---
title: "تفسير سورة الإخلاص - فتح الرحمن في تفسير القرآن - مجير الدين العُلَيْمي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/112/book/557.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/112/book/557"
surah_id: "112"
book_id: "557"
book_name: "فتح الرحمن في تفسير القرآن"
author: "مجير الدين العُلَيْمي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الإخلاص - فتح الرحمن في تفسير القرآن - مجير الدين العُلَيْمي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/112/book/557)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الإخلاص - فتح الرحمن في تفسير القرآن - مجير الدين العُلَيْمي — https://quranpedia.net/surah/1/112/book/557*.

Tafsir of Surah الإخلاص from "فتح الرحمن في تفسير القرآن" by مجير الدين العُلَيْمي.

### الآية 112:1

> قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [112:1]

سُوْرَةُ الإخْلاص
 مختلف فيها، وآيها: أربع آيات، وحروفها: سبعة وأربعون حرفًا، وكلمها: خمس عشرة كلمة.

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١).
 \[١\] عن أبي بن كعب -رضي الله عنه-: أن المشركين سألوا رسول الله - ﷺ - عن صفة الله (١) -سبحانه وتعالى عما يقول الكافرون (٢) -، فنزل قوله تعالى: قُلْ هُوَ (٣) (هو) ضمير الشأن اللَّهُ أَحَدٌ معناه: واحد فرد من جميع جهات الوحدانية، ليس كمثله شيء، وهو ابتداء، و (اللَّهُ) ابتداء ثان، و (أَحَدٌ) خبره، والجملة خبر الأوّل.
 \* \* \*
 اللَّهُ الصَّمَدُ (٢).
 \[٢\] اللَّهُ الصَّمَدُ الّذي لا جوف له؛ لأنّه تعالى ليس بجسم
 (١) في "ت": "نسب ربه".
 (٢) في "ت": "الجاهلون".
 (٣) انظر: "تفسير الثعالبي" (٤/ ٤٥٠)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٥٣٦).

### الآية 112:2

> ﻿اللَّهُ الصَّمَدُ [112:2]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 112:3

> ﻿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [112:3]

ولا مركب؛ لأنّه لو كان مركبًا، لكان له باطن، والصمد في كلام العرب: السَّيِّد الذي يُصمد إليه في الأمور، و (اللهُ الصَّمَدُ) ابتداء وخبر، والقراءة وصلًا (أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ) منونًا مكسورًا لالتقاء الساكنين، وكان أبو عمرو في أكثر الروايات عنه يسكت عند (هُوَ اللهُ أَحَد)، وزعم أن العرب لا تصل مثل هذا، وروي عنه أنّه قال: وصلُها قراءة موضوعة (١)، وروي عنه أنّه قال: أدركت القراء كذلك يقرؤونها (قُلْ هُوَ اللهُ أَحد)، وإن وصلت، نونت، وروي عنه أنّه قال: أحبُّ إليَّ إذا كان رأس آية أن يسكت عندها، وذلك لأنّ الآية منقطعة ممّا بعدها، مكتفية بمعناها، فهي فاصلة، وبها سميت آية، وأمّا وقفهم كلهم، فيسكتون على الدال (٢).
 \* \* \*
 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.
 \[٣\] لَمْ يَلِدْ لعدم المجانسة؛ لأنّه لم يكن له من يجانسه فيتوالد (٣) وَلَمْ يُولَدْ لأنّ كلّ مولود محدَثٌ وجسمٌ، وهو تعالى ليس بجسم ولا محدَث، وهو رد على إشارة الكفار في النسب الّذي سألوه.
 \* \* \*
 وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤).
 \[٤\] وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا خبر (كان)، وأسمها أَحَدٌ قرأ حفص عن عاصم: (كُفُوًا) بضم الفاء وفتح الواو من غير همز، وقرأ حمزة،

 (١) في "ت": "محدثة".
 (٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٥٣٦).
 (٣) في "ت": "فيتوالد".

ويعقوب، وخلف: بإسكان الفاء مع الهمز، وإذا وقف حمزة، أبدل الهمزة واوًا مفتوحة اتِّباعًا للخط، وقرأ الباقون: بضم الفاء مع الهمز (١)، وكلها لغات صحيحة، ومعناها: المثل، المعنى: لا أحد يكافئه، ولا يماثله في شيء ما، وقد احتوت هذه السورة على كلّ صفاته تعالى.
 وقال رسول الله - ﷺ -: "إِنَّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثلثَ القرآن" (٢)؛ لما فيها من التّوحيد، والله أعلم.
 \* \* \*

 (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٧٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٧٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٨/ ٢٧٢).
 (٢) رواه مسلم (٨١١)، كتب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل قراءة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.

### الآية 112:4

> ﻿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [112:4]

على قوله: (بِسْمِ) و (مَالِكِ) و (رَبِّ) و (رُسُلِ) وشبهِه، والابتداءُ بقوله: (اللهِ) و (يَوْمِ الدِّينِ) و (الْعَالَمِينَ) و (السَّمَوَاتِ) و (اللهِ)؛ لأنه إذا وقفَ على ذلك لم يعلمْ إلى أَيِّ شيءٍ أُضيف، وهذا يسمَّى وقفَ الضرورة؛ لتمكنِ انقطاعِ النفسِ عندَه، والجُلَّةُ (١) من القراءِ وأهلِ الأداء ينهَوْنَ عن الوقفِ على هذا الضرب، وينكرونه، ويستحبُّونَ لمنِ انقطعَ نفسُه عليه أن يرجعَ إلى ما قبلَه حتى يصلَه بما بعده، وغيرُه يستسمِجون الوقفَ على القبيحِ؛ لأنَّ القارئَ يقدرُ على تفقُّدِه وتجنُّبِهِ.
 وإذا كانَ في الآيةِ الشريفةِ حكمٌ متفَقٌ عليه، أو مختلَف فيه بينَ الأئمةِ الأربعةِ، وهم: أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ -رضي الله عنهم- ذكرتُه ملَخَّصًا، ولم ألتزم استيعابَ الأحكامِ، بل أذكرُ المهمَّ حسبَ الإمكان، ولم أتعرَّض لاختيارِ غيرِهم من الأئمةِ المتقدِّمين، وحيثُ أقولُ في الحكم: بالاتفاقِ، فالمرادُ: اتفاقُ الأربعةِ المشارِ إليهم.
 وربما ذكرتُ مذاهبَهم في شيءٍ من أصولِ الدينِ والفقه على سبيلِ الاختصار في محلٍّ يناسبهُ، والله الموفق.
 وقد جعلتُ في أولِه قبلَ الشروعِ في التفسيرِ عشرةَ فصولٍ ضَمَّنْتُها فوائدَ مما يتعلَّقُ بفضائلِ القرآنِ العظيم، وما وردَ في تفسيرهِ وجمعِه وكتابتِه، وغيرِ ذلكَ مما يحسُنُ ذكرُه إنْ شاءَ الله تعالى.
 واللهُ سبحانَه المسؤولُ أن يجعلَه خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعَ بهِ بِمَنِّهِ وكرمِه، إنَّه مَنَّانٌ كريمٌ.
 ...

 (١) في "ن": "الجل".

فَصْلٌ في ذِكْرِ ما وَرَدَ في فَضَائِل القُرآنِ العَظِيْمِ وَتَعْليمهُ وَتلَاَوتهُ وَوَعِيد مَنْ قَالَ فِيْهِ بِغَيْر عِلْمٍ
 روي عن رسولِ اللهِ - ﷺ - أنه قال: "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَدًا أُوتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوتِيَ، فَقَدِ اسْتَصْغَرَ مَا عَظَّمَ اللهُ" (١).
 وعنه - ﷺ - أنه قال: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ" (٢).
 وعنه - ﷺ - أنه قال: "مَنِ اسْتَمَعَ إلى آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ، وَمَنْ قَرَأَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ، كَانْتَ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣).

 (١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (ص: ٢٧٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧/ ١٥٩ - "مجمع الزوائد" للهيثمي)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٥٩٠)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٩/ ٣٩٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٨/ ٢٢٥)، عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-. قال الهيثمي: فيه إسماعيل بن رافع، وهو متروك.
 (٢) رواه البخاري (٤٧٣٩)، كتاب: فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، عن عثمان -رضي الله عنه-.
 (٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٣٤١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٩٨١)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

وعنه - ﷺ - أنه قال: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَارِ" (١).
 ...
 (١) رواه الترمذي (٢٩٥٠)، كتاب: التفسير، باب: ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، وقال: حسن صحيح، والنسائي في "السنن الكبرى" (٨٠٨٤)، والإمام أحمد في "المسند" (١/ ٢٣٣)، وغيرهم، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

فَصْلٌ في فَضْلِ تَفْسِيرِ القُرآنِ
 رُوي عن النبيِّ - ﷺ - أنه قالَ: "لاَ يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثيرَةً" (١).
 وقالَ أبو العاليةِ في تفسيرِ قوله -عز وجل-: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا (٢٦٩) \[البقرة: ٢٦٩\] قالَ: الحكمةُ: الفهمُ في القرآن (٢).
 وقال إياسُ بنُ معاويَة: مثلُ الذينَ يقرؤونَ القرآنَ وهم لا يعلمونَ تفسيرَهُ، كمثلِ قومٍ جاءَهم كتابٌ من مَلِكِهم ليلًا، وليسَ عندَهم مصباحٌ، فتداخَلَتْهم روعَةٌ و (٣) لا يَدْرونَ ما في الكتابِ، ومثلُ الذي يعرفُ التفسيرَ، كَمَثَلِ رَجُلٍ جاءَهم بالمصباحِ، وقرؤوا ما في الكتابِ (٤).
 ...

 (١) رواه عبد الرزاق في "المصنف"، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٠١٦٣)، لكن عن أبي الدرداء موقوفًا عليه من قوله.
 (٢) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٣/ ٩٠).
 (٣) "و" سقط من "ن".
 (٤) انظر: "تفسير القرطبي" (١/ ٢٦)، و"تفسير الثعالبي" (١/ ١١)، و"فتح القدير" للشوكاني (١/ ١٤).

فَصْلٌ في الكَلاَمِ في تَفْسِيرِ القُرآنِ الكَرِيمِ
 التفسيرُ أصلُه: الكشفُ والإظهارُ، وهو علمُ نزولِ الآيةِ وشأنِها وقصِتها والأسبابِ التي أنزلَتْ فيها، والأقوامِ الذينَ أريدوا بها.
 والتأويل: مِنَ الأَوْلِ، وهو الرجوعُ، يقال: أَوَّلْتُهُ فآلَ؛ أي: صرفْتُهُ فانصرَفَ، فتأويلُ الآيةِ: صرفُها إلى معنىً تحتملُه موافِقًا لما قبلَها أو ما بعدَها.
 ويروى أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "مَنْ تَكَلَّمَ (١) فِي الْقُرآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ، فَقَدْ أَخْطَأَ" (٢).
 ...

