---
title: "تفسير سورة النّاس - البحر المحيط في التفسير - أبو حيان الأندلسي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/114/book/322.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/114/book/322"
surah_id: "114"
book_id: "322"
book_name: "البحر المحيط في التفسير"
author: "أبو حيان الأندلسي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النّاس - البحر المحيط في التفسير - أبو حيان الأندلسي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/114/book/322)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النّاس - البحر المحيط في التفسير - أبو حيان الأندلسي — https://quranpedia.net/surah/1/114/book/322*.

Tafsir of Surah النّاس from "البحر المحيط في التفسير" by أبو حيان الأندلسي.

### الآية 114:1

> قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [114:1]

أضيف الرب إلى الناس، لأن الاستعاذة من شر الموسوس في صدورهم، استعاذوا بربهم مالكهم وإلههم، كما يستعيذ العبد بمولاه إذا دهمه أمر.

### الآية 114:2

> ﻿مَلِكِ النَّاسِ [114:2]

والظاهر أن  ملك الناس إله الناس  صفتان. 
وقال الزمخشري : هما عطفا بيان، كقولك : سيرة أبي حفص عمر الفاروق بين بملك الناس، ثم زيد بياناً بإله الناس لأنه قد يقال لغيره : رب الناس، كقوله : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله  وقد يقال : ملك الناس، وأما إله الناس فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان، انتهى. 
وعطف البيان المشهور أنه يكون بالجوامد، وظاهر قوله أنهما عطفا بيان لواحد، ولا أنقل عن النحاة شيئاً في عطف البيان، هل يجوز أن يتكرر لمعطوف عليه واحد أم لا يجوز ؟. 
وقال الزمخشري : فإن قلت : فهلا اكتفى بإظهار المضاف إليه الذي هو الناس مرة واحدة ؟ قلت : لأن عطف البيان للبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار، انتهى.

### الآية 114:3

> ﻿إِلَٰهِ النَّاسِ [114:3]

\[الجزء الاول\]

 مقدمة الناشر
 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد النبي الأمي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن سلكوا وساروا على منهاجهم إلى يوم الدين.
 وبعد.. فقد رسمت دار الفكر لها منذ انطلاقتها في عالم الحرف والكتاب معالم منهج علمي في نشر وطبع كتاب التراث الذي تزخر به وبمخطوطاته كبريات المكتبات في العالم وتفخر كل مكتبة بما لديها من هذه المخطوطات التي تكتنز في طياتها تراث أمة وحضارة شعوب ومبادئ نظام متطور أودعت فيه من العقائد والعبادات والأحكام والمعاملات والتشريعات الحقوقية والعلاقات الدولية والنظرة العلمية إلى الكون والحياة والإنسان وبناء المجتمعات البشرية ما أثرى الإنسانية على مر العصور والأيام، وهو الملاذ الأخير لها في نهاية المطاف.
 وكان هدفنا إحياء كتاب التراث وإيصاله إلى كل طالب افتقده وإلى كل دارس وعالم تهفو إليه نفسه لاقتنائه، وذلك بالشكل والمضمون الذي أراده له مؤلفه.
 وكان سبيلنا إلى ذلك المحافظة على نص الكتاب من الأخطاء، بعيدا عن التحريف وسهو النساخ والمصححين وليكون الكتاب خاليا من الأخطاء المطبعية نجتهد في إعمال يراع التصحيح والتنقيح فيه، وبذلك يكون بين أيدينا نصا صحيحا معافى من العيوب كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ نقدمه للطالب للاستفادة منه وللعالم ليعمل فيه فكره شرحا وتعليقا واستنباطا لفوائد ومعاني ربما تكون قد فاتت مؤلفه الأول.
 وهذا هو مفهومنا في التحقيق، هذه الكلمة التي فقدت معناها وأصبحت في كثير من الأحيان رمزا دعائيا يوظفها تاجر الكتاب لترويج كتابه حتى صارت كلمة تحقيق، ومحقق، وطبعة محققة، وحققه وقرأه فلان... ألفاظا خاوية بلا حقيقة.

فإذا صحح أحدهم تجربة مطبعة صار منقحا وإذا نقح كتابا صار محققا وإذا عزا بعض الآيات في النص سمي شارحا وإذا كتب شروح وهوامش عن كتب أخرى جمع الصفات كلها فهو محقق وموثق ومعلق وشارح... إلخ ونسأل الله العفو والعافية.
 بعد هذا، يسرنا أن نقدم للقارىء العزيز كتاب البحر المحيط في التفسير مجردا مصححا ومنقحا مع إدخال الآيات القرآنية من المصحف وعزو الآيات المستدل بها في الشرح كما وضعه مؤلفه ابي حيان رحمه الله. وذلك بعد أن ساءت الطبعات السابقة وبليت حروفها ومسحت سطورها وأصبحت مانعة من الفائدة المرجوة من هذا التفسير النفيس.
 وصاحب البحر المحيط هو: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَيَّان الْأَنْدَلُسِيُّ الْجَيَّانِيُّ الغرناطي، الإمام الكبير في العربية والبلاغة والتفسير.
 ولد سنة ٦٥٤ ستمائة وأربع وخمسون، ونشأ في غرناطة الأندلس، ويحدثنا هو عن نفسه فيقول:... مِنْ لَدُنْ مَيَّزْتُ أَتَّلْمَذُ للعلماء وانحاز للفقهاء وأرغب في مجالستهم، أسلك طريقهم وأتبع فريقهم... وما زال يتنقل بين العلماء ويقتبس من أنوارهم ويقطف من أزهارهم، ويلتقط من نثارهم، يتوسد أبواب العلماء مؤثرا الْعِلْمَ عَلَى الْأَهْلِ وَالْمَالِ والولد، ويرتحل مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حتى القت به بمصر عصا التسيار.
 قرأ كتب النحو واللغة ودواوين مشاهير العرب فأخذ معرفة الأحكام للكلم العربية عن أبي جعفر إبراهيم الثقفي من كتاب سيبويه وغيره.
 وأخذ علم البيان والبديع عن تصانيف كثيرة أجمعها كتاب أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنُ سليمان النقيب، وعن أبي الْحَسَنِ حَازِمُ بْنُ مُحَمَّدِ الْأَنْدَلُسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْقَرْطَاجَنِّيُّ، مُقِيمُ تونس. وأخذ أيضا هذا الفن عن استاذه أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
 وسمع وروى الكتب الأمهات في الحديث والسنن وسمع من علم الكلام مسائل عَلَى الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ الأصفهاني.
 أما القراءات وهو الإمام فيها، فقد تلاها إفرادا وجمعا على مشايخ الأندلس، فقرأ الْقُرْآنَ بِقِرَاءَةِ السَّبْعَةِ بِجَزِيرَةِ الأندلس، وقرأ الثمان بثغر الاسكندرية، وقرأ القرآن ثانية بالقراءات السبعة بمصر، وألف في القراءات كتابة عقد اللآلئ على وزن الشاطبية وقافيتها.
 ومشايخه كثير حتى قال: إن عدة من أخذ عنه أربعمائة وخمسون عالما، ومنهم الوجيه الدهان والقطب القسطلاني وابن الأنماطي، ولازم ابن النحاس.

وأما من أجاز له فكثير جدا، قال الصفدي: لم أره قط إلا يسمع ويشتغل أو يكتب أو ينظر في كتاب ولم أره غير ذلك. وكان كثير النظم، والإمام المطلق في النحو والتصريف وله اليد الطولى في التفسير والحديث وتراجم الناس ومعرفة طبقاتهم خصوصا المغاربة. وله التصانيف التي سارت في الآفاق واشتهرت في حياته، وأخذ الناس عنه طبقة بعد طبقة وصار تلاميذه أئمة وأشياخا في حياته، وهو الذي رغب الناس إلى قراءة كتب مالك وشرح لهم غامضها وألزم نفسه أن لا يقرىء أحدا إلا كتب سيبويه أو في كِتَابُ تَسْهِيلِ الْفَوَائِدِ لِأَبِي مَالِكٍ الْجَيَّانِيِّ الطَّائِيِّ مُقِيمِ دمشق.
 أما مصنفاته فكثيرة في النحو والصرف واللغة والفقه والاعراب والقراءات وتاج مصنفاته البحر المحيط في التفسير.
 يقول رحمه الله: ما زَال يَخْتَلِجُ فِي ذِكْرِي، ويعتلج في فكري أنه إذ أبلغ الْعِقْدُ الَّذِي يَحُلُّ عُرَى الشباب ألوذ بجنان الرَّحْمَنِ وَأَقْتَصِرُ عَلَى النَّظَرِ في تفسير القرآن... وقد سهل له ذلك العمل الجليل بانتصابه مُدَرِّسًا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ فِي قُبَّةِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ المنصور...
 وكان عمره سبع وخمسين في آخر سنة عشر وسبعمائة وعند ما عكف على تصنيف كتابه:
 البحر المحيط الذي نقدم له.
 **منهج التفسير:**
 لقد اختار عالمنا الجليل اسما لتفسيره هو: البحر المحيط، فكان لفظا ومعنى ومضمونا، فالبحر معروف، وهو أيضا الرجل الكريم الجواد، والجواد الواسع الجري، وبحر الأرض أي شقها فكأنما غاص إلى أعمق المعاني في تفسيره، وأما المحيط فهو البحر المحدق، فقد أحاط بالعلوم التي تمكنه من الغوص في بحار حكم كلام الله القرآن الكريم ومن ثمّ ليحيط بكتاب العزيز العليم فهو العروة الوثقى والحبل المتين.
 **قال:**
 فَعَكَفْتُ عَلَى تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَانْتِخَابِ الصَّفْوِ وَاللُّبَابِ، أُجِيلُ الْفِكْر فِيمَا وَضَع الناس في تصانيفهم، وأمعن النَّظَر فِيمَا اقْتَرَحُوهُ مِنْ تَآلِيفِهِمْ، فَأُلَخِّصُ مُطَوَّلَهَا وَأَحُلُّ مُشْكِلَهَا، وَأُقَيِّدُ مُطْلَقَهَا، وَأَفْتَحُ مغلقها، واجمع مبدّدها... وَأُضِيفُ إِلَى ذَلِك مَا استخرجته مِنْ لَطَائِفِ عِلْمِ الْبَيَانِ الْمُطْلِعِ عَلَى إِعْجَازِ الْقُرْآنِ، العروة الوثقى والحبل المتين والصراط المستقيم.
 **وقد حدد لنا منهجه في التفسير، فقال:**

١- أَنِّي أَبْتَدِئُ أَوَّلًا بِالْكَلَامِ عن مفردات الآية التي أفسر لَفْظَةً لَفْظَةً فِيمَا يُحْتَاجُ فيه إلى اللُّغَةِ وَالْأَحْكَامِ النَّحْوِيَّةِ الَّتِي لِتِلْكَ اللَّفْظَةِ قَبْلَ التَّرْكِيبِ... فإذا كَانَ لِلْكَلِمَةِ مَعْنَيَانِ أَوْ معان ذكر ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَوْضِعٍ من تِلْكَ الْكَلِمَةُ، لِيُنْظَرَ مَا يُنَاسِبُ لَهَا مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تقع فيه فتحمل عليه، ويحيل ما يذكره من القواعد النحوية على كتب النحو.
 ٢- ثم يشرع فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ ذَاكِرًا سَبَبَ نُزُولِهَا إِذَا كَانَ لها سبب، ونسخها ومناسباتها وارتباطها بما قبلها.
 ٣- ولا يبخل عليها بما فيها من قراءات فيحشد منها شاذها ومستعملها، ويذكر أَقَاوِيلَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي فهم معانيها.
 ٤- وهو العالم في العربية وخبير الاعراب، فيشرح بيان مَا فِيهَا مِنْ غَوَامِضِ الاعراب، ودقائق الآداب من بديع وبيان، محيلا في أكثر الأحيان عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تُكُلِّمَ فيه عن تِلْكَ اللَّفْظَةِ أَوِ الْجُمْلَةِ أو الآية مبتعدا فِي الْإِعْرَابِ عَنِ الْوُجُوهِ الَّتِي تَنَزَّهَ الْقُرْآنُ عَنْهَا، مبينا أنه يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى أَحْسَنِ إِعْرَابٍ وَأَحْسَنِ تَرْكِيبٍ، فكلام اللَّهِ تَعَالَى أَفْصَحُ الْكَلَامِ.
 ٥- وينقل أَقَاوِيلَ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ في الأحكام الشرعية بما فيه تعلقه باللفظ القرآني، محيلا كل ذلك على الدلائل في كتب الفقه.
 وهكذا لم يترك شاردة ولا واردة إلا بيّنها جلية واضحة ومن الصعب الإحاطة بخصائص هذا التفسير العظيم في هذه السطور المتواضعة غير أننا سنترك للقارىء العزيز أن يكتشف بنفسه خلال دراسته ومطالعته عجائب هذا التفسير وغرائبه ومصنفه العالم البحر أبي حيان رحمه الله.
 عمل دار الفكر
 كان اعتمادنا في إخراج هذه الطبعة للكتاب على النسخة الوحيدة المطبوعة له منذ ما يقارب المائة عام، وقد توخينا في إخراجنا لهذا التفسير البحر بثوبه الجديد، كما قدمنا، أن نضعه امام العالم والدارس والطالب صحيحا سليما سهل التناول، وقد رعينا من أجل ذلك ما يلي:
 ١- إدخال الآيات المفسرة من المصحف دفعا لأي خطأ في التصحيح أو التباس في النسخ، ومن ناحية ثانية يكون أمام القارئ مصحف كامل مع تفسير شامل.
 ٢- راعينا قواعد التبويب وذلك بتحديد الفقرات والمقاطع والبدايات المناسبة لموضوع الآية أو لموضوع مجموعة الآيات المفسرة في السورة الواحدة مع التنسيق الكامل بينها وبين الشرح.

