنَّه عليه السلام هَمَّ بشيء من ذلك، فَزُجِرَ عنه، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان.
 قال ص، وع **«١»** : وعبَّر ب ضائِقٌ وإِن كان أقلَّ استعمالا من **«ضَيِّقٍ»** لمناسبة تارِكٌ ولأن ضائِقٌ وصفٌ عارضٌ بخلاف **«ضيق»** فإِنه يدل على الثبوت، والصّالح هنا الأول بالنسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم، والضمير في **«به»** عائدٌ على البعْضِ، ويحتمل أن يعود على **«ما»** وأَنْ يَقُولُوا أي: كراهةَ أنْ يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، ثم آنسه تعالَى بقوله: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، أي: هذا القدْرُ هو الذي فُوِّضَ إِليك، واللَّه تعالَى بَعْدَ ذلك هو الوكيلُ الممضي لإِيمان من شاء، وكُفْرِ من شاء أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ: **«أم»** بمعنى: **«بل»**، والافتراء أَخصُّ من الكذبِ، ولا يستعملُ إِلا فيما بَهَتَ به المرءُ وكَابَر.
 وقوله سبحانه: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تقدَّم تفسير نظيرها، وقال بعضُ الناس: هذه الآية متقدِّمة على التي في يُونُسَ إِذْ لا يصحُّ أَنْ يعجزوا في واحدةٍ، ثم يكلَّفوا عشراً.
 قال ع **«٢»** : وقائلُ هذا القولِ لم يَلْحَظْ ما ذكَرْناه مِنَ الفَرْقِ بين التكْليفين، في كمال المماثَلَةِ مرةً كما هو في **«سورة يونس»**، ووقوفها على النظْمِ مرَّة كما هو هنا، وقوله:
 إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: يريد في أنّ القرآن مفترى.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ١٤ الى ٢١\]
 فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)
 الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)

 (١) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ١٥٤). [.....]
 (٢) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ١٥٥).

وقوله سبحانه: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، لهذه الآية تأويلان:
 أحدهما: أنْ تكون المخاطبةُ من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للكفَّار، أي: ويكون ضميرُ يَسْتَجِيبُوا على هذا التأويل عائداً على معبوداتهم.
 والثاني: أن تكون المخاطبةُ من اللَّه تعالَى للمُؤمنين، ويكون قوله على هذا فَاعْلَمُوا بمعنى: دُومُوا علَى عِلْمِكُم قال مجاهد: قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ:
 هو لأصحابِ محمَّد عليه السلام **«١»**.
 وقوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها... الآية: قالت قتادةُ وغيره:
 هي في الكَفَرة **«٢»**، وقال مجاهد: هي في الكفرة وأهْلِ الرياءِ من المؤمنين **«٣»**.
 وإليه ذهب معاويَةُ، والتأويل الأول أَرْجَحُ بحسب تقدُّمِ ذكْرِ الكفَّار، وقال ابنُ العربيِّ في **«أحكامِه»** : بل الآية عامَّة في كلِّ من ينوي غيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِه، كان معه إيمان أو لم يكُنْ، وفي هذه الآية بيان لقوله صلّى الله عليه وسلّم: **«إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ مَا نَوَى»** **«٤»**، وذلك أنَّ العبد لا يُعْطَى إِلا عَلَى وَجْهٍ قَصدَهُ، وبحُكْم ما ينعقدُ في ضَمِيرِهِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه.
 وقوله: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها: قيل: ذلك في صحَّة أبدانهم وإِدرَارِ أرزَاقهم، وقيل: إِن هذه الآية مطْلَقةٌ، وكذلك التي في **«حم عسق»** : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ الآية \[الشورى: ٢٠\] إِلى آخرها، قيَّدتْهما وفسَّرتْهما الآيةُ التي في **«سورة سُبْحانَ»**، وهي قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ...
 الآية \[الإِسراء: ١٨\]، فأخبر سبحانه أَنَّ العبدِ ينوي ويريدُ، واللَّه يحكُمُ ما يريدُ، ثم ذكر ابنُ العربيِّ الحديثَ الصحيحَ في النَّفَرِ الثلاثة الذين كَانَتْ أعمالهم رياءً، وهم رَجُلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورَجُلٌ كثيرُ المالِ، وقولَ اللَّهِ لكلِّ واحدٍ منهم: **«مَاذَا عَمِلْتَ؟»** ثم قال في آخر الحديث: ثمّ ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ركبتيّ، وقال: يا أبا هريرة،

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ١٢) برقم: (١٨٠٢٢، ١٨٠٢٤، ١٨٠٢٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٥٦)، وذكره السيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ٥٨٣)، وعزاه إلى أبي الشيخ.
 (٢) ذكره ابن عطية (٣/ ١٥٦).
 (٣) ذكره ابن عطية (٣/ ١٥٦).
 (٤) تقدم تخريجه.

أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ، ثُمَّ قرأ قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها» **«١»**، أي: في الدنيا وهذا نصٌّ في مراد الآية، واللَّه أعلم. انتهى.
 وحَبِطَ: معناه: بَطَلَ وسَقَط، وهي مستعملةٌ في فَسَاد الأعمال.
 قال ص: قوله: مَا صَنَعُوا: **«ما»** بمعنى: **«الَّذِي»**، أو مصدريةٌ، و ****«فيها»**** :
 متعلِّقٌ ب **«حَبِطَ»**، والضمير في ****«فيها»**** عائدً على الآخرة، أي: ظهر حبوطُ ما صَنَعُوا في الآخرة، أَو متعلِّق ب **«صَنَعُوا»** فيكون عائداً على الدنيا. انتهى.
 و **«الباطل: كُلُّ ما تقتضي ذاتُه أَلاَّ تُنَال به غايةٌ في ثوابٍ ونحوه، وقوله سبحانه:
 أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: في الآية تأويلات.
 قال ع «٢»** : والراجحُ عندِي مِنَ الأقوال في هذه الآية: أَنْ يكون **«أَفَمَن»** للمؤمنين، أو لهم وللنبيّ صلّى الله عليه وسلّم معهم، والبينة: القرآن وما تضمّن، والشاهد:
 الإِنجيلُ، يريد: أَو إِعجاز القرآن في قولٍ، والضميرُ في **«يتلوه»** للبيِّنة، وفي **«منه»** للربِّ، والضميرُ في **«قبله»** للبينة أيضاً، وغير هذا مما ذُكِرَ محتملٌ، فإِن قيل: إِذا كان الضمير في **«قَبْله»** عائداً على القُرْآنِ، فَلِمَ لَمْ يذْكَر الإِنجيل، وهوَ قبله، وبَيْنَه وبَيْن كتاب موسَى؟، فالجوابُ: أنه خَصَّ التوراة بالذكْرِ لأنه مجمَعٌ عليه، والإِنجيل ليس كذلك لأن اليهود تخالِفُ فيه، فكان الاستشهاد بما تقُومُ به الحجَّةُ على الجميع أولَى، وهذا يجري مَعَ قولِ الجنِّ: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى \[الأحقاف: ٣٠\] والْأَحْزابِ هاهنا يُراد بهم جميعُ الأُمَمِ، وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنه قَالَ: **«مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بي إِلاَّ دَخَلَ النَّار»** **«٣»**، قال سعيدٌ: فقلْتُ: أَيْنَ مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ حَتَّى وَجَدتُّهُ فِي هَذِهِ الآيةِ، وكنت إذا سمعت حديثا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم طَلَبْتُ مِصْدَاقَهُ في كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ **«٤»**، وقرأ

 (١) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٩١، ٥٩٣) كتاب **«الزهد»** باب: ما جاء في الرياء والسمعة، حديث (٢٣٨٢) من حديث أبي هريرة مرفوعا.
 وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ١٥٧).
 (٣) تقدم تخريجه.
 (٤) ذكره من هذا الوجه السيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ٥٨٧)، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه.

### الآية 11:20

> ﻿أُولَٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ۘ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ۚ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [11:20]

وقوله سبحانَهُ : مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ  \[ هود : ٢٠ \]. 
**يَحْتَمِلُ وجوهاً :**
أَحدُها : أَنه وصف سبحانه هؤلاء الكُفَّار بهذه الصفة في الدنيا ؛ علَى معنى أَنَّهم لا يسمعون سماعاً ينتفعُونَ به، ولا يبصُرونَ كذلك. 
والثاني : أنْ يكون وصفهم بذلك مِنْ أَجْلِ بِغْضَتِهِمْ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم فهم لا يستطيعُونَ أَنْ يحملوا نفُوسَهم على السَّمْعِ منه، والنَّظَرِ إِليه. 
**«وَمَا »** ؛ في هذين الوجهين : نافيةٌ. 
الثالث : أنْ يكون التقديرُ : يضاعَفُ لهم العذابُ بما كانوا، أيْ : بسبب ما كانوا ؛ ف**«مَا »** مصدريةٌ، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 11:21

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [11:21]

الأقوال، فخاطب اللَّه تعالَى نبيَّه عليه السلام على هذه الصورة من المخاطَبَة، ووقَّفَهُ بها توقيفاً رَادًّا علَى أقوالهم ومبطلاً لها، وليس المعنَى أنَّه عليه السلام هَمَّ بشيء من ذلك، فَزُجِرَ عنه، فإِنه لم يُرِدْ قطُّ تَرْكَ شيء مما أوحِيَ إِليه، ولا ضَاقَ صدْرُهُ به، وإِنما كان يَضِيقُ صدره بأقوالهم وأفعالهم وبُعْدِهِم عن الإِيمان.
 قال ص، وع **«١»** : وعبَّر ب ضائِقٌ وإِن كان أقلَّ استعمالا من **«ضَيِّقٍ»** لمناسبة تارِكٌ ولأن ضائِقٌ وصفٌ عارضٌ بخلاف **«ضيق»** فإِنه يدل على الثبوت، والصّالح هنا الأول بالنسبة إليه صلّى الله عليه وسلّم، والضمير في **«به»** عائدٌ على البعْضِ، ويحتمل أن يعود على **«ما»** وأَنْ يَقُولُوا أي: كراهةَ أنْ يقولوا، أو لئلاَّ يقولوا، ثم آنسه تعالَى بقوله: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، أي: هذا القدْرُ هو الذي فُوِّضَ إِليك، واللَّه تعالَى بَعْدَ ذلك هو الوكيلُ الممضي لإِيمان من شاء، وكُفْرِ من شاء أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ: **«أم»** بمعنى: **«بل»**، والافتراء أَخصُّ من الكذبِ، ولا يستعملُ إِلا فيما بَهَتَ به المرءُ وكَابَر.
 وقوله سبحانه: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ تقدَّم تفسير نظيرها، وقال بعضُ الناس: هذه الآية متقدِّمة على التي في يُونُسَ إِذْ لا يصحُّ أَنْ يعجزوا في واحدةٍ، ثم يكلَّفوا عشراً.
 قال ع **«٢»** : وقائلُ هذا القولِ لم يَلْحَظْ ما ذكَرْناه مِنَ الفَرْقِ بين التكْليفين، في كمال المماثَلَةِ مرةً كما هو في **«سورة يونس»**، ووقوفها على النظْمِ مرَّة كما هو هنا، وقوله:
 إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: يريد في أنّ القرآن مفترى.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ١٤ الى ٢١\]
 فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)
 الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ مَا كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)

 (١) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ١٥٤). [.....]
 (٢) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ١٥٥).

وقوله سبحانه: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ، لهذه الآية تأويلان:
 أحدهما: أنْ تكون المخاطبةُ من النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للكفَّار، أي: ويكون ضميرُ يَسْتَجِيبُوا على هذا التأويل عائداً على معبوداتهم.
 والثاني: أن تكون المخاطبةُ من اللَّه تعالَى للمُؤمنين، ويكون قوله على هذا فَاعْلَمُوا بمعنى: دُومُوا علَى عِلْمِكُم قال مجاهد: قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ:
 هو لأصحابِ محمَّد عليه السلام **«١»**.
 وقوله سبحانه: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها... الآية: قالت قتادةُ وغيره:
 هي في الكَفَرة **«٢»**، وقال مجاهد: هي في الكفرة وأهْلِ الرياءِ من المؤمنين **«٣»**.
 وإليه ذهب معاويَةُ، والتأويل الأول أَرْجَحُ بحسب تقدُّمِ ذكْرِ الكفَّار، وقال ابنُ العربيِّ في **«أحكامِه»** : بل الآية عامَّة في كلِّ من ينوي غيْرَ اللَّهِ بِعَمَلِه، كان معه إيمان أو لم يكُنْ، وفي هذه الآية بيان لقوله صلّى الله عليه وسلّم: **«إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ مَا نَوَى»** **«٤»**، وذلك أنَّ العبد لا يُعْطَى إِلا عَلَى وَجْهٍ قَصدَهُ، وبحُكْم ما ينعقدُ في ضَمِيرِهِ، وهذا أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه.
 وقوله: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها: قيل: ذلك في صحَّة أبدانهم وإِدرَارِ أرزَاقهم، وقيل: إِن هذه الآية مطْلَقةٌ، وكذلك التي في **«حم عسق»** : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ الآية \[الشورى: ٢٠\] إِلى آخرها، قيَّدتْهما وفسَّرتْهما الآيةُ التي في **«سورة سُبْحانَ»**، وهي قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ...
 الآية \[الإِسراء: ١٨\]، فأخبر سبحانه أَنَّ العبدِ ينوي ويريدُ، واللَّه يحكُمُ ما يريدُ، ثم ذكر ابنُ العربيِّ الحديثَ الصحيحَ في النَّفَرِ الثلاثة الذين كَانَتْ أعمالهم رياءً، وهم رَجُلٌ جمع القرآن، ورجلٌ قُتِلَ في سبيل اللَّه، ورَجُلٌ كثيرُ المالِ، وقولَ اللَّهِ لكلِّ واحدٍ منهم: **«مَاذَا عَمِلْتَ؟»** ثم قال في آخر الحديث: ثمّ ضرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ركبتيّ، وقال: يا أبا هريرة،

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ١٢) برقم: (١٨٠٢٢، ١٨٠٢٤، ١٨٠٢٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ١٥٦)، وذكره السيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ٥٨٣)، وعزاه إلى أبي الشيخ.
 (٢) ذكره ابن عطية (٣/ ١٥٦).
 (٣) ذكره ابن عطية (٣/ ١٥٦).
 (٤) تقدم تخريجه.

أُولَئِكَ الثَّلاَثَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ، ثُمَّ قرأ قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيها» **«١»**، أي: في الدنيا وهذا نصٌّ في مراد الآية، واللَّه أعلم. انتهى.
 وحَبِطَ: معناه: بَطَلَ وسَقَط، وهي مستعملةٌ في فَسَاد الأعمال.
 قال ص: قوله: مَا صَنَعُوا: **«ما»** بمعنى: **«الَّذِي»**، أو مصدريةٌ، و ****«فيها»**** :
 متعلِّقٌ ب **«حَبِطَ»**، والضمير في ****«فيها»**** عائدً على الآخرة، أي: ظهر حبوطُ ما صَنَعُوا في الآخرة، أَو متعلِّق ب **«صَنَعُوا»** فيكون عائداً على الدنيا. انتهى.
 و **«الباطل: كُلُّ ما تقتضي ذاتُه أَلاَّ تُنَال به غايةٌ في ثوابٍ ونحوه، وقوله سبحانه:
 أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: في الآية تأويلات.
 قال ع «٢»** : والراجحُ عندِي مِنَ الأقوال في هذه الآية: أَنْ يكون **«أَفَمَن»** للمؤمنين، أو لهم وللنبيّ صلّى الله عليه وسلّم معهم، والبينة: القرآن وما تضمّن، والشاهد:
 الإِنجيلُ، يريد: أَو إِعجاز القرآن في قولٍ، والضميرُ في **«يتلوه»** للبيِّنة، وفي **«منه»** للربِّ، والضميرُ في **«قبله»** للبينة أيضاً، وغير هذا مما ذُكِرَ محتملٌ، فإِن قيل: إِذا كان الضمير في **«قَبْله»** عائداً على القُرْآنِ، فَلِمَ لَمْ يذْكَر الإِنجيل، وهوَ قبله، وبَيْنَه وبَيْن كتاب موسَى؟، فالجوابُ: أنه خَصَّ التوراة بالذكْرِ لأنه مجمَعٌ عليه، والإِنجيل ليس كذلك لأن اليهود تخالِفُ فيه، فكان الاستشهاد بما تقُومُ به الحجَّةُ على الجميع أولَى، وهذا يجري مَعَ قولِ الجنِّ: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى \[الأحقاف: ٣٠\] والْأَحْزابِ هاهنا يُراد بهم جميعُ الأُمَمِ، وروى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنه قَالَ: **«مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بي إِلاَّ دَخَلَ النَّار»** **«٣»**، قال سعيدٌ: فقلْتُ: أَيْنَ مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ حَتَّى وَجَدتُّهُ فِي هَذِهِ الآيةِ، وكنت إذا سمعت حديثا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم طَلَبْتُ مِصْدَاقَهُ في كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ **«٤»**، وقرأ

 (١) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٩١، ٥٩٣) كتاب **«الزهد»** باب: ما جاء في الرياء والسمعة، حديث (٢٣٨٢) من حديث أبي هريرة مرفوعا.
 وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ١٥٧).
 (٣) تقدم تخريجه.
 (٤) ذكره من هذا الوجه السيوطي في **«الدر المنثور»** (٣/ ٥٨٧)، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه.