 (١) في "ن": "من تعلم".
 (٢) رواه أبو داود (٣٦٥٢)، كتاب: العلم، باب: ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه، وغيره، عن جندب بن عبد الله -رضي الله عنه-.

فالقراءات السبعُ متواترةٌ بالاتفاقِ، وكذا الثلاثُ الزائدةُ عليها على الصحيح، وما لم يتواترْ، فليسَ بقرآنٍ، وهو ما خالفَ مصحفَ عثمانَ -رضي الله عنه-، وتكرهُ قراءةُ ما صحَّ منه، ولا تصح الصلاةُ به بالاتفاق، ويجوزُ عندَ أبي حنيفة أن يقرأ بالفارسيةِ إذا أدتِ المعانيَ على كمالها من غيرِ أن يخرمَ منها شيئًا، وعنهُ: لا تجوزُ القراءةُ بالفارسيةِ إلا للعاجزِ عن العربيةِ، وهو قولُ صاحبيهِ، وعليهِ الاعتمادُ، وعندَ الثلاثة: لا تجوزُ بغيرِ العربيةِ، والله أعلمُ.
 ومصحفُ عثمانَ أحدُ الحروفِ السبعةِ، وهو قولُ أئمةِ السلفِ -رضي الله عنهم-.
 والتواترُ لغةً: التتابُعُ بمُهْلةٍ، واصطلاحًا: خبرُ جمعٍ مفيدٌ للعلم.
 والآحاد: ما لم يتواترْ.
 وللراوي شروطٌ منها: الإسلامُ والعقلُ والبلوغُ والضبطُ بالاتفاق، وكذا العدالةُ، وهي: صفة راسخةٌ في النفس تحملُ على ملازمةِ التقوى والمروءةِ، وتركِ الكبائرِ والرذائلِ بلا بدعةٍ مغلَّظةٍ.
 وعن (١) أبي حنيفةَ: تُقبَلُ روايةُ مجهولِ العدالةِ، واللهُ أعلم.
 ...

 (١) في "ن": "عند".

فَصْلٌ في ذِكْرِ جَمْعِ القُرآن وَكِتَابَتِهِ
 كانَ القرآنُ في مدَّةِ رسولِ الله - ﷺ - متفرِّقًا في صدورِ الرجال، وقد كتبَ الناسُ منهُ في صُحُفٍ، وفي جَريدٍ، وفي خَزَفٍ وغيرِ ذلكَ، فلما تُوُفِّيَ رسولُ الله - ﷺ -، وقامَ بالأمرِ بعدَه أَحَقُّ الناسِ بهِ أبو بكرٍ الصدِّيقُ -رضي الله عنه-، وقاتل الصحابةُ -رضوانُ الله عليهم- أهلَ الردَّةِ، وأصحابَ مسيلمةَ، وقُتِلَ من الصحابةِ نحوُ الخمسِ مئةٍ، أُشير على أبي بكرٍ بجمعِ (١) القرآنِ في مصحفٍ واحدٍ خشيةَ أن يذهبَ بذهابِ الصحابةِ، فتوقَّفَ في ذلك من حيثُ إنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يأمرْ (٢) في ذلك بشيء، ثم اجتمعَ رأيُه ورأيُ الصحابةِ على ذلكَ، فأمرَ زيدَ بنْ ثابتٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- بتتبُّعِ القرآنِ وجمعِه، فجمعَهُ في صحفٍ غيرَ مرتَّبِ (٣) السُّوَرِ بعدَ تعبٍ شديدٍ منه.
 وكانتِ الصحفُ عندَ أبي بكرٍ رضي الله عنه حتى تُوفِّيَ، ثم عندَ عمرَ -رضي الله عنه- بعدَه، ثم عندَ حفصةَ -رضي الله عنها- في خلافةِ عثمانَ -رضي الله عنه-، وانتشرت في خلالِ ذلك صحفٌ في الآفاق كُتبتْ عن

 (١) في "ن": "جمع".
 (٢) في "ن": "يأمره".
 (٣) في "ن": "مرتبة".

الصحابةِ؛ كمصحفِ ابنِ مسعودٍ، وما كُتِبَ عن الصحابةِ بالشام، ومصحفِ أُبَيٍّ -رضي الله عنه-، وغير ذلك، وكان في ذلك اختلافٌ حسب السبعةِ الأحرفِ التي أُنزل القرآنُ عليها.
 ولما كانَ في حدودِ سنةِ ثلاثينَ من الهجرةِ النبوية (١) الشريفةِ في خلافةِ عثمانَ -رضي الله عنه- حضرَ حذيفةُ بنُ اليمانِ فتحَ أرمينيةَ وأَذربيجانَ، فرأى الناسَ يختلفونَ في القرآنِ، ويقولُ أحدُهم للآخَرِ: قراءتي أصحُّ من قراءتِكَ، فأفزعَهُ ذلكَ، وقدمَ على عثمان -رضي الله عنه-، وقال: أدركْ هذه الأمةَ قبل أن يختلفوا اختلافَ اليهودِ والنصارى، فأرسلَ عثمانُ إلى حفصة؛ أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخُها، ثم نردُّها إليك، فأرسلَتْها إليه، فأمرَ زيدَ بنَ ثابتٍ وعبدَ الله بنَ الزبير، وسعيدَ بنَ العاص، وعبدَ الرحمن بنَ الحارث بنِ هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال: إذا اختلفتم أنتم وزيدٌ في شيء، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزلَ بلسانهم، فكتب منها عدةَ مصاحفَ؛ فوجَّه بمصحفٍ إلى البصرة، ومصحفٍ إلى الكوفة، ومصحفٍ إلى الشام، وتركَ مصحفًا بالمدينة، وأمسكَ لنفسِهِ مصحفًا الذي يقال له: الإمام، ووجَّه بمصحفٍ إلى مكة، وبمصحفٍ إلى اليمن، وبمصحفٍ إلى البحرين، وأمرَ بما سواها من المصاحف أن تحرق -بحاء مهملة-، أو تخرق -بخاء معجمة على معنى، ثم تدفن (٢).

 (١) "النبوية" زيادة من "ن".
 (٢) رواه البخاري (٤٧٠٢)، كتاب: فضائل القرآن، باب: جمع القرآن، عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- نحوه.

قال ابن عطية: ورواية الحاء غير منقوطة أحسنُ (١).
 ولما جمعت المصاحف وعُرضت، نظر فيها عثمان رضي الله عنه، فقال: قد أحسنتم وأجملْتم، غير أنا نرى فيها لحنًا، وسنُقيمه بألسنتنا (٢).
 ووجه ذلك: أنه وجدهم كتبوا حروفًا على خلاف ما اقتضاه اللفظ.
 ومنها ما كان على الأصل، ولو تلفظ به لكان لحنًا.
 ومنها ما كان من طغيان القلم بحيثُ علمَ عثمانُ أنه لا يعرض في مثله ريبٌ، من نحو ما كتبوا: (الرّبوا) بالواو في جميع القرآن، إلا ما في سورة الروم، من قوله: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا \[الروم: ٣٩\] وهو في الأصل من ربا يربو، وتظهر الواو في التثنية، فيقال: رِبَوان، وكأنه كان في الأصل رِبَوٍ على وزن فِعَلٍ، فكُرهت الحركةُ على الواو، وطُلبَ منها السكون، فإذا سُكِّنت، التقَتْ مع التنوين، وهو ساكن، فتسقط الواو؛ لسكونها وسكونِ التنوين.
 فكأن الكاتب حملَ ما هو الأصلُ، فخرجَ عَمَّا يطابقُه اللفظ، وكذلك: (الصلوةُ والزكوةُ) كُتبتا بالواو، وهي الأصل، والجمعُ يُظهر ذلك، إذا قيل: صلوات وزكوات، كأنها كانت في الأصل صَلَوَةً وزَكَوَةً، ولكنه لما كُرهت حركةُ الواو، وكانت قبلها فتحةٌ، انقلبتْ ألفًا، وكذلك (الحيوة) كتبت بالواو، وهي الأصل، ولكنَّ اللفظ المعروف في أهل اللسان يخالف ذلك.
 وأُسقطت الألفُ في قوله تعالى: يُخَادِعُونَ اللَّهَ (٩) \[البقرة: ٩\]، وحُذفت

 (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (١/ ٤٩).
 (٢) رواه أبو داود في "المصاحف" (٢/ ٧٤٥ - "الدر المنثور" للسيوطي).

في قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ (١٩٣) \[البقرة: ١٩٣\]، وكُتب الحرفان بغير ألف، ولو قُرئ به لكان لحنًا، ثم أُثبتت الألف في قوله تعالى في سورة التوبة: وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ (٤٧) \[التوبة: ٤٧\] بزيادة الألف بعد (لا) وكذلك كُتب (١) في بعضِ المصاحف في سورةِ النمل: أَوْ لَأَ أذْبَحَنَّهُ (٢١) \[النمل: ٢١\] بزيادة ألفٍ بعد (لا)، ولو قرئ به، لكان لحنًا فاحشًا.
 وكتبوا في سورة الكهف: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَايْءٍ (٢٣) \[الكهف: ٢٣\] بألف بين الشين والياء، ولم يكتبوا ذلك في سائر القرآن.
 وكتبوا في الأنعام: وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِىْ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) \[الأنعام: ٣٤\] بياء بعد الألف المهموزة، وفي سائر القرآن بغير ياء.
 وكتبوا في النحل: وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى (٩٠) \[النحل: ٩٠\] بياء بعد الألف، وفي الشورى: أَوْ مِنْ وَرَآءِى حِجَابٍ (٥١) \[الشورى: ٥١\] بالياء، وفي الأحزاب: مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ (٥٣) \[الأحزاب: ٥٣\] بغير ياء، وكتبوا في النور: وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ (٣٧) \[النور: ٣٧\] وفي يونس: مِنْ تِلْقَاءِى نَفْسِي (١٥) \[يونس: ١٥\] بياء بعد الألف؛ وذلك كله سبقُ القلم، أو لعلَّ الكاتب قصدَ تقويةَ الهمزةِ المكسورةِ بالياء، وليسَ يحسُنُ ذلك؛ لأنه يشتبهُ بالإضافةِ إلى النفس.
 وكتبوا (سَمَوتِ) بغير ألف بين الواو والتاء، إلا في موضعٍ واحد في حم السجدة قوله: سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ (١٢) \[فصلت: ١٢\]، فهذه ونحوُها هو اللحنُ الذي قالَ عثمانُ -رضي الله عنه-: سَنُقيمه بألسنتنا.
 ولا يُظن به أنه رأى لحنًا يُخاف فيه الغلطُ، ثم تركَهُ في المصحف.