٣- ولكي نبلغ الغاية التي ننشدها التزمنا قواعد التنقيح من وضع فواصل ونقاط وإشارات.. إلخ وذلك بعد قراءة النص بكل تمعن وإتقان.
 ٤- عزونا الآيات القرآنية المستدل بها في الشرح.
 ٥- أثبتنا القرآن في الشرح بالرسم الإملائي في معظم الأحيان وهو جائز لأنه خارج المصحف.
 ٦- أشرنا إلى الأحاديث النبوية التي يستشهد بها الشارح خلال تفسيره وجعلناها بحرف مميز بين هلالين صغيرين.
 ٧- وضعنا فهرس تفصيلي للموضوعات يساعد القارئ على الوصول إلى مبتغاه بيسر وسهولة، كما وضعنا في رأس كل صفحة (ترويسة) عنوان ينبئ القارئ عن الآية التي يتناولها الشارح في تلك الصفحة.
 ٨- صنعنا فهارس شاملة للكتاب تضمنت هذه الفهارس:
 أ- فهرس للآيات القرآنية المستشهد بها.
 ب- فهرس للأحاديث النبوية: القولية والفعلية والتقريرية والأوامر والنواهي النبوية التي استشهد بها الشارح في تفسيره.
 ج- فهرس الأعلام.
 د- فهرس الأماكن والمعالم الجغرافية.
 هـ- فهرس القبائل والشعوب والمذاهب والأديان والفرق.
 وفهرس الشعر والرجز والأمثال التي يذكرها الشارح ليستدل بها في معنى لفظ أو إعراب كلمة...
 وهكذا نكون قد وفينا ما وعدنا القارئ به في مطلع هذه المقدمة وهو تسهيل الفائدة من هذا التفسير القيم بإخراجه الجديد راجين من الله الثواب وحسن الجزاء ومن إخواننا المؤازرة بالإغضاء وحسن الدعاء.
 بيروت يوم الأحد: ٢٧ شعبان ١٤١٢ هـ ١ آذار ١٩٩٢ م.
 وكتبه الراجي عفو ربه صدقي محمد جميل غفر الله له الناشر

\[خطبة الكتاب\]

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَال الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ، الْبَحْرُ الْفَهَّامَةُ، الْمُحَقِّقُ الْمُدَقِّقُ، حُجَّةُ الْبُلَغَاءِ، وَقُدْوَةُ النُّحَاةِ وَالْأُدَبَاءِ، الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن يُوسُف بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَيَّان الْأَنْدَلُسِيُّ الْجَيَّانِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمْتَع بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِين آمِين.
 الْحَمْدُ لِلَّهِ، مبدىء صُوَرِ الْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ فِي مَرَايَا الْعُقُولِ، وَمُبْرِزِهَا مِنْ مَحَالِّ الْأَفْكَارِ إِلَى مَحَالِّ الْمَقُولِ، وَحَارِسِهَا بِالْقُوَّتَيْنِ الذَّاكِرَةِ لِلْمَنْقُولِ، وَالْمُفَكِّرَةِ لِلْمَعْقُولِ، وَمُفِيضِ الْخَيْرِ عَلَيْهَا مِنْ نَتِيجَةِ مُقَدِّمَاتِ الْوُجُودِ، السَّائِرِ رُوحُ قُدُسِهِ فِي بُطُونِ التَّهَائِمِ وَظُهُورِ النُّجُودِ، الْمُبَرِّزِ فِي الِاتِّصَالَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ على كل موجود، مُحَمَّدٍ ذِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ، الْمُبْتَعَثِ بِالْحَقِّ الْأَبْهَجِ لِلْأَنَامِ دَاعِيًا، وَبِالطَّرِيقِ الْأَنْهَجِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُنَادِيًا، الصَّادِعِ بِالْحَقِّ، الْهَادِي لِلْخَلْقِ، الْمَخْصُوصِ بِالْقُرْآنِ الْمُبِينِ، وَالْكِتَابِ الْمُسْتَبِينِ، الَّذِي هُو أَعْظَمُ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَكْبَرُ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، السَّائِرَةِ فِي الْآفَاقِ، الْبَاقِي بَقَاء الْأَطْوَاقِ فِي الْأَعْنَاقِ، الْجَدِيدُ عَلَى تَقَادُمِ الْأَعْصَارِ، اللَّذِيذُ عَلَى تَوَالِي التَّكْرَارِ، الْبَاسِقُ فِي الْإِعْجَازِ إِلَى الذِّرْوَةِ الْعُلْيَا، الْجَامِعُ لِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، الْجَالِي بِأَنْوَارِهِ ظُلَم الْإِلْحَادِ، الْحَالِي بِجَوَاهِرِ مَعَانِيهِ طَلَى الْأَجْيَادِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ أُنْزِل عَلَيْهِ، وَأَهْدَى أَرَج تَحِيَّةٍ وَأَزْكَاهَا إِلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الْمُخْتَصِّين بِالزُّلْفَى لَدَيْهِ، وَرَضِي اللَّهُ عَنْ صَحْبِهِ الَّذِين نَقَلُوا عَنْهُ كِتَاب اللَّهِ أَدَاءً وَعَرْضًا، وَتَلَقَّوْهُ مِنْ فِيهِ جَنِيًّا وَغَضًّا، وَأَدَّوْهُ إِلَيْنَا صَرِيحًا مَحْضًا.
 وَبَعْدُ، فَإِنّ الْمَعَارِف جَمَّةٌ، وَهِي كُلُّهَا مُهِمَّةٌ، وَأَهَمُّهَا مَا بِهِ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ، وَالسَّعَادَةُ السَّرْمَدِيَّةُ، وَذَلِك عِلْمُ كِتَابِ اللَّهِ هُو الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ، وَغَيْرُهُ مِن الْعُلُومِ لَهُ كَالْأَدَوَاتِ، هُو

الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَالْوَزَرُ الْأَقْوَى الْأَوْقَى، وَالْحَبْلُ الْمَتِينُ، وَالصِّرَاطُ الْمُبِينُ، وَمَا زَال يَخْتَلِجُ فِي ذِكْرِي، وَيَعْتَلِجُ فِي فِكْرِي، أَنِّي إِذَا بَلَغْتُ الْأَمَد الَّذِي يَتَغَضَّدُ فِيهِ الْأَدِيمُ، وَيَتَنَغَّصُ بِرُؤْيَتِي النَّدِيمُ، وَهُو الْعِقْدُ الَّذِي يَحُلُّ عُرَى الشَّبَابِ، الْمَقُولُ فِيهِ إِذَا بَلَغ الرَّجُلُ السِّتِّين، فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوَابّ، أَلُوذُ بِجَنَابِ الرَّحْمَنِ، وَأَقْتَصِرُ عَلَى النَّظَرِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، فَأَتَاح اللَّهُ لِي ذَلِك قَبْل بُلُوغِ ذَلِك الْعِقْدِ، وَبَلَّغَنِي مَا كُنْتُ أَرُومُ مِنْ ذَلِك الْقَصْدِ، وَذَلِك بِانْتِصَابِي مُدَرِّسًا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ فِي قُبَّةِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ، قَدَّس اللَّهُ مَرْقَدَهُ، وَبَلّ بِمُزْنِ الرَّحْمَةِ مَعْهَدَهُ، وَذَلِك فِي دَوْلَةِ وَلَدِهِ السُّلْطَانِ الْقَاهِرِ، الْمَلِكِ النَّاصِرِ، الَّذِي رَدّ اللَّهُ بِهِ الْحَقّ إِلَى أَهْلِهِ، وَأَسْبَغ عَلَى الْعَالَمِ وَارِف ظِلِّهِ، وَاسْتَنْقَذ بِهِ الْمُلْك مِنْ غُصَّابِهِ، وَأَقَرَّهُ فِي مُنِيفِ مَحَلِّهِ وَشَرِيفِ نِصَابِهِ، وَكَان ذَلِك فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَهِي أَوَائِلُ سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِين مِنْ عُمُرِي، فَعَكَفْتُ عَلَى تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ، وَانْتِخَابِ الصَّفْوِ وَاللُّبَابِ، أُجِيلُ الْفِكْر فِيمَا وَضَع النَّاسُ فِي تَصَانِيفِهِمْ، وَأُنْعِمُ النَّظَر فِيمَا اقْتَرَحُوهُ مِنْ تَآلِيفِهِمْ، فَأُلَخِّصُ مُطَوَّلَهَا، وَأَحُلُّ مُشْكِلَهَا، وَأُقَيِّدُ مُطْلَقَهَا، وَأَفْتَحُ مُغْلَقَهَا، وَأَجْمَعُ مُبَدَّدَهَا، وَأُخْلِصُ مَنْقَدَهَا، وَأُضِيفُ إِلَى ذَلِك مَا اسْتَخْرَجَتْهُ الْقُوَّةُ الْمُفَكِّرَةُ مِنْ لَطَائِفِ عِلْمِ الْبَيَانِ، الْمُطْلِعِ عَلَى إِعْجَازِ الْقُرْآنِ.
 وَمِنْ دَقَائِقِ عِلْمِ الْإِعْرَابِ، الْمُغْرِبِ فِي الْوُجُودِ أَيّ إِغْرَابٍ، الْمُقْتَنِصِ فِي الْأَعْمَارِ الطَّوِيلَةِ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَبَيَانِ الْأَدَبِ، فَكَمْ حَوَى مِنْ لَطِيفَةٍ فِكْرِي مُسْتَخْرِجُهَا، وَمِنْ غَرِيبَةٍ ذِهْنِي مُنْتِجُهَا، تَحَصَّلَتْ بِالْعُكُوفِ عَلَى عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالنَّظَرِ فِي التَّرَاكِيبِ النَّحْوِيَّةِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي أَسَالِيبِ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، وَالتَّقَلُّبِ فِي أَفَانِينِ الْخُطَبِ وَالشِّعْرِ، لَمْ يَهْتَدِ إِلَى إِثَارَتِهَا ذِهْنٌ، وَلَا صَاب بِرِيقِهَا مُزْنٌ، وَأَنَّى ذَلِك وَهِي أَزَاهِرُ خَمَائِل غُفْلٍ، وَمَنَاظِرُ مَا لِمُسْتَغْلَقِ أَبْوَابِهَا مِنْ قُفْلٍ. فِي إِدْرَاكِ مِثْلِهَا تَتَفَاوَتُ الْأَفْهَامُ، وَتَتَبَارَى الْأَوْهَامُ، وَلَيْس الْعِلْمُ عَلَى زَمَانٍ مَقْصُورًا، وَلَا فِي أَهْلِ زَمَانٍ مَحْصُورًا، بَلْ جَعَلَهُ اللَّهُ حَيْثُ شَاء مِن الْبِلَادِ، وَبَثَّهُ فِي التَّهَائِمِ وَالنِّجَادِ، وَأَبْرَزَهُ أَنْوَارًا تُتَوَسَّمُ، وَأَزْهَارًا تُتَنَسَّمُ، وَمَا زَال بِأُفُقِنَا الْمَغْرِبِيِّ الْأَنْدَلُسِيِّ، عَلَى بُعْدِهِ مِنْ مَهْبِطِ الْوَحْيِ النَّبَوِيِّ، عُلَمَاءُ بِالْعُلُومِ الإسلامية وغيرها. وَفُهَمَاءُ تَلَامِيذُ لَهُمْ دُرَاةٌ نَقَلَةٌ، يُرْوَوْن فَيَرْوُون وَيُسْقَوْن فَيَرْتَوُونَ، وَيُنْشَدُونَ فَيُنْشِدُونَ، وَيُهْدَوْنَ فَيَهْدُونَ، هَذَا وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَدَارِكِ الْعُلُومِ، وَتَبَايَنُوا فِي الْمَفْهُومِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ لَهُ مَزِيَّةٌ لَا يُجْهَلُ قَدْرُهَا، وَفَضِيلَةٌ لَا يُسَرُّ بَدْرُهَا.