### الآية 11:22

> ﻿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ [11:22]

وقوله سبحانه : لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الأخرة هُمُ الأخسرون إِنَّ الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات وَأَخْبَتُواْ إلى رَبِّهِمْ  \[ هود : ٢٢ و٢٣ \]. 
 لاَ جَرَمَ  \[ هود : ٢٢ \]، تقدم بيانها،

### الآية 11:23

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [11:23]

وَأَخْبَتُوا  : قال قتادة : معناه : خشعوا، وقيل : معناه أنابوا ؛ قاله ابن عباس، وقيل : اطمأنوا ؛ قاله مجاهد وقيل : خافوا ؛ قاله ابن عباس أيضاً، وهذه أقوالٌ بعضها قريبٌ من بعض.

### الآية 11:24

> ﻿۞ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ۚ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [11:24]

وقوله سبحانه : مَثَلُ الفريقين  \[ هود : ٢٤ \]
**«الفريقان »** الكافرون والمؤمنون، شبه الكافِرَ بالأعمَى والأصمِّ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ والسميعِ، فهو تمثيلٌ بمثالين.

### الآية 11:25

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [11:25]

وقوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا  \[ هود : ٢٥ و٢٦ و٢٧ \] فيها تمثيلٌ لقريشٍ وكفَّار العرب، وإِعلامٌ بأَن محمَّداً عليه السلام ليس بِبِدْعٍ من الرسل، و**«الأراذل »** جَمْعُ الجمعِ، فقيل : جمع أَرْذُلٍ، وقيل : جَمْعُ أَرْذَالٍ، وهم سِفْلَة النَّاسِ، ومَنْ لا خَلاَقَ له ولا يبالِي ما يَقُولُ، ولا ما يُقَالُ له، وقرأ الجمهور :****«بَادِيَ الرَّأْي »**** \[ هود : ٢٧ \] بباء دون همز من بَدَا يَبْدُو، فيحتمل أنْ يتعلَّق ****«بَادِيَ الرَّأْي »**** ب**«نَرَاكَ »**، أي : و نراك  بأولِ نَظَرٍ وأقلِّ فكرة، وذلك هو بَادِي الرأيِ إِلاَّ ومتَّبِعُوكَ أراذلُنا، ويحتمل أنْ يتعلق بقوله :**«اتبعك »**، أيْ : وما نَرَاكَ اتبعك بَادِيَ الرَّأي إِلا الأراذلُ، ثم يحتملُ علَى هذا قوله : بَادِيَ الرأي  معنيين، أحدهما : أَنْ يريدوا : اتبعك في ظاهر أمرهم، وعسَى أنَّ بواطنهم ليستْ معك. والثاني : أن يريدوا : اتبعوك بأول نَظَرٍ، وبالرأْيِ البادِي، دون تثبُّت، ويحتملُ أنْ يكون قولهم : بَادِيَ الرأي  وصْفاً منهم لنوحٍ، أي : تدَّعِي عظيماً وأَنْتَ مكشوفُ الرأْي، لا حَصَافَة لك، ونصبُهُ على الحالِ، أو على الصفة ل**«بَشَر »**.

### الآية 11:26

> ﻿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [11:26]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥:وقوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا  \[ هود : ٢٥ و٢٦ و٢٧ \] فيها تمثيلٌ لقريشٍ وكفَّار العرب، وإِعلامٌ بأَن محمَّداً عليه السلام ليس بِبِدْعٍ من الرسل، و****«الأراذل »**** جَمْعُ الجمعِ، فقيل : جمع أَرْذُلٍ، وقيل : جَمْعُ أَرْذَالٍ، وهم سِفْلَة النَّاسِ، ومَنْ لا خَلاَقَ له ولا يبالِي ما يَقُولُ، ولا ما يُقَالُ له، وقرأ الجمهور :********«بَادِيَ الرَّأْي »******** \[ هود : ٢٧ \] بباء دون همز من بَدَا يَبْدُو، فيحتمل أنْ يتعلَّق ********«بَادِيَ الرَّأْي »******** ب****«نَرَاكَ »****، أي : و نراك  بأولِ نَظَرٍ وأقلِّ فكرة، وذلك هو بَادِي الرأيِ إِلاَّ ومتَّبِعُوكَ أراذلُنا، ويحتمل أنْ يتعلق بقوله :****«اتبعك »****، أيْ : وما نَرَاكَ اتبعك بَادِيَ الرَّأي إِلا الأراذلُ، ثم يحتملُ علَى هذا قوله : بَادِيَ الرأي  معنيين، أحدهما : أَنْ يريدوا : اتبعك في ظاهر أمرهم، وعسَى أنَّ بواطنهم ليستْ معك. والثاني : أن يريدوا : اتبعوك بأول نَظَرٍ، وبالرأْيِ البادِي، دون تثبُّت، ويحتملُ أنْ يكون قولهم : بَادِيَ الرأي  وصْفاً منهم لنوحٍ، أي : تدَّعِي عظيماً وأَنْتَ مكشوفُ الرأْي، لا حَصَافَة لك، ونصبُهُ على الحالِ، أو على الصفة ل****«بَشَر »****. ---

### الآية 11:27

> ﻿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [11:27]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥:وقوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا  \[ هود : ٢٥ و٢٦ و٢٧ \] فيها تمثيلٌ لقريشٍ وكفَّار العرب، وإِعلامٌ بأَن محمَّداً عليه السلام ليس بِبِدْعٍ من الرسل، و****«الأراذل »**** جَمْعُ الجمعِ، فقيل : جمع أَرْذُلٍ، وقيل : جَمْعُ أَرْذَالٍ، وهم سِفْلَة النَّاسِ، ومَنْ لا خَلاَقَ له ولا يبالِي ما يَقُولُ، ولا ما يُقَالُ له، وقرأ الجمهور :********«بَادِيَ الرَّأْي »******** \[ هود : ٢٧ \] بباء دون همز من بَدَا يَبْدُو، فيحتمل أنْ يتعلَّق ********«بَادِيَ الرَّأْي »******** ب****«نَرَاكَ »****، أي : و نراك  بأولِ نَظَرٍ وأقلِّ فكرة، وذلك هو بَادِي الرأيِ إِلاَّ ومتَّبِعُوكَ أراذلُنا، ويحتمل أنْ يتعلق بقوله :****«اتبعك »****، أيْ : وما نَرَاكَ اتبعك بَادِيَ الرَّأي إِلا الأراذلُ، ثم يحتملُ علَى هذا قوله : بَادِيَ الرأي  معنيين، أحدهما : أَنْ يريدوا : اتبعك في ظاهر أمرهم، وعسَى أنَّ بواطنهم ليستْ معك. والثاني : أن يريدوا : اتبعوك بأول نَظَرٍ، وبالرأْيِ البادِي، دون تثبُّت، ويحتملُ أنْ يكون قولهم : بَادِيَ الرأي  وصْفاً منهم لنوحٍ، أي : تدَّعِي عظيماً وأَنْتَ مكشوفُ الرأْي، لا حَصَافَة لك، ونصبُهُ على الحالِ، أو على الصفة ل****«بَشَر »****. ---

### الآية 11:28

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ [11:28]

وقوله سبحانه : قَالَ يا قوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِندِهِ  \[ هود : ٢٨ \]. 
كأنه قال : أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم، أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال : قال كذا وكذا، إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله : على بَيِّنَةٍ  أي : على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور :**«فَعَمِيَتْ »** ولذلك وجهان من المعنَى :
أحدهما : خَفِيَتْ. 
والثاني : أَنْ يكون المعنَى : فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها. 
وقوله : أَنُلْزِمُكُمُوهَا  : يريد : إِلزامَ جبر ؛ كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ.

### الآية 11:29

> ﻿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ [11:29]

وقوله : وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الذين آمَنُوا  \[ هود : ٢٩ \]. 
يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحَتْ قريشٌ،

### الآية 11:30

> ﻿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [11:30]

\[سورة هود (١١) : الآيات ٢٨ الى ٣٤\]

 قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)
 قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)
 وقوله سبحانه: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ... الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال: قال كذا وكذا إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: عَلى بَيِّنَةٍ أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور:
 **«فَعَمِيَتْ»** **«١»** ولذلك وجهان من المعنَى:
 أحدهما: خَفِيَتْ.
 والثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها.
 وقوله: أَنُلْزِمُكُمُوها: يريد: إِلزامَ جبر كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ.
 وقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحت قريش، وتَزْدَرِي: أصله: تَزْتَرِي تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: تَزْدَرِي: تحتقر، و **«الخير»** هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ الله الخير/ في القرآن، فهو المال.
 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ١٦٤)، و **«البحر المحيط»** (٥/ ٢١٧)، و **«الدر المصون»** (٤/ ٩٣).
 وقد قرأ الأخوان، وحفص بالتشديد، هكذا **«فعمّيت»**، وحجتهم في حرف عبد الله: **«فعمّاها عليكم»**.
 ينظر: **«حجة القراءات»** (٣٣٨)، و **«السبعة»** (٣٣٢)، و **«الحجة»** (٤/ ٣٢٢) و **«إعراب القراءات»** (١/ ٢٧٩)، و **«شرح شعلة»** (٤٢٦)، و **«العنوان»** (١٠٧)، و **«إتحاف»** (٢/ ١٢٤).

### الآية 11:31

> ﻿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [11:31]

و تَزْدَرِي  \[ هود : ٣١ \] أصله : تَزْتَرِي ؛ تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى : تَزْدَرِي  : تحتقر، و**«الخير »** ؛ هنا : يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال ؛ وقد قال بعضُ المفسِّرين : حيثُ ما ذَكَرَ اللَّه الخيرَ في القرآن، فهو المَالُ. 
قال ( ع ) : وفي هذا الكلام تحامُلٌ، والذي يشبه أنْ يقال : أنه حيثُ ما ذُكِرَ الخير، فإِنَّ المَالَ يدْخُل فيه. 
( ت ) : وهذا أيضاً غير ملخَّص، والصواب : أَنَّ الخيرَ أَعمُّ من ذلك كلِّه، وانظر قوله تعالى : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  \[ الزلزلة : ٧ \] فإِنه يشملُ المال وغيرَهُ، ونحْوُه : وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  \[ الحج : ٧٧ \]، وانظر قوله عليه السلام :" اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَةِ "، وقَوْلُهُ تعالَى : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً  \[ النور : ٣٣ \]، فهاهنا لا مدْخَل للمالِ إِلا علَى تجوُّز، وقد يكون الخير المرادُ به المَالُ فَقَطْ ؛ وذلك بحَسَب القرائن، كقوله تعالى : إِن تَرَكَ خَيْرًا  \[ البقرة : ١٨٠ \]. 
وقوله : الله أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ  \[ هود : ٣١ \]. 
تسليمٌ للَّه تعالَى، وقال بعضُ المتأوِّلين : هي ردٌّ على قولهم : اتبعك أراذِلُنا  في ظاهر أمرِهم ؛ حَسَبَ ما تقدَّمَ في بعض التأويلات، ثم قال : إِنِّي إِذاً  لو فعلت ذلك،  لَّمِنَ الظالمين .

### الآية 11:32

> ﻿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [11:32]

وقولهم : قَدْ جَادَلْتَنَا  \[ هود : ٣٢ \] معناه : قد طال منْكَ هذا الجِدَالُ، والمرادُ بقولهم : بِمَا تَعِدُنَا  العذابَ والهلاكَ،  وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ  \[ هود : ٣٣ \] أي : بمفلتين.

### الآية 11:33

> ﻿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [11:33]

\[سورة هود (١١) : الآيات ٢٨ الى ٣٤\]

 قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)
 قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)
 وقوله سبحانه: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ... الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال: قال كذا وكذا إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: عَلى بَيِّنَةٍ أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور:
 **«فَعَمِيَتْ»** **«١»** ولذلك وجهان من المعنَى:
 أحدهما: خَفِيَتْ.
 والثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها.
 وقوله: أَنُلْزِمُكُمُوها: يريد: إِلزامَ جبر كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ.
 وقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحت قريش، وتَزْدَرِي: أصله: تَزْتَرِي تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: تَزْدَرِي: تحتقر، و **«الخير»** هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ الله الخير/ في القرآن، فهو المال.
 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ١٦٤)، و **«البحر المحيط»** (٥/ ٢١٧)، و **«الدر المصون»** (٤/ ٩٣).
 وقد قرأ الأخوان، وحفص بالتشديد، هكذا **«فعمّيت»**، وحجتهم في حرف عبد الله: **«فعمّاها عليكم»**.
 ينظر: **«حجة القراءات»** (٣٣٨)، و **«السبعة»** (٣٣٢)، و **«الحجة»** (٤/ ٣٢٢) و **«إعراب القراءات»** (١/ ٢٧٩)، و **«شرح شعلة»** (٤٢٦)، و **«العنوان»** (١٠٧)، و **«إتحاف»** (٢/ ١٢٤).

### الآية 11:34

> ﻿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [11:34]

\[سورة هود (١١) : الآيات ٢٨ الى ٣٤\]

 قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)
 قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)
 وقوله سبحانه: قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ... الآية: كأنه قال: أرأيتم إِن هدانِي اللَّهُ وأضلَّكم أَأُجبرُكُمْ على الهدَى، وأنتم له كارِهُونَ، وعبارة نوحٍ عليه السلام كانَتْ بلغته دالَّة على المعنى القائِم بنَفْسه، وهو هذا المفهومُ مِنْ هذه العبارة العربيَّة، فبهذا استقام أنْ يقال: قال كذا وكذا إِذ القوم ما أفاد المعنى القائِمَ في النَّفْس، وقوله: عَلى بَيِّنَةٍ أي: على أمْرٍ بيِّن جَلِيٍّ، وقرأ الجمهور:
 **«فَعَمِيَتْ»** **«١»** ولذلك وجهان من المعنَى:
 أحدهما: خَفِيَتْ.
 والثاني: أَنْ يكون المعنَى: فَعُمِّيتُمْ أنتم عنها.
 وقوله: أَنُلْزِمُكُمُوها: يريد: إِلزامَ جبر كالقتال ونحوه، وأما إِلزامُ الإِيجاب، فهو حاصلٌ.
 وقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا: يقتضي أَنَّ قومه طلبوا طَرْدَ الضعفاءِ الذين بادَرُوا إِلى الإِيمان به نَظِيرَ ما اقترحت قريش، وتَزْدَرِي: أصله: تَزْتَرِي تَفْتَعِلُ مِنْ زَرَى يَزْرِي، ومعنى: تَزْدَرِي: تحتقر، و **«الخير»** هنا: يظهر فيه أَنَّهُ خيرُ الآخرة، اللَّهم إِلا أَنْ يكونَ ازدراؤهم من جهة الفَقْر، فيكون الخَيْرُ المال وقد قال بعضُ المفسِّرين: حيثُ ما ذَكَرَ الله الخير/ في القرآن، فهو المال.
 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ١٦٤)، و **«البحر المحيط»** (٥/ ٢١٧)، و **«الدر المصون»** (٤/ ٩٣).
 وقد قرأ الأخوان، وحفص بالتشديد، هكذا **«فعمّيت»**، وحجتهم في حرف عبد الله: **«فعمّاها عليكم»**.
 ينظر: **«حجة القراءات»** (٣٣٨)، و **«السبعة»** (٣٣٢)، و **«الحجة»** (٤/ ٣٢٢) و **«إعراب القراءات»** (١/ ٢٧٩)، و **«شرح شعلة»** (٤٢٦)، و **«العنوان»** (١٠٧)، و **«إتحاف»** (٢/ ١٢٤).

### الآية 11:35

> ﻿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ [11:35]

وقوله سبحانه : أَمْ يَقُولُونَ افتراه  \[ هود : ٣٥ \]. 
قال الطبريُّ وغيرُه : هذه الآيةُ اعترضت في قِصَّة نوحٍ، وهي في شأن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع قُرَيْشٍ. 
قال ( ع ) : ولو صحَّ هذا بسندٍ، لوجب الوقوفُ عنده، وإِلا فهو يَحْتملُ أَنْ يكون في شأن نوح عليه السلام، وتَتَّسِقُ الآية، ويكونُ الضمير في **«افتراه »** عائداً علي ما توعَّدهم به، أو عَلى جميعِ ما أخبرهم به، و  أَمْ  بمعنى **«بل »**.

### الآية 11:36

> ﻿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [11:36]

وقوله سبحانه : وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ  \[ هود : ٣٦ \]. 
الآية، قيل لنوح هذا بَعْدَ أَنْ طال عليه كُفْر القَرْن بعد القَرْن به، وكان يأتيه الرجُلُ بابنه، فيقول : يا بُنَيَّ، لا تُصَدِّقْ هذا الشيخَ، فهكذا عَهِدَهُ أَبي وَجَدِّي كَذَّاباً مَجْنُوناً، رَوَاهُ عُبَيْدُ بن عُمَير وغيره، فروي أنه لما أوحِيَ إِليه ذَلك، دَعَا، فقَالَ : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً  \[ نوح : ٢٦ \]، و تَبْتَئِسْ  من البُؤْس، ومعناه : لا تَحْزَنْ.