 (١) في "ن": "كتبت".

\[وأما الحروف التي كُتب بعضُها على خلاف بعضٍ في المصحف\] (١)، وهي في الأصل واحدٌ:
 فأول ذلك: بِسْمِ اللَّهِ كُتبت بحذفِ الألف التي قبل السين، وكُتبت: اقْرَأْ بِاسْمِ (١) \[العلق: ١\]، و سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) \[الأعلى: ١\]، و بِئْسَ الِاسْمُ (١١) \[الحجرات: ١١\].
 و مِنْهُ اسْمُهُ (٤٥) \[آل عمران: ٤٥\] بالألف، والأصلُ في ذلك كلِّه واحدٌ، وهو: أن يُكتب بالألف، وإنما حُذفت من بِسْمِ اللَّهِ فقط؛ لأنها ألفُ وصلٍ ساقطةٌ من اللفظ، كَثُرَ استعمالُ الناس إياها في صدور الكتب، وفواتحِ السُّوَر، وعندَ كلِّ فعل يُبتدأ فيه من مأكلٍ أو مشربٍ أو ملبسٍ أو غيرِ ذلك، فأَمِنوا أن يجهلَ القارئ معناها، فحذفوها إيجازًا، ولو كُتبت: باسمِ اللهِ، بالألف، لكانَ صوابًا؛ لأنهم لم يحذفوا ألفها لعلَّة موجبةٍ لحذفها، بل تخفيفًا.
 ومما كتب: في سورة يوسف: لَدَا الْبَابِ (٢٥) \[يوسف: ٢٥\] بالألف، وفي الطول: لَدَى الْحَنَاجِرِ (١٨) \[غافر: ١٨\] بالياء، وفي مصحف الشام في سورة البقرة \[٢٢١\]: وَلَا أَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ بزيادة ألف، وكتب أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ في \[النور: ٣١\] يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ (٤٩) \[الزخرف: ٤٩\]، و أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) في \[الرحمن: ٣١\]؛ بغير ألف، وما سواها: ياأيها و ياأيتها بالألف.
 ومن غرائب الهجاء ونوادره: ما كتب في الفرقان: وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) \[الفرقان: ٢١\] بغير ألف، وفي سبأ: وَالَّذِينَ سَعَوْا (٥) \[سبأ: ٥\] بغير ألف أيضًا، وفي الحشر: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ (٩) \[الحشر: ٩\] بواوين من غير ألف، وفي آخر

 (١) ما بين معكوفتين سقط من "ن".

عم: كُنْتُ تُرَابًا (٤٠) \[النبأ: ٤٠\] بغير ألف، وفي القلم: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) \[القلم: ٦\] بياءين، وفي آل عمران: أَفَإِنْ مَاتَ (١٤٤) \[آل عمران: ١٤٤\] بالياء، وفي الأنبياء \[٣٤\]: أفإن مات بغير ياء، واختلف فيه، وفي يس \[١٩\]: أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بغير ياء، وفي التوبة \[٣٨\]: اثَّاقَلْتُمْ ونحوه بالألف، وفي البقرة: فَادَّارَأْتُمْ \[البقرة: ٧٢\] ليس بين الدال والراء ولا بين الراء والتاء ألف في جميع المصاحف.
 وكتب في الحاقة لبيان الحركة: (كتَابِيَهْ، حِسَابِيَهْ، مَالِيَهْ، سُلْطَانِيَهْ)، وفي القارعة: (ما هيه) بإثبات الهاء، واختلف في قوله تعالى: (لَمْ يَتَسَنَّهْ) و (فَبِهُدَيهُمُ اقْتَدِه) أن الهاء فيهما لبيان الحركة أو لغير ذلك.
 وكتب في سورة النساء: فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ \[النساء: ٧٨\]، وفي الكهف: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ \[الكهف: ٤٩\]، وفي الفرقان: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ \[الفرقان: ٧\]، وفي المعارج: فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا \[المعارج: ٣٦\] كتبت هذه الأربعةُ الأحرفِ اللامُ مع (ما) مقطوعة مما بعدها؛ وسنذكر كلَّ شيء من ذلك في محله عند تفسيره -إن شاء الله تعالى-.
 واعلم أن هجاءاتِ المصاحفِ واختلافَ كتابتِها أكثرُ من أن يؤتى عليها كلِّها، وفيما ذكرتُه كفاية، وإنما كتبتْ هذه الحروفُ بعضُها على خلافِ بعض، وهي في الأصلِ واحدة؛ لأن الكتابةَ بالوجهينِ فيها كانت جائزةً عندهم، فكتبوا بعضَها على وجه، وبعضَها على وجهٍ آخرَ، إرادةَ الجمع بين الوجهين الجائزينِ فيها في الكتاب عندهم، على أنهم كتبوا أكثرها على الأصل، فالواجبُ على القرَّاءِ والعلماءِ والكتَّابِ والأدباءِ: أن يعرفوا هذا الرسْم في خط المصحف، وَيتَّبعوه، ولا يُجاوزوه؛ فإنه رسمُ زيدِ بنِ ثابتٍ -رضي الله عنه-، وكان أمينَ رسولِ الله - ﷺ -، وكاتبَ وحيِهِ، وعلمَ من هذا

العلم بدعوةِ النبيِّ - ﷺ - ما لم يعلمْهُ غيرُه، فما كتبَ شيئًا من ذلك، إلا لعلَّةٍ لطيفةٍ، وحكمةٍ بليغة.
 وفي خط المصحفِ عجائبُ وغرائبُ تحيرتْ فيها عقولُ العلماء، وعجَزَتْ عنها آراءُ الرجال البلغاء، والله الموفق.
 وأجمعتِ الأمةُ المعصومةُ من الخطأ على ما تضمَّنته هذهِ المصاحفُ المنسوخةُ بأمرِ عثمان -رضي الله عنه-، وتركِ ما خالفَها من زيادةٍ ونقصٍ، وإبدالِ كلمةٍ بأخرى؛ مما كان مأذونًا فيه توسعةً عليهم، ولم يثبت عندَهم ثبوتًا مستفيضًا أنه من القرآن.
 وجُرِّدت هذه المصاحفُ جميعها من النقط والشكل؛ ليحتملَها ما صحَّ نقلُه، وثبتتْ تلاوتُه عن النبي - ﷺ -، إذ كانَ الاعتمادُ على اللفظ لا على مجرَّدِ الخطِّ، وكان من جملةِ الأحرفِ السبعةِ التي أشار إليها النبي - ﷺ - بقوله: "أُنْزِلَ القرآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (١)، فكتبت المصاحف على اللفظ الذي استقرَّ عليه في العَرْضَةِ الأخيرة عن رسول الله - ﷺ -، فإن النبيَّ - ﷺ - كان يعرضُ القرآنَ على جبريلَ -عليه السلامُ- في كل عام مرةً، فعرض عليه القرآنَ في العام الذي قُبض فيه رسول الله - ﷺ - مرتين، ونُسخ منه، وغُيِّرَ فيه في العرضةِ الأخيرة، واستقرَّ منه ما كُتب في المصاحف العثمانية.
 قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: لو وَلِيتُ في المصاحف ما وَلِيَ عثمانُ، لفعلتُ كما فعل (٢).

 (١) تقدم تخريجه.
 (٢) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٤٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٩/ ٢٤٣ - ٢٤٤).

وقرأ أهلُ كلِّ مِصْر بما في مُصحفهم، وتَلَقَّوا ما فيه عن الصحابة الذين تَلقَّوه مِنْ في رسولِ الله - ﷺ -.
 قال شيخُ الإسلام ابنُ حَجَر -رحمه الله- في "شرح البخاري": واختلفَ هل رتَّبَ القرآنَ الصحابةُ بتوقيفٍ عن النبي - ﷺ -، أو باجتهاد منهم؟ قال القاضي أبو بكر: الصحيحُ: الثاني، وأما ترتيب الآيات، فتوقيفيٌّ بلا خلاف، وحكاه ابنُ عطية في "تفسيره"، والله أعلم (١).
 ...

 (١) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (٢/ ٢٥٧).

فَصْلٌ في ذِكْرِ شَكْلِ القُرآنِ وَنَقْطِهِ
 قد تقدم أن المصاحفَ العثمانيةَ كانت مجرَّدة من النَّقْطِ والشَّكْلِ، فلم يكنْ فيها إعرابٌ، وسببُ تركِ الإعرابِ فيها -واللهُ أعلمُ-: استغناؤهم عنه؛ فإنَّ القوم كانوا عَرَبًا لا يعرفون اللَّحْنَ، ولم يكن في زمنهم نَحْوٌ.
 وأولُ مَنْ وضعَ النحوَ، وجعلَ الإعرابَ في المصاحف: أبو الأسودِ الدُّؤَليُّ التابعيُّ البصريُّ، حُكي أنه سمع قارئًا يقرأ: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ \[التوبة: ٣\] بكسر اللام، فأعظَمهُ ذلكَ، وقال: عزَّ وجهُ اللهِ أن يبرأَ من رسوله (١). ثم جعلَ الإعرابَ في المصاحف، وكانتْ علاماتُه نقطًا بصبغٍ لونُه غيرُ لونِ المِداد، وهو الحُمْرَة؛ فكانت علامةَ الفتحةِ نقطةٌ فوق الحرف، وعلامة الضمة نقطةٌ في نفسِ الحرف، وعلامة الكسرة نقطةٌ تحت الحرف، وعلامة الغنة نقطتان.

 (١) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٥/ ١٩٢)، والقراءة التي سمعها أبو الأسود، هي قراءة الحسن، كما في "الكشاف" للزمخشري (٢/ ١٧٣)، و"إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (٢/ ٦)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨)، وقد وجَّهها بعض الأئمة بأنَّ الواو للقسم، ومع كل التوجيهات فهي غاية في الشذوذ.