وَمِمَّا بَرَعُوا فِيهِ عِلْمُ الْكِتَابِ، انْفَرَدُوا بِإِقْرَائِهِ مُذْ أَعْصَارٍ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الْآدَابِ، أَثَارُوا كُنُوزَهُ، وَفَكُّوا رُمُوزَهُ، وَقَرَّبُوا قَاصِيَهُ، وَرَاضُوا عَاصِيَهُ، وَفَتَحُوا مُقْفَلَهُ، وَأَوْضَحُوا مُشْكِلَهُ، وَأَنْهَجُوا شِعَابَهُ، وَذَلَّلُوا صِعَابَهُ، وَأَبْدَوْا مَعَانِيَهُ في صورة التَّمْثِيلِ، وَأَبْدَعُوهُ بِالتَّرْكِيبِ وَالتَّحْلِيلِ. فَالْكِتَابُ هُوَ الْمِرْقَاةُ إِلَى فَهْمِ الْكِتَابِ، إِذْ هُوَ الْمُطْلِعُ عَلَى عِلْمِ الْإِعْرَابِ، وَالْمُبْدِي مِنْ مَعَالِمِهِ مَا دَرَسَ، وَالْمُنْطِقُ مِنْ لِسَانِهِ مَا خَرُسَ، وَالْمُحْيِي مِنْ رُفَاتِهِ مَا رَمَسَ، وَالرَّادُّ مِنْ نَظَائِرِهِ مَا طُمِسَ. فَجَدِيرٌ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَتَرَقَّتْ إِلَى التَّحْقِيقِ فِيهِ وَالتَّحْرِيرِ، أَنْ يَعْتَكِفَ عَلَى كِتَابِ سِيبَوَيْهِ، فَهُوَ فِي هَذَا الْفَنِّ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَالْمُسْتَنَدُ فِي حَلِّ الْمُشْكِلَاتِ إِلَيْهِ. وَلَمْ أَلْقَ فِي هَذَا الْفَنِّ مَنْ يُقَارِبُ أَهْلَ قُطْرِنَا الْأَنْدَلُسِيِّ فَضْلًا عَنِ المماثلة، ولا من يناضلهم فَيُدَانِي فِي الْمُنَاضَلَةِ، وَمَا زِلْتُ مِنْ لَدُنْ مَيَّزْتُ أَتَّلْمَذُ لِلْعُلَمَاءِ، وَأَنْحَازُ لِلْفُهَمَاءِ، وَأَرْغَبُ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَأُنَافِسُ فِي نَفَائِسِهِمْ، وَأَسْلُكُ طَرِيقَهُمْ، وَأَتْبَعُ فَرِيقَهُمْ، فَلَا أَنْتَقِلُ إِلَّا مِنْ إِمَامٍ إِلَى إِمَامٍ، وَلَا أَتَوَقَّلُ إِلَّا ذِرْوَةَ عَلَّامٍ. فَكَمْ صَدْرٍ أَوْدَعْتُ عِلْمَهُ صَدْرِي، وَحَبْرٍ أَفْنَيْتُ فِي فَوَائِدِهِ حِبْرِي، وَإِمَامٍ أَكْثَرْتُ بِهِ الْإِلْمَامَ، وَعَلَّامٍ أَطَلْتُ مَعَهُ الِاسْتِعْلَامَ، أُشَنِّفُ الْمَسَامِعَ بِمَا تَحْسُدُ عَلَيْهِ الْعُيُونُ، وَأُذَيِّلُ فِي تَطْلَابِ ذَلِكَ الْمَالِ الْمَصُونِ، وَأَرْتَعُ فِي رِيَاضٍ وَارِفَةِ الظِّلَالِ، وَأَكْرَعُ فِي حِيَاضٍ صَافِيَةِ السَّلْسَالِ، وَأَقْتَبِسُ بِهَا مِنْ أَنْوَارِهِمْ، وَأَقْتَطِفُ مِنْ أَزْهَارِهِمْ، وَأَبْتَلِجُ مِنْ صَفَحَاتِهِمْ، وَأَتَأَرَّجُ مِنْ نَفَحَاتِهِمْ، وَأَلْقُطُ مِنْ نُثَارِهِمْ، وَأَضْبُطُ مِنْ فُضَالَةِ إِيثَارِهِمْ، وَأُقَيِّدُ مِنْ شَوَارِدِهِمْ، وَأَنْتَقِي مِنْ فَرَائِدِهِمْ. فَجَعَلْتُ الْعِلْمَ بِالنَّهَارِ سَحِيرِي، وَبِاللَّيْلِ سَمِيرِي، زَمَانَ غَيْرِي يَقْصُرُ سَارِيَهُ عَلَى الصِّبَا، وَيَهُبُّ لِلَّهْوِ وَلَا كَهُبُوبِ الصَّبَا، وَيَرْفُلُ فِي مَطَارِفِ اللَّهْوِ، وَيَتَقَمَّصُ أَرْدِيَةَ الزَّهْوِ، وَيُؤْثِرُ مَسَرَّاتِ الْأَشْبَاحِ، عَلَى لَذَّاتِ الْأَرْوَاحِ، وَيَقْطَعُ نَفَائِسَ الْأَوْقَاتِ، فِي خَسَائِسِ الشَّهَوَاتِ، مِنْ مَطْعَمٍ شَهِيٍّ، وَمَشْرَبٍ رَوِيٍّ، وَمَلْبَسٍ بَهِيٍّ، وَمَرْكَبٍ خَطِيٍّ، وَمَفْرَشٍ وَطِيٍّ، وَمَنْصِبٍ سَنِيٍّ، وَأَنَا أَتَوَسَّدُ أَبْوَابَ الْعُلَمَاءِ، وَأَتَقَصَّدُ أَمَاثِلَ الْفُهَمَاءِ، وأسهر فِي حَنَادِسِ الظَّلَامِ، وَأَصْبِرُ عَلَى شَظَفِ الْأَيَّامِ، وَأُوثِرُ الْعِلْمَ عَلَى الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَأَرْتَحِلُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، حَتَّى أَلْقَيْتُ بِمِصْرَ عَصَا التَّسْيَارِ، وَقُلْتُ مَا بَعْدَ عَبَّادَانَ مِنْ دَارٍ، هَذِهِ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا، وَبِهَا طَوَالِعُ شُمُوسِهَا وَغَوَارِبُهَا، بَيْضَةُ الْإِسْلَامِ، وَمُسْتَقَرُّ الْأَعْلَامِ، فَأَقَمْتُ بِهَا لِمَعْرِفَةٍ أُبْدِيهَا، وَعَارِفَةِ عِلْمٍ أُسْدِيهَا، وَثَأْيٍ أَرَأَبُهُ، وَفَاضِلٍ أَصْحَبُهُ، وَبِهَا صَنَّفْتُ تَصَانِيفِي، وَأَلَّفْتُ تَآلِيفِي، وَمِنْ بَرَكَاتِهَا عَلَيَّ تَصْنِيفِي لِهَذَا الْكِتَابِ، الْمُقَرِّبِ مِنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ، الْمَرْجُوِّ أَنْ يَكُونَ نُورًا يَسْعَى بَيْنَ يَدَيَّ، وَسِتْرًا مِنَ النار يضفو عليّ. فما لْمَخْلُوقٍ بِتَأْلِيفِهِ قَصَدْتُ، وَلَا غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ بِهِ

أَرَدْتُ. جَعَلْتُ كِتَابَ اللَّهِ وَالتَّدْبِيرَ لِمَعَانِيهِ أَنِيسِي، إِذْ هُوَ أَفْضَلُ مُؤَانِسٍ، وَسَمِيرِي إِذَا أَخْلُو لِكُتُبٍ ظُلَمِ الْحَنَادِسِ:

نِعْمَ السَّمِيرُ كِتَابُ اللَّهِ إِنَّ لَهُ  حَلَاوَةً هِيَ أَحْلَى مِنْ جَنَى الضَّرَبِبِهِ فُنُونُ الْمَعَانِي قَدْ جُمِعْنَ فَمَا  يُفْتَنُ مِنْ عَجَبٍ إِلَّا إِلَى عَجَبِأَمْرٌ وَنَهْيٌ وَأَمْثَالٌ وَمَوْعِظَةٌ  وَحِكْمَةٌ أُودِعَتْ فِي أَفْصَحِ الْكُتُبِلَطَائِفٌ يَجْتَلِيهَا كُلُّ ذِي بَصَرٍ  وَرَوْضَةٌ يَجْتَنِيهَا كُلُّ ذِي أَدَبِ وَتَرْتِيبِي فِي هَذَا الْكِتَابِ، أني أبتدىء أَوَّلًا بِالْكَلَامِ عَلَى مُفْرَدَاتِ الْآيَةِ الَّتِي أُفَسِّرُهَا، لَفْظَةً لَفْظَةً، فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ اللُّغَةِ وَالْأَحْكَامِ النَّحْوِيَّةِ الَّتِي لِتِلْكَ اللَّفْظَةِ قَبْلَ التَّرْكِيبِ.
 وَإِذَا كَانَ لِلْكَلِمَةِ مَعْنَيَانِ أَوْ مَعَانٍ، ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَوْضِعٍ فِيهِ تِلْكَ الْكَلِمَةُ، لِيُنْظَرَ مَا يُنَاسِبُ لَهَا مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَقَعُ فِيهِ، فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَشْرَعُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، ذَاكِرًا سَبَبَ نُزُولِهَا، إِذَا كَانَ لَهَا سبب، ونسخها وَمُنَاسَبَتَهَا وَارْتِبَاطَهَا بِمَا قَبْلَهَا، حَاشِدًا فِيهَا الْقِرَاءَاتِ، شَاذَّهَا وَمُسْتَعْمَلَهَا، ذَاكِرًا تَوْجِيهَ ذَلِكَ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، نَاقِلًا أَقَاوِيلَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي فَهْمِ مَعَانِيهَا، مُتَكَلِّمًا عَلَى جَلِيِّهَا وَخَفِيِّهَا، بِحَيْثُ إِنِّي لَا أُغَادِرُ مِنْهَا كَلِمَةً، وَإِنِ اشْتُهِرَتْ، حَتَّى أَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا، مُبْدِيًا مَا فِيهَا مِنْ غَوَامِضِ الْإِعْرَابِ وَدَقَائِقِ الآداب مِنْ بَدِيعٍ وَبَيَانٍ، مُجْتَهِدًا أَنِّي لَا أُكَرِّرُ الْكَلَامَ فِي لَفْظٍ سَبَقَ، وَلَا فِي جُمْلَةٍ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَلَا فِي آيَةٍ فُسِّرَتْ، بَلْ أَذْكُرُ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا الْحِوَالَةَ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تُكُلِّمَ فِيهِ عَلَى تِلْكَ اللَّفْظَةِ أَوِ الْجُمْلَةِ أَوِ الْآيَةِ، وَإِنْ عَرَضَ تَكْرِيرٌ فَبِمَزِيدِ فَائِدَةٍ، نَاقِلًا أَقَاوِيلَ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَغَيْرِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِمَّا فِيهِ تَعَلُّقٌ بِاللَّفْظِ الْقُرْآنِيِّ، مُحِيلًا عَلَى الدَّلَائِلِ الَّتِي فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَكَذَلِكَ مَا نَذْكُرُهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ أُحِيلُ فِي تَقَرُّرِهَا وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا عَلَى كُتُبِ النَّحْوِ، وَرُبَّمَا أَذْكُرُ الدَّلِيلَ إِذَا كَانَ الْحُكْمُ غَرِيبًا، أَوْ خِلَافَ مَشْهُورِ مَا قَالَ مُعْظَمُ النَّاسِ، بَادِئًا بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ من حجا لَهُ لِذَلِكَ مَا لَمْ يَصُدَّ عَنِ الظَّاهِرِ مَا يَجِبُ إِخْرَاجُهُ بِهِ عَنْهُ، مُنْكَبًّا فِي الْإِعْرَابِ عَنِ الْوُجُوهِ الَّتِي تَنَزَّهَ الْقُرْآنُ عَنْهَا، مُبَيِّنًا أَنَّهَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُعْدَلَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَحْسَنِ إِعْرَابٍ وَأَحْسَنِ تَرْكِيبٍ، إِذْ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى أَفْصَحُ الْكَلَامِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ جَمِيعُ مَا يُجَوِّزُهُ النُّحَاةُ فِي شِعْرِ الشَّمَّاخِ وَالطِّرِمَّاحِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ سُلُوكِ التَّقَادِيرِ الْبَعِيدَةِ وَالتَّرَاكِيبِ الْقَلِقَةِ وَالْمَجَازَاتِ الْمُعَقَّدَةِ.
 ثُمَّ أَخْتَتِمُ الْكَلَامَ فِي جُمْلَةٍ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي فَسَّرْتُهَا إِفْرَادًا وَتَرْكِيبًا بِمَا ذَكَرُوا فِيهَا مِنْ