### الآية 11:37

> ﻿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [11:37]

وقوله : بِأَعْيُنِنَا  \[ هود : ٣٧ \]. 
يمكنُ أَنْ يريد بمرأًى منا، فيكون عبارةً عن الإِدراك والرعاية والحفْظ، ويكونُ جَمَعَ الأَعْيُنِ، للعظمةِ لا للتكثير، كما قال عزَّ مِنْ قائل : فَنِعْمَ القادرون  \[ المرسلات : ٢٣ \]، والعقيدةُ أنه تعالَى منزهُ عن الحواسِّ، والتشبيهِ، والتكييفِ، لا ربَّ غيره، ويحتملُ قوله : بِأَعْيُنِنَا  أيُّ : بملائكتنا الذين جعلْناهم عيوناً على مواضع حِفْظِكَ وَمَعُونَتِك، فيكون الجَمْعُ على هذا التأويلِ : للتكْثير. 
وقوله : وَوَحْيِنَا  معناه : وتعليمنا له صُورَةَ العَمَل بالوحْيِ، ورُوِيَ في ذلك :( أَنَّ نوحاً عليه السلام لَمَّا جَهِلَ كَيْفِيَّة صُنْعِ السَّفِينَةِ، أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ، أَن اصنعها على مثال جُؤْجُؤِ الطَّائِرِ ) إِلى غير ذلك ممَّا علِمَهُ نوحٌ من عملها. وقوله : وَلاَ تخاطبني فِي الذين ظَلَمُوا  الآية، قال ابْنُ جُرَيْج في هذه الآية : تقدَّم اللَّه إِلَى نوحٍ أَلاَّ يَشْفَعَ فيهم.

### الآية 11:38

> ﻿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [11:38]

وقوله : وَيَصْنَعُ الفلك  \[ هود : ٣٨ \]. 
التقديرُ : فشَرَعَ يصْنَعُ، فحكيتْ حالُ الاستقبال، وال مَلأٌ  هنا : الجماعة. 
وقوله : سَخِرُوا مِنْهُ  الآية : السُّخْر : الاستجهال مع استهزاء، وإِنما سخروا منه في أنْ صنعها في بَرِّيَّةٍ. وقوله : فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ  قال الطبريُّ : يريد في الآخرة. 
قال ( ع ) : ويحتمل الكلام ( وهو الأرجح ) أن يريد : إِنا نسخر منكم الآن، والعذابُ المُخْزِي : هو الغَرَق،

### الآية 11:39

> ﻿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [11:39]

وال مقيم  : هو عذاب الآخرة،

### الآية 11:40

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [11:40]

وال**«الأمر »** : واحد الأمور، ويحتملُ أن يكون مصدر **«أمَرَ »**، فمعناه : أَمْرُنَا للمَاءِ بالفَوَرَانِ،  وَفَارَ  معناه : انبعث بقُوَّة، واختلف النَّاس في التَّنُّور، والذي عليه الأكثَرُ، منهم ابنُ عباس وغيره : أنه هو تَنُّور الخُبْز الذي يُوقَدُ فيه، وقالوا : كانَتْ هذه أمارَةً، جعلها اللَّه لنُوحٍ، أي : إِذا فار التنُّور، فاركب في السفينة. 
وقوله سبحانه : قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول وَمَنْ آمَنَ  \[ هود : ٤٠ \]. 
الزَّوْج : يقال في مشهورِ كلامِ العرب : للواحد مما له ازدواجٌ، فيقال : هذا زَوْجُ هذا، وهما زَوْجَان، والزوج أيضاً في كلام العرب : النَّوْع، وقوله : وَأَهْلَكَ  : عطْفٌ علَى ما عَمِلَ فيه  احمل  والأهل، هنا : القرابةُ، وبشَرْط مَنْ آمن منهم، خُصِّصُوا تشريفاً، ثم ذكر  مَنْ آمَنَ ، وليس من الأهْل، واختلف في الذي سبق عليه القوْلُ بالعَذَابِ، فقيل : ابنُهُ يَام، أوْ كنعان، وقيل : امرأته وَالِعَةُ بالعين المهملة، وقيل : هو عمومٌ فيمن لم يؤمن مِنْ أهْل نوحٍ، ثم قال سبحانه إِخباراً عن حالهم : وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ .

### الآية 11:41

> ﻿۞ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [11:41]

وقوله تعالى : وَقَالَ اركبوا فِيهَا  \[ هود : ٤١ \] أي : وقال نوحٌ لمن معه : اركبوا فيها، وقوله : بِسْمِ الله  يصحُّ أنْ يكون في موضع الحال في ضمير **«اركبوا »**، أي : اركبوا متبرِّكين باسم اللَّه، أو قائلين : باسم اللَّه، ويجوزُ أن يكون : بِسْمِ الله مجراها ومرساها  جملةً ثانيةً من مبتدإٍ وخبرٍ، لا تعلُّق لها بالأولَى كأنه أمرهم أولاً بالركوب، ثم أخبر أن مجراها ومرساها باسم اللَّه. قال الضَّحَّاك : كان نوحٌ إِذا أراد جَرْت السفينة، جَرَتْ، وإِذا أَراد وقوفَها، قال : باسم اللَّه، فتقف، وقرأ الجمهور بضم الميم من **«مُجْرَاهَا ومُرْسَاهَا »** على معنى إِجرائها وإِرسائها، وقرأ الإخَوَان حَمْزَةُ والكِسَائيُّ وحفصٌ بفتح ميمٌ **«مَجْريهَا »** وكسر الراء، وكلُّهم ضمَّ الميم في **«مُرْسَاهَا »**. 
( ت ) : قوله :**«وكسر الراء »** : يريد إِمالتها، وفي كلامِهِ تسامُحٌ، ولفظُ البخاريِّ : مُجْرَاها : مَسِيرُها، ومُرْسَاها : مَوْقِفُها، وهو مصدرُ : أُجْرَيْتُ وأَرْسَيْتُ. انتهى. 
قال النوويُّ : ورُوِّيَنا في **«كتاب ابن السُّنِّيِّ »** بسنده، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أنَّهُ قَالَ :( أَمَانٌ لأُمَّتي مِنَ الغَرَقِ، إِذَا رَكِبُوا أَنْ يَقُولُوا : بِسْمِ الله مجراها ومرساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ   وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ  الآية \[ الأنعام : ٩١ \] )، هكذا هو في النُّسَخ :**«إِذَا رَكِبُوا »**، ولم يقلْ :**«في السفينة »** انتهى.

### الآية 11:42

> ﻿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [11:42]

وقوله : وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ  \[ هود : ٤٢ \]. 
أي : في ناحيةٍ، أي : في بُعْدٍ عن السفينة، أوْ عن الدِّين، واللفظ يعمُّهما. 
وقوله : وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين  : يحتمل أنْ يكون نهياً محضاً مع علمه بأَنَّه كافرٌ، ويحتمل أنْ يكون خَفِيَ عليه كُفْره ؛ والأول أبْيَن.

### الآية 11:43

> ﻿قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [11:43]

وقوله : لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ  \[ هود : ٤٣ \]. 
الظاهر أنَّ  لاَ عَاصِمَ  اسمُ فاعِلٍ على بابه، وقوله : إِلاَّ مَن رَّحِمَ  : يريد إِلا اللَّهَ الرَّاحِمَ، ف**«مَنْ »** كنايةٌ عن اللَّه، المعنى : لا عاصِمَ اليَوْم إِلا الذي رَحِمَنَا.

### الآية 11:44

> ﻿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [11:44]

وقوله سبحانه : وَقِيلَ يا أرض ابلعي مَاءَكِ  \[ هود : ٤٤ \]. 
البَلْع : تجرُّع الشيء ؛ وازدراده، والإِقلاع عن الشيء : تركُه، و غِيضَ  معناهُ : نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يجيء فيما هو بمعنى الجُفُوف، وقوله : وَقُضِيَ الأمر  : إِشارة إِلى جميع القصَّة : بعثِ الماء، وإِهلاكِ الأُممِ، وإِنجاءِ أَهْلِ السفينة. 
قال ( ع ) : وتظاهرت الرواياتُ وكُتُبُ التفسير بأَنَّ الغرق نَالَ جميعَ أَهْلِ الأَرْضِ، وعَمَّ الماءُ جَمِيعَهَا ؛ قاله ابن عباس وغيره، وذلك بَيِّن من أمْرِ نوحٍ بحمل الأزواجِ مِنْ كلِّ الحيوانِ، ولولا خَوْفُ فنائها مِنْ جميعِ الأرضِ، ما كان ذلك، وروي أنَّ نوحاً عليه السلام رَكِبَ في السفينةِ مِنْ عَيْنِ الوَرْدَةِ بالشامِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، واستوت \[ السفينة \] على الجودِيِّ في ذي الحِجَّة، وأقامَتْ عليه شهراً، وقيل له : اهبط  في يوم عاشُورَاءَ، فصامه هو ومَنْ معه، وروي أنَّ اللَّه تعالى أَوحى إِلى الجبالِ ؛ أَنَّ السفينة تَرْسِي على واحد منها، فتطاوَلَتْ كلُّها، وبقي الجُودِيُّ، وهو جبلٌ بالمَوْصِل في ناحيةِ الجزيرةِ، لم يتطاوَلْ ؛ تواضعاً للَّه ؛ فاستوت السفينةُ بأمْر اللَّهِ عليه، وقال الزَّجَّاجُ : الجُودِيُّ : هو بناحية **«آمد »**، وقال قوم : هو عند باقردي، وأكْثَرَ النَّاسُ في قصص هذه الآية، واللَّه أعلم بما صَحَّ من ذلك. 
وقوله : وَقِيلَ بُعْدًا  : يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه عزَّ وجلَّ ؛ عطفاً على قوله : وَقِيلَ  الأولِ، ويحتملُ أن يكون من قول نوحٍ والمؤمنين، والأول أظهر.

### الآية 11:45

> ﻿وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [11:45]

وقوله : إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي  \[ هود : ٤٥ \]. 
احتجاج من نوحٍ عليه السلام أَنَّ اللَّه أمره بحَمْلِ أهله، وابنه من أهله، فينبغي أن يُحْمَلَ، فأظهر اللَّه له أنَّ المراد مَنْ آمَنَ من الأهْلِ، وهذه الآية تقتضي أن نوحاً عليه السلام ظَنَّ أنَّ ابنه مؤمنٌ.

### الآية 11:46

> ﻿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [11:46]

وقوله : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ  \[ هود : ٤٦ \] أي : الذين عَمَّهم الوعْد ؛ لأنه ليس على دينِك، وإِن كان ابنك بالولادة. 
وقوله : عَمَلٌ غَيْرُ صالح  : جعله وصفاً له بالمصدر ؛ على جهة المبالغة في وصفه بذلك ؛ كما قالت الخَنْسَاءُ تصفُ ناقَةً ذَهَبَ عنْها ولَدُها :\[ البسيط \]

تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا ادكرت  فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُأي : ذاتُ إِقبالٍ وإِدبارٍ ؛ ويبيِّن هذا قراءةُ الكسَائِيِّ أَنَّهُ  عَمَلٌ  غَيْرَ صَالحٍ فعلاً ماضياً، ونصب **«غير »** على المفعول ل**«عَمِلَ »**، وقولُ من قال :**«إِن الولد كان لِغِيَّةٍ »** خطأ محضٌ، وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والجمهور ؛ قالوا : وأما قوله تعالى : فَخَانَتَاهُمَا  \[ التحريم : ١٠ \] فإِن الواحدة كانَتْ تقول للناس : هو مجنونٌ، والأخرَى كانت تنبِّه على الأضيافِ، وأما خيانة غَيْرُ هذا، فلا ؛ ويَعْضُدُه المعنَى، لشرف النبوءة، وجوَّز المَهْدَوِيُّ أَنْ يعود الضمير في **«إِنَّهُ »** على السؤال، أي : إِن سؤالك إِيَّايَ ما ليس لَكَ به علْم عملٌ غَيْرُ صالحٍ ؛ قاله النَّخَعِيُّ وغيره. انتهى. والأولُ أبينُ ؛ وعليه الجمهورُ، وبه صدَر المهدويُّ، ومعنى قوله : فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  أي : إِذَا وَعَدتكَ، فاعلم يقيناً ؛ أَنه لا خُلْفَ في الوعد، فإِذا رأيتَ ولدك لم يُحْمَلْ، فكان الواجبُ عليك أنْ تقف، وتَعْلَم أَنَّ ذلك بحقٍّ واجبٍ عند اللَّه. 
قال ( ع ) : ولكنَّ نوحاً عليه السلام حملته شفقةُ الأُبوَّة وسجيَّة البَشَر على التعرُّض لنفَحَاتِ الرحْمة، وعَلَى هذا القَدْر وقَع عتابُهُ ؛ ولذلك جاء بتلطُّف وترفيع في قوله سبحانه : إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين ، ويحتمل قوله : فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  أي : لا تطلُبْ منِّي أمراً لا تعلم المصلحة فيه عِلْمَ يقينٍ، ونحا إِلى هذا أبو عليٍّ الفارسيُّ، وهذا والأول في المعنَى واحدٌ.

### الآية 11:47

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [11:47]

وقوله : رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ  \[ هود : ٤٧ \]. إِنابة منه عليه السلام، وتسليمٌ لأمر ربه، والسؤالُ الذي وقع النهْيُ عنه، إِنما هو سؤالُ العَزْمِ الذي معه محاجَّة وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فيما قد حُجِبَ وجْهُ الحكمة فيه، وأما السؤال ؛ علَى جهة الاسترشاد والتعلُّم، فغير داخل في هذا،

### الآية 11:48

> ﻿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [11:48]

ثم قيل له : اهبط بسلام  \[ هود : ٤٨ \] وذلك عند نزوله من السفينة، وال سلام  ؛ هنا : السلامةُ والأمن، وال بركات  الخيرُ والنموُّ في كلِّ الجهات، وهذه العِدَةُ، تعمُّ جميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، قاله محمد بن كَعْب القُرَظِي، ثم قطع قَوْلُهُ : وَأُمَمٍ  عَلَى وجْه الابتداء، وهؤلاء هم الكُفَّار إِلى يوم القيامة.

### الآية 11:49

> ﻿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [11:49]

وقوله سبحانه : تِلْكَ  \[ هود : ٤٩ \] إِشارة إِلى القصة، وباقي الآية بيِّنٍ.

### الآية 11:50

> ﻿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ [11:50]

وقوله عز وجل : وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا  \[ هود : ٥٠ \]. 
عَطْفٌ على قوله : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ  \[ هود : ٢٥ \].

### الآية 11:51

> ﻿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [11:51]

الفارسيُّ، وهذا والأول في المعنَى واحدٌ.
 وقوله: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ: إِنابة منه عليه السلام، وتسليمٌ لأمر ربه، والسؤالُ الذي وقع النهْيُ عنه، إِنما هو سؤالُ العَزْمِ الذي معه محاجَّة وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فيما قد حُجِبَ وجْهُ الحكمة فيه، وأما السؤال علَى جهة الاسترشاد والتعلُّم، فغير داخل في هذا، ثم قيل له: اهْبِطْ بِسَلامٍ، وذلك عند نزوله من السفينة، والسلام هنا: السلامة والأمن، والبركات الخيرُ والنموُّ في كلِّ الجهات، وهذه العِدَةُ، تعمُّ جميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ، ثم قطع قَوْلُهُ:
 وَأُمَمٌ عَلَى وجْه الابتداء، وهؤلاء هم الكُفَّار إلى يوم القيامة **«١»**.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ٤٩ الى ٥١\]
 تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١)
 وقوله سبحانه: تِلْكَ إِشارة إِلى القصة، وباقي الآية بيّن.
 وقوله عز وجل: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً... الآية: عَطْفٌ على قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ \[هود: ٢٥\].
 \[سورة هود (١١) : الآيات ٥٢ الى ٥٩\]
 وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)
 فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)
 وقوله: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ... الآية: الاستغفار: طَلَبُ المغفرة، فقَدْ يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإِنابة القَلْب وطَلَب الاسترشاد.
 وقوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، أي: بالإِيمان من كُفْركم، والتوبَةُ: عقْدٌ في ترك متوب

 (١) ذكره ابن عطية (٣/ ١٧٩)، والبغوي في **«تفسيره»** (٢/ ٣٨٧) برقم: (٤٨) بلا نسبة.