ثم أحدثَ الخليل بنُ أحمدَ الفراهيديُّ بعد هذا هذهِ الصُّور: الشدَّةَ، والمدَّةَ، والهمزةَ، وعلامةَ السكونِ، وعلامةَ الوصل، ونقلَ الإعرابَ من صورةِ النقطِ إلى ما هو عليه الآن.
 وأما النُّقط: فأولُ من وضعها بالمصحف نصرُ بنُ عاصم الليثيُّ بأمرِ الحجَّاجِ بنِ يوسفَ أميرِ العراقِ وخراسانَ، وسببُه: أن الناس كانوا يقرؤون في مُصحفِ عثمانَ نَيِّفًا وأربعينَ سنةً إلى أيام عبدِ الملكِ بنِ مروانَ، ثم كَثُرَ التَّصحيفُ، وانتشرَ بالعراقِ، فأمر الحجاجُ: أن يضعوا لهذه الأحرف المشتبهةِ علاماتٍ، فقام بذلك نَصْرٌ المذكورُ؛ فوضعَ النقطَ أفرادًا وأزواجًا، وخالفَ بينَ أماكنِها، وكان يقال له: نَصْرُ الحروف.
 وأول ما أحدثوا النقط على الياء والتاء، وقالوا: لا بأسَ به، هو نورٌ له، ثم أحدثوا نقطًا عند منتهى الآي، ثم أحدثوا الفواتحَ والخواتمَ.
 فأبو الأسودِ الدؤليُّ هو السابقُ إلى إعرابه، والمبتديء به، ثم نصرُ بن عاصمٍ وضع النقطَ بعدَه، ثم الخليلُ بنُ أحمدَ نقلَ الإعرابَ إلى هذه الصور.
 وكان مع استعمال النقط والمشكل، يقعُ التصحيفُ، فالتمسوا حيلةً، فلم يقدروا فيها إلا على الأخذِ من أفواهِ الرجال بالتلقين؛ فانتدَبَ جهابذة علماء الأمة، وصناديد الأئمة، وبالغوا في الاجتهاد، وجمعوا الحروفَ والقراءات، حتى بَيَّنوا الصوابَ، وأزالوا الإشكال -رضي الله عنهم-.
 \*\*\*

فَصْلٌ في ذِكْر عَدَدِ سُوَرِ القُرآنِ وَآيَاتِهِ وَحُرُوفِهِ وَكَلمَاتِهِ وَأَحْزَابِهِ وَنُقَطِهِ
 أما عدد سور القرآن، فهو: مئة وأربعَ عَشْرَةَ سورةً.
 وعدد آياته ستةُ آلافٍ ومئتان وستٌّ وثلاثون آية.
 وعدد حروفه: ثلاثُ مئةِ ألفِ حرفٍ وأحدٌ وعشرون ألفَ حرفٍ، ومئتانِ وخمسون حرفًا.
 روي ذلك كله عن علي بن أبي طالب -رضي لله عنه- عن النبي - ﷺ -، ذكره الإمام أبو عبد \[الله\] (١) أحمدُ بنُ أبي عمر الأندراني في كتابه "الإيضاح في علم القراءات" في الباب العاشر. وعددُ كلماتِه في قولِ عَطاءِ بنِ يَسارٍ -رحمه الله-: سبعٌ وسبعونَ ألفَ كلمةٍ، وأربعُ مئةِ كلمةٍ، وتسعٌ وثلاثونَ كلمة (٢).
 وأحزابه: ستون حزبًا.
 قيل: إن الحجاج لما جدَّ في نَقْط المصحف، زاد تحزيبَهُ، وأمر الحسنَ ويحيى بن يعمرَ بذلك.

 (١) لفظ الجلالة سقط من "ت".
 (٢) انظر: "تفسير ابن كثير" (١/ ٨).

وأما وضعُ الأعشارِ فيه، فحُكي: أن المأمون العباسيَّ أمر بذلك.
 وقيل: إن الحجاج فعل ذلك.
 وهذا الذي ذكرتُه من العدد جملة، وأما عددُ آي كل سورة وحروفها وكلمها، فسأذكره عند أولها -إن شاء الله تعالى-.
 **وأما عددُ كلِّ حرفٍ من حروف المعجم:**
 فالألف: ثمانية وأربعون ألفًا، وتسع مئة وأربعون.
 والباء: أحدَ عشرَ ألفًا، وأربعُ مئة وعشرون.
 والتاء: عشرة آلاف، وأربع مئة وثمانون.
 والثاء: ألفٌ، وأربعُ مئةٍ وأربعةٌ.
 والجيم: ثلاثةُ آلافٍ، وثلاثُ مئةٍ واثنانِ وعشرونَ.
 والحاء: أربعة آلاف، ومئة وثمانيةٌ وثلاثون.
 والخاء: ألفانِ، وخمسُ مئةٍ وثلاثةٌ.
 والدال: خمسةُ آلافٍ، وتسعُ مئةٍ، وثمانية وتسعون.
 والذال: أربعةُ آلافٍ، وتسعُ مئةٍ، وأربعة وثلاثون.
 والراء: ألفان، ومئتان، وستة.
 والزاي: ألفٌ، وستُّ مئةٍ وثمانونَ.
 والسين: خمسةُ آلافٍ، وسبعُ مئة، وتسعةٌ وتسعون.
 والشين: ألفان، ومئة، وخمسة عشر.
 والصاد: ألفان، وسبع مئة، وثمانون.

والضاد: ألفٌ، وثماني مئة، واثنان وثمانون.
 والطاء: ألف، ومئتان وأربعة.
 والظاء: ثماني مئة، واثنان وأربعون.
 والعين: تسعة آلاف، وأربع مئة وتسعون.
 والغين: ألفٌ ومئتان، وتسعة وعشرون.
 والفاء: تسعةُ آلافٍ، وثماني مئة، وثلاثة عشر.
 والقاف: ثمانيةُ آلافٍ، وتسعةٌ وتسعونَ.
 والكاف: ثمانية آلاف، واثنانِ وعشرون.
 واللام: ثلاثةٌ وثلاثون ألفًا، وتسعُ مئة، واثنان وعشرون.
 والميم: ثمانية وعشرون ألفًا، وتسع مئة، واثنان وعشرون.
 والنون: تسعةٌ وعشرون ألفًا، وتسع مئة، وخمسة وخمسون.
 والواو: خمسةٌ وعشرون ألفًا، وخمسُ مئةٍ وستةٌ.
 والهاء: سبعةَ عشرَ ألفًا.
 ولامُ الألف: أربعةَ عشرَ ألفًا، وسبعُ مئةٍ، وسبعةٌ.
 والياء: خمسة وعشرون ألفًا، وسبع مئة، وخمسة عشر.
 قال ذلك الإمام نجم الدين النسفي، ونظمه الشيخ شمس الدين القباقبي -رحمه الله تعالى-.
 وعدد نقطه مئةُ ألفٍ، وستون ألفًا، وثلاثة آلاف، وسبع مئة، وتسع وعشرون نقطة؛ قاله القباقبي في نظمه.

وقد اختلف علماءُ القراءة في عدد الآيِ والكلماتِ والحروفِ، وليس ذلك باختلافٍ على الحقيقة، وإن كان اختلافًا في اللفظِ.
 قال بعض أهل العلم: يصرف الأمل فيما اختلفوا فيه من الحروف والكلمات، إلا أن بعضهم كان يَعُدُّ كلَّ حرف مشدَّدٍ حرفين، وبعضهم لم يفعلْ ذلك؛ فصار عددُ حروفِ من لم يفعلْ ذلك أقلَّ، وعدَّ بعضهم (في خَلْقِ) كلمتين، و (في السموات) كلمتين؛ كأنه يقول: (في) كلمة، و (خلق) كلمة، وبعضهم لم يفعل ذلك، بل عدَّ (في خلق) و (في السموات) وما أشبه ذلك، كلمة كلمة؛ فصار عدد من فعل ذلك أقلَّ من عدد كلمات من لم يفعلْ ذلك، وإلى هذا يُصرف اختلافُهم في عدد الحروف والكلمات، والله أعلم.
 \*\*\*

وقد سمى الله تعالى القرآنَ كتابًا، فقال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ (٢) \[البقرة: ٢\].
 \* وأما القرآن: فهو اسمُ الكتاب الذي أنزله الله تعالى على محمدٍ عبدِه ورسولهِ - ﷺ - خاصَّةً، لم يُسَمَّ به شيءٌ غيرُه من الكتب؛ كما أن التوراةَ اسمُ الكتاب المنزلِ على موسى، والإنجيلَ اسم الكتاب المنزل على عيسى، والزبورَ اسم الكتاب المنزل على داود -صلوات الله عليهم أجمعين-.
 وهو: منزَلٌ غيرُ مخلوقٍ بإجماعِ أهل السُّنةِ، واتفاقِ الأئمة، معجزٌ، مُتَعَبَّدٌ بتلاوتِه، مكتوبٌ في مصاحِفِنا، محفوظٌ في صدورنا، مقروءٌ بألسنتِنا.
 وإنَّما سمي قرآنًا؛ لأنه: جَمَعَ السُّوَرَ وضمَّها، قال تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) \[القيامة: ١٧\] أي: تأليفَه، وضمَّ بعضِه إلى بعضٍ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) \[القيامة: ١٨\] أي: إذا ألَّفناه وضَمَمْناه، فخذْهُ واعملْ به.
 وسمي أيضًا: الفرقان؛ لأنه: فرقَ بينَ الحقِّ والباطلِ، والمؤمنِ والكافرِ، فَرْقًا وفُرْقانًا.
 وسمي: الذكر؛ لأنه: ذَكَّرَ الناسَ آخرَتَهم وإلَههم، وما كانوا في غفلةٍ عنه.
 \* وأما السُّورَةُ من القرآن: فهي اسمٌ لآيٍ جُمعت، وقُرنت بعضُها إلى بعض؛ حتى تَمَّتْ، وكَمُلَتْ، وبَلَغَتْ في الطول المقدارَ الذي أرادَ الله تعالى، ثم فصلَ بينها وبين سورةٍ أخرى ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ولا تكونُ السورةُ إلا معروفَ المبتدأ معروفَ المنتهى.
 **\* وأما الآية: ففيها خلاف، فقيل:**

معنى الآية من القرآن: كلامٌ متصلٌ إلى انقطاعه، وانقطاع معناه فصلًا فصلًا.
 وقيل: معنى الآية: العلامة؛ كقوله: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً (١٠) \[مريم: ١٠\] أي: علامة.
 وإنما سميت الآية آية؛ لأنها: علامة تدل على نفسها بانفصالها عن الآية التي تقدَّمَتْها، أو تأخَّرَتْ عنها، فكلُّ آيةٍ كأنها علامةٌ.
 \* وأما الكلمةُ: فهي الواحدةُ من جملةِ الكلام، وجمعُها كَلِم، وتجمعُ أيضًا على: كَلِمات، فالكلام: اسمُ جنس يقعُ على القليلِ والكثيرِ من جنسِه.
 \* وأما الحَرْفُ: فهو الواحد من حروف المعجم، سمي: حرفًا؛ لقلته ودقته، ولذلك قيل: حرف الشيء لطرفه؛ لأنه آخرُه، والقليلُ منه، والحرفُ أيضًا: القراءةُ بكمالها، والحرفُ أيضًا: اللغةُ، ومنه قول النبي - ﷺ -: "أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (١) أي: على سبعِ لغاتٍ للعرب متفرقةٍ في القرآن مختلفةِ الألفاظِ متفقةِ المعاني.
 وقولهم لمكتَسَبِ الرجل وطُعْمَته: الحِرْفَة، كأنها الجهةُ التي انحرفَ إليها عما سواها.
 والتحريفُ في الكلام: تغييرُه عن معناه، كأنه ميلٌ به إلى غيره، وانحرفَ عنه، كما قال الله تعالى في صفة اليهود: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ (١٣) \[المائدة: ١٣\]؛ أي: يغيرون معاني التوراة بالتَّمْويهاتِ، والله أعلم.
 ...