عِلْمِ الْبَيَانِ وَالْبَدِيعِ، مُلَخِّصًا، ثُمَّ أُتْبِعُ آخِرَ الْآيَاتِ بِكَلَامٍ مَنْثُورٍ أَشْرَحُ بِهِ مَضْمُونَ تِلْكَ الْآيَاتِ عَلَى مَا أَخْتَارُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي، مُلَخِّصًا جُمَلَهَا فِي أَحْسَنِ تَلْخِيصٍ، وَقَدْ يَنْجَرُّ مَعَهَا ذِكْرُ مُعَانٍ لَمْ تَتَقَدَّمْ فِي التَّفْسِيرِ، وَصَارَ ذَلِكَ أَنَمُوذَجًا لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْلُكَ ذَلِكَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ سَائِرِ الْقُرْآنِ. وَسَتَقِفُ عَلَى هَذَا الْمَنْهَجِ الَّذِي سَلَكْتُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَرُبَّمَا أَلْمَمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ مِمَّا فِيهِ بَعْضُ مُنَاسَبَةٍ لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَتَجَنَّبْتُ كَثِيرًا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ وَمَعَانِيهِمُ الَّتِي يُحَمِّلُونَهَا الْأَلْفَاظَ، وَتَرَكْتُ أَقْوَالَ الْمُلْحِدِينَ الْبَاطِنِيَّةِ الْمُخْرِجِينَ الْأَلْفَاظَ الْقَرِيبَةَ عَنْ مَدْلُولَاتِهَا فِي اللُّغَةِ إِلَى هَذَيَانٍ افْتَرَوْهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ، وَيُسَمُّونَهُ عِلْمَ التَّأْوِيلِ. وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى تفسير لبعض رؤوسهم، وَهُوَ تَفْسِيرٌ عَجِيبٌ يَذْكُرُ فِيهِ أَقَاوِيلَ السَّلَفِ مُزْدَرِيًا عَلَيْهِمْ وَذَاكِرًا أَنَّهُ مَا جَهِلَ مَقَالَاتِهِمْ، ثُمَّ يُفَسِّرُ هُوَ الْآيَةَ عَلَى شَيْءٍ لَا يَكَادُ يَخْطُرُ فِي ذِهْنِ عَاقِلٍ، وَيَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا، وَقَدْ رَدَّ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ أَقَاوِيلَهُمْ وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ.
 نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ فِي عُقُولِنَا وَأَدْيَانِنَا وَأَبْدَانِنَا، وَكَثِيرًا مَا يَشْحَنُ الْمُفَسِّرُونَ تَفَاسِيرَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْإِعْرَابِ، بِعِلَلِ النَّحْوِ وَدَلَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَدَلَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ، وَكُلُّ هَذَا مُقَرَّرٌ فِي تَآلِيفِ هَذِهِ العلوم، وإنما يؤخذ ذلك مُسَلَّمًا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ دُونَ اسْتِدْلَالٍ عَلَيْهِ.
 وَكَذَلِكَ أَيْضًا ذَكَرُوا مَا لَا يَصِحُّ مِنْ أَسْبَابِ نُزُولٍ وَأَحَادِيثَ فِي الْفَضَائِلِ وَحِكَايَاتٍ لَا تُنَاسِبُ وَتَوَارِيخَ إِسْرَائِيلِيَّةٍ، وَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُ هَذَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ. وَمَنْ أَحَاطَ بِمَعْرِفَةِ مَدْلُولِ الْكَلِمَةِ وَأَحْكَامِهَا قَبْلَ التَّرْكِيبِ، وَعَلِمَ كَيْفِيَّةَ تَرْكِيبِهَا فِي تِلْكَ اللُّغَةِ، وَارْتَقَى إِلَى تَمْيِيزِ حُسْنِ تَرْكِيبِهَا وَقُبْحِهِ، فَلَنْ يَحْتَاجَ فِي فَهْمِ مَا تَرَكَّبَ مِنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ إِلَى مُفَهِّمٍ وَلَا مُعَلِّمٍ، وَإِنَّمَا تَفَاوُتُ النَّاسِ فِي إِدْرَاكِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَفْهَامُهُمْ وَتَبَايَنَتْ أقوالهم.
 وقد جرينا الْكَلَامَ يَوْمًا مَعَ بَعْضٍ مَنْ عَاصَرْنَا، فَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ مُضْطَرٌّ إِلَى النَّقْلِ فِي فَهْمِ مَعَانِي تَرَاكِيبِهِ بِالْإِسْنَادِ إِلَى مُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَضْرَابِهِمْ، وَأَنَّ فَهْمَ الْآيَاتِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ذَلِكَ. وَالْعَجَبُ لَهُ أَنَّهُ يَرَى أَقْوَالَ هَؤُلَاءِ كَثِيرَةَ الِاخْتِلَافِ، مُتَبَايِنَةَ الْأَوْصَافِ، مُتَعَارِضَةً، يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَنَظِيرُ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْمُعَاصِرُ أَنَّهُ لَوْ تَعَلَّمَ أَحَدُنَا مَثَلًا لُغَةَ التُّرْكِ إِفْرَادًا وَتَرْكِيبًا حَتَّى صَارَ يَتَكَلَّمُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا نَثْرًا وَنَظْمًا، وَيَعْرِضُ مَا تَعَلَّمَهُ عَلَى كَلَامِهِمْ فَيَجِدُهُ مُطَابِقًا لِلُغَتِهِمْ قَدْ شَارَكَ فِيهَا فُصَحَاءَهُمْ، ثُمَّ جَاءَهُ كِتَابٌ بِلِسَانِ التُّرْكِ فَيُحْجِمُ عَنْ تَدَبُّرِهِ وَعَنْ فَهْمِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْمَعَانِي حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ ذلك سنقرا التركي

أو سنجرا، تَرَى مِثْلَ هَذَا يُعَدُّ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَكَانَ هَذَا الْمُعَاصِرُ يَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ نَقَلَ فِيهَا التَّفْسِيرَ خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ بِالسَّنَدِ إِلَى أَنْ وَصَلَ ذَلِكَ إِلَى الصَّحَابَةِ، وَمِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَفْسِيرِهَا هَذَا، وَهُمُ الْعَرَبُ الْفُصَحَاءُ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ.
 وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا غَيْرُ مَا فِي هَذِهِ الصحيفة أو فهما يُؤْتَاهُ الرَّجُلُ فِي كِتَابِهِ.
 وَقَوْلُ هَذَا الْمُعَاصِرِ يُخَالِفُ قَوْلَ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَعَلَى قَوْلِ هَذَا الْمُعَاصِرِ يَكُونُ مَا اسْتَخْرَجَهُ النَّاسُ بَعْدَ التَّابِعِينَ مِنْ عُلُومِ التَّفْسِيرِ وَمَعَانِيهِ وَدَقَائِقِهِ، وَإِظْهَارِ مَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ وَالْإِعْجَازِ لَا يَكُونُ تَفْسِيرًا حَتَّى يُنْقَلَ بِالسَّنَدِ إِلَى مُجَاهِدٍ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ.
 وَإِذْ قَدْ جُرَّ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا، فَلْنَذْكُرْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِلْمُ التَّفْسِيرِ مِنَ الْعُلُومِ عَلَى الِاخْتِصَارِ، وَنُنَبِّهُ عَلَى أَحْسَنِ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي فِي تِلْكَ الْعُلُومِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا فِيهِ فَنَقُولُ:
 النَّظَرُ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ:
 الْوَجْهُ الْأَوَّلُ- عِلْمُ اللُّغَةِ اسْمًا وَفِعْلًا وحرفا: الحروف لِقِلَّتِهَا تَكَلَّمَ عَلَى مَعَانِيهَا النُّحَاةُ، فَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ وَالْأَفْعَالُ فَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ، وَأَكْثَرُ الْمَوْضُوعَاتِ فِي عِلْمِ اللُّغَةِ كِتَابُ ابْنِ سِيدَهْ، فَإِنَّ الْحَافِظَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ فِي مِائَةِ سِفْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِالْفَلَكِ وَخَتَمَ بِالذَّرَّةِ. وَمِنَ الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ فِيهِ: كِتَابُ الْأَزْهَرِيِّ، وَالْمُوعَبُ لِابْنِ التَّيَّانِيِّ، وَالْمُحْكَمُ لِابْنِ سِيدَهْ، وَكِتَابُ الْجَامِعِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيِّ الْقَيْرَوَانِيِّ، عُرِفَ بِالْقَزَّازِ، وَالصِّحَاحُ لِلْجَوْهَرِيِّ، وَالْبَارِعُ لِأَبِي عَلِيٍّ التالي، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ لِلصَّاغَانِيِّ. وَقَدْ حَفِظْتُ فِي صِغَرِي فِي عِلْمِ اللُّغَةِ كِتَابَ الْفَصِيحِ لِأَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الشَّيْبَانِيِّ، وَاللُّغَاتِ الْمُحْتَوِي عَلَيْهَا دَوَاوِينُ مَشَاهِيرِ الْعَرَبِ السِّتَّةِ: امْرِئِ الْقَيْسِ، وَالنَّابِغَةِ، وَعَلْقَمَةَ، وَزُهَيْرٍ، وَطَرَفَةَ، وَعَنْتَرَةَ، وَدِيوَانُ الْأَفْوَهِ الْأَوْدِيِّ لِحِفْظِي عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ لِهَذِهِ الدَّوَاوِينِ. وَحَفِظْتُ كَثِيرًا مِنَ اللُّغَاتِ الْمُحْتَوِي عَلَيْهَا نَحْوُ الثُّلُثِ مِنْ كِتَابِ الْحَمَاسَةِ وَاللُّغَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا قَصَائِدُ مُخْتَارَةٌ مِنْ شِعْرِ حَبِيبِ بْنِ أَوْسٍ لِحِفْظِي ذَلِكَ. وَمِنَ الْمَوْضُوعَاتِ فِي الْأَفْعَالِ: كِتَابُ ابْنِ الْقُوطِيَّةِ، وَكِتَابُ ابن طريف، وكتاب السرقنطي الْمَنْبُوزِ **«١»** بِالْحِمَارِ. وَمِنْ أَجْمَعِهَا: كِتَابُ ابْنِ الْقَطَّاعِ.
 الْوَجْهُ الثَّانِي- مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الَّتِي لِلْكَلِمِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ جِهَةِ إِفْرَادِهَا وَمِنْ جِهَةِ تَرْكِيبِهَا:
 وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ النَّحْوِ، وَأَحْسَنُ مَوْضُوعٍ فِيهِ وَأَجَلُّهُ كِتَابُ أَبِي بِشْرٍ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ

 (١) المنبوز: المسمّى على وجه السخرية. وفي التنزيل العزيز: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ.