### الآية 11:52

> ﻿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ [11:52]

وقوله : ويا قوم استغفروا رَبَّكُمْ  \[ هود : ٥٢ \]، الاستغفار : طَلَبُ المغفرة، فقَدْ يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإِنابة القَلْب وطَلَب الاسترشاد. 
وقوله : ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ، أي : بالإِيمان من كُفْركم، والتوبَةُ : عقْدٌ في ترك مَتُوبٍ منه، يتقدَّمها عِلْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها و مِّدْرَاراً  بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة **«عاد »**. 
وقوله سبحانه : وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ  ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أَنْ خَصَّ القوة بالذكْرِ، إِذا كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ،

### الآية 11:53

> ﻿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [11:53]

وقولهم : عَن قَوْلِكَ ، أي : لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا. 
وقال ( ص ) : عَن قَوْلِكَ  \[ هود : ٥٣ \] حالٌ من الضمير في **«تاركي »**، أي : صادِرِينَ عن قولك، وقيل :**«عن »** : للتعليل، كقولهِ : إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ ، \[ التوبة : ١١٤ \]

### الآية 11:54

> ﻿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ۗ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [11:54]

وقولهم : إِن نَّقُولُ  \[ هود : ٥٤ \] معناه : ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال : عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي ؛ إِذا أَلمَّ بالشيء.

### الآية 11:55

> ﻿مِنْ دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ [11:55]

وقوله : فَكِيدُونِي جَمِيعًا  \[ هود : ٥٥ \]. 
أي : أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يَقْدِروا علَى نيله بسُوءٍ، و تَنظِرُونَ  : معناه : تؤخِّروني، أيْ : عاجلوني بما قَدَرْتم عليه.

### الآية 11:56

> ﻿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ۚ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [11:56]

وقوله : إِنَّ رَبِّي على صراط مُّسْتَقِيمٍ  \[ هود : ٥٦ \]. 
يريد أن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإِحكام، وقوله الصِّدْقُ ووعَده الحَقُّ،

### الآية 11:57

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ۚ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [11:57]

الفارسيُّ، وهذا والأول في المعنَى واحدٌ.
 وقوله: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ: إِنابة منه عليه السلام، وتسليمٌ لأمر ربه، والسؤالُ الذي وقع النهْيُ عنه، إِنما هو سؤالُ العَزْمِ الذي معه محاجَّة وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فيما قد حُجِبَ وجْهُ الحكمة فيه، وأما السؤال علَى جهة الاسترشاد والتعلُّم، فغير داخل في هذا، ثم قيل له: اهْبِطْ بِسَلامٍ، وذلك عند نزوله من السفينة، والسلام هنا: السلامة والأمن، والبركات الخيرُ والنموُّ في كلِّ الجهات، وهذه العِدَةُ، تعمُّ جميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ، ثم قطع قَوْلُهُ:
 وَأُمَمٌ عَلَى وجْه الابتداء، وهؤلاء هم الكُفَّار إلى يوم القيامة **«١»**.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ٤٩ الى ٥١\]
 تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١)
 وقوله سبحانه: تِلْكَ إِشارة إِلى القصة، وباقي الآية بيّن.
 وقوله عز وجل: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً... الآية: عَطْفٌ على قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ \[هود: ٢٥\].
 \[سورة هود (١١) : الآيات ٥٢ الى ٥٩\]
 وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)
 فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)
 وقوله: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ... الآية: الاستغفار: طَلَبُ المغفرة، فقَدْ يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإِنابة القَلْب وطَلَب الاسترشاد.
 وقوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، أي: بالإِيمان من كُفْركم، والتوبَةُ: عقْدٌ في ترك متوب

 (١) ذكره ابن عطية (٣/ ١٧٩)، والبغوي في **«تفسيره»** (٢/ ٣٨٧) برقم: (٤٨) بلا نسبة.

### الآية 11:58

> ﻿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [11:58]

الفارسيُّ، وهذا والأول في المعنَى واحدٌ.
 وقوله: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ: إِنابة منه عليه السلام، وتسليمٌ لأمر ربه، والسؤالُ الذي وقع النهْيُ عنه، إِنما هو سؤالُ العَزْمِ الذي معه محاجَّة وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فيما قد حُجِبَ وجْهُ الحكمة فيه، وأما السؤال علَى جهة الاسترشاد والتعلُّم، فغير داخل في هذا، ثم قيل له: اهْبِطْ بِسَلامٍ، وذلك عند نزوله من السفينة، والسلام هنا: السلامة والأمن، والبركات الخيرُ والنموُّ في كلِّ الجهات، وهذه العِدَةُ، تعمُّ جميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ، ثم قطع قَوْلُهُ:
 وَأُمَمٌ عَلَى وجْه الابتداء، وهؤلاء هم الكُفَّار إلى يوم القيامة **«١»**.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ٤٩ الى ٥١\]
 تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١)
 وقوله سبحانه: تِلْكَ إِشارة إِلى القصة، وباقي الآية بيّن.
 وقوله عز وجل: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً... الآية: عَطْفٌ على قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ \[هود: ٢٥\].
 \[سورة هود (١١) : الآيات ٥٢ الى ٥٩\]
 وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)
 فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)
 وقوله: وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ... الآية: الاستغفار: طَلَبُ المغفرة، فقَدْ يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإِنابة القَلْب وطَلَب الاسترشاد.
 وقوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ، أي: بالإِيمان من كُفْركم، والتوبَةُ: عقْدٌ في ترك متوب

 (١) ذكره ابن عطية (٣/ ١٧٩)، والبغوي في **«تفسيره»** (٢/ ٣٨٧) برقم: (٤٨) بلا نسبة.

### الآية 11:59

> ﻿وَتِلْكَ عَادٌ ۖ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [11:59]

و عَنِيدٍ  \[ هود : ٥٩ \] من عند إِذا عَتَا.

### الآية 11:60

> ﻿وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ [11:60]

وقوله سبحانه : وَأُتْبِعُواْ فِي هذه الدنيا لَعْنَةً  \[ هود : ٦٠ \]. 
حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا ؛ لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ : لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ، كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث. 
( ت ) : وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ،  وَيَوْمَ  : ظَرفٌ، ومعناه : أَن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 11:61

> ﻿۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [11:61]

وقوله عز وجل : وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا  \[ هود : ٦١ \]. 
التقديرُ : وأرسلنا إِلى ثمودَ و أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض  : أي : اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم عليه. 
وقال ( ص ) : مِّنَ الأرض  : لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان. انتهى. 
وقد نقل ( ع ) : في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامه »** : قوله تعالى : واستعمركم فِيهَا  : أي : خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال : هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها ؛ كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة. 
( ت ) : والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم. انتهى.

### الآية 11:62

> ﻿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [11:62]

وقولهم : يا صالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا  \[ هود : ٦٢ \] قال جمهور المفسِّرين : معناه : مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم : وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ  معنى : مُرِيبٍ  : مُلْبِس متهم،

### الآية 11:63

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ [11:63]

وقوله : أَرَءَيْتُمْ  \[ هود : ٦٣ \] أي : أتدبرتم، فالرؤية قلبيَّةٌ، و آتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً ، يريد : النبوءة وما انضاف إِليها. 
وقال ( ص ) : قد تقرَّر في  أَرَأيْتُمْ  أنها بمعنى أخبروني. انتهى. 
وال تَخْسِيرٍ  هو من الخسَارَةِ، وليس التخْسِيرُ في هذه الآية إِلا لهم، وفي حَيِّزِهم، وهذا كما تقولُ لمن تُوصِيهِ : أَنا أريدُ بكَ خَيْراً، وأَنْتَ تريدُ بي شَرًّا. 
وقال ( ص ) : غَيْرَ تَخْسِيرٍ  من خَسِرَ، وهو هنا للنسبيَّةِ ك**«فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ »** ؛ إِذا نسبتَهُ إِليهما. 
( ت ) : ونقل الثعلبيّ عن الحسيْنِ بْنِ الفَضْل، قال : لم يكُنْ صَالِحٌ في خسارةٍ، حين قال : فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ، وإِنما المعنى : ما تزيدُونَني بما تقولُونَ إِلاَّ نسبتي إِياكم للخَسَارة، وهو مِنْ قول العرب : فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ ؛ إِذا نسبته إِلى الفسوق والْفُجور. انتهى. وهو حسنٌ. وباقي الآية بيِّن قد تقدَّم الكلامُ في قصصها.

### الآية 11:64

> ﻿وَيَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ [11:64]

منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها ومِدْراراً بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة **«عاد»**.
 وقوله سبحانه: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أن خصّ القوة بالذكر، إذ كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم: عَنْ قَوْلِكَ، أي: لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال ص: عَنْ قَوْلِكَ: حالٌ من الضمير في **«تاركي»**، أي: صادِرِينَ عن قولك، وقيل: **«عن»** : للتعليل، كقولهِ: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ \[التوبة:
 ١١٤\] وقولهم: إِنْ نَقُولُ... الآية: معناه: ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال: / عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي إِذا أَلمَّ بالشيء.
 وقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، وتُنْظِرُونِ: معناه: تؤخِّروني، أيْ: عاجلوني بما قَدَرْتم عليه.
 وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يريد: إِن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإحكام، وقوله الصّدق ووعده الحقّ، وعَنِيدٍ: من **«عند»** إذا عتا.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ٦٠ الى ٦٦\]
 وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)
 فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)
 وقوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً... الآية: حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ: لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ،

كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث **«١»**.
 ت: وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، وَيَوْمَ: ظَرفٌ، ومعناه: إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيّن.
 وقوله عز وجل: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً... الآية: التقديرُ: وأرسلنا إلى ثمود وأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: أي: اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام.
 وقال ص: مِنَ الْأَرْضِ: لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان. انتهى.
 وقد نقل ع **«٢»** : في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامه»** **«٣»** : قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها:
 أي: خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال: هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة.
 ت: والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم. انتهى. وقولهم:
 يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا، قال جمهور المفسِّرين: معناه: مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، معنى: مُرِيبٍ: ملبس متهم، وقوله: أَرَأَيْتُمْ: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبيّة، وآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً، يريد: النبوَّة وما انضاف إِليها.

 (١) قد ورد في تحريم اللعن عدة أحاديث منها، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: **«من لعن مؤمنا فهو كقتله»**.
 أخرجه البخاري (١٠/ ٤٧٩) كتاب **«الأدب»** باب: ما ينهى من السباب واللعن، حديث (٦٠٤٧).
 ومنها حديث أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: **«لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعانا»**.
 أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٥) كتاب ****«البر والصلة»**** باب: النهي عن لعن الدواب وغيرها، حديث (٨٤/ ٢٥٩٧)، وأحمد (٢/ ٣٣٧)، والبيهقي (١٠/ ١٩٣)، والبغوي في **«شرح السنة»** (٦/ ٣١٥- بتحقيقنا).
 ومنها أيضا حديث عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: **«ليس المؤمن بالطّعان ولا باللّعان ولا الفاحش ولا البذيء»**.
 أخرجه الترمذي (٤/ ٣٠٨) كتاب ****«البر والصلة»**** باب: ما جاء في اللعنة، حديث (١٩٧٧)، وأحمد (١/ ٤٠٥)، والبخاري في **«الأدب المفرد»** (١١٧)، والحاكم (١/ ١٢) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وسكت عنه الذهبي.
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ١٨٣).
 (٣) ينظر: **«أحكام القرآن»** (٣/ ١٠٥٩).

### الآية 11:65

> ﻿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [11:65]

منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها ومِدْراراً بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة **«عاد»**.
 وقوله سبحانه: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أن خصّ القوة بالذكر، إذ كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم: عَنْ قَوْلِكَ، أي: لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال ص: عَنْ قَوْلِكَ: حالٌ من الضمير في **«تاركي»**، أي: صادِرِينَ عن قولك، وقيل: **«عن»** : للتعليل، كقولهِ: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ \[التوبة:
 ١١٤\] وقولهم: إِنْ نَقُولُ... الآية: معناه: ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال: / عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي إِذا أَلمَّ بالشيء.
 وقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، وتُنْظِرُونِ: معناه: تؤخِّروني، أيْ: عاجلوني بما قَدَرْتم عليه.
 وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يريد: إِن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإحكام، وقوله الصّدق ووعده الحقّ، وعَنِيدٍ: من **«عند»** إذا عتا.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ٦٠ الى ٦٦\]
 وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)
 فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)
 وقوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً... الآية: حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ: لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ،

كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث **«١»**.
 ت: وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، وَيَوْمَ: ظَرفٌ، ومعناه: إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيّن.
 وقوله عز وجل: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً... الآية: التقديرُ: وأرسلنا إلى ثمود وأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: أي: اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام.
 وقال ص: مِنَ الْأَرْضِ: لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان. انتهى.
 وقد نقل ع **«٢»** : في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامه»** **«٣»** : قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها:
 أي: خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال: هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة.
 ت: والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم. انتهى. وقولهم:
 يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا، قال جمهور المفسِّرين: معناه: مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، معنى: مُرِيبٍ: ملبس متهم، وقوله: أَرَأَيْتُمْ: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبيّة، وآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً، يريد: النبوَّة وما انضاف إِليها.

 (١) قد ورد في تحريم اللعن عدة أحاديث منها، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: **«من لعن مؤمنا فهو كقتله»**.
 أخرجه البخاري (١٠/ ٤٧٩) كتاب **«الأدب»** باب: ما ينهى من السباب واللعن، حديث (٦٠٤٧).
 ومنها حديث أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: **«لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعانا»**.
 أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٥) كتاب ****«البر والصلة»**** باب: النهي عن لعن الدواب وغيرها، حديث (٨٤/ ٢٥٩٧)، وأحمد (٢/ ٣٣٧)، والبيهقي (١٠/ ١٩٣)، والبغوي في **«شرح السنة»** (٦/ ٣١٥- بتحقيقنا).
 ومنها أيضا حديث عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: **«ليس المؤمن بالطّعان ولا باللّعان ولا الفاحش ولا البذيء»**.
 أخرجه الترمذي (٤/ ٣٠٨) كتاب ****«البر والصلة»**** باب: ما جاء في اللعنة، حديث (١٩٧٧)، وأحمد (١/ ٤٠٥)، والبخاري في **«الأدب المفرد»** (١١٧)، والحاكم (١/ ١٢) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وسكت عنه الذهبي.
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ١٨٣).
 (٣) ينظر: **«أحكام القرآن»** (٣/ ١٠٥٩).

### الآية 11:66

> ﻿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [11:66]

منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها ومِدْراراً بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة **«عاد»**.
 وقوله سبحانه: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أن خصّ القوة بالذكر، إذ كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم: عَنْ قَوْلِكَ، أي: لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال ص: عَنْ قَوْلِكَ: حالٌ من الضمير في **«تاركي»**، أي: صادِرِينَ عن قولك، وقيل: **«عن»** : للتعليل، كقولهِ: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ \[التوبة:
 ١١٤\] وقولهم: إِنْ نَقُولُ... الآية: معناه: ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال: / عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي إِذا أَلمَّ بالشيء.
 وقوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً: أي: أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يقدروا على نيله بسوء، وتُنْظِرُونِ: معناه: تؤخِّروني، أيْ: عاجلوني بما قَدَرْتم عليه.
 وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يريد: إِن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإحكام، وقوله الصّدق ووعده الحقّ، وعَنِيدٍ: من **«عند»** إذا عتا.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ٦٠ الى ٦٦\]
 وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤)
 فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)
 وقوله سبحانه: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً... الآية: حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ: لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ،

كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث **«١»**.
 ت: وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، وَيَوْمَ: ظَرفٌ، ومعناه: إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيّن.
 وقوله عز وجل: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً... الآية: التقديرُ: وأرسلنا إلى ثمود وأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ: أي: اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم عليه السلام.
 وقال ص: مِنَ الْأَرْضِ: لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان. انتهى.
 وقد نقل ع **«٢»** : في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامه»** **«٣»** : قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها:
 أي: خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال: هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة.
 ت: والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم. انتهى. وقولهم:
 يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا، قال جمهور المفسِّرين: معناه: مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم: وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، معنى: مُرِيبٍ: ملبس متهم، وقوله: أَرَأَيْتُمْ: أي: أتدبرتم، فالرؤية قلبيّة، وآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً، يريد: النبوَّة وما انضاف إِليها.

 (١) قد ورد في تحريم اللعن عدة أحاديث منها، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: **«من لعن مؤمنا فهو كقتله»**.
 أخرجه البخاري (١٠/ ٤٧٩) كتاب **«الأدب»** باب: ما ينهى من السباب واللعن، حديث (٦٠٤٧).
 ومنها حديث أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: **«لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعانا»**.
 أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٥) كتاب ****«البر والصلة»**** باب: النهي عن لعن الدواب وغيرها، حديث (٨٤/ ٢٥٩٧)، وأحمد (٢/ ٣٣٧)، والبيهقي (١٠/ ١٩٣)، والبغوي في **«شرح السنة»** (٦/ ٣١٥- بتحقيقنا).
 ومنها أيضا حديث عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: **«ليس المؤمن بالطّعان ولا باللّعان ولا الفاحش ولا البذيء»**.
 أخرجه الترمذي (٤/ ٣٠٨) كتاب ****«البر والصلة»**** باب: ما جاء في اللعنة، حديث (١٩٧٧)، وأحمد (١/ ٤٠٥)، والبخاري في **«الأدب المفرد»** (١١٧)، والحاكم (١/ ١٢) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وسكت عنه الذهبي.
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ١٨٣).
 (٣) ينظر: **«أحكام القرآن»** (٣/ ١٠٥٩).