 (١) تقدم تخريجه (ص: ١٠).

فَصْلٌ وَأَما كَيْف يَقْرأ القُرآن؟
 فإن كلام الله يقرأ: بالتَّحقيق، وبالحَدْر، وبالتَّدوير الذي هو التوسُّط بين الحالتين، مُرَتَّلًا مُجَوَّدًا بلُحون العربِ وأصواتِها، وتحسينِ اللفظِ والصوتِ بحسب الاستطاعةِ.
 \* أما التحقيق: فهو المبالغةُ في الإتيان بالشيء على حَقِّه من غير زيادةٍ فيه ولا نقصان، وهو نوعٌ من الترتيل، وهذ النوعُ من القراءة -وهو التحقيق- مذهبُ حمزةَ، ووَرْشٍ، والكِسائِيِّ، وأبي بكرٍ، وحَفصٍ، وهِشامٍ، وابنِ ذَكْوان.
 وفرق بعضُهم بين الترتيل والتحقيق؛ إذ التحقيقُ يكون للرياضة والتعليم والتمرين، وأما الترتيلُ يكون للتدبُّرِ والتفكُّر والاستنباط، فكل تحقيقٍ ترتيلٌ، وليس كل ترتيلٍ تحقيقًا.
 \* وأما الحَدْرُ: فهو عبارةٌ عن إدراجِ القراءةِ وسرعتِها، وتخفيفِها بالقصرِ والتسكينِ والاختلاسِ، والبدلِ، والإدغامِ الكبيرِ، وتخفيفِ الهمز، ونحو ذلك مما صحَّت به الروايةُ، ووردتْ به القراءة، وهو ضدُّ التحقيق، وهذا النوعُ مذهبُ ابنِ كَثيرٍ، وأبي جَعْفَرٍ، وأبي عمرٍو، ويعقوبَ، وقالونَ، ووَرْشٍ، ورُوي عن حفصٍ، وهشامٍ.

\* وأما التَّدْويرُ: فهو التوسُّطُ بين المقامين من التحقيق والحدر، وهو مذهبُ سائر القراء، وصحَّ عن جميع الأئمة، وهو المختارُ عن أكثر أهل الأداء.
 \* وأما التَّرْتيلُ: فهو مصدر من رَتَّلَ فلانٌ كلامَه؛ إذا أتبعَ بعضَه بعضًا على مُكْثٍ وتفهُّمٍ، من غير عَجَلةٍ، وهو الذي نزلَ به القرآن، قال الله تعالى: وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) \[الفرقان: ٣٢\].
 وعن علي -رضي الله عنه-: أنه سُئل عن قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) \[المزمل: ٤\]، فقال: الترتيلُ تجويدُ الحروف، ومعرفةُ الوقف (١).
 والصحيحُ بلِ الصوابُ: أن الترتيلَ والتدبُّرَ مع قلةِ القراءة، أفضلُ من السرعةِ مع كثرتها.
 \* والتَّجْويدُ: هو حليةُ التلاوةِ وزينةُ القراءة، وهو: إعطاءُ الحروف حقوقَها، وترتيبَها مراتبَها، وردُّ الحرفِ إلى مخرجه وأصلِه، من غير إسرافٍ ولا تعسُّف، ولا إفراطٍ ولا تكلُّف.
 قال الحبرُ العلامةُ أبو زكريا النووي -رضي الله عنه-: وإذا ابتدأ القارئ بقراءة شخصٍ من السبعة، فينبغي أن لا يزالَ على تلك القراءة، ما دام للكلام ارتباطٌ، فإذا انقضى ارتباطُه، فله أن يقرأ بقراءةِ آخرَ من السبعة، والأَوْلى دوامُه على تلكَ القراءةِ في ذلك المجلس (٢).
 وقال الأستاذ أبو إِسحقَ الجعبريُّ -رحمه الله-: والتركيبُ ممتنعٌ في

 (١) انظر: "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي (٢٢١).
 (٢) انظر: "التبيان في آداب حملة القرآن" للنووي (ص: ٣٧).

كلمةٍ، وفي كلمتين؛ إن تعلَّقَ أحدُهما بالآخَرِ، وإلَّا كُرِهَ.
 وأجازها أكثرُ الأئمة مطلقًا، وجعل خطأَ مانعي ذلك مُخَفَّفًا.
 قال الحافظ العلامة ابن الجزريِّ -رحمه الله-: والصوابُ في ذلك عندنا (١) التفصيلُ، والعدول بالتوسُّط إلى سواء السبيل، فنقول: إن كانت إحدى القراءتين مترتبةً على الأخرى، فالمنعُ من ذلك منعُ تحريم؛ كمن يقرأ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ (٣٧) \[البقرة: ٣٧\] بالرفع فيهما، أو بالنصب، آخذًا رفعَ (آدَمُ) من قراءة غير ابن كثير، ورفعَ (كَلِمَاتٌ) من قراءة ابن كثير (٢)، ونحو: (وكَفَّلَها زَكَرِيَّا) بالتشديد مع الرفع، أو عكس ذلك (٣)، ونحو: (وَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ) وشبهِه مما يُرَكَّب بما لا تجيزُه العربية، ولا يصحُّ في اللغة، وأما ما لم يكنْ كذلك، فإنا نفرِّق فيه بين مقامِ الرواية وغيرها:
 فإن قرأَ بذلك على سبيل الروايةِ، فإنه لا يجوزُ أيضًا، من حيثُ إنه كذبٌ في الرواية، وتخليطٌ على أهلِ هذهِ الدراية.

 (١) في "ن" و"ظ": "عندنا في ذلك".
 (٢) قراءة ابن كثير: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ والباقون برفع آدم، انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٥٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ٩٣)، و"التيسير" للداني (ص ٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١١) و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٤٨)، ووجَّه البغوي -رحمه الله- قراءة ابن كثير بقوله: يعني: جاءتِ الكلماتُ آدمَ من ربه، وكانت سببَ توبته.
 (٣) انظر: توجيه المؤلف لقراءات هذه الآية، في تفسير سورة آل عمران، الآية: ٣٧.

وإن لم يكنْ على سبيلِ النقلِ والرواية، بل على سبيل القراءةِ والتلاوة، فإنه جائر صحيحٌ مقبولٌ، لا منعَ منه، ولا حَظْرَ، وإن كنا نَعيب على أئمة القراءات والعارفينَ باختلافِ الروايات، من وجه تساوي العلماءِ بالعوامِّ، لا من وجهِ أنَّ ذلكَ مكروهٌ أو حَرام، إذ كلٌّ من عندِ الله نزلَ به الرُّوحُ الأمينُ على قلبِ سَيِّدِ المرسلين؛ تخفيفًا عن الأمَّةِ، وتهوينًا على أهلِ هذه الملَّة، فلو أوجَبْنا عليهم قراءةَ كلِّ روايةٍ على حِدَةٍ، لَشَقَّ عليهم تمييزُ القراءةِ الواحدةِ، وانعكسَ المقصودُ من التخفيفِ، وعادَ الأمر بالسهولةِ إلى التكليف، وقد تقدَّم لفظُ الحديثِ الشريفِ: "إِنَّ هَذَا القُرْآنَ نَزَلَ على سبعةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ منهُ" (١).
 ...

 (١) تقدم تخريجه (ص: ١٠).

فَصْلٌ في الاسْتِعَاذَة
 قال الله تعالى فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) \[النحل: ٩٨\].
 معناه: إذا أردتَ أن تقرأ، وشَرَعْتَ، فأوقعَ الماضي موقع المستقبل؛ لثبوته.
 وأجمع العلماءُ على أن قول القارئ: أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم ليس بآيةٍ من كتاب اللهِ تعالى، وأجمعوا على استحسانِ ذلكَ، والتزامِه في كل قراءة في غير صلاةٍ.
 ويجهرُ بها عند جميع القراء قبل القراءة.
 ورُوي عن حمزةَ إخفاؤها قبلُ حيث قرأ.
 ورُوي عنه الإخفاء في غير الفاتحة.
 وروي عن قالون إخفاءُ الاستعاذة في جميع القرآن.
 ويجوز الوقفُ على الاستعاذة، ووصلُها بما بعدها، بَسْمَلَةً كانَ أو غيرَها من القرآن.
 ومعنى (أعوذ بالله) أي: أستجيرُ وأمتنعُ بعظمة الله (من الشيطان) هو إبليسُ، فَيْعالٌ من شَطَنَ؛ أي: بَعُدَ من رحمةِ الله. (الرَّجيمِ)؛ أي:

المرجومِ بالشُّهُبِ عندَ استراقِ السمعِ، فصار المعنى: أستجيرُ وأمتنعُ بعظمة اللهِ من المرجومِ المطرودِ عن رحمةِ اللهِ.
 والمختارُ لجميع القراءِ من حيثُ الروايةُ: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، كما ورد في سورة النحل، وهو المأخوذ به عند عامة الفقهاء؛ كالشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل (١)، وغيرهم.
 وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قرأتُ على رسول الله - ﷺ -: أعوذُ بِاللهِ السَّميعِ العليمِ، فقالَ لي: "قُلْ أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى جِبريلَ: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ، فَقَالَ لِي: قُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ ثُمَّ قالَ لِي جِبْريلُ: هَكَذَا أَخَذْتُ عَنْ مِيكَائِيلَ، وَأَخَذَ مِيكائِيلُ عَنِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ" رواه الحافظُ ابنُ الجزريِّ في "النشر" (٢).
 والمختار عند أئمة القراءة الجهرُ بها كما تقدَّم، ومحلُّها قبلَ القراءة إجماعًا، وهي مستحبةٌ في القراءة بكل حال، في الصلاةِ وخارجَها ندبًا، وهي في الصلاة للقراءة لا للصلاة، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وأما الإمام مالك، فإنه قال: لا يُستعاذ إلا في قيام رمضان فقط، والله أعلم.
 ...

 (١) "بن حنبل" ساقطة من "ش" و"ت".
 (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (...).