قَنْبَرٍ سِيبَوَيْهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَحْسَنُ مَا وَضَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْمُخْتَصَرَاتِ وَأَجْمَعُهُ لِلْأَحْكَامِ كِتَابُ تَسْهِيلِ الْفَوَائِدِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْجَيَّانِيِّ الطَّائِيِّ، مُقِيمِ دِمَشْقَ.
 وَأَحْسَنُ مَا وُضِعَ فِي التَّصْرِيفِ كِتَابُ الممنع لِأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُؤْمِنِ بْنِ عُصْفُورٍ الْحَضْرَمِيِّ الشُّبَيْلِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ أَخَذْتُ هَذَا الْفَنَّ عَنْ أُسْتَاذِنَا الْأَوْحَدِ الْعَلَّامَةِ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بن الزبير الثقفي فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ.
 الْوَجْهُ الثَّالِثُ- كَونِ اللَّفْظِ أَوِ التَّرْكِيبِ أَحْسَنَ وَأَفْصَحَ: وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ وَالْبَدِيعِ. وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ تَصَانِيفَ كَثِيرَةً، وَأَجْمَعُهَا مَا جَمَعَهُ شَيْخُنَا الْأَدِيبُ الصَّالِحُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن سُلَيْمَانَ النَّقِيبُ، وَذَلِكَ فِي مُجَلَّدَيْنِ قَدَّمَهُمَا أَمَامَ كِتَابِهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَمَا وَضَعَهُ شَيْخُنَا الْأَدِيبُ الْحَافِظُ الْمُتَبَحِّرُ أَبُو الْحَسَنِ حَازِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ الْأَنْدَلُسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْقَرْطَاجَنِّيُّ، مُقِيمُ تُونِسَ، الْمُسَمَّى مِنْهَاجُ الْبُلَغَاءِ وَسِرَاجُ الْأُدَبَاءِ. وَقَدْ أَخَذْتُ جُمْلَةً مِنْ هَذَا الْفَنِّ عَنْ أُسْتَاذِنَا أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
 الْوَجْهُ الرَّابِعُ- تَعْيِينُ مُبْهَمٍ، وَتَبْيِينُ مُجْمَلٍ، وَسَبَبُ نُزُولٍ وَنَسْخٍ: وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنَ النَّقْلِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْكُتُبُ وَالْأُمَّهَاتُ الَّتِي سَمِعْنَاهَا وَرَوَيْنَاهَا ذَلِكَ، كَالصَّحِيحَيْنِ، وَالْجَامِعِ لِلتِّرْمِذِيِّ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ، وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، وَسُنَنِ الشَّافِعِيِّ، وَمَسْنَدِ الدَّارِمِيِّ، وَمُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ، وَمُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، وَسُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ، وَالْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ لَهُ، وَمُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
 الْوَجْهُ الْخَامِسُ- مَعْرِفَةُ الْإِجْمَالِ، وَالتَّبْيِينِ، وَالْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ، وَالْإِطْلَاقِ، وَالتَّقْيِيدِ، وَدَلَالَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا: وَيَخْتَصُّ أَكْثَرُ هَذَا الْوَجْهِ بِجُزْءِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيُؤْخَذُ هُنَا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَمُعْظَمِهِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ لِعِلْمِ اللُّغَةِ، إِذْ هُوَ شَيْءٌ يُتَكَلَّمُ فِيهِ عَلَى أَوْضَاعِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ اللُّغَوِيِّينَ أَوِ النَّحْوِيِّينَ وَمَزَجُوهُ بِأَشْيَاءَ مِنْ حُجَجِ الْعُقُولِ. وَمِنْ أَجْمَعَ مَا فِي هَذَا الْفَنِّ في كِتَابُ الْمَحْصُولِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عمر الرَّازِيِّ. وَقَدْ بَحَثْتُ فِي هَذَا الْفَنِّ فِي كِتَابِ الْإِشَارَةِ لِأَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ عَلَى الشَّيْخِ الْأُصُولِيِّ الْأَدِيبِ أَبِي الْحَسَنِ فَضْلِ بْنِ إبراهيم العافري، الْإِمَامِ بِجَامِعِ غَرْنَاطَةَ، وَالْخَطِيبِ بِهِ، وَعَلَى الْأُسْتَاذِ الْعَلَّامَةِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي كِتَابِ الْإِشَارَةِ، وَفِي شَرْحِهَا لَهُ، وَذَلِك بِالْأَنْدَلُسِ. وَبَحَثْتُ أَيْضًا فِي هَذَا الْفَنِّ عَلَى الشَّيْخِ عَلَمِ الدِّينِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ علي بن عمر الأنصاري، المعروف بابن بنت العراقي، فِي مُخْتَصَرِهِ الَّذِي اخْتَصَرَهُ مِنْ كِتَابِ الْمَحْصُولِ،

وَعَلَى الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ عَلِيُّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَطَّابٍ الْبَاجِيِّ، فِي مُخْتَصَرِهِ الَّذِي اخْتَصَرَهُ مِنْ كِتَابِ الْمَحْصُولِ، وَعَلَى الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ الْأَصْبَهَانِيِّ، صَاحِبِ شَرْحِ الْمَحْصُولِ، بَحَثْتُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْقَوَاعِدِ، مِنْ تَأْلِيفِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
 الْوَجْهُ السَّادِسُ- الْكَلَامُ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يَجِبُ لَهُ، وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرُ فِي النُّبُوَّةِ: وَيَخْتَصُّ هَذَا الْوَجْهُ بِالْآيَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ النَّظَرَ فِي الْبَارِي تَعَالَى، وَفِي الْأَنْبِيَاءِ، وَإِعْجَازِ الْقُرْآنِ، وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ. وَقَدْ صَنَّفَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ مِنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ فِي هَذَا كُتُبًا كَثِيرَةً، وَهُوَ عِلْمٌ صَعْبٌ، إِذِ الْمَزَلَّةُ فِيهِ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، مُفْضٍ إِلَى الْخُسْرَانِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ سَمِعْتُ مِنْهُ مَسَائِلَ تُبْحَثُ عَلَى الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ الْأَصْفَهَانِيِّ وَغَيْرِهِ.
 الْوَجْهُ السَّابِعُ- اخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ تَغْيِيرِ حَرَكَةٍ، أَوْ إِتْيَانٍ بِلَفْظٍ بَدَلَ لَفْظٍ، وَذَلِكَ بِتَوَاتُرٍ وَآحَادٍ: وَيُؤْخَذُ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ عِلْمِ الْقِرَاءَاتِ. وَقَدْ صَنَّفَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ كُتُبًا لَا تَكَادُ تُحْصَى، وَأَحْسَنُ الْمَوْضُوعَاتِ فِي الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ كِتَابُ الْإِقْنَاعِ لِأَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْبَاذِشِ، وَفِي الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرَةِ كِتَابُ الْمِصْبَاحِ لِأَبِي الْكَرَمِ الشَّهْرَزُورِيِّ. وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ بِقِرَاءَةِ السَّبْعَةِ، بِجَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ، عَلَى الْخَطِيبِ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الرُّعَيْنِيِّ، عُرِفَ بِابْنِ الطَّبَّاعِ، بِغَرْنَاطَةَ، وَعَلَى الْخَطِيبِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْحَقِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ الْوَادِي تِشِبْتِي، بِمِطِحْشَارِشَ، مِنْ حَضْرَةِ غَرْنَاطَةَ، وَعَلَى غَيْرِهِمَا بِالْأَنْدَلُسِ. وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ بِالْقِرَاءَاتِ الثَّمَانِ، بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، عَلَى الشَّيْخِ الصَّالِحِ رَشِيدِ الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ النَّصِيرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْهَمْدَانِيِّ، عُرِفَ بِابْنِ الْمَرْبُوطِيِّ.
 وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةِ، بِمِصْرَ، حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى، عَلَى الشَّيْخِ الْمُسْنِدِ الْعَدْلِ فَخْرِ الدِّينِ أَبِي الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَلِيجِيِّ، وَأَنْشَأْتُ فِي هَذَا العلم كتاب عقد اللآلي، قَصِيدًا فِي عَرُوضِ قَصِيدِ الشَّاطِبِيِّ، وَرَوِيِّهِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَلْفِ بَيْتٍ وَأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ بَيْتًا، صَرَّحْتُ فِيهَا بِأَسَامِي الْقُرَّاءِ مِنْ غَيْرِ رَمْزٍ وَلَا لُغْزٍ وَلَا حُوشِيِّ لُغَةٍ، وَأَنْشَأْتُهُ مِنْ كُتُبٍ تِسْعَةٍ، كَمَا قُلْتُ:

تَنَظَّمَ هَذَا الْعِقْدُ مِنْ دُرِّ تِسْعَةٍ  مِنَ الْكُتْبِ فَالتَّيْسِيرُ عُنْوَانُهُ انْجَلَابِكَافٍ لِتَجْرِيدٍ وَهَادٍ لِتَبْصِرَهْ  وَإِقْنَاعِ تَلْخِيصَيْنِ أَضْحَى مُكَمَّلَاجَنَيْتُ لَهُ إِنْسِيَّ لَفْظِ لَطِيفَهُ  وَجَانَبْتُ وَحْشِيًّا كَثِيفًا مُعَقَّلَا

فَهَذِهِ سَبْعَةُ وُجُوهٍ، لَا ينبغي أن يُقْدِمُ عَلَى تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ أَحَاطَ بِجُمْلَةِ غَالِبِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَرْتَقِي مِنْ عِلْمِ التَّفْسِيرِ ذِرْوَتَهُ، وَلَا يَمْتَطِي مِنْهُ صَهْوَتَهُ، إِلَّا مَنْ كَانَ مُتَبَحِّرًا فِي عِلْمِ اللِّسَانِ، مُتَرَقِّيًا مِنْهُ إِلَى رُتْبَةِ الْإِحْسَانِ، قَدْ جُبِلَ طَبْعُهُ عَلَى إِنْشَاءِ النَّثْرِ وَالنَّظْمِ دُونَ اكْتِسَابٍ، وَإِبْدَاءِ مَا اخْتَرَعَتْهُ فِكْرَتُهُ السَّلِيمَةُ فِي أَبْدَعِ صُورَةٍ وَأَجْمَلِ جِلْبَابٍ، وَاسْتَفْرَغَ فِي ذَلِكَ زَمَانَهُ النَّفِيسَ، وَهَجَرَ الْأَهْلَ وَالْوَلَدَ وَالْأَنِيسَ، ذَلِكَ الَّذِي لَهُ فِي رِيَاضِهِ أَصْفَى مَرْتَعٍ، وَفِي حِيَاضِهِ أَصْفَى مَكْرَعٍ، يَتَنَسَّمُ عُرْفَ أَزَاهِرَ طال ما حجبتها الكمام، ويترشف كؤوس رَحِيقٍ لَهُ الْمِسْكُ خِتَامٌ، وَيَسْتَوْضِحُ أَنْوَارَ بُدُورٍ سَتَرَتْهَا كَثَائِفُ الْغَمَامِ، وَيَسْتَفْتِحُ أَبْوَابَ مَوَاهِبِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، يُدْرِكُ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ بِالْوِجْدَانِ لَا بِالتَّقْلِيدِ، وَيَنْفَتِحُ لَهُ مَا اسْتَغْلَقَ إِذْ بِيَدِهِ الْإِقْلِيدُ.
 وَأَمَّا مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى غَيْرِ هَذَا مِنَ الْعُلُومِ، أَوْ قَصَّرَ فِي إِنْشَاءِ الْمَنْثُورِ وَالْمَنْظُومِ، فَإِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ فَهْمِ غَوَامِضِ الْكِتَابِ، وَعَنْ إِدْرَاكِ لِطَائِفِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْعَجَبِ الْعُجَابِ، وَحَظُّهُ مِنْ عِلْمِ التَّفْسِيرِ إِنَّمَا هُوَ نَقْلُ أَسْطَارٍ، وَتَكْرَارُ مَحْفُوظٍ عَلَى مَرِّ الْأَعْصَارِ، وَلِتَبَايُنِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي إِدْرَاكِ فَصَاحَةِ الْكَلَامِ، وما به تكون الرّجاجة فِي النِّظَامِ، اخْتَلَفُوا فِيمَا بِهِ إِعْجَازُ الْقُرْآنِ، فَمَنْ تَوَغَّلَ فِي أَسَالِيبِ الْفَصَاحَةِ وَأَفَانِينِهَا، وَتَوَقَّلَ فِي مَعَارِفِ الْآدَابِ وَقَوَانِينِهَا، أَدْرَكَ بِالْوِجْدَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ أَتَى فِي غَايَةٍ مِنَ الْفَصَاحَةِ لَا يُوصَلُ إِلَيْهَا، وَنِهَايَةٍ مِنَ الْبَلَاغَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَامَ عَلَيْهَا، فَمُعَارَضَتُهُ عِنْدَهُ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ لِلْبَشَرِ، وَلَا دَاخِلَةٍ تَحْتَ الْقَدَرِ. وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ هَذَا الْمُدْرَكَ، وَلَا سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ، رَأَى أَنَّهُ مِنْ نَمَطِ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَنَّ مِثْلَهُ مَقْدُورٌ لِمُنْشِئِ الْخُطَبِ. فَإِعْجَازُهُ عِنْدَهُ إِنَّمَا هُوَ بِصَرْفِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَمُنَاضَلَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى مُمَاثَلَتِهِ. وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِعْجَازَ وَقَعَ بِالصَّرْفِ، هُمْ مِنْ نُقْصَانِ الْفِطْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي رُتْبَةِ بَعْضِ النِّسَاءِ حِينَ رَأَتْ زَوْجَهَا يطؤ جَارِيَةً فَعَاتَبَتْهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَا وَطِئَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَاقْرَأْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَأَنْشَدَهَا بَيْتَ شِعْرٍ قَالَهُ، ذَكَرَ اللَّهَ فِيهِ وَرَسُولَهُ وَكِتَابَهُ، فَصَدَّقَتْهُ، فَلَمْ تُرْزَقْ مِنَ الرِّزْقِ مَا تُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ كَلَامِ الْخَلْقِ وَكَلَامِ الْحَقِّ.
 وَحَكَى لَنَا أُسْتَاذُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو جَعْفَرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَعْضِ مَنْ كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْعُلُومِ الْقَدِيمَةِ، وَمَعْرِفَةٌ بِكَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، لَا أُدْرِكُ فَرْقًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْكَلَامِ. فَهَذَا الرَّجُلُ وَأَمْثَالُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ مِنَ الطَّائِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْإِعْجَازَ وَقَعَ بِالصِّرْفَةِ. وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا مِمَّنْ لَهُ تَحَقُّقٌ