### الآية 11:67

> ﻿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [11:67]

وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة  \[ هود : ٦٧ \] قال أبو البقاء : في حَذْف التاءِ من **«أخذ »** ثلاثةُ أَوْجُهٍ :
إحداها : أنه فَصَلَ بين الفعل والفاعل. 
والثاني : أن التأنيثَ غير حقيقيٍّ. 
والثالث : أن الصيْحَة بمعنى الصِّيَاحِ، فحُمِلَ على المعنى، انتهى. 
وقد أشار ( ع ) : إِلى الثلاثَة، واختار الأخير.

### الآية 11:68

> ﻿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ [11:68]

وقال ص: قد تقرّر في أَرَأَيْتُمْ أنها بمعنى أخبروني. انتهى.
 وال تَخْسِيرٍ هو من الخسَارَةِ، وليس التخْسِيرُ في هذه الآية إِلا لهم، وفي حَيِّزِهم، وهذا كما تقولُ لمن تُوصِيهِ: أَنا أريدُ بكَ خَيْراً، وأَنْتَ تريدُ بي شَرًّا.
 وقال ص: غَيْرَ تَخْسِيرٍ: من خَسِرَ، وهو هنا للنسبيَّةِ ك **«فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ»** إِذا نسبتَهُ إِليهما.
 ت: ونقل الثعلبيّ عن الحسيْنِ بْنِ الفَضْل، قال: لم يكُنْ صَالِحٌ في خسارةٍ، حين قال: فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وإِنما المعنى: ما تزيدُونَني بما تقولُونَ إِلاَّ نسبتي إِياكم للخَسَارة، وهو مِنْ قول العرب: فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ إِذا نسبته إِلى الفسوق والْفُجور.
 انتهى. وهو حسنٌ. وباقي الآية بيّن قد تقدّم الكلام في قصصها.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ٦٧ الى ٧٤\]
 وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١)
 قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)
 وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ: قال أبو البقاء: في حَذْف التاءِ من **«أخذ»** ثلاثةُ أَوْجُهٍ:
 أحدها: أنه فَصَلَ بين الفعل والفاعل.
 والثاني: أن التأنيثَ غير حقيقيٍّ.
 والثالث: أن الصيْحَة بمعنى الصِّيَاحِ، فحُمِلَ على المعنى، انتهى.
 وقد أشار ع»
 : إِلى الثلاثَة، واختار الأخير.
 وقوله سبحانه: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى: الرسُلُ: الملائكة، قال المَهْدوِيُّ: بِالْبُشْرى يعني: بالولدِ، وقيل: البشرى بهلاك قوم لوط انتهى.

 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ١٨٦).

قالُوا سَلاماً: أي: سلَّمنا عليك سلاماً، وقرأ حمزة **«١»** والكسائي: **«قَالُوا سَلاَماً قالَ سِلْمٌ»**، فيحتمل أنْ يريد ب **«السِّلْمِ»** السلامَ، ويحتمل أن يريد ب **«السّلم»** ضدّ الحرب، وحَنِيذٍ: بمعنى: محنوذ، ومعناه: بعجْلٍ مشويٍّ نَضِجٍ، يقْطُر ماؤه، وهذا القَطْر يفصلُ الحَنيذَ من جملة المشويَّات، وهيئة المحنُوذِ في اللغة: / الذي يُغَطَّى بحجارةٍ أو رَمْلٍ مُحَمًّى أو حائل بينه وبيْن النَّار يغطى به، والمُعَرَّض: من الشِّواء الذي يُصَفَّف على الجَمْر، والمُضَهَّبِ: الشِّوَاءُ الذي بينه وبين النَّار حائلٌ، ويكون الشِّواء عليه، لا مَدْفُوناً به، والتَّحُنِيذُ في تضمير الخَيْل: هو أنْ يغطَّى الفَرَس بِجِلٍّ على جُلٍّ ليتصبّب عرقه، ونَكِرَهُمْ على ما ذكر كثيرٌ من النَّاس، معناه: أَنْكَرهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً من أجْل امتناعهم من الأكل إِذ عُرْفُ مَنْ جاء بِشَرٍّ أَلاَّ يأْكل طعامَ المنْزُولِ به، قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه»** **«٢»** :
 ذهب الليثُ بْنُ سَعْدٍ إلى أنّ الضّيافة واجبة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: **«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، ومَا وَرَاءَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ»** **«٣»**، وفي رواية: **«ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يثوي «٤»** عنْدَهُ حتَّى يُحْرِجَهُ» **«٥»** وهذا حديثٌ صحيحٌ، خرَّجه الأئمةِ، واللفظ للترمذيِّ، وذهب علماء الفقْه إِلى: أن الضيافة لا تجبُ، وحملوا الحديثَ على النَّدْب.
 قال ابنُ العربيِّ: والذي أقولُ به أن الضيافَةَ فَرْضٌ على الكفَايَةِ، ومِنَ الناسِ مَنْ قال:
 إِنها واجبةٌ في القُرَى حيثُ لا مَأْوَى ولا طَعَام بخلاف الحواضر لتيسّر ذلك فيها.

 (١) ينظر: **«السبعة»** (٣٣٧- ٣٣٨)، و **«الحجة»** (٤/ ٣٥٩)، و **«إعراب القراءات السبع»** (١/ ٢٨٨) و **«حجة القراءات»** (٣٤٦)، و **«الإتحاف»** (٢/ ١٣٠) و **«المحرر الوجيز»** (٣/ ١٨٧)، و **«البحر المحيط»** (٥/ ٢٤٢)، و **«الدر المصون»** (٤/ ١١٢)، و **«العنوان»** (١٠٨)، و **«شرح شعلة»** (٤٣١).
 (٢) ينظر: **«أحكام القرآن»** (٣/ ١٠٦١).
 (٣) ينظر: الحديث الآتي. [.....]
 (٤) الثّواء: طول المقام. ينظر: **«لسان العرب»** (٥٢٤).
 (٥) أخرجه البخاري (١٠/ ٤٦٠) كتاب ****«الأدب»**** باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (٦٠١٩)، وباب: إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه (٦١٣٥)، و (١١/ ٣١٤) الرقاق باب: حفظ اللسان (٦٤٧٦)، ومسلم (٣/ ١٣٥٣) في اللقطة، باب: الضيافة ونحوها (١٤، ١٦/ ٤٨)، وأبو داود (٢/ ٣٦٩) كتاب **«الأطعمة»** باب: ما جاء في الضيافة (٣٧٤٨)، والترمذي في **«البر والصلة»** باب: ما جاء في الضيافة، وغاية الضيافة كم هو؟ (١٩٦٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢١٢) في ****«الأدب»**** باب: حق الضيف (٣٦٧٥)، وأحمد (٤/ ٣١) (٦/ ٣٨٥)، ومالك (٢/ ٩٢٩) في كتاب **«صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم»** باب: جامع ما جاء في الطعام، والشراب (٢٢)، والبيهقي (٩/ ١٩٧)، والدارمي (٢/ ٩٨)، والحميدي (٢/ ٢٦٢) برقم: (٥٧٦)، والبغوي في شرح السنة (٦/ ١٠٤) برقم: (٢٨٩٦) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح العدوي به مرفوعا.
 وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

### الآية 11:69

> ﻿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [11:69]

وقوله سبحانه : وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إبراهيم بالبشرى  \[ هود : ٦٩ \]. 
الرسُلُ : الملائكة، قال المَهْدوِيُّ : بالبشرى  يعني : بالولدِ، وقيل : البُشْرَى بهلاك قومِ لوطٍ انتهى. 
 قَالُواْ سَلاَماً  : أي : سلَّمنا عليك سلاماً، وقرأ حمزة والكسائي :**«قَالُوا سَلاَماً قالَ سِلْمٌ »**، فيحتمل أنْ يريد ب**«السِّلْمِ »** السلامَ، ويحتمل أن يريد ب **«السِّلْم »** ضدَّ الحرب، و حَنِيذٍ  : بمعنى : محنوذ، ومعناه : بعجْلٍ مشويٍّ نَضِجٍ، يقْطُر ماؤه، وهذا القَطْر يفصلُ الحَنيذَ من جملة المشويَّات، وهيئة المحنُوذِ في اللغة : الذي يُغَطَّى بحجارةٍ أو رَمْلٍ مُحَمّي أو حائل بينه وبيْن النَّار يغطى به، والمُعَرَّض : من الشِّواء الذي يُصَفَّف على الجَمْر، والمُضَهَّبِ : الشِّوَاءُ الذي بينه وبين النَّار حائلٌ، ويكون الشِّواء عليه، لا مَدْفُوناً به، والتَّحُنِيذُ في تضمير الخَيْل : هو أنْ يغطَّى الفَرَس بِجِلٍّ على جُلٍّ ؛ ليتصبَّب عَرَقُه،

### الآية 11:70

> ﻿فَلَمَّا رَأَىٰ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۚ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ [11:70]

و نَكِرَهُمْ  \[ هود : ٧٠ \] على ما ذكر كثيرٌ من النَّاس، معناه : أَنْكَرهم  وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً  ؛ من أجْل امتناعهم من الأكل ؛ إِذ عُرْفُ مَنْ جاء بِشَرٍّ أَلاَّ يأْكل طعامَ المنْزُولِ به. 
قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه »** : ذهب الليثُ بْنُ سَعْدٍ إِلى أَنَّ الضِّيَافَةَ واجِبَةٌ، لقوله صلى الله عليه وسلم :( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخَرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، ومَا وَرَاءَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ )، وفي رواية :( ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يثوي عنْدَهُ حتَّى يُحْرِجَهُ ) وهذا حديثٌ صحيحٌ، خرَّجه الأئمةِ، واللفظ للترمذيِّ. 
وذهب علماء الفقْه إِلى : أن الضيافة لا تجبُ، وحملوا الحديثَ على النَّدْب. 
قال ابنُ العربيِّ : والذي أقولُ به أن الضيافَةَ فَرْضٌ على الكفَايَةِ، ومِنَ الناسِ مَنْ قال : إِنها واجبةٌ في القُرَى حيثُ لا مَأْوَى ولا طَعَام ؛ بخلاف الحواضِرِ ؛ لتيسُّر ذلك فيها، قال ابنُ العربيِّ : ولا شكَّ أن الضيْفَ كريمٌ، والضِّيافة كرامَةٌ، فإِن كان عديماً، فهي فريضةٌ انتهى. 
و أَوْجَسَ  معناه : أحس والوجيسُ : ما يعتري النفْسَ عنْد الحَذَرِ، وأوائلِ الفَزَعِ.

### الآية 11:71

> ﻿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [11:71]

وقوله سبحانه : فَضَحِكَتْ  \[ هود : ٧١ \]. 
قال الجمهور : هو الضَّحِكُ المعروفُ، وذكر الطبري أن إِبراهيم عليه السلام لَمَّا قَدَّم العجْل، قالوا له : إِنَّا لا نأكل طعاماً إِلاَّ بثمنٍ، فقال لهم : ثمنُهُ : أنْ تذْكُروا اللَّه تعالَى عليه في أَوَّله، وتَحْمَدوه في آخره، فقال جبريلُ لأصحابه : بحَقٍّ اتخذ اللَّهُ هَذَا خَلِيلاً، ثم بَشَّر الملائكةُ سَارَّة بإِسحاق، وبأَنَّ إِسحاقَ سَيَلِدُ يعقُوبَ، ويسمَّى ولَدُ الوَلَد  وَرَاء ، وهو قريبٌ من معنى ****«وراء »**** في الظرف، إِذ هو ما يكونُ خَلْف الشيء وبَعْده. 
وقال ( ص ) :****«وراء »**** ؛ هنا : استعمل غَيْرَ ظرفٍ، لدخولِ **«مِنْ »** عليه، أي : ومِنْ بَعْدِ إِسحاق. انتهى.

### الآية 11:72

> ﻿قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ [11:72]

وقولها : يا ويلتي  \[ هود : ٧٢ \] الألفُ بَدَلٌ من ياء الإِضافة، أصلها : يَا وَيْلَتِي، ومعنى :**«يَا وَيْلَتَا »** في هذا الموضع : العبارةُ عَمَّا دَهَمَ النَّفْسَ من العَجَبِ في ولادةِ عَجُوزٍ، و مِنْ أَمْرِ الله  : واحدُ الأمور.

### الآية 11:73

> ﻿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [11:73]

وقوله سبحانه : رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت  \[ هود : ٧٣ \]. 
يحتمل أنْ يكون دعاءً، وأنْ يكون خبراً. 
( ص ) : أَهْلَ البيت  على النداءِ أو على الاختصاص، أو على المَدْحِ، انتهى. وهذه الآية تعطي أَنَّ زوجة الرجل مِنْ أَهْلِ بيتِهِ. 
( ت ) : وهي هُنَا منْ أهْل البيت على كلِّ حال، لأنها من قرابَتِهِ، وابنة عَمِّه، و**«الْبَيْتُ »**، في هذه الآية، وفي **«سورة الأحزاب »** بيتُ السكْنَى.

### الآية 11:74

> ﻿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ [11:74]

وقوله : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع وَجَاءَتْهُ البشرى يجادلنا  \[ هود : ٧٤ \]. 
أي : أخذ يُجادِلُنا **«في قومِ لوطٍ »**.

### الآية 11:75

> ﻿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [11:75]

وقوله تعالى : إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ  \[ هود : ٧٥ \]. 
وُصِفَ عليه السلام بالحِلْمِ، لأنه لم يغضَبْ قطُّ لنفسه إِلاَّ أَنْ يغضب للَّه،

### الآية 11:76

> ﻿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ [11:76]

وأمْرُهُ بالإِعراض عن المُجَادلة يقتضي أنها إِنَّما كانَتْ في الكَفَرَةِ، حرصاً على إِسلامهم، و أَمْرُ رَبِّكَ  واحدُ الأمور، أي : نفذ فيهم قضاؤُهُ سبحانه، وهذه الآية مقتضيةٌ أنَّ الدعاء إِنما هو أنْ يوفِّق اللَّه الداعِيَ إِلى طَلَب المَقْدور، فأما الدُّعاء في طَلَبِ غير المقدورِ، فغير مُجْدٍ ولا نافع. 
( ت ) : والكلام في هذه المسألة متَّسعٌ رَحْبٌ، ومن أحسن ما قيل فيها قولُ الغَزَّالِيِّ في **«الإِحياء »** : فإِنْ قلْتَ : فما فائدةُ الدُّعاءِ، والقَضَاءُ لا يُرَدُّ ؟ فالجوابُ : أَنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاءِ بالدعاءِ، فالدعاءُ سَبَبٌ لردِّ البلاء، واستجلاب الرحمة ؛ كما أن التُّرْسَ سبَبٌ لردِّ السهم، والماء سبَبٌ لخروجِ النباتِ، انتهى. وقد أطال في المسألة، ولولا الإِطالة لأَتَيْتُ بِنُبَذٍ يثلج لها الصِدْرُ، وخرَّجَ الترمذيُّ في **«جامعه »** عن أبي خزامة، واسمه رِفَاعَةُ، عن أبيه، قال : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ :( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رقًّى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ، وتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّه شَيْئاً ؟ قَالَ :**«هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ »**، قال أبو عيسَى : هذا حديثٌ حسن، وفي بعض نُسَخِهِ : حسنٌ صحيحٌ، انتهى. فليس وراء هذا الكلام من السيِّد المعصوم مرمًى لأَحدٍ، وتأمَّل جواب الفارُوق لأبِي عُبَيْدة، حِينَ هَمَّ بالرجوعِ مِنْ أجْلِ الدخول علَى أرْضٍ بها الطاعُونُ، وهي الشام.

### الآية 11:77

> ﻿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [11:77]

وقوله سبحانه : وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً  \[ هود : ٧٧ \]. 
الرسُل هنا : الملائكة أضيافُ إِبراهيم، قال المهدويُّ : والرسُلُ هنا : جبريلُ وميكائيلُ وإِسرافيلُ، ذكره جماعة من المفسِّرين. انتهى، واللَّه أعلم بتعيينهم، فإِن صحَّ في ذلك حديثٌ، صِيَر إِليه، وإِلا فالواجبُ الوقْفُ، و سِيءَ بِهِمْ  أي : أصابهُ سُوءٌ، و**«الذَّرْع »** : مصدرٌ مأخوذٌ من الذِّراع، ولما كان الذراعُ موضعَ قُوَّةِ الإِنسان، قيل في الأمر الذي لا طَاقَةَ له به : ضَاقَ بِهَذَا الأمْرِ ذِرَاعُ فُلاَنٍ، وذَرْعُ فلانٍ، أيْ : حيلته بذراعِهِ، وتوسَّعوا في هذا حتَّى قلبوه، فقالوا : فلانٌ رَحْبُ الذِّرَاع، إِذا وصَفُوه باتساع القدرةِ، و عَصِيبٌ  : بناء اسمِ فاعلٍ، معناه : يعصب النَّاسَ بالشرِّ، فهو من العِصَابة، ثم كَثُر وصفهم لليَوْمِ بعصيبٍ ؛ ومنه :\[ الوافر \]
وَقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ\*\*\*
وبالجملة ف**«عصيب »** : في موضع شديدٍ وصعبِ الوطأة،

### الآية 11:78

> ﻿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [11:78]

و يُهْرَعُونَ  \[ هود : ٧٨ \] معناه : يُسْرِعون،  وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السيئات  : أيْ : كَانت عادتهم إِتيان الفاحشة في الرجال.