الكَلاَمُ في تَفْسِيْرِ البَسْمَلَةِ
 رُوي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "مِفْتاحُ القُرْآنِ التَّسْمِيَةُ" (١).
 وقال ابنُ عباس -رضي الله عنهما- "إِجلالُ القرآن: أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ، ومفتاحُ القرآنِ: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ" (٢).
 ورُوي أن أولَ ما جرى به القلمُ في اللوح المحفوظ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
 وروي أن رجلًا قال بحضرة النبي - ﷺ -: تَعِسَ الشيطانُ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: "لا تقلْ ذَلِكَ، فإنَّهُ يَتَعَاظَمُ عِنْدَهُ، وَلَكِنْ قُلْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ فَإِنَّهُ يَصغُرُ حَتَّى يَصيرَ أَقَلَّ مِنْ ذُبابٍ" (٣).
 وقوله: بِسْمِ اللَّهِ الباءُ في محلِّ نصبٍ؛ لأنها في موضعِ

 (١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، لكن روى الخطيب البغدادي في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (١/ ٢٦٤) عن أبي جعفر محمد بن علي معضلًا: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مفتاح كل كتاب"، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير"، والمناوي في "فيض القدير" (٣/ ١٩٢).
 (٢) لم أقف عليه.
 (٣) رواه أبو داود (٤٩٨٢)، كتاب: الأدب، باب: (٨٥)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٣٨٨)، والإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٥٩)، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -.

مفعولٍ به، تقديرُه: أبدأُ بسمِ الله، أو: بدأتُ بسم الله، أو في محلِّ رفعٍ؛ لأنها في موضعِ خبرِ الابتداء، تقديرُه: مفتاحُ كلامي بسم الله، وكُسرت باء الجر ليناسبَ لفظُها عملَها، وحذفت الألفُ من بسم الله في الخط؛ طلبًا للخفة؛ لكثرة استعمالها، وطولت الباء ليكونَ افتتاحُ كتاب الله بحرفٍ معظم.
 والاسمُ: هو المسمَّى وعينُه وذاتُه، وقيل: الاسمُ غيرُ المسمَّى، وإنما هو يدلُّ على المسمَّى، وهو مشتق من السمو، وهو العلو.
 واللهُ: هو اسمٌ تَفَرَّدَ به الباري سبحانه، قال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) \[مريم: ٦٥\]، وهو اسمُ الله الأعظمُ، ومعناه: السيدُ.
 واختُلف في اشتقاقه، فقال جماعةٌ من العلماء: هو غيرُ مشتق؛ كأسماءِ الأعلامِ للعباد مثل زيدٌ وعمرٍو.
 و (١) قال آخرون: هو مشتقٌّ من أَلِهَ إِلاهَةً؛ أَيْ عبدَ عبادةً، معناه: أنَّهُ المستحقُّ للعبادة دون غيره.
 الرَّحْمَنِ صفةُ مبالغةٍ من الرحمة، معناها: أنه انتهى إلى غاية الرحمة، وهي صفة تختصُّ بالله، ولا تطلق على البشر.
 الرَّحِيمِ عظيمِ الرحمةِ، والرحمةُ إرادةُ الخيرِ لأهلِه، وأصلُها الرقَّةُ والتعطُّف.
 واختلف العلماءُ والقراء فيها، فقيل: هي آية من الفاتحة فقط، وهو مذهب أهل مكة، والكوفة، ومن وافقهم.
 وقيل: آية من الفاتحة، ومن أول كل سورة سوى براءة، وهو الصحيح من مذهب الإمام الشافعي ومن وافقه، فيجهر بها في صلاة الجهر.

 (١) "و" زيادة من "ن" و"ظ".

وقيل: آيةٌ فاصلةٌ بين كل سورتين سوى براءة، فيكره ابتداؤها بها، وهو مذهب الإمامين أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، ومن وافقهما، فتقرأ سرًّا في صلاة الجهر.
 وقيل: ليست بآية، ولا بعض آية من الفاتحة، ولا من غيرها، وإنما كتبت للتيمُّن والتبرُّك، وهو مذهب الإمام مالك، ومن وافقه، ونقل جماعة عن أبي حنيفة كمذهب مالك، وعند مالك تكره قراءتها في صلاة الفرض، مع إجماعهم على أنها بعضُ آية من سورة النمل، وأن بعضها آية من الفاتحة. وليست من القرآن أول براءة؛ لنزولها بالقتال الذي لا تناسبه (١) البسملة المناسبة للرحمة والرفق.
 وأما مذاهبُ القراءِ فيها، فقد أجمعَ القراءُ على إثبات البسملةِ أولَ الفاتحة، سواء وُصلت بسورة الناس قبلَها، أو ابْتُدِئَ بها، واختلفوا فيها.
 فأما ابنُ كثير، وعاصمٌ، والكسائيُّ، فإنهم يعتقدونها آية من الفاتحة، ومن كل سورة، وافقهم حمزةُ على الفاتحة فقط، وصحَّ عن نافع أنه قال: أشهد أنها من السبع المثاني، وأن الله أنزلها.
 وقيل: إن أبا عمرٍو، وقالونَ، ومن تابعَ الثاني من قراء المدينة لا يعتقدونها آية من الفاتحة، ولم يرضَ ابنُ الجزريِّ هذا القول.
 وأما الفصلُ بالبسملة بين كلِّ سورتين، فاختلف القراء في ذلك، ففصلَ بها بين كلِّ سورتين إلا بينَ الأنفالِ وبراءة: ابنُ كثير، وعاصمٌ، والكسائيُّ، وأبو جعفرٍ، وقالونُ، والأصبهانيُّ عن ورشٍ.

 (١) في "ت": "لا يناسبه".

ووصلَ بينَ كلِّ سورتين: حمزةُ، وكان يقول: القرآنُ عندي كسورةٍ واحدةٍ، فإذا قرأتُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول فاتحة الكتاب، أجزأني.
 قال ابن الجزري: كلامُ حمزةَ يُحمل على حالة الوصل، لا الابتداء؛ لإجماع أهل النقل على ذلك، والله أعلم.
 واختلف عن خلف في اختياره بين الوصل والسكت.
 واختلف أيضًا عن الباقين وهم: أبو عمرو، وابن عامر، ويعقوبُ، وورشٌ من طريق الأزرق بين الوصل والسكت والبسملة.
 ثم إن الآخذين بالوصل لمن ذُكر من حمزةَ، أو أبي عمرٍو، أو ابن عامرٍ، أو يعقوبَ، أو ورشٍ، اختارَ كثيرٌ منهم لهم السكت بين المدَّثر والقيامة، وبين الانفطار والمطفِّفين، وبين الفجر والبلد، وبين العصر والهُمَزَة، وكذا الآخذون بالسكت لمن ذُكر من أبي عمرو، وابن عامر، ويعقوبَ وورشٍ، اختار كثير منهم لهم البسملة في هذه الأربعة مواضع، وإنما اختاروا ذلك؛ لبشاعة وقوع مثل ذلك إذا قيل: وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) \[المدثر: ٥٦\] لَا \[القيامة: ١\]، أو وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) \[الفجر: ٣٠\] لَا \[البلد: ١\]، أو لِلَّهِ \[الإنفطار: ١٩\] وَيْلٌ \[المطففين: ١\]، أو وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ \[العصر: ٣\] وَيْلٌ \[الهمزة: ١\]، من غير فصل، ففصلوا بالبسملة للساكت، وبالسكت للواصل، ولم يمكنهم البسملة له؛ لأنه ثبت عنه النصُّ بعدمها، فلو بَسْمَلوا، لصادموا النصَّ بالاختيار، وذلك لا يجوزُ.
 والأكثرون على عدم التفرقة بين الأربعة وغيرها، وهو اختيار المحققين.

والمشترَطُ في السكت أن يكون من دون تنفُّس.
 ولا خلاف فيحذفها بين الأنفال وبراءة، وكذلك في الابتداء ببراءة، وأما الابتداء بالآي وسط براءة، ففيه خلاف، ولا يجوز القطع عليها إذا وصلت بآخر السورة، ويجوز بين الأنفال وبراءة كلٌّ من الوصل والسكتِ والوقفِ لجميع القراء إذا لم يقطع على آخر الأنفال.
 فالقطعُ: هو قطعُ القراءة رأسًا، فهو كالانتهاء.
 والوقف: هو قطعُ الصوت على الكلمة زمنًا يتنفس فيه عادة بنيةِ استئنافِ القراءة.
 والسكتُ: هو قطعُ الصوت زمنًا دون زمن الوقف عادةً من غير تنفس، والله أعلم.
 \*\*\*

سُوْرَة فَاتحَة الكِتابِ
 مكيةٌ، وآيُها سبعُ آيات، وحروفُها بالبسملةِ والتشديداتِ لمن قرأ: (مَالِكِ) مئةٌ وستٌّ وخمسون حرفًا، وكلمُها تسعٌ وعشرون كلمةً، وبغير البسملةِ حروفُها مئةٌ وأربعةٌ وثلاثونَ، وكلمُها خمسٌ وعشرون.
 فمن قال إنها سبعُ آيات غير البسملةِ جعلَ الْعَالَمِينَ ١ آية الرَّحِيمِ ٢ آية الدِّينِ ٣ آية نَسْتَعِينُ ٤ آية الْمُسْتَقِيمَ (٦) ٥ آية أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ٦ آية وَلَا الضَّالِّينَ ٧ آية.
 ومن قال: إن البسملةَ منها، وعدَّها من الآيات السَّبعِ، جعلَ البسملةَ آيةً، ولم يجعلْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.
 وليست فيها سبعةُ أحرفٍ من حروف المعجم، وهي الثاءُ والجيمُ والخاءُ والزايُ والشينُ والظَّاءُ والفاءُ.
 وفي بعض الآثار: أن الحكمة فيها أن الثاءَ من الثُّبور، والجيمَ من الجحيم، والخاءَ من الخوف، والزايَ من الزَّقُّوم، والشينَ من الشَّقاوة، والظَّاء من الظُّلمة، والفاءَ من الفِراق، ومعتقِدُ هذه السورة وقارئُها على التعظيم والحرمة آمِنٌ من هذه الأشياء السبعة.

وأما أسماءُ الفاتحةِ، فهي (١) ثلاثةُ أسماءٍ معروفةٍ:
 الأول: فاتحةُ الكتاب؛ لأن القرآنَ افتُتِحَ بها.
 والثاني: أُمُّ القرآنِ؛ لأن القرآن يُبْدَأُ منها؛ كقولهم لمكة: أمُّ القرى، ولتقدُّمها في المصحف، وفي الصلاة.
 والثالثُ: السبعُ المثاني؛ لأنها سبعُ آيات بإجماع، ولأنها تُثَنَّى في الصلاة.
 واختلف الأئمةُ فيها، هل هي فرض في الصلاة؟ فقال أبو حنيفةَ: ليست فرضًا، فلو قرأ آية في كل ركعة، صحَّتْ صلاته، وقال صاحباه: ثلاثُ آيات قِصار، أو آيةٌ طويلة تَعْدِلُها؛ لقوله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (٢٠) \[المزمل: ٢٠\] من غير تقييدٍ، وفرضُ القراءة عندهم إنما هو في الركعتين الأُولَيين من الرُّباعية، وأما في الأُخْرَيين، فسنةٌ، فلو سبَّحَ أو سكتَ فيهما، أجزأهُ.
 وقال الأئمةُ الثلاثةُ: هي ركنٌ في كلِّ ركعةٍ من الرباعية وغيرها، وتبطل الصلاةُ بتركها عمدًا أو سهوًا؛ لقوله - ﷺ -: "لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتابِ" (٢)، والله أعلم.
 ...