بِالْمَعْقُولِ، وَتَصَرُّفٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَنْقُولِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فَقَرَأَ فَصِيحَةً، أَتَى لِبَعْضِ تَلَامِذَتِهِ وَكَلَّفَهُ أَنْ يُنْشِئَهَا لَهُ. وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا، مِمَّنْ لَهُ التَّبَحُّرُ فِي عِلْمِ لُغَةِ الْعَرَبِ، إِذَا أَسْقَطَ مِنْ بَيْتِ الشِّعْرِ كَلِمَةً أَوْ رُبْعَ الْبَيْتِ، وَكَانَ الْمُعَيَّنُ بِدُونِ مَا أَسْقَطَ لَا يُدْرَكُ مَا أَسْقَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَيْنَ هَذَا فِي الْإِدْرَاكِ مِنْ آخَرَ إِذَا حَرَّكْتَ لَهُ مُسَكَّنًا أَوْ سَكَّنْتَ لَهُ مُحَرَّكًا فِي بَيْتٍ أَدْرَكَ ذَلِكَ بِالطَّبْعِ وَقَالَ إِنَّ هَذَا الْبَيْتَ مَكْسُورٌ، وَيُدْرَكُ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ، إِذَا كَانَ فِيهِ زِحَافٌ مَا، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، لَكِنْ يَجِدُ مِثْلَ هَذَا طَبْعُهُ يَنْبُو عَنْهُ وَيَقْلَقُ لِسَمَاعِهِ. هَذَا، وإن كان لا يفهم مَعْنَى الْبَيْتِ، لِكَوْنِهِ حُوشِيَّ اللُّغَاتِ أَوْ مُنْطَوِيًا عَلَى حُوشِيٍّ.
 فَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ مَوَاهِبِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا تُؤْخَذُ بِاكْتِسَابٍ، لَكِنَّ الِاكْتِسَابَ يُقَوِّيهَا، وَلَيْسَ الْعَرَبُ مُتَسَاوِينَ فِي الْفَصَاحَةِ، وَلَا فِي إِدْرَاكِ الْمَعَانِي، وَلَا فِي نَظْمِ الشِّعْرِ، بَلْ فِيهِ مَنْ يَكْسِرُ الْوَزْنَ، وَمَنْ لَا يَنْظِمُ وَلَا بَيْتًا وَاحِدًا، وَمَنْ هُوَ مُقِلٌّ مِنَ النَّظْمِ، وَطِبَاعُهُمْ كَطِبَاعِ سَائِرِ الْأُمَمِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى فَحَوْلِ شُعَرَائِهِمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْفَصَاحَةِ، وَيُنَقِّحُ الشَّاعِرُ مِنْهُمُ الْقَصِيدَةَ حَوْلًا حَتَّى يُسَمَّى قَصَايِدَ الْحَوْلِيَّاتِ، فَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ.
 وَكَذَلِكَ كَانَ بَعْضُ الْكُفَّارِ حِينَ سَمِعَ الْقُرْآنَ أَدْرَكَ إِعْجَازَهُ لِلْوَقْتِ، فَوُفِّقَ وَأَسْلَمَ، وَآخَرُ أَدْرَكَ إِعْجَازَهُ فَكَفَرَ، وَلَجَّ فِي عِنَادِهِ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَنَسَبَهُ تَارَةً إِلَى الشِّعْرِ وَتَارَةً إِلَى الْكَهَانَةِ وَالسِّحْرِ، وَآخَرُ لَمْ يُدْرِكْ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ، كَتِلْكَ الْمَرْأَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا، وَكَحَالِ أَكْثَرِ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ مِنْ جِهَةِ الْفَصَاحَةِ. فَمَنْ أَدْرَكَ إِعْجَازَهُ، فَوُفِّقَ وَأَسْلَمَ بِأَوَّلِ سَمَاعٍ سَمِعَهُ، أَبُو ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم مِنْ أَوَائِلِ فُصِّلَتْ آيَاتٍ فَأَسْلَمَ لِلْوَقْتِ، وَخَبَرُهُ فِي إِسْلَامِهِ مَشْهُورٌ.
 وَمِمَّنْ أَدْرَكَ إِعْجَازَهُ وَكَفَرَ عِنَادًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ مِنْ عُقَلَاءِ الْكُفَّارِ، حَتَّى كَانَ يَتَوَهَّمُ أُمَيَّةُ بْنُ الصَّلْتِ أَنَّهُ هُوَ، يَعْنِي عُتْبَةَ يَكُونُ النَّبِيَّ الْمُنْبَعَثَ فِي قُرَيْشٍ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَسَدَهُ عُتْبَةُ وَأَضْرَابُهُ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُعْجِزٌ. وَكَذَلِكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ،
 رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي مَخْزُومٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلَامًا مَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْإِنْسِ، وَلَا مِنْ كَلَامِ الْجِنِّ، إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَإِنَّهُ يَعْلُو وَمَا يُعْلَى، وَمَعَ هَذَا الِاعْتِرَافِ غَلَبَ عَلَيْهِ الْحَسَدُ وَالْأَشَرُ، حَتَّى قَالَ، مَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُ: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ.
 وَمِمَّنْ لَمْ يُدْرِكْ إِعْجَازَهُ، أَوْ أَدْرَكَ وَعَانَدَ وَعَارَضَ، مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، أَتَى بِكَلِمَاتٍ زَعَمَ أَنَّهَا أُوحِيَتْ إِلَيْهِ، انْتَهَتْ فِي الْفَهَاهَةِ وَالْعِيِّ وَالْغَثَاثَةِ، بِحَيْثُ صَارَتْ هُزْأَةً لِلسَّامِعِ،

وكذلك أبو الطيب المتنبئ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ الْبَاقِلَّانِيُّ، فِي كِتَابِ الِانْتِصَارِ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ، شَيْئًا مِنْ كَلَامِ أَبِي الطَّيِّبِ مِمَّا هُوَ كُفْرٌ. وَذَكَرَ لَنَا قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ وَهْبٍ الْقُشَيْرِيُّ أَنَّ أَبَا الطَّيِّبِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَاتَّبَعَهُ نَاسٌ مِنْ عَبْسٍ وَكَلْبٍ، وَأَنَّهُ اخْتَلَقَ شَيْئًا ادَّعَى أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِهِ سُوَرًا سَمَّاهَا الْعِبَرَ، وَأَنَّ شِعْرَهُ لَا يُنَاسِبُهَا لِجَوْدَةِ أَكْثَرِهِ وَرَدَاءَتِهَا كُلِّهَا، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا أَتَيْنَا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْكَلَامِ، لِيُعْلَمَ أَنَّ أَذْهَانَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْإِدْرَاكِ عَلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعْطَى كُلَّ أَحَدٍ.
 وَلِنُبَيِّنَ أَنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ لَيْسَ مُتَوَقِّفًا عَلَى عِلْمِ النَّحْوِ فَقَطْ، كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ، بَلْ أَكْثَرُ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ هُمْ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْفَصَاحَةِ وَالتَّفَنُّنِ فِي الْبَلَاغَةِ، وَلِذَلِكَ قَلَّتْ تَصَانِيفُهُمْ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَقَلَّ أَنْ تَرَى نَحْوِيًّا بَارِعًا فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، كَمَا قَلَّ أَنْ تَرَى بَارِعًا فِي الْفَصَاحَةِ يَتَوَغَّلُ فِي عِلْمِ النَّحْوِ. وَقَدْ رَأَيْنَا مَنْ يُنْسَبُ لِلْإِمَامَةِ فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَهُوَ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَنْطِقَ بِأَبْيَاتٍ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْرِفَ مَدْلُولَهَا، أَوْ يَتَكَلَّمَ عَلَى مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْبَلَاغَةِ وَالْبَيَانِ. فَأَنَّى لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يَتَعَاطَى عِلْمَ التَّفْسِيرِ؟.
 وَلِلَّهِ دَرُّ أَبِي الْقَاسِمِ الزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ فِي التَّفْسِيرِ مَا نَصُّهُ: إِنَّ إملاء الْعُلُومِ بِمَا يَغْمُرُ الْقَرَائِحَ، وَأَنْهَضَهَا بِمَا يُبْهِرُ الْأَلْبَابَ الْقَوَارِحَ، مِنْ غَرَائِبِ نُكَتٍ يَلْطُفُ مَسْلَكُهَا، وَمُسْتَوْدَعَاتِ أَسْرَارٍ يدق سلكها. عِلْمُ التَّفْسِيرِ الَّذِي لَا يَتِمُّ لِتَعَاطِيهِ، وَإِجَالَةِ النَّظَرِ فِيهِ، كُلُّ ذِي عِلْمٍ، كَمَا ذَكَرَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ نَظْمِ الْقُرْآنِ، فَالْفَقِيهُ، وَإِنْ بَرَّزَ عَلَى الْأَقْرَانِ فِي عِلْمِ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ، وَالْمُتَكَلِّمُ، وَإِنْ بَزَّ أَهْلَ الدُّنْيَا فِي صِنَاعَةِ الْكَلَامِ، وَحَافِظُ الْقِصَصِ وَالْأَخْبَارِ، وَإِنْ كَانَ مِنِ ابْنِ الْقِرِّيَّةِ أَحْفَظَ، وَالْوَاعِظُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَوْعَظَ، وَالنَّحْوِيُّ، وَإِنْ كَانَ أَنْحَى مِنْ سِيبَوَيْهِ، وَاللُّغَوِيُّ، وَإِنْ عَلَكَ اللُّغَاتِ بِقُوَّةِ لَحْيَيْهِ، لَا يَتَصَدَّى مِنْهُمْ أَحَدٌ لِسُلُوكِ تِلْكَ الطَّرَائِقِ، وَلَا يَغُوصُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْحَقَائِقِ، إِلَّا رَجُلٌ قَدْ بَرَعَ فِي عِلْمَيْنِ مُخْتَصَّيْنِ بِالْقُرْآنِ، وَهُمَا الْمَعَانِي وَعِلْمُ الْبَيَانِ، وَتَمَهَّلَ فِي ارْتِيَادِهِمَا آوِنَةً، وَتَعِبَ فِي التَّنْقِيرِ عَنْهُمَا أَزْمِنَةً، وَبَعَثَتْهُ عَلَى تَتَبُّعِ مَظَانِّهِمَا هِمَّةٌ فِي مَعْرِفَةِ لَطَائِفِ حُجَّةِ اللَّهِ، وَحَرِصَ عَلَى اسْتِيضَاحِ مُعْجِزَةِ رَسُولِ اللَّهِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ آخِذًا مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ بِحَظٍّ، جَامِعًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ تَحْقِيقٍ وَحِفْظٍ، كَثِيرَ الْمُطَالَعَاتِ، طَوِيلَ الْمُرَاجَعَاتِ، قَدْ رَجَعَ زَمَانًا وَرُجِعَ إِلَيْهِ، وَرَدَّ وَرُدَّ عَلَيْهِ، فَارِسًا فِي عِلْمِ الْإِعْرَابِ، مُقَدَّمًا فِي جُمْلَةِ الْكِتَابِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مُسْتَرْسِلَ الطَّبِيعَةِ مُنْقَادَهَا، مُشْتَعِلَ الْقَرِيحَةِ وقادها، يقظان النفس درا كاللمحجة وَإِنْ لَطُفَ شَأْنُهَا، مُنْتَبِهًا عَلَى الرَّمْزَةِ وَإِنْ خَفِيَ مَكَانُهَا، لَا كَزًّا جَاسِيًا، وَلَا غَلِيظًا جَافِيًا، مُتَصَرِّفًا ذَا