### الآية 11:79

> ﻿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [11:79]

وقوله : هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ  \[ هود : ٧٨ \] يعني : بالتزويجِ، وقولهم : وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ  : إِشارة إِلى الأضيافِ، فلما رأَى لوطٌ استمرارهم في غَيِّهم، قال : على جهة التفجُّع والاستكانة :

### الآية 11:80

> ﻿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ [11:80]

لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً  \[ هود : ٨٠ \]. 
قال ( ع ) :**«لَوْ أنَّ »** : جوابها محذوفٌ، أي : لَفَعَلْتُ كذا وكذا، ويروَى أنَّ الملائكةَ وَجَدَتْ عليه ؛ حين قال هذه الكلماتِ، وقالوا : إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطاً لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ فَالْعَجَبُ مِنْهُ لما استكان ). 
قال ( ع ) : وإِنما خشي لوطٌ عليه السلام أنْ يمهل اللَّهُ أولئك العِصَابَةَ حتى يَعْصُوهُ في الأضيافِ، كما أمهلهم فيما قَبْلَ ذلك، ثم إِن جبريل عليه السلام ضَرَبَ القوم بجَنَاحِهِ، فطمس أعينهم،

### الآية 11:81

> ﻿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [11:81]

ثم أمروا لوطاً بالسُّرَى، وأعلموه بأنَّ العذاب نازلٌ بالقوم، فقال لهم لوطٌ : فَعَذِّبوهم السَّاعة، فقالوا له : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح  \[ هود : ٨١ \] أي : بهذا أمَرَ اللَّه، ثم آنسُوه في قَلَقِهِ بقولهم : أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ ، و**«القِطْع »** : القطعة من الليل. 
قال ( ص ) : إِلاَّ امرأتك  : ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو بالرفع، والباقون بالنَّصْبِ، فقيل : كلاهما استثناءٌ من  أَحَدٌ ، وقيل : النصب على الاستثناء من  أَهْلِكَ  انتهى.

### الآية 11:82

> ﻿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [11:82]

وقوله سبحانه : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ  \[ هود : ٨٢ \]. 
ذهبت فرقةٌ، منهم ابن عباس إِلى أَن الحجارة التي رُمُوا بها كَانَتْ كالآجُرِّ المطبوخِ، كانَتْ من طينٍ قد تحجَّر، وأَن سِجِّيلاً معناها : ماءٌ وطينٌ، وهذا القول هو الذي عليه الجمهورُ، وقالت فرقة :**«من سِجِّيلٍ »** : معناه : مِنْ جهنَّم ؛ لأنه يقالُ : سِجّيل وسِجِّين، حَفِظَ فيها بَدَلَ النُّون لاماً، وقيل غير هذا و مَّنضُودٍ  : معناهُ : بعضه فوق بعض، متتابع،

### الآية 11:83

> ﻿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [11:83]

و مُّسَوَّمَةً  \[ هود : ٨٣ \] أي : مُعْلَمةٌ بعلامة. 
وقوله تعالى : وَمَا هِيَ  : إِشارةٌ إِلى الحِجَارة، و الظالمين  : قيل : يعني قريشاً، وقيل : يرد عمومَ كلِّ مَن اتصف بالظُّلْمِ، وهذا هو الأصَحُّ، وقيل : يعني بهذا الإِعلامَ بأَنَّ هذه البلادَ قريبةٌ من مكَّة، وما تقدَّم أَبْيَن.

### الآية 11:84

> ﻿۞ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ۚ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ [11:84]

وقوله عز وجل : وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يا قوم اعبدوا الله مَا لَكُم مِّنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُوا المكيال والميزان إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ  \[ هود : ٨٤ \]. 
قوله : بِخَيْرٍ  : قال ابن عباس : معناه : في رُخْصٍ من الأسعار، وقيل : قوله : بِخَيْرٍ  : عامٌّ في جميع نِعَمِ اللَّه تعالَى،

### الآية 11:85

> ﻿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [11:85]

و تَعْثَوا  \[ هود : ٨٥ \] معناهُ تَسْعُوْنَ في فسادٍ، يقال : عَثَا يَعْثُو، وَعَثَي يَعْثِي ؛ إِذا أفسد.

### الآية 11:86

> ﻿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [11:86]

وقوله : بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ  \[ هود : ٨٦ \]. 
قال ابن عباس : معناه : الذي يُبْقِي اللَّه لكُمْ من أموالكم بَعْد توفيتكم الكَيْلَ والوَزْن خيرٌ لكم مما تستكثرونَ به على غير وجْهه، وهذا تفسيرٌ يليق بلفظ الآية، وقال مجاهد : معناه : طاعةُ اللَّه، وهذا لا يعطيه لفْظُ الآية. 
قال ( ص ) : وقرأ الحسنُ :**«تَقِيَّةُ اللَّهِ »**، أي : تقواه. 
قال ( ع ) : وإِنما المعنى عندي : إِبقاءُ اللَّه علَيْكُم إِنْ أطعتم،

### الآية 11:87

> ﻿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [11:87]

وقولهم : أصلواتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَآ  \[ هود : ٨٧ \] قالت فرقة : أرادوا الصلواتِ المعروفةَ، وروي أن شعيباً عليه السلام كان أكْثَرَ الأنبياءِ صلاةً، وقال الحسنُ : لم يَبْعَث اللَّهُ نبيًّا إِلا فرض عَلَيْه الصَّلاة والزَّكَاة، وقيل : أرادوا : أدعواتُكَ، وذلك أنَّ من حَصَّل في رتبةٍ مِنْ خيرٍ أَو شَرٍّ، ففي الأكثر تَدْعُوه رتبته إِلى التزيُّد من ذلك النوْعِ، فمعنى هذا : لما كنْتَ مصلِّياً، تجاوزْتَ إِلى ذمِّ شرعنا وحالِنا، فكأن حاله من الصلاة جَسَّرته علَى ذلك، فقيل : أَمَرَتْه ؛ كما قال تعالَى : إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشاء والمنكر  \[ العنكبوت : ٤٥ \]. 
قال ( ص و ع ) : أَوْ أَن نَّفْعَلَ  \[ هود : ٨٧ \] معطوفٌ على  مَا يَعْبُدُ ، و**«أو »** للتنويعِ، انتهى. وظاهر حالِهِمُ الذي أشاروا إِليه هو بَخْسُ الكيل والوَزْنِ الذي تقدَّم ذكره، وروي أن الإِشارة إِلى قَرْضِهِمْ الدِّينار والدِّرْهم، وإِجراء ذلك مع الصَّحِيح على جهة التدْلِيسِ ؛ قاله محمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وتؤوَّل أيضاً بمعنى تبديلِ السِّكَك التي قصد بها أكْلُ أموالِ الناس. 
قال ابنُ العربيِّ : قال ابن المسيَّب : قطع الدنانير والدَّرَاهم مِنَ الفَسَاد في الأرْضِ ؛ وكذلك قال زيد بن أسْلَمَ في هذه الآية، وفَسَّرها به، ومثله عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ من رواية مالكٍ، قال ابنُ العَرَبِيِّ : وإِذا كان قَطْعُ الدنانير والدَّراهمِ وقَرْضُها من الفسَادِ، عُوقِبَ مَنْ فَعَلَ ذلك، وقَرْضُ الدراهم غَيْرُ كَسْرها ؛ فإِن الكسر : فسادُ الوصفُ، والقَرْض : تنقيصٌ للقَدْر، وهو أَشَدُّ من كَسْرها، فهو كالسرقة. انتهى من **«الأحكام »** مختصراً، وبعضه بالمعنَى. 
وقولهم : إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد . 
قيل : إِنهم قالوه ؛ على جهة الحقيقة، أي : أنت حليم رشيدٌ، فلا ينبغي لك أنْ تَنْهَانا عن هذه الأحوالِ، وقيل : إِنما قالوا هذا ؛ على جهة الاستهزاء.

### الآية 11:88

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [11:88]

وقوله : وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا  \[ هود : ٨٨ \]. 
أي : سالماً من الفَسَادِ الذي أدْخَلْتُم في أمْوالكم، وجوابُ الشَّرْط الذي في قوله : إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي  محذوفٌ، تقديره : أَأَضِلُّ كما ضَلَلْتُمْ، أو أتركُ تبليغَ رِسَالَةِ ربِّي، ونحو هذا.

### الآية 11:89

> ﻿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [11:89]

وقوله : لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ  \[ هود : ٨٩ \]. 
معناه : لا يُكْسِبَنَّكُمْ، و  شِقَاقِي  : معناه : مُشَاقتي، وَعَدَاوَتِي و**«إنْ »** : مفعولةٌ ب يَجْرِمَنَّكُمْ . 
قال ( ص، وع ) : وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ  : أي : بزمانٍ بعيدٍ، أو بمكانٍ.

### الآية 11:90

> ﻿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [11:90]

قال ( ص ) : وَدُودٌ  \[ هود : ٩٠ \] بناءُ مبالغةٍ مِنْ وَدَّ الشَّيْءَ، إِذا أَحَبَّه، وآثره. 
( ع ) : ومعناه : أن أفعاله سُبْحَانَهُ وَلُطْفه بعباده لَمَّا كَانَتْ في غاية الإِحْسَان إِليهمْ، كانَتْ كَفِعْلِ مَنْ يتودَّد وَيَوَدُّ المصنوعَ له،

### الآية 11:91

> ﻿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ [11:91]

وقولُهم : مَا نَفْقَهُ  \[ هود : ٩١ \] كقولِ قريشٍ : قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ  \[ فصلت : ٥ \]، والظاهر من قولهم : إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا  : أنهم أرادوا ضَعْفَ الانتصار والقُدْرة، وأنَّ رهطه الكَفَرة يُرَاعَوْنَ فيه،

### الآية 11:92

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا ۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [11:92]

والرَّهْط : جماعةُ الرجُلِ، وقولهم : لرجمناك  أي : بالحجارة ؛ قاله ابن زَيْد، وقيل : بالسَّبِّ باللسان، وقولهم : بِعَزِيزٍ  : أي : بذي منعةٍ وعزةٍ، ومنزلةٍ، و**«ظِّهْرِيّا »** \[ هود : ٩٢ \] الشيءُ الذي يكونُ وراءَ الظهر، وذلك يكون في الكَلاَم على وجهين : إِما بمعنى الاطراح ؛ كما تقولُ : جَعَلْتَ كلامِي وَرَاءَ ظَهْرِكَ، ودَبْرَ أُذْنِكَ، وعلى هذا المعنَى حمل الجمهورُ الآية، أي : اتخذتم أمْرَ اللَّه وشَرْعَه وراء ظُهُوركم، أي : غَيْرَ مراعًى، وإِما بأَنْ يستند إِليه ويلجأ ؛ كما قال عليه السلام :**«وألجأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ »** ؛ وعلى هذا المعنَى حمل الآية قَوْمٌ : أي : وأنتم تتَّخذون اللَّه سَنَدَ ظُهُورِكُمْ وعِمَادَ آمالكم.

### الآية 11:93

> ﻿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ۖ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ ۖ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ [11:93]

وقوله : اعملوا على مَكَانَتِكُمْ  \[ هود : ٩٣ \]. 
معناه : على حالاتكم، وفيه تهديدٌ. 
وقوله : سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وارتقبوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ  : والصحيحُ : أَن الوقْفَ في قوله : إِنِّي عامل .

### الآية 11:94

> ﻿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [11:94]

وقوله سبحانه : وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُوا الصيحة  \[ هود : ٩٤ \]. 
 الصيحة  : هي صَيْحَة جبريل عليه السلام.

### الآية 11:95

> ﻿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [11:95]

وقوله سبحانه : كَأَن لَّمْ يَغْنَوا فِيهَا  \[ هود : ٩٥ \]. 
 يَغْنَوا  : معناه : يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ ؛ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير **«فيها »** عائد على الديار. 
وقوله : بُعْدًا  : مصدرٌ دعا به ؛ كقولك : سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ : سلام عَلَيْكُمُ  \[ النحل : ٣٢ \] ؛ لأن  بُعْدًا  إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة :**«بَعِدَتْ »** بكسر العين : الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور ؛ ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ :\[ الكامل \]

لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ  سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ :\[ الطويل \]يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي  وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَاوأما من قرأ :**«بَعُدَتْ »**، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ. 
قال ( ص ) : وقال ابْنُ الأنباريِّ : من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما : بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ. انتهى.

### الآية 11:96

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ [11:96]

ظَهْرِكَ، ودَبْرَ أُذْنِكَ، وعلى هذا المعنَى حمل الجمهورُ الآية، أي: اتخذتم أمْرَ اللَّه وشَرْعَه وراء ظُهُوركم، أي: غَيْرَ مراعًى، وإِما بأَنْ يستند إِليه ويلجأ كما قال عليه السلام:
 **«وألجأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ»** **«١»** وعلى هذا المعنَى حمل الآية قَوْمٌ: أي: وأنتم تتَّخذون اللَّه سَنَدَ ظُهُورِكُمْ وعِمَادَ آمالكم.
 وقوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ معناه: على حالاتكم، وفيه تهديدٌ.
 وقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ: والصحيحُ: أَن الوقْفَ في قوله: إِنِّي عامِلٌ.
 وقوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ... الآية: الصَّيْحَةُ: هي صيحة/ جبريل عليه السلام.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ٩٥ الى ٩٩\]
 كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)
 وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها... الآية: يَغْنَوْا: معناه: يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير **«فيها»** عائد على الديار.
 وقوله: بُعْداً: مصدرٌ دعا به كقولك: سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ:
 سَلامٌ عَلَيْكُمْ \[النحل: ٣٢\] لأن بُعْداً إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة: **«بَعِدَتْ»** - بكسر العين-: الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور»
 ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ: \[الكامل\]

لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ  سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ **«٣»** (١) تقدم تخريجه.
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٢٠٤)، و **«البحر المحيط»** (٥/ ٢٥٧)، و **«الدر المصون»** (٤/ ١٢٧).
 (٣) البيت في **«ديوانها»** ص: (٤٣)، و **«الأشباه والنظائر»** (٦/ ٢٣١)، و **«أمالي المرتضى»** (١/ ٢٠٥)، و **«الإنصاف»** (٢/ ٤٦٨)، و **«أوضح المسالك»** (٣/ ٣١٤)، **«الحماسة البصريّة»** (١/ ٢٢٧)، و **«خزانة الأدب»** (٥/ ٤١- ٤٢، ٤٤)، و **«الدر»** (٦/ ١٤)، و **«سمط اللآلي»** ص: (٥٤٨)، و **«شرح أبيات سيبويه»** (٢/ ١٦)، و **«شرح التصريح»** (٢/ ١١٦)، و **«الكتاب»** (١/ ٢٠٢)، (٢/ ٥٧- ٥٨، ٦٤)، -[.....]

ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ: \[الطويل\]

يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي  وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا **«١»** وأما من قرأ: **«بَعُدَتْ»**، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ **«٢»** فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ.
 قال ص: وقال ابْنُ الأنباريِّ: من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ. انتهى.
 وقوله سبحانه: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ: أي: وخالفوا أمْرَ موسَى، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، أي: بمرشِدٍ إِلى خير.
 وقال ع **«٣»** : بِرَشِيدٍ: أي: بمصيب في مَذْهَبِهِ يَقْدُمُ قَوْمَهُ: أي: يقدمهم إلى النار، والْوِرْدُ، في هذه الآية: هو ورودُ دُخُولٍ.
 قال ص: والْوِرْدُ: فاعل **«بئس»**، والْمَوْرُودُ: المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ: مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ.
 وجوَّز ع **«٤»** : وأبو البقاءِ أنْ يكونُ **«المَوْرُود»** صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي: بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و **«الوِرْد»** : يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل: الوِرْد: بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود: صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي: بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى.
 وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً: يريد: دارَ الدنيا.
 وقوله: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أي: بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذاب، والرّفد
 و ****«لسان العرب»**** (٥/ ٢١٤) (نضر)، و ****«المحتسب»**** (٢/ ١٩٨)، و **«المقاصد النحويّة»** (٣/ ٦٠٢)، (٤/ ٧٢)، وبلا نسبة في **«رصف المباني»** ص: (٤١٦)، و **«شرح الأشموني»** (٢/ ٣٩٩).
 (١) البيت من الطويل، وهو لمالك بن الريب في **«ديوانه»** ص: (٤٦)، و **«خزانة الأدب»** (٢/ ٣٣٨)، (٥/ ٤٦)، و **«شرح شواهد المغني»** (٢/ ٦٣٠)، و ****«لسان العرب»**** (٣/ ٩١) (بعد)، وبلا نسبة في **«مغني اللبيب»** (١/ ٢٤٧).
 (٢) ينظر: **«مصادر القراءة السابقة»**، و **«الشواذ»** ص: (٦٥)، و ****«المحتسب»**** (١/ ٣٢٧)، و **«الكشاف»** (٢/ ٤٢٥).
 (٣) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ٢٠٤).
 (٤) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ٢٠٥).