 (١) في "ن" و"ظ": "فلها".
 (٢) رواه البخاري (٧٢٣)، كتاب: صفة الصلاة، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، في الحضر والسفر، ومسلم (٣٩٤)، كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-.

وآخره عند سورة الإسراء. وجاء في نهايته: وقد وافق الفراغ من هذا الكتاب ثامن عشر شهر رمضان المعظم قدره، من شهور سنة ست عشرة وألف. أحسن الله ختامها، على يد أضعف العباد، الراجي عفو مالك المحامد، الفقير يحيى بن حامد، وذلك بالمسجد الأقصى الشريف المعظم قدره،... والحمد لله رب العالمين.
 وأما الجزء الثاني: من هذه النسخة، فيقع في (١٨٥) ورقة، ويبتدئ من أول سورة الكهف، وينتهي بآخر سورة من القرآن الكريم، وجاء في آخره: قال جامعه -عفا الله عنه بكرمه-: وكان الفراغ من جمع هذا الجزء، عقب صلاة الظهر من يوم الخميس، الثالث والعشرين من شهر صفر، ختم بالخير والظفر، سنة أربع عشرة وتسع مئة، من الهجرة الشريفة النبوية المحمدية... وكان جمعه بالمسجد الأقصى الشريف -شرفه الله وعظمه- بقبة موسى -عمرها الله بذكره-. ووافق الفراغ من تبييضه عقب صلاة الظهر من يوم السبت، السابع والعشرين من جمادى الأولى، سنة سبع عشرة وتسع مئة وألف، الحمد لله وحده...
 فهذه النسخة إذن قريبة العهد بمؤلفها، إذ ناسخها السيد يحيى بن حامد قد انتسخها سنة (١٠١٦ هـ).
 وقد جاء على طرة الكتاب: اسم الكتاب ومؤلفه، وفهرست لأسماء السور وأرقام اللوحات الواردة فيها.
 وعلى هذه النسخة عدة أختام، وقد لونت فيها الفصول وأسماء السور والآيات باللون الأحمر، ووضعت على الآيات الرموز التي التزمها المؤلف من الوقف وغيره.

وجاء على هوامشها تنبيهات إلي بداية ونهاية الأجزاء، وكذا أسماء السور، وفيها تنبيهات لما كرره المؤلف في بعض المواضع، وذكر المهمات التي أوردها المؤلف؛ كقول الناسخ: فائدة عزيزة، أو غريبة، أو مفيدة، ونحو ذلك. ويذكر أحيانًا توضيحات للمبهمات عند المؤلف، وإحالات على مراجع أُخر لزيادة على ما ذكره المؤلف.
 وهذه النسخة نسخة جيدة في مجملها، معتمدة في إثبات نص مؤلفها، ولولا ما تخللها من بعض الأسقاط القليلة (١)، وبعض التحريفات والتصحيفات، لأغنت في بابها عن كل نسخ الكتاب الموجودة.
 وقد رُمز هذه النسخة بالرمز "ت".
 **\* النسخة الثانية:**
 وهي من محفوظات مكتبة تشستربتي في مدينة "دبلن" بإيرلندا، وتقع في (٣١٤) ورقة، تتألف من جزأين:
 أما الجزء الأول: فهو يتألف من (١٤٥) ورقة، في كل ورقة وجهان، الوجه (٢٧) سطرًا، وفي السطر (٢٢) كلمة تقريبًا.
 وهو مخروم في أوله، يبدأ عند قوله: الأربعة المشار إليهم، وربما ذكرت مذاهبهم في شيء من أصول الدين والفقه... إلى أن ذكر: في ذكر ما ورد في فضائل القرآن العظيم.
 وآخره ينتهي عند قوله في سورة الإسراء في قوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ \[الإسراء: ٨٢\]: واستعارة الشفاء للقرآن هو

 (١) وهذه مواضع الأسقاط كما أثبتت في المطبوع: (١/ ٢٢٣)، (٢/ ١٧٧)، (٥/ ٢٣٦، ٣٧٠، ٣٩٣).

بحسب إزالته للريب، وكشفه غطاء القلب لفهم المعجزات. وبعد هذا سقط إلى نهاية سورة الإسراء.
 وأما الجزء الثاني: فيقع في (١٦٩) ورقة، ويبدأ من سورة الكهف بقوله: سورة الكهف مكية في قول جميع المفسرين.
 وآخره: قال جامعه الفقير إلى رحمة ربه عبد الرحمن بن محمد العمري الحنبلي -ستره الله بحلمه، ولطف به-...: جمعته بالمسجد الأقصى الشريف -شرفه الله- في قبة موسى -عمرها الله بذكره- تجاه باب السلسلة، أحد أبواب المسجد الأقصى، في نحو ثمانية عشر شهرًا، وكان الفراغ منه في غرة يوم الجمعة الغراء من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته من شهور سنة أربع عشرة وتسع مئة من الهجرة.
 وجاء بعده اسم ناسخه ابن عادل المرعشي الحنفي، الذي انتهى من نسخه سنة (٩٦٦ هـ) أي: بعد وفاة المؤلف -رحمه الله- بثمان وثلاثين سنة.
 وهذه النسخة لا بأس بها في المقابلة، إلا أنه قد أكثر فيها التصحيف والتحريف، وتكررت فيها الأسقاط (١).
 وقد رُمز لهذه النسخة بالرمز "ش".
 **\* النسخة الثالثة:**
 وهي من محفوظات المكتبة الظاهرية بدمشق، برقم (٩٢٨٧)، وتحتوي على المجلد الأول فقط من الكتاب، ويقع في (٣٢٢) ورقة، في

 (١) وهذه مواضع الأسقاط كما أثبتت في المطبوع: (٢/ ١١، ٨٢، ٣٣٦)، (٣/ ٤٩٥)، (٤/ ٤٠)، (٤/ ١٤٢)، (٦/ ٣٥٧، ٤٦٦)، (٧/ ٤٥٣).

كل ورقة وجهان، وفي الوجه (٢٥) سطرًا، وفي السطر (١٤) كلمة تقريبًا.
 أولها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده، حمدًا يليق بجلالة عظمته، ورفيع مجده...
 وآخرها: نهاية سورة الإسراء عند قوله: قال عمر -رضي الله عنه-: قول العبد: الله أكبر، خير من الدنيا وما فيها، وهي أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، ثم أكدها...
 وقد كتب في هوامشها أوائل الأجزاء، وآخرها، وأقسامها، كما ألحقت بعض الاستدراكات التي سقطت أثناء النسخ.
 وهذه النسخة أفضل من سابقتيها؛ لضبط أكثر الكلام فيها بالشكل، ولخلوها من الأسقاط الموجودة في النسختين السابقتين، لولا أنها ناقصة المجلد الثاني، وإهمال رموز الوقف وغيرها التي وضعها المؤلف في أول الكتاب.
 وقد رُمز لهذه النسخة بالرمز "ظ".
 **\* النسخة الرابعة:**
 وهي تتألف من جزء واحد فقط، وتقع في (٢٧٠) ورقة، وفي الورقة وجهان، وفي الوجه (٢٦) سطرًا، وفي السطر (١٢) كلمة تقريبًا.
 جاء على ظاهرها: الجزء الأول من "فتح الرحمن بتفسير القرآن" جمع القاضي مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد العمري العليمي، صاحب التاريخ، نفعنا الله تعالى به.

وكتب عليه أيضًا: من أول القرآن إلى سورة يوسف، وقد كمل بحمد الله سبحانه في مجلدين آخرين.
 وقد كتب على ظاهرها بعض التملكات.
 أولها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده حمدًا يليق بجلال عظمته، ورفيع مجده.
 وآخرها: أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا (١٢) إلى الصحراء يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ (١٢) \[يوسف: ١٢\]... ويلهو. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: بالنون فيهما، وابن كثير: بكسر العين من (يرتع).
 وهذه النسخة جيدة معتمدة أكثر من غيرها لو أنها كانت كاملة، فقد لونت فيها الآيات باللون الأحمر، وأسماء السور باللون الأخضر، والرموز التي التزمها المؤلف باللون الأصفر، إلا أنها أهملت عند نهاية سورة الأنعام، كما أثبت على هوامشها تقسيمات الأجزاء والأحزاب، وذكر العناوين والتنبيهات التي أوردها المؤلف في تفسيره. ولم يقع فيها إلا سقط واحد كما بين في (٢/ ١٥٦) من هذا الكتاب.
 وقد رمز لهذه النسخة بالرمز "ن".
 \*\*\*

المبحث السابع بَيَان منْهَج التَّحقِيق
 ١ - نسخ النسخة الخطية لمكتبة تشستربتي، وذلك بحسب رسم وقواعد الإملاء الحديثة.
 ٢ - معارضة المنسوخ بالأصول الخطية المعتمدة في التحقيق، وهي نسخة المكتبة السليمانية ونسخة الظاهرية ونسختي الخاصة.
 ٣ - إثبات الفروق المهمة بين النسخ الخطية باعتماد الصواب في النص، والإشارة إلى الأسقاط الموجودة في النسخ كافة.
 ٤ - الزيادة في مواضع عدة ما كان النص لا يقوم إلا به، وجعل هذه الزيادة بين معكوفتين.
 ٥ - إدخال علامات الترقيم المعتادة على النص، وتفقير الكتاب.
 ٦ - إدراج الآيات القرآنية كاملة في بداية تفسير كل آية يتكلم عليها المؤلف برسم المصحف الشريف على رواية حفص، ملونة باللون الأخضر.
 ٧ - ضبط الأحاديث النبوية بالشكل، وكذا ضبط نص الكتاب بالشكل شبه الكامل، تيسيرًا وتسهيلًا على مطالعه.
 ٨ - تخريج الأحاديث النبوية الواردة لدى المؤلف، فإن كان الحديث

في "الصحيحين" أو أحدهما، فإنه يكتفي بالعزو إليهما دون غيرهما، وإلا، فمن باقي الكتب الستة، وذلك بذكر رقم الحديث والباب والكتاب اللذين ورد فيهما الحديث، مع الإشارة إلى اسم الصحابي الذي روى الحديث، فإن لم يكن فيها، تم تخريجه من غير الكتب الستة بذكر المصدر، ورقم الحديث، أو الجزء والصفحة.
 ٩ - عزو أسباب النزول التي ذكرها المؤلف إلى مصادرها -ما أمكن-.
 ١٠ - عزو القراءات إلى الكتب التي اعتنت بذلك؛ لتيسير الرجوع إلى مظانها.
 ١١ - عزو الآثار الواردة؛ بذكر اسم المصدر، ورقم الأثر، أو الجزء والصفحة.
 ١٢ - التنبيه إلى بعض القصص والأخبار والإسرائيليات في غالب الأحيان.
 ١٣ - عزو النقول والأقوال التي يصرح المؤلف -رحمه الله- بذكرها.
 ١٤ - كتابة مقدمة للكتاب، مشتملة على ترجمة للمؤلف، ودراسة للكتاب.
 ١٥ - تذييل الكتاب بفهارس علمية مشتملة على:
\- فهرس الآيات القرآنية.
\- فهرس الأحاديث النبوية.
\- فهرس الآثار والأقوال.
\- فهرس الإسرائيليات.