دُرْبَةٍ بِأَسَالِيبِ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، مُرْتَاضًا غَيْرَ رَيِّضٍ بِتَلْقِيحِ نَبَاتِ الْفِكْرِ، قَدْ عَلِمَ كَيْفَ يُرَتِّبُ الْكَلَامَ وَيُؤَلِّفُ، وَكَيْفَ يَنْظِمُ وَيَرْصُفُ، طَالَمَا دُفِعَ إِلَى مَضَايِقِهِ، وَوَقَعَ فِي مَدَاحِضِهِ وَمَزَالِقِهِ. انْتَهَى كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي وَصْفِ مُتَعَاطِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَأَنْتَ تَرَى هَذَا الْكَلَامَ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنَ التَّرْصِيفِ الَّذِي يُبْهِرُ بِجِنْسِهِ الْأُدَبَاءَ، وَيَقْهَرُ بِفَصَاحَتِهِ الْبُلَغَاءَ، وَهُوَ شَاهِدٌ لَهُ بِأَهْلِيَّتِهِ لِلنَّظَرِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَاسْتِخْرَاجِ لَطَائِفِ الْفُرْقَانِ.
 وَهَذَا أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الْمَشْرِقِيُّ الْخَوَارِزْمِيُّ الزَّمَخْشَرِيُّ وَأَبُو محمد عبد الحق بن غَالِبِ بْنِ عَطِيَّةَ الْأَنْدَلُسِيُّ الْمَغْرِبِيُّ الْغَرْنَاطِيُّ، أَجَلُّ مَنْ صنف في علم التفسير، وَأَفْضَلُ مَنْ تَعَرَّضَ لِلتَّنْقِيحِ فِيهِ وَالتَّحْرِيرِ. وَقَدِ اشْتُهِرَا وَلَا كَاشْتِهَارِ الشَّمْسِ، وَخُلِّدَا فِي الْأَحْيَاءِ وَإِنْ هَدَانِي فِي الرَّمْسِ، وَكَلَامُهُمَا فِيهِ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِهِمَا فِي عُلُومٍ، مِنْ مَنْثُورٍ وَمَنْظُومٍ، وَمَنْقُولٍ وَمَفْهُومٍ، وَتَقَلُّبٍ فِي فُنُونِ الْآدَابِ، وَتَمَكُّنٍ مِنْ عِلْمَيِ الْمَعَانِي وَالْإِعْرَابِ، وَفِي خُطْبَتَي كِتَابَيْهِمَا وَفِي غُضُونِ كِتَابِ الزَّمَخْشَرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا فَارِسَا مَيْدَانٍ، وَمُمَارِسَا فَصَاحَةٍ وَبَيَانٍ.
 وَلِلزَّمَخْشَرِيِّ تَصَانِيفُ غَيْرَ تَفْسِيرِهِ، مِنْهَا: الْفَائِقُ فِي لُغَاتِ الْحَدِيثِ، وَمُخْتَلِفُ الْأَسْمَاءِ وَمُؤْتَلِفُهَا، وَرَبِيعُ الْأَبْرَارِ، وَالرَّائِضُ فِي الْفَرَائِضِ، وَالْمُفَصَّلُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
 وَقَدْ ذَكَرَ الْوَزِيرُ أَبُو نَصْرٍ الْفَتْحُ بْنُ خَاقَانَ الْأَشْبِيلِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى قَلَائِدُ الْعِقْيَانِ وَمَحَاسِنُ الْأَعْيَانِ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ عَطِيَّةَ، فَقَالَ: فِيهِ نَبْعَةُ رُوحِ الْعُلَا، وَمُحْرِزُ مَلَابِسِ الثَّنَا، فَذُّ الْجَلَالَةِ، وَوَاحِدُ الْعَصْرِ وَالْأَصَالَةِ، وَقَارٌ كَمَا رَسَا الْهَضْبُ، وَأَدَبٌ كَمَا اطَّرَدَ السَّلْسَلُ الْعَذْبُ، أَثَرُهُ فِي كُلِّ مَعْرِفَةٍ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارٌ، وَطَوَالِعُهُ فِي آفَاقِهَا صُبْحٌ وَنَهَارٌ. وَقَدْ أَثْبَتَ مِنْ نَظْمِهِ مَا يَنْفَحُ عَبِيرًا، وَيَتَّضِحُ مُنِيرًا، وَأَوْرَدَ لَهُ نَثْرًا كَمَا نَظَمَ قَلَائِدَ، وَنَظْمًا تَزْدَانُ بِمِثْلِهِ أَجْيَادُ الْوَلَائِدِ، مِنْ أَلْفَاظٍ عَذْبَةٍ تَسْتَنْزِلُ بِرِقَّتِهَا الْعَصِمَ، وَمَعَانٍ مُبْتَكَرَةٍ تُفْحِمُ الْأَلَدَّ الْخَصِمَ، أَبْقَتْ لَهُ ذِكْرًا مُخَلَّدًا عَلَى جَبِينِ الدَّهْرِ، وَعُرْفًا أَرِجًا كَتَضَوُّعِ الزَّهْرِ.
 وَلَمَّا كَانَ كِتَابَاهُمَا فِي التَّفْسِيرِ قَدْ أَنْجَدَا وَأَغَارَا، وَأَشْرَقَا فِي سَمَاءِ هَذَا الْعِلْمِ بَدْرَيْنِ وَأَنَارَا، وَتَنَزَّلَا مِنَ الْكُتُبِ التَّفْسِيرِيَّةِ مَنْزِلَةَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ مِنَ الْعَيْنِ، وَيَتِيمَةِ الدر من اللآلي، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ اللَّيَالِي، فَعَكَفَ النَّاسُ شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَيْهِمَا، وَثَنَوْا أَعِنَّةَ الِاعْتِنَاءِ إِلَيْهِمَا. وَكَانَ فِيهِمَا عَلَى جَلَالَتِهِمَا مَجَالٌ لِانْتِقَادِ ذَوِي التَّبْرِيزِ، وَمَسْرَحٌ لِلتَّخْيِيلِ فِيهِمَا وَالتَّمْيِيزِ، ثَنَيْتُ إِلَيْهِمَا عَنَانَ الِانْتِقَادِ، وَحَلَلْتُ مَا تَخَيَّلَ النَّاسُ فِيهِمَا مِنَ الِاعْتِقَادِ. أَنَّهُمَا

فِي التَّفْسِيرِ الْغَايَةُ الَّتِي لَا تُدْرَكُ، وَالْمَسْلَكُ الْوَعِرُ الَّذِي لَا يَكَادُ يُسْلَكُ، وَعَرَضْتُهُمَا عَلَى مَحْكِ النَّظَرِ، وَأَوْرَيْتُ فِيهِمَا نَارَ الْفِكْرِ، حَتَّى خَلُصَ دَسِيسُهُمَا، وَبَرَزَ نَفِيسُهُمَا، وَسَيَرَى ذَلِكَ مَنْ هُوَ لِلنَّظَرِ أَهْلٌ، وَاجْتَمَعَ فِيهِ إِنْصَافٌ وَعَدْلٌ، فَإِنَّهُ يَتَعَجَّبُ مِنَ التَّوَلُّجِ عَلَى الضَّرَاغِمِ، وَالتَّحَرُّزِ لِأَشْبَالِهَا وَالْأَنْفُ رَاغِمٌ، إِذْ هَذَانِ الرَّجُلَانِ هُمَا فَارِسَا عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَمُمَارِسَا تَحْرِيرَهُ وَالتَّحْبِيرَ. نَشَرَاهُ نَشْرًا، وَطَارَ لَهُمَا بِهِ ذِكْرًا، وَكَانَا مُتَعَاصِرَيْنِ فِي الْحَيَاةِ، مُتَقَارِبِينَ فِي الْمَمَاتِ.
 وُلِدَ أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِزَمَخْشَرَ، قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى خُوَارِزْمَ، يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، السَّابِعَ عَشَرَ لِرَجَبٍ، سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وأربعمائة، وتوفي بگرگانج، قَصَبَةِ خُوَارِزْمَ، لَيْلَةَ عَرَفَةَ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَوُلِدَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَالِبِ بْنِ تَمَّامِ بْنِ عَبْدِ الرؤوف بن عبد الله بن تَمَّامِ بْنِ عَطِيَّةَ الْمُحَارِبِيُّ، مِنْ أَهْلِ غَرْنَاطَةَ، سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ بِلُورْقَةَ، فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ لِرَمَضَانَ، سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي وَفَاةِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بَشْكُوَالٍ: تُوُفِّيَ، يَعْنِي ابْنَ عَطِيَّةَ، سَنَةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
 وَكِتَابُ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنْقَلُ وَأَجْمَعُ وَأَخْلَصُ، وَكِتَابُ الزَّمَخْشَرِيِّ أَلْخَصُ وَأَغْوَصُ، إِلَّا أن الزمخشري قائل بالطفرة، وَمُقْتَصِرٌ مِنَ الذُّؤَابَةِ عَلَى الْوَفْرَةِ، فَرُبَّمَا سَنَحَ لَهُ آبِي الْمَقَادَةِ فَأَعْجَزَهُ اغْتِيَاصُهُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ لِتَأَنِّيهِ اقْتِنَاصُهُ، فَتَرَكَهُ عَقْلًا لِمَنْ يَصْطَادُهُ، وَغَفْلًا لِمَنْ يَرْتَادُهُ، وَرُبَّمَا نَاقَضَ هَذَا الْمَنْزَعَ، فَثَنَى الْعِنَانَ إِلَى الْوَاضِحِ، وَالسَّهْلِ اللَّائِحِ، وَأَجَالَ فِيهِ كَلَامًا، وَرَمَى نَحْوَ غَرَضِهِ سِهَامًا، هَذَا مَعَ مَا فِي كِتَابِهِ مِنْ نُصْرَةِ مَذْهَبِهِ، وَتَقَحُّمِ مُرْتَكِبِهِ، وَتَجَشُّمِ حَمْلِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ، وَنِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَمُغْتَفَرٌ إِسَاءَتُهُ لِإِحْسَانِهِ، وَمَصْفُوحٌ عَنْ سَقْطِهِ فِي بَعْضٍ لِإِصَابَتِهِ فِي أَكْثَرِ تِبْيَانِهِ، فما كان في كِتَابِي هَذَا مِنْ تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَخْبَرَنِي بِهِ أُسْتَاذُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِجَازَةً أَيَّامَ كُنْتُ أَبْحَثُ مَعَهُ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ، عَنِ الْقَاضِي ابْنِ الْخَطَّابِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خَلِيلٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ بَرَكَاتِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طاهر الخشوعي وَأَخْبَرَنِي بِهِ عَالِيًا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيُّ، عُرِفَ بِابْنِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِهِ إِلَيَّ مِنْ دِمَشْقَ عَنْ أَبِي طَاهِرٍ الْخُشُوعِيِّ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ.