### الآية 11:97

> ﻿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [11:97]

وقوله سبحانه : فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ  \[ هود : ٩٧ \]. 
أي : وخالفوا أمْرَ موسَى،  وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ، أي : بمرشِدٍ إِلى خير. 
وقال ( ع ) : بِرَشِيدٍ  : أي : بمصيب في مَذْهَبِهِ،

### الآية 11:98

> ﻿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [11:98]

يَقْدُمُ قَوْمَهُ  \[ هود : ٩٨ \] أي : يقدمهم إِلى النار، و الورد ، في هذه الآية : هو ورودُ دُخُولٍ. 
قال ( ص ) : وال  الورد  : فاعلُ **«بِئْسَ »**، و المورود  : المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ : مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ. 
وجوَّز ( ع ) : وأبو البقاءِ أنْ يكونُ **«المَوْرُود »** صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي : بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و**«الوِرْد »** : يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل : الوِرْد : بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود : صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي : بئس القوم المَوْرُود بهم، انتهى.

### الآية 11:99

> ﻿وَأُتْبِعُوا فِي هَٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ [11:99]

وَأُتْبِعُوا فِي هذه لَعْنَةً  \[ هود : ٩٩ \]. 
يريد : دارَ الدنيا. وقوله : بِئْسَ الرفد المرفود  أي : بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذابُ، والرِّفْدُ في كلام العرب : العطيَّة.

### الآية 11:100

> ﻿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ [11:100]

وقوله سبحانه : ذلك مِنْ أَنْبَاءِ القرى نقصه  \[ هود : ١٠٠ \]. 
 ذلك  : إِشارة إِلى ما تقدَّم من ذكْر العُقُوبات النَّازلة بالأُمَمِ المذكُورة،  مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ  : أي : منها قائمُ الجُدُرَاتِ، ومتهدِّمٌ دائر، والآيةَ بجملتها متضمِّنة التخويفَ وضَرْبَ المثلِ للحاضرين مِنْ أَهْل مكَّة وغيرهم،

### الآية 11:101

> ﻿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ۖ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [11:101]

وال تَتْبِيبٍ  \[ هود : ١٠١ \] الخُسْرَانُ، ومنه : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ  \[ المسد : ١ \]. 
وقوله : وكذلك  \[ هود : ١٠٢ \] الإِشارةُ إِلى ما ذكر من الأخذات في الأمَم، وهذه آية وعيدٍ يعمُّ قرى المُؤمنين والكافرينَ، فإِنَّ **«ظالمة »** : أعمُّ من **«كافرة »**، وقد يمهل اللَّه تعالَى بعْضَ الكَفَرَة، وأما الظَّلَمَةُ، فمعاجَلُون في الغَالِبِ، وقد يُمْلي لَبَعْضِهِمْ، وفي الحديث، من رواية أبي موسَى ؛ أن رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ :**«إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه »**،

### الآية 11:102

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [11:102]

ثم قرأ : وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظالمة ، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاءَ الوَعِيدِ، واستمراره في الزمان ؛

### الآية 11:103

> ﻿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [11:103]

إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً  \[ هود : ١٠٣ \] أي : لعبرةً وعلامةَ اهتداءٍ،  لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الأخرة ، ثم عَظَّمَ اللَّه أمْرَ الآخرة، فقالَ : ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس ، وهو يومُ الحَشْر،  وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ  يَشْهَدُهُ الأوَّلون والآخِرُون ؛ من الملائِكَةِ، والإِنس، والجنِّ والحيوانِ ؛ في قول الجمهور،

### الآية 11:104

> ﻿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [11:104]

وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ  \[ هود : ١٠٤ \] لا يتقدَّم عنه ولا يتأخَّر. 
قال ( ص ) : والظاهر أنَّ ضمير فاعل :**«يأت »** : يعودُ على ما عاد عَلَيْه ضَميرُ **«نُؤَخِّره »**،

### الآية 11:105

> ﻿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [11:105]

والناصبُ ل**«يَوْم »** **«لا تَكَلَّمُ »** \[ هود : ١٠٥ \] والمعنى : لا تكَلَّمُ نَفْسٌ يوم يأتي ذلك اليَوْمُ إِلا بإِذنه سبحانه. انتهى. 
وقوله تعالى : فَمِنْهُمْ  : عائدٌ على الجمعِ الذي يتضمَّنه قوله : نَفْسٌ ، إِذ هو اسمُ جِنْسٍ يراد به الجَمْعُ

### الآية 11:106

> ﻿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [11:106]

فَأَمَّا الذين شَقُوا فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ  \[ هود : ١٠٦ \] وهي أصواتُ المكْروبين والمَحْزُونين والمعذَّبين، ونحو ذلك، قال قتادةُ : الزَّفير : أول صَوْتِ الحِمارِ، والشهيقُ : آخره، فصياحُ أهْل النَّار كذلك، وقال أبو العالية :**«الزفير »** : من الصدر، و**«الشهيق »** : من الحَلْق، والظاهر ما قال أبو العالية.

### الآية 11:107

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [11:107]

وقوله سبحانه : خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض  \[ هود : ١٠٧ \] يُرْوَى عن ابن عباس : أَنَّ اللَّه خلق السموات والأرْضَ مِنْ نُورِ العَرْشِ، ثم يردهما إِلى هناك في الآخرة، فلهما ثَمَّ بَقَاءٌ دائمٌ، وقيل : معنى : مَا دَامَتِ السموات والأرض  : العبارة عن التأبيدِ بما تَعْهَدُهُ العرب، وذلك أنَّ من فصيح كلامِهَا، إِذا أرادَتْ أَن تخبر عَنْ تأبيد شيء أنْ تقول : لاَ أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا أَمَدَ الدهْرِ، وما نَاحَ الحَمَامُ، وما دامت السموات والأرْضُ، وقيل غير هذا. 
قال ( ص ) : وقيل : المراد سموات الآخرةِ، وأَرْضها ؛ يدلُّ عليه قوله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات  \[ إبراهيم : ٤٨ \]، انتهى. 
وأما قوله : إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ  \[ هود : ١٠٨ \]. 
**في الاستثناء ثلاثةُ أقوالٍ :**
أحدها : أنه متَّصل، أي : إِلا ما شاء ربُّكَ من إِخراج الموحِّدين ؛ وعلَى هذا يكونُ قوله : فَأَمَّا الذين شَقُوا  \[ هود : ١٠٦ \] عاماً في الكَفَرَةِ والعُصَاةِ،

### الآية 11:108

> ﻿۞ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [11:108]

ويكون الاستثناء من  خالدين  \[ هود : ١٠٧ \] وهذا قولُ قتادة وجماعةٍ، 
والثَّاني : أنَّ هذا الاستثناء ليس بمتَّصل ولا منقطعٍ، وإِنما هو على طريق الاستثناء الذي نَدَبَ إِليه الشَّرْعُ في كلِّ كلام ؛ فهو على نحو قوله : لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاءَ الله  \[ الفتح : ٢٧ \]. 
الثالث : أَنَّ  إِلا  في هذه الآية بمعنى **«سوى »**، والاستثناء منقطعٌ، وهذا قول الفَرَّاء، فإِنه يقدِّر الاستثناء المنقطع ب**«سِوَى »** وسيبَوَيْهِ يقدِّره ب **«لكن »**، أيْ : سوَى ما شاء اللَّه زائداً على ذلك ؛ ويؤيِّد هذا التأويلَ قوله بَعْدُ : عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ  \[ هود : ١٠٨ \] وقيل : سِوَى ما أعد اللَّه لهم من أنواعِ العَذَاب، وأشدُّ من ذلك كلِّه سَخَطُهُ سبحانه عليهم، وقيل : الاستثناء في الآيتين من الكَوْنِ في النار والجنَّة، وهو زمانُ المَوْقِفِ، وقيل : الاستثناء ؛ في الآية الأولى : من طُول المُدَّة، وذلك على ما روي أَنَّ جهنم تَخْرَبُ، ويُعْدَمُ أهلُها، وتخفقْ أبوابُهَا، فهم على هذا يَخْلُدون حتَّى يصير أمرهم إِلى هذا. 
قال ( ع ) : وهذا قولٌ محتملٌ، والذي رُوِيَ ونُقِل عن ابن مسعود وغيرهِ أنَّ ما يخلى من النَّار إِنما هو الدَّرْكُ الأَعلى المختصُّ بعصاة المؤمنين، وهذا الذي يسمَّى جَهَنَّمَ، وسُمِّي الكلُّ به تجوُّزاً. 
( ت ) : وهذا هو الصوابُ إِن شاء اللَّه، وهو تأويل صاحب **«العاقبة »** ؛ أنَّ الذي يَخْرَبُ ما يَخُصُّ عصاةَ المُؤْمِنِين، وتقدَّم الكلام على نظير هذه الآية، وهو قوله في **«الأنعام »** : خالدين فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ  \[ الأنعام : ١٢٨ \]. 
قال ( ع ) : والأقوال المترتِّبة في الاستثناء الأوَّلِ مرتبةٌ في الاستثناء الثاني في الذين سعدوا إِلاَّ تأويلَ مَنْ قال : هو استثناء المدة التي تخرَبُ فيها جهنَّم ؛ فإِنه لا يترتَّب هنا، وال مَجْذُوذٍ  : المقْطُوع،

### الآية 11:109

> ﻿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَٰؤُلَاءِ ۚ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ ۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ [11:109]

والإِشارة بقوله : مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ  \[ هود : ١٠٩ \] إِلى كفَّار العرب،  وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ  معناه : من العقوبةِ، وقال الداوديُّ عن ابن عباس : وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ  قال : ما قُدِّر لهم من خَيْرٍ وشرٍّ انتهى.

### الآية 11:110

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [11:110]

وقوله : وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ  \[ هود : ١١٠ \]. أي : اختلف الناسُ عَلَيْه، فلا يَعْظُم عليك، يا محمَّد، أمْرُ مَنْ كذَّبك. 
وقال ( ص ) :**«فيه »** : الظاهرُ عودُهُ على الكتاب، ويجوزُ أنْ يعود على موسَى، وقيل :**«في »** بمعنى **«على »**، أي : عليه، انتهى. 
وال كَلِمَةٌ  ؛ هنا عبارةٌ عن الحُكْم والقضاء. 
 لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ  : أي : لَفُصِلَ بين المُؤمن والكافر ؛ بنعيم هذا وعذاب هذا، ووَصَفَ الشَّك بالريب ؛ تقويةً لمعنى الشك، فهذه الآية يحتملُ أنْ يكونَ المراد بها أمة موسَى، ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنْ يعمهم اللفظ أحْسَن،

### الآية 11:111

> ﻿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ۚ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [11:111]

ويؤيِّده قوله : وَإِنَّ كُلاًّ  \[ هود : ١١١ \] وقرأ نافع وابن كثير : وإِنْ كُلاًّ لَمَا  وقرأ أبو عمرو، والكسائِيُّ بتشديد ********«إِنَّ »********، وقرأ حمزة وحَفْص بتشديد ********«إِنَّ »********، وتشديد **«لَمَّا »**، فالقراءتان المتقدِّمتان بمعنًى ف********«إِنَّ »******** فيهما على بابها، و**«كُلاًّ »**، اسمها، وعُرْفُها أنْ تدخل على خبرها لامٌ، وفي الكلام قَسَمٌ تدخُلُ لامه أيضاً على خبر ********«إِنَّ »********، فلما اجتمع لامَانِ، فُصِلَ بينهما ب**«ما »** ؛ هذا قول أبي عليٍّ، والخبر في قوله : لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ، وهذه الآية وعيدٌ، ومعنى الآية : أنَّ كل الخَلْقِ موفًّى في عَمَلَهُ.

### الآية 11:112

> ﻿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [11:112]

وقوله عز وجل : فاستقم كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ  \[ هود : ١١٢ \]. 
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة، وهو عليها إِنما هو أمر بالدَّوَام والثبوت، وهو أمر لسائر الأمَّة، وروي أنَّ بعض العلماء رأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النوْمِ، فقال : يَا رَسُولَ اللَّه، بَلَغَنَا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ :( شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا )، فَمَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْ هُودٍ ؟ فَقالَ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : فاستقم كَمَا أُمِرْتَ . 
قال ( ع ) : والتأويل المشهور في قوله عليه السلام :( شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا ) أَنه إِشارة إِلى ما فيها مما حَلَّ بالأُممِ السالفةِ، فكأَنَّ حَذَرَهُ على هذه مِثْلَ ذلك شَيَّبه عليه السلام.

### الآية 11:113

> ﻿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ [11:113]

وقوله تعالى : وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الذين ظَلَمُوا  \[ هود : ١١٣ \]. 
الرُّكُون : السُّكون إِلى الشيْء، والرضا به، قال أبو العالية : الركُونُ : الرِّضَا. قال ابنُ زَيْد : الرُّكُون : الادهان. 
قال ( ع ) : فالركون يقع على قليلِ هذا المعنَى وكثيرِهِ، والنهْيُ هنا يترتَّب من معنى الركُونِ على المَيْلِ إِلَيهم بالشِّرْك معهم إِلى أقلِّ الرُّتَبِ مِنْ ترك التَّغْيير عليهم مع القُدْرة، و الذين ظَلَمُوا  هنا : هم الكَفَرَة، ويدخُلُ بالمعنى أَهْلُ المعاصي.

### الآية 11:114

> ﻿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ [11:114]

وقوله سبحانه : وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار  \[ هود : ١١٤ \]. 
لا خلاف أنَّ  الصلاة  في هذه الآية يرادُ بها الصلواتُ المفروضةُ، واختلفَ في طرفَيِ النَّهار وزُلَفِ اللَّيْل، فقيل : الطَّرَف الأوَّل : الصُّبْح، والثَّاني : الظُّهْر والعَصْر، والزُّلَف : المغرب والعشاء ؛ قاله مجاهد وغيره، وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ فِي المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ :**«هُمَا زُلْفَتَا اللَّيْلِ »** وقيل : الطَرَفُ الأوَّل : الصبحُ، والثاني : العصر ؛ قاله الحسن وقتادة، والزُّلَف : المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول، بل هي في غيرها. 
قال ( ع ) : والأول أحسن الأقوالِ عِنْدِي، ورجَّح الطبريُّ القوْلَ بأن الطرفين الصُّبْح والمغرب، وهو قول ابن عبَّاس وغيره، وأنه لظاهر، إِلا أن عموم الصلوات الخمْسِ بالآية أَولَى، والزّلَف : الساعاتُ القريبُ بعضُها من بَعْضٍ. 
وقوله تعالى : إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ، ذهب جمهورُ المتأوِّلين من صَحَابَةٍ وتابعينَ إِلى أن الحسناتِ يرادُ بها الصَلواتُ الخَمْسُ، وإِلى هذه الآية ذهَبَ عثْمانُ رضي اللَّه عنه في وضوئه على المَقَاعِدِ، وهو تأويلُ مالك، وقال مجاهد : الحسنات  : قول الرجُلِ : سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ. 
قال ( ع ) : وهذا كلُّه إِنما هو على جهة المِثَالِ في الحسنات، ومِنْ أجل أنَّ الصلواتِ الخمْسَ هي معظَمُ الأعمال، والذي يظهر أنَّ لفظ الآية عامٌّ في الحسنات، خاصٌّ في السيئات ؛ بقوله عليه السلام :( مَا اجتنبت الكَبَائِرُ )، وروي أنَّ هذه الآية نزلَتْ في رجلٍ من الأنصار، وهو أبو اليُسْرِ بْنُ عَمْرو، وقيل : اسمه عَبَّاد، خَلاَ بامرأةٍ، فقَبَّلها، وتلذَّذ بها فيما دُونَ الجِمَاع، ثم جاء إِلى عُمَر، فشكا إِليه، فقال له : قَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فاستر عَلَى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرجُلُ، فجاء أبا بَكْر، فشكا إِليه، فقال له مثْلَ مقالةِ عُمَرَ، فَقَلِقَ الرجُلُ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى معه، ثم أخبره، وقال : اقض فيَّ ما شِئْتَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( لَعَلَّهَا زَوْجَةُ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ ! ) قَالَ : نَعَمْ، فَوَبَّخَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ :( مَا أَدْرِي )، فنزلَتْ هذه الآية، فَدَعَاهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَتَلاَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَهَذَا لَهُ خَاصَّةً ؟ فَقَالَ :( بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً ) قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه »** : وهذا الحديثُ صحيحٌ، رواه الأئمةِ كلُّهم، انتهى. 
قال ( ع ) : ورُوِيَ : أن الآية قدْ كَانَتْ نزلَتْ قبْلَ ذلك، واستعملها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في ذلك الرَّجُل، وروي أنَّ عمر قال مَا حُكِيَ عن معاذٍ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ :( الجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَالصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا ؛ إِنِ اجتنبت الكبائر ). 
وقوله : ذلك ذكرى  : إِشارة إِلى الصلوات، أي : هي سببُ الذكْرَى، وهي العظَةُ، ويحتملُ أنْ تكونَ إِشارةً إِلى الإِخبار بأن الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئَاتِ. 
ويحتملُ أنْ تكون إِشارةً إِلى جميعِ ما تقدَّم من الأوامر والنواهِي والقَصَص في هذه السُّورة، وهو تفسيرُ الطبريُّ.