- فهرس موضوعات الكتاب.
 - فهرس القراء.
 - فهرس الأعلام.
 - فهرس السور وما يحتوي الكتاب.
 والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
 \*\*\*

صُوَر المخْطُوطات

صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش"

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش"

صورة اللوحة الأولى من الجزء الثاني من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش"

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة تشستربتي المرموز لها بـ "ش"

صورة غلاف الجزء الأول من النسخة الخطية للمكتبة السليمانية بتركيا المرموز لها بـ "ت"

صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت"

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت"

صورة غلاف الجزء الثاني من النسخة الخطية للمكتبة السليمانية المرموز لها بـ "ت"

صورة اللوحة الأولى من الجزء الثاني من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت"

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من النسخة السليمانية المرموز لها بـ "ت"

صورة غلاف الجزء الأول من نسخة المكتبة الظاهرية المرموز لها بـ "ظ"

صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة الظاهرية المرموز لها بـ "ظ"

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة الظاهرية المرموز لها بـ "ظ"

صورة غلاف الجزء الأول من نسختي الخطية، المرموز لها بـ "ن"

صورة اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسختي الخطية المرموز لها بـ "ن"

صورة اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسختي الخطية المرموز لها بـ "ن"

فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ
 تَأليف
 الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ
 المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ)
 رَحِمَهُ الله تعَالى
 المُجَلَّد الأَوَّلُ
 اعتَنَى بِهِ
 تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا
 نُوْرُ الدِّيْن طَالب
 إصدَارات
 وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة
 إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ
 دولة قطر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 وَصَلَّى الله عَلَى سَيِّدنَا محمَّد وَآلهِ وَصَحبهِ وَسَلَّم
 الحمدُ للهِ الذي نزَّل الفرقانَ على عبدِه، حمدًا يليقُ بجلالِ عظمتِه ورفيعِ مجدِه.
 وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، إلهٌ سَبَّحَ كلُّ شيءٍ بحمدِه.
 وأشهدُ أن سيدَنا محمدًا عبدُه ونبيُّه الذي أرسلَه رحمةً للعالمين وأَيَّدَهُ بملائكةٍ من عندِه، وصلَّى اللهُ وسلَّم عليهِ وعلى آلِه وأصحابِه وأنصارِه وجندِه.
 **أمّا بعد:**
 فهذا كتابٌ لَخَّصْتُهُ مختصرًا، وهَذَّبْتُ لفظَهُ محرَّرًا، يتضمَّنُ نبذةً من تفسيرِ القرآنِ العظيمِ، وتأويل ما فيهِ من الآياتِ والذكرِ الحكيم.
 اعتمدْتُ في نقلِه على كتبِ أئمةِ الإسلام، وانتقيتُه من فوائدِ العلماءِ الأعلام.
 وذكرتُ فيه خلافَ القراءِ العشرةِ المشهورينَ الذين تواترتْ قراءتُهم، واشتهرت روايتُهم من طرقِ الرواةِ الثقاتِ، والأئمةِ الأثباتِ.
 وهم: أبو رُوَيْمٍ نافعُ بنُ عبدِ الرحمنِ، وأبو جعفرٍ يزيدُ بنُ القَعْقاعِ المدنيَّان، وأبو معبدٍ عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ المكيُّ، وأبو عمرٍو زبانُ بنُ العلاءِ المازنيُّ، وأبو محمدٍ يعقوبُ بنُ زيدٍ الحضرَميُّ البصريَّان، وأبو عمرانَ

عبدُ اللهِ بنُ عامرٍ الشاميُّ، وأبو بكرٍ عاصمُ بنُ أبي النجودِ الأسديُّ، وأبو عمارةَ حمزةُ بنُ حبيبٍ الزيَّاتُ، وأبو الحسنِ عليُّ بنُ حمزةَ الكِسائيُّ الكوفيون.
 ويدخلُ معهم أبو محمدٍ خلفُ بنُ هشامٍ البزاز؛ لموافقِته لهم -رضي الله عنهم أجمعين-.
 وذكرتُ فيهِ أربعةَ وقوفٍ: التامُّ، والكافي، والحسنُ، والقبيحُ مما اختارَه الإمامُ أبو عمرٍو عثمانُ بنُ سعيدٍ الداني -رحمه الله- وغيرُه. وكتبتُ لفظَ الكتابِ العزيزِ بالأحمرِ، وتفسيرَه بالأسودِ، وإشارةَ الوقوفِ بينَ الأسطرِ بالأصفرِ، فللتامِّ (ت)، وللكافي (ك)، وللحسن (ح) وللقبيح (ق) (١).
 فالوقفُ التامُّ هو الذي يحسُنُ القطعُ عليهِ والابتداءُ بما بعدَهُ؛ لأنه لا يتعلَّق بشيء مما بعدَه (٢).
 والكافي هو الذي يحسُنُ الوقفُ عليه أيضًا، والابتداءُ بما بعدَه، غيرَ أنَّ الذي بعدَه متعلِّقٌ به من جهةِ المعنى دونَ اللفظ.
 والحسنُ هو الذي يحسُنُ الوقفُ عليه، ولا يحسُنُ الابتداءُ بما بعدَه؛ لتعلُّقه به من جهةِ اللفظِ والمعنى جميعًا، ويسمَّى هذا الضربُ: صالحًا؛ إذ لا يمكنُ القارئ أن يقفَ في كلِّ موضع على تامٍّ ولا كافٍ؛ لأنَّ نَفَسَهُ ينقطعُ دونَ ذلكَ.
 وأما الوقفُ القبيحُ، فهو الذي لا يُعرف المرادُ منه، وذلكَ نحوُ الوقفِ

 (١) وهذه الرموز ظاهرة في النسخة التركية (ت)، وقد تم إغفالها في عملنا هنا، نظرًا لصعوبة إدخالها على رسم المصحف الحالي، ولعل الله تعالى يهيئ لنا إدخالها بطريقة فنية معينة في الطبعات القادمة، إن شاء الله تعالى.
 (٢) في "ن": "لا يتعلق شيء مما بعده به".

فَصْلٌ في مَعنَى قَولِ النَّبِي - ﷺ -: إِنَّ هَذَا القُرآن أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فَاقْرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (١)
 اختلفَ العلماءُ في معنى هذا الحديثِ، وأكثرهُم على أنَّ المرادَ به: أُنزلَ على سبعِ لغاتٍ؛ أي: فيهِ عبارةُ سبعِ قبائلَ، بلغةِ جملتِها نزلَ القرآنُ، فيعبَّرُ عن المعنى فيه مرةً بعبارةِ قريشٍ، ومرةً بعبارةِ هُذَيلٍ، ومرةً بعبارةِ أسدٍ، ومرةً بغيرِ ذلكَ بحسبِ الأفصحِ والأوجزِ في اللفظِ.
 وقد وَهِمَ بعضُ الناسِ فظنَّ أن المرادَ بالسبعةِ أحرفٍ الواردةِ في الحديثِ الشريفِ هي: قراءةُ الأئمةِ السبعةِ المشهورينَ، وهم: نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وهو خطأ؛ فإنَّ أئمةَ القراءةِ خلقٌ كثيرٌ، ومن جملتِهم هؤلاءِ السبعةُ، وأولُ من جمعَ قراءتَهم الأستاذُ الرُّحَلَةُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ موسى بنِ مجاهدٍ التميميُّ البغداديُّ بعدَ المئةِ الثالثةِ، واقتصرَ عليهم فقط، فظنَّ مَنْ لا علمَ له أنَّ هذهِ هي السبعةُ المذكورةُ في الخبر النبويِّ لا غيرُ، وليسَ الأمرُ كذلك، بل هي لغاتٌ للعربِ متفرقَةٌ في القرآنِ، مختلفةُ الألفاظِ، متفقَةُ المعاني.

 (١) رواه البخاري (٤٧٠٦)، كتاب: فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف، ومسلم (٨١٨)، كتاب، صلاة المسافرين وقصرها، باب: بيان أن القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

فَصْلٌ في ذِكْرِ مَعْنَى المصْحَف وَالكِتَاب وَالقُرآن وَالسُّوَر وَالآيَات وَالكَلِمَة وَالحَرف
 \* أما معنى المصحف\] (١): فهو مُفْعَل، من أُصْحِفَ؛ أي: جُمع فيه الصحفُ، واحدتُها صحيفة؛ كمدينة ومدن. وروي أن أبا بكر -رضي الله عنه- لما أمر بجمع القرآن، وكتبوه، استشار الناس في اسمه، فسماه مُصْحفًا، وذلك لمعنيين:
 أحدهما: أن القرآن كان في صُحف متفرقة، فلما جمعوه في موضع واحد، سموه مُصْحفًا، أي: جُمع فيه الصحف.
 والآخر: أنه جُمع فيه علمُ الصحف الأولى، وأنه يَعْدِلُها، وهي: التوراةُ والإنجيلُ والزَّبورُ.
 ومعنى الصحيفة: القطعةُ من جلدٍ أو رقّ، وجمعُها صُحف، فلما ضُمَّ بعضُها إلى بعض، سمي مصحفًا.
 \* وأما الكتابُ: فهو ضمُّ الحروف الدالَّةِ على معنىً بعضها إلى بعض، لأنه مصدرُ كَتَبَ، ومعناه: جمعَ، ومنه قوله -عز وجل-: أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ (٢٢) \[المجادلة: ٢٢\]؛ أي: جمع، حتى آمنوا بجميع ما يجب عليهم.

 (١) ما بين معكوفتين سقط من "ن".

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/112.md)
- [كل تفاسير سورة الإخلاص
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/112.md)
- [ترجمات سورة الإخلاص
](https://quranpedia.net/translations/112.md)
- [صفحة الكتاب: فتح الرحمن في تفسير القرآن](https://quranpedia.net/book/557.md)
- [المؤلف: مجير الدين العُلَيْمي](https://quranpedia.net/person/4067.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/112/book/557) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