### الآية 11:115

> ﻿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [11:115]

وقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ: أي: اختلف الناسُ عَلَيْه، فلا يَعْظُم عليك، يا محمَّد، أمْرُ مَنْ كذَّبك.
 وقال ص: **«فيه»** : الظاهرُ عودُهُ على الكتاب، ويجوزُ أنْ يعود على موسَى، وقيل: **«في»** بمعنى **«على»**، أي: عليه، انتهى.
 والكلمة هنا عبارةٌ عن الحُكْم والقضاء لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ: أي: لَفُصِلَ بين المُؤمن والكافر بنعيم هذا وعذاب هذا، ووَصَفَ الشَّك بالريب تقويةً لمعنى الشك، فهذه الآية يحتملُ أنْ يكونَ المراد بها أمة موسَى، ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأنْ يعمهم اللفظ أحْسَن، ويؤيِّده قوله: وَإِنَّ كُلًّا، وقرأ نافع **«١»** وابن كثير: **«وإِنْ كُلاًّ لَمَا»** وقرأ أبو عمرو، والكسائِيُّ بتشديد ********«إِنَّ»********، وقرأ حمزة وحَفْص بتشديد ********«إِنَّ»********، وتشديد **«لَمَّا»**، فالقراءتان المتقدِّمتان بمعنًى ف ********«إِنَّ»******** فيهما على بابها، و **«كُلاًّ»**، اسمها، وعُرْفُها أنْ تدخل على خبرها لامٌ، وفي الكلام قَسَمٌ تدخُلُ لامه أيضاً على خبر ********«إِنَّ»********، فلما اجتمع لامَانِ، فُصِلَ بينهما ب **«ما»** هذا قول أبي عليٍّ، والخبر في قوله: لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، وهذه الآية وعيدٌ، ومعنى الآية: أنَّ كل الخَلْقِ موفّى في عمله.
 وقوله عز وجل: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ: أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالاستقامة، / وهو عليها إِنما هو أمر بالدَّوَام والثبوت، وهو أمر لسائر الأمَّة، وروي أنَّ بعض العلماء رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في النوْمِ، فقال: يَا رَسُولَ اللَّه، بَلَغَنَا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: ****«شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا»****، فَمَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْ هُودٍ؟ فَقالَ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ **«٢»**.
 قال ع **«٣»** : والتأويل المشهور في قوله عليه السلام: ****«شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا»**** أَنه إِشارة إِلى ما فيها مما حَلَّ بالأُممِ السالفةِ، فكأَنَّ حَذَرَهُ على هذه مثل ذلك شيّبه عليه السلام.
 \[سورة هود (١١) : الآيات ١١٣ الى ١١٥\]
 وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)

 (١) ينظر: **«السبعة»** (٣٣٩)، و **«الحجة»** (٤/ ٣٨١)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ٢٩٤)، و **«شرح الطيبة»** (٤/ ٣٧٣)، و **«العنوان»** (١٠٨)، و **«شرح شعلة»** (٤٣٢- ٤٣٣)، و **«الإتحاف»** (٢/ ١٣٥).
 (٢) تقدم تخريجه في سورة **«هود»** دون قول: **«فاستقم كما أمرت»**.
 (٣) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٢٠٩).

وقوله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا... الآية: الرُّكُون: السُّكون إِلى الشيْء، والرضا به، قال أبو العالية: الركُونُ: الرِّضَا. قال ابنُ زَيْد: الرُّكُون: الادهان **«١»**.
 قال ع **«٢»** : فالركون يقع على قليلِ هذا المعنَى وكثيرِهِ، والنهْيُ هنا يترتَّب من معنى الركُونِ على المَيْلِ إِلَيهم بالشِّرْك معهم إِلى أقلِّ الرُّتَبِ مِنْ ترك التّغيير عليهم مع القدرة، والَّذِينَ ظَلَمُوا هنا: هم الكَفَرَة، ويدخُلُ بالمعنى أَهْلُ المعاصي.
 وقوله سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ... الآية: لا خلاف أنَّ الصَّلاةَ في هذه الآية يرادُ بها الصلواتُ المفروضةُ، واختلفَ في طرفَيِ النَّهار وزُلَفِ اللَّيْل، فقيل:
 الطَّرَف الأوَّل: الصُّبْح، والثَّاني: الظُّهْر والعَصْر، والزُّلَف: المغرب والعشاء قاله مجاهد وغيره **«٣»**، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أَنَّهُ قَالَ فِي المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ: **«هُمَا زُلْفَتَا اللَّيْلِ»** **«٤»** وقيل:
 الطَرَفُ الأوَّل: الصبحُ، والثاني: العصر قاله الحسن وقتادة **«٥»**، والزُّلَف: المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول، بل هي في غيرها.
 قال ع **«٦»** : والأول أحسن الأقوالِ عِنْدِي، ورجَّح الطبريُّ **«٧»** القوْلَ بأن الطرفين الصُّبْح والمغرب، وهو قول ابن عبَّاس وغيره، وإِنه لظاهر، إِلا أن عموم الصلوات الخمْسِ بالآية أَولَى، والزّلَف: الساعاتُ القريبُ بعضُها من بَعْضٍ.
 وقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ذهب جمهورُ المتأوِّلين من صَحَابَةٍ وتابعينَ إِلى أن الحسناتِ يرادُ بها الصَلواتُ الخَمْسُ، وإِلى هذه الآية ذهَبَ عثْمانُ رضي اللَّه عنه في وضوئه على المَقَاعِدِ، وهو تأويلُ مالك، وقال مجاهد: الْحَسَناتِ:

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ١٢٤) برقم: (١٨٦٢٠)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٢).
 (٢) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ٢١٢).
 (٣) أخرجه الطبري (٧/ ١٢٤) برقم: (١٨٦٢١- ١٨٦٢٢- ١٨٦٢٣)، عن مجاهد برقم: (١٨٦٢٤)، عن محمد بن كعب القرظي، وبرقم: (١٨٦٢٦)، عن الضحاك، وذكر طرفا منه، وأخرج طرفه الآخر (٧/ ١٢٧) برقم: (١٨٦٤٩- ١٨٦٥٠- ١٨٦٥١)، عن مجاهد وبرقم: (١٨٦٤٦- ١٨٦٤٧- ١٨٦٤٨)، عن الحسن، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٢)، والبغوي (٢/ ٤٠٤)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٦٣٧).
 (٤) أخرجه الطبري في ****«تفسيره»**** (٧/ ١٢٨) برقم: (١٨٦٥٢) عن الحسن مرسلا، وذكره السيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٦٣٧)، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.
 (٥) أخرجه الطبري (٧/ ١٢٥) برقم: (١٨٦٣٢- ١٨٦٣٣- ١٨٦٣٤- ١٨٦٣٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٢)، والبغوي في ****«تفسيره»**** (٢/ ٤٠٤- ٤٠٥)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٣/ ٦٣٧) بنحوه.
 (٦) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (٣/ ٢١٢).
 (٧) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٧/ ١٢٤- ١٢٥).

قول الرجُلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ **«١»**.
 قال ع **«٢»** : وهذا كلُّه إِنما هو على جهة المِثَالِ في الحسنات، ومِنْ أجل أنَّ الصلواتِ الخمْسَ هي معظَمُ الأعمال، والذي يظهر أنَّ لفظ الآية عامٌّ في الحسنات، خاصٌّ في السيئات بقوله عليه السلام: **«مَا اجتنبت الكَبَائِرُ»**، وروي أنَّ هذه الآية نزلَتْ في رجلٍ من الأنصار، وهو أبو اليُسْرِ بْنُ عَمْرو، وقيل: اسمه عَبَّاد، خَلاَ بامرأةٍ، فقَبَّلها، وتلذَّذ بها فيما دُونَ الجِمَاع، ثم جاء إِلى عُمَر، فشكا إِليه، فقال له: قَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فاستر عَلَى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرجُلُ، فجاء أبا بَكْر، فشكا إِليه، فقال له مثْلَ مقالة عمر، فقلق الرجل، فأتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَصَلَّى معه، ثم أخبره، وقال: اقض فيَّ ما شئت فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
 **«لَعَلَّهَا زَوْجَةُ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟!»** قَالَ: نعم، فوبّخه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَالَ: **«مَا أَدْرِي»**، فنزلَتْ هذه الآية، فَدَعَاهُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَتَلاَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَهَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ فَقَالَ: **«بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً»** **«٣»**.
 قال ابنُ العربيِّ في **«أحكامه»** **«٤»** : وهذا الحديثُ صحيحٌ، رواه الأئمةِ كلُّهم، انتهى.
 قال ع **«٥»** : ورُوِيَ: أن الآية قدْ كَانَتْ نزلت قبل ذلك، واستعملها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك الرَّجُل، وروي أنَّ عمر قال مَا حُكِيَ عن معاذٍ، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ:
 **«الجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَالصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا إِنِ اجتنبت الكبائر»** **«٦»**.

 (١) أخرجه الطبري (٧/ ١٣١) برقم: (١٨٦٨)، وذكره ابن عطية (٣/ ٣١٣).
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (٣/ ٢١٣).
 (٣) أخرجه البخاري (٢/ ١٢) كتاب **«مواقيت الصلاة»** باب: ****«وأقم الصلاة طرفي النهار»****، حديث (٥٢٦)، وفي (٨/ ٢٠٦) كتاب ******«التفسير»****** باب: ****«وأقم الصلاة طرفي النهار»****، حديث (٤٦٨٧)، ومسلم (٤/ ٢١١٥، ٢١١٧) وكتاب **«التوبة»** باب: قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، حديث (٣٩، ٤١/ ٢٧٦٣)، والترمذي (٥/ ٢٩١) كتاب ******«التفسير»****** باب: ومن سورة هود، حديث (٣١١٤)، والنسائي في ******«التفسير»****** (٢٦٧)، وابن ماجه (١/ ٤٤٧) كتاب **«الصلاة»** باب: ما جاء في أن الصلاة كفارة، حديث (١٣٩٨)، وفي (٢/ ١٤٢١) كتاب **«الزهد»** باب: ذكر التوبة، حديث (٤٢٥٤)، وأحمد (١/ ٤٤٥)، وابن خزيمة (٣١٣)، وابن حبان (١٧٢٩- ١٧٣٠)، والطبري في **«تفسيره»** (١٨٦٧٦)، والبيهقي (٨/ ٢٤١) من طرق عن عبد الله بن مسعود.
 (٤) ينظر: **«أحكام القرآن»** (٣/ ١٠٧٣). [.....]
 (٥) أخرجه الطبري (٧/ ١٢٥- ١٢٦) برقم: (١٨٦٣٢- ١٨٦٣٣- ١٨٦٣٤)، وذكره البغوي (٢/ ٤٠٥)، وذكره ابن عطية (٣/ ٢١٢) بنحوه.
 (٦) تقدم تخريجه.

### الآية 11:116

> ﻿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [11:116]

فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ  \[ هود : ١١٦ \]،  لَوْلاَ  : هي التي للتحضيض، لكن، يقترن بها هنا مَعْنَى التفجُّع والتأسُّف الذي ينبغي أنْ يقع من البَشَر عَلَى هذه الأُمَمِ التي لم تَهْتِدِ، وهذا نحو قوله سبحانه : يا حسرة عَلَى العباد  \[ يس : ٣٠ \]، والقرون من قبلنا قومُ نوحٍ وعادٍ وثمود، ومَنْ تقدم ذكْرُهُ. 
وقوله : أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ  \[ هود : ١١٦ \] أي : أولو بقيةٍ مِنْ عقْلٍ وتمييزٍ ودينٍ.  يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد  وإِنما قيل : بَقِيَّةٍ  ؛ لأن الشرائِعَ والدوَل ونَحْوَها، قوَّتُها في أولها، ثم لا تزال تَضْعُفُ، فمن ثَبَتَ في وقْتِ الضعْفِ، فهو بقيَّة الصدْرِ الأول. 
و  الفساد فِي الأرض  : هو الكُفْر وما اقترن به من المعاصي، وهذه الآيةُ فيها تنبيهٌ لهذه الأُمَّةِ وحضٌّ على تغيير المُنْكَر، ثم استثنى الله عزَّ وجلَّ القوم الذين نَجَّاهم معَ أنبيائهم، وهم قليلٌ بالإِضافة إِلى جماعاتهم، و قَلِيلاً  استثناء مُنْقطعٌ، أيْ : لكن قليلاً ممن أنجينا منهم، نَهَوْا عن الفساد، و**«المُتْرَف »** : المنعَّم الذي شغلَتْهُ تُرْفَتُهُ عن الحَقِّ حتى هلك.

### الآية 11:117

> ﻿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [11:117]

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ  \[ هود : ١١٧ \] منه سبحانه وتعالى عن ذلك،

### الآية 11:118

> ﻿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [11:118]

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً  \[ هود : ١١٨ \]. 
أي مؤمنة لا يَقَعُ منهم كُفْر ؛ قاله قتادة، ولكنه عزَّ وجلَّ لم يشأْ ذلك، فهم لا يزالُونَ مختلفين في الأديان والآراءِ والمِلَلِ، هذا تأويل الجُمهورِ.

### الآية 11:119

> ﻿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [11:119]

إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ  \[ هود : ١١٩ \] أي : بأن هداه إِلى الإِيمان. 
وقوله تعالى : ولذلك خَلَقَهُمْ  : قَالَ الحَسَن : أي : ولِلاختلافِ خلقهم. 
قال ( ع ) : وذلك أن اللَّه تعالى خلق خَلْقاً للسعادة، وخَلْقاً للشقاوةِ، ثم يَسَّر كُلاًّ لما خلق له، وهذا نصٌّ في الحديث الصحيحِ، وجعل بَعْدُ ذلك الاختلاف في الدِّين على الحَقِّ هو أمارةَ الشقاوةِ، وبه علَّق العقابَ، فيصحُّ أَنْ يُحْمَلَ قولُ الحَسَن هنا : وللاختلافِ خَلَقُهُمْ، أي : لثمرة الاختلافِ، وما يكونُ عنه مِنْ شقاوةٍ أو سعادةٍ، وقال أشْهَبُ : سألتُ مالكاً عن هذه الآية، فقال : خَلَقَهُمْ ؛ ليكونَ فريقٌ في الجنةِ، وفريقٌ في السعيرِ، وقيل غير هذا. 
وقوله تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ . 
أي : نفذ قضاؤه، وحَقَّ أمره، واللام في  لأَمْلأَنَّ  : لام قسم.

### الآية 11:120

> ﻿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [11:120]

وقوله سبحانه : وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ، و**«كُلاًّ »** مفعولٌ مقدَّم ب **«نَقُصُّ »**، و**«ما »** بدلٌ من قوله :**«وكُلاًّ »**، و  نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ  أي : نؤنِّسك فيما تلْقَاه، ونجعل لك الإِسْوَة. 
 وَجَاءَكَ فِي هذه الحق  قال الحسنُ : هذه  إِشارة إِلى دار الدنيا، وقال ابن عباس : هذه ، إِشارة إِلى السورة، وهو قولُ الجمهور. 
قال ( ع ) : ووجه تخصيص هذه السُّورة بوَصْفها بحقٍّ، والقرآن كلُّه حق أنَّ ذلك يتضمَّن معنى الوعيد للكفَرَة، والتنبيهِ للنَّاظر، أي : جاءك في هذه السورة الحَقُّ الذي أصَابَ الأُمَم الماضيةَ، وهذا كما يقالُ عند الشدائدِ : جَاءَ الحَقُّ، وإِن كان الحَقُّ يأتي في غَيْر الشدائدِ، ثم وصَف سبحانَه أنَّ ما تضمَّنته السورةُ هو موعظةٌ وذكْرَى للمؤمنينَ.

### الآية 11:121

> ﻿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ [11:121]

وقوله سبحانه : وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ  \[ هود : ١٢١ \]. 
آيةُ وعيدٍ.

### الآية 11:122

> ﻿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ [11:122]

وقوله تعالى : وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض  \[ هود : ١٢٣ \]. 
أية تعظيمٍ وانفراد بما لا حَظَّ لمخلوقِ فيهِ،

### الآية 11:123

> ﻿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [11:123]

ثم أمر سبحانه العَبْدَ بِعِبَادَتِهِ، والتوكُّلِ عليه، وفيهما زوالُ هَمِّهِ وصَلاَحُهُ، ووصُولُهُ إِلى رضوان اللَّه تعالى، فقال : فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ  اللَّهم، اجعلنا مِمَّن توكَّل عليك، ووفَّقْتَهُ لِعَبَادَتِكَ كما ترضَى، وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليماً، والحمد لله على جزيلِ مَا بِهِ أَنْعَمَ.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/11.md)
- [كل تفاسير سورة هود
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/11.md)
- [ترجمات سورة هود
](https://quranpedia.net/translations/11.md)
- [صفحة الكتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن](https://quranpedia.net/book/339.md)
- [المؤلف: الثعالبي](https://quranpedia.net/person/710.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/11/book/339) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