وَمَا كَانَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ، فَأَخْبَرَنِي بِهِ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي الْأَحْوَصِ الْقُرَشِيُّ، قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ لِبَعْضِهِ. وَمُنَاوَلَةً عَنِ الْحَافِظِ أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى بْنِ سَالِمٍ الْكُلَاعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، يُعْرَفُ بِابْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بِهِ مُصَنِّفُهُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ لِجَمِيعِهِ، وَأَخْبَرَنِي بِهِ عَالِيًا الْقَاضِي الْأُصُولِيُّ الْمُتَكَلِّمُ أَبُو الْحَسَنِ محمد بن الْقَاضِي الْأُصُولِيِّ الْمُتَكَلِّمِ أَبِي عَامِرٍ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْعَرِيِّ نَسَبًا وَمَذْهَبًا، إِجَازَةً كَتَبَهَا لِي بِخَطِّهِ بِغَرْنَاطَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْغَافِقِيِّ الشَّقُورِيِّ بِقُرْطُبَةَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ.
 وَاعْتَمَدْتُ، فِي أَكْثَرِ نَقُولِ كِتَابِي هَذَا، عَلَى كِتَابِ التَّحْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ لِأَقْوَالِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، مِنْ جَمْعِ شَيْخِنَا الصَّالِحِ الْقُدْوَةِ الْأَدِيبِ جَمَالِ الدِّينِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ الْمَقْدِسِيِّ، عُرِفَ بِابْنِ النَّقِيبِ، رَحِمَهُ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ هُوَ أَكْبَرُ كِتَابٍ رَأَيْنَاهُ صُنِّفَ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ، يَبْلُغُ فِي الْعَدَدِ مِائَةَ سِفْرٍ أَوْ يَكَادُ، إِلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ التَّكْرِيرِ، قَلِيلُ التَّحْرِيرِ، مُفْرِطُ الْإِسْهَابِ، لَمْ يُعَدَّ جَامِعُهُ مِنْ نَسْخٍ كُتِبَ فِي كِتَابِهِ، كَذَلِكَ كَانَ فِيهِ بِحَالِ التَّهْذِيبِ وَمُرَادِ التَّرْتِيبِ.
 وَهَذَا الْكِتَابُ رِوَايَتِي بِالْإِجَازَةِ مِنْ جَامِعِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ شَاهَدْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ حِينَ جَمَعَهُ يَقُولُ لِلنَّاسِخِ: اقْرَأْ عَلَيَّ، فَيَقْرَأُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: اكْتُبْ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا. وَيَنْقُلُ مَا فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ الَّتِي اعْتَمَدَهَا، وَيَعْزُو فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ مَا يُنْقَلُ مِنْهَا إِلَى مُصَنِّفِ ذَلِكَ الْكِتَابِ. وَكَانَ فِيهِ فَضِيلَةُ أَدَبٍ، وَلَهُ نَثْرٌ وَنَظْمٌ مُتَوَسِّطٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَرَضِيَ عَنْهُ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنِّي قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى جَمَاعَةٍ من المقرءين، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَا الْآنَ أُسْنِدُ قِرَاءَتِي الْقُرْآنَ، مِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ، وَأَذْكُرُ شَيْئًا مِمَّا وَرَدَ فِي القرآن وفضائله وتفسيره، على سبيل الاختصار، فأقول: قرأت الْقُرْآنِ بِرِوَايَةِ وَرْشٍ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي نَنْشَأُ عَلَيْهَا بِبِلَادِنَا وَنَتَعَلَّمُهَا أَوَّلًا فِي الْمَكْتَبِ عَلَى الْمُسْنِدِ الْمُعَمَّرِ الْعَدْلِ أَبِي طَاهِرٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ علي المليجي، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي الْجُودِ غِيَاثِ بْنِ فَارِسِ بْنِ مَكِّيٍّ المنذري، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي الْفُتُوحِ نَاصِرِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الزيدي، بمصر.
 وقرأتها عَلَى أَبِي الْحَسَنِ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الفرج الخشاب، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ نَفِيسٍ، بمصر. وقرأتها عَلَى ابْنِ عَدِيٍّ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ

مُحَمَّدٍ، عُرِفَ بِابْنِ الْإِمَامِ، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن مالك بن سيف، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَيَّارٍ، وَيُقَالُ يَسَارٍ الْأَزْرَقِ، بمصر.
 وقرأتها عَلَى أَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَدِيٍّ، الملقب بورش، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ، بِمَدِينَةِ رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ يَزِيدَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَرَأَ يَزِيدُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى أَبِي الْمُنْذِرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ دَائِرٌ بَيْنَ مِصْرِيٍّ وَمَدَنِيٍّ.
 فَمِنْ شَيْخِي إِلَى وَرْشٍ مِصْرِيُّونَ، وَمِنْ نَافِعٍ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ مَدَنِيُّونَ. وَمِثْلُ هَذَا الْإِسْنَادِ عَزِيزُ الْوُجُودِ، بَيْنِي وبين رسول الله ﷺ ثلاثة عَشَرَ رَجُلًا، وَهَذَا مِنْ أَعْلَى الْأَسَانِيدِ الَّتِي وَقَعَتْ لِي.
 وَقَدْ وَقَعَ لِي فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَى عَشَرَ رَجُلًا، وَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَاصِمٍ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي يَنْشَأُ عَلَيْهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ أَعْلَى مَا وَقَعَ لِأَمْثَالِنَا. وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي الطاهر بن الْمَلِيجِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْجُودِ، قَالَ:
 قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْفُتُوحِ الزَّيْدِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أحمد الْأَبْهَرِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَهْوَازِيِّ. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُثْمَانَ الغضايري، وقرأ الغضائري عَلَى أَبِي بَكْرٍ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدِ بْنِ مِهْرَانَ الْوَاسِطِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ الْعُلَيْمِيِّ الْكُوفِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَاصِمٍ، وَقَرَأَ عاصم على ابني عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ السُّلَمِيِّ، وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وعبد الله بن مسعود، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَفَضَائِلِهِ، فَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، كَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ، وَغَيْرِهِ.
 وَمِمَّا
 رُوِيَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، قِيلَ: فَمَا النجاة منها يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ نَبَأُ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ فَصْلٌ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ تَجَبُّرًا قَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَنُورُهُ الْمُبِينُ، وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَالصِّرَاطُ

الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَتَشَعَّبُ مَعَهُ الْآرَاءُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَمَلُّهُ الْأَتْقِيَاءُ، مَنْ عَلِمَ عِلْمَهُ سَبَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عُصِمَ بِهِ فَقَدَ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
 وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«مَنْ أَرَادَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَلْيُثَوِّرِ الْقُرْآنَ»**.
 وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«اتْلُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْجُرُكُمْ بِالْحَرْفِ عَشْرَ حسنات، وأما إِنِّي لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنِ الْأَلِفُ حَرْفٌ وَاللَّامُ حَرْفٌ وَالْمِيمُ حَرْفٌ»**.
 وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ، فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا، وَهُوَ مَرِيضٌ: **«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، إِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَضِلَّ قُلُوبُكُمْ، وَلَنْ تَزِلَّ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تَقْصُرَ أَيْدِيكُمْ، كِتَابُ اللَّهِ سَبَبٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، طَرَفُهُ بِيَدِهِ وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَأَحِلُّوا حَلَالَهُ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، أَلَا وَأَهْلُ بَيْتِي وَعِتْرَتِي، وَهُوَ الثَّقَلُ الْآخَرُ، فَلَا تَسُبُّوهُمْ فَتَهْلِكُوا»**.
 وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَدًا أُوتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوتِيَ، فَقَدِ اسْتَصْغَرَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«مَا مِنْ شَفِيعٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْقُرْآنِ، لَا نَبِيَّ وَلَا مَلِكَ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي بالقرآن»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«أَشْرَفُ أُمَّتِي حَمَلَةُ الْقُرْآنِ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«مَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَرَأَ مِائَتَيْ آيَةٍ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَرَأَ ثَلَاثَمِائَةِ آيَةٍ لَمْ يُحَاجَّهُ الْقُرْآنُ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«الْقُرْآنُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَمَا حَلَّ مُصَدِّقٌ، مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ نَجَا، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ فِي النَّارِ، وَأَحَقُّ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ أَهْلُهُ وَحَمَلَتُهُ، وَأَوْلَى مَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مَنْ عَدَلَ عَنْهُ وَضَيَّعَهُ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«إِنَّ أَصْغَرَ الْبُيُوتِ بَيْتٌ صِفْرٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«إِنَّ الَّذِي يَتَعَاهَدُ الْقُرْآنَ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانِ، والذي يقرأه وَهُوَ خَفِيفٌ عَلَيْهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«أَفْضَلُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»**.
 وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ تَرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ لَمْ تَزَلْ دَارُهُ الْبَارِحَةَ تُزْهِرُ، وَحَوْلَهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: **«فَلَعَلَّهُ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ»**. فَسُئِلَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ.
 وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَنْزِيلِ الْمَلَائِكَةِ فِي الظُّلْمَةِ لِصَوْتِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ،
 وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: **«عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ»**.
 وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم عَنْ أَحْسَنِ النَّاسِ قِرَاءَةً أَوْ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ فَقَالَ: **«الَّذِي إِذَا سَمِعْتَهُ رَأَيْتَهُ يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى»**.
 وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِهِ،
 فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيُّ عِلْمِ

الْقُرْآنِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: **«عَرَبِيَّتُهُ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الشِّعْرِ»**.
 وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ، وَالْتَمِسُوا غَرَائِبَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُعْرَبَ، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْحِكْمَةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ «١»** بِأَنَّهَا تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ».
 وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً»**.
 وَقَالَ الْحَسَنُ: أَهْلَكَتْهُمُ الْعُجْمَةُ، يَقْرَأُ أَحَدُهُمُ الْآيَةَ، فَيَعْيَا بِوُجُوهِهَا حَتَّى يَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يُفَسِّرُ كَالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي يَهُذُّ الشِّعْرَ. وَوَصَفَ عَلِيٌّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، لِكَوْنِهِ يَعْرِفُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ **«٢»**. وَرَحَلَ مَسْرُوقٌ الْبَصْرَةَ فِي تَفْسِيرِ آيَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: الَّذِي يُفَسِّرُهَا رَجَعَ إِلَى الشَّامِ، فَتَجَهَّزَ وَرَحَلَ إِلَيْهِ حَتَّى عَلِمَ تَفْسِيرَهَا.
 وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْلَمُهُمْ بِمَا أَنْزَلَ.
 وَمَا
 رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«مِنْ كَوْنِهِ لَا يُفَسِّرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا آيًا بِعَدَدٍ عَلَّمَهُ إِيَّاهُنَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ»**.
 مَحْمُولٌ ذَلِكَ عَلَى مُغَيِّبَاتِ الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرِهِ لِمُجْمَلِهِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَا
 رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قَوْلِهِ: «مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ، فَقَدْ أَخْطَأَ
 مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَسَوَّرَ عَلَى تَفْسِيرِهِ بِرَأْيِهِ، دُونَ نَظَرٍ فِي أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَقَوَانِينِ الْعُلُومِ، كَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالْأُصُولِ، وَلَيْسَ مَنِ اجْتَهَدَ فَفَسَّرَ عَلَى قَوَانِينِ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ بِدَاخِلٍ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَلَا هُوَ يُفَسَّرُ بِرَأْيِهِ وَلَا يُوصَفُ بِالْخَطَأِ. وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ الْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: عَلِيُّ بن أبي طالب، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. فَهَؤُلَاءِ مَشَاهِيرُ مَنْ أُخِذَ عَنْهُ التَّفْسِيرُ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَا شَيْءٍ مِنَ التَّفْسِيرِ.
 وَمِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي التَّفْسِيرِ مِنَ التَّابِعِينَ: الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَمُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَلْقَمَةُ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَأَبُو صَالِحٍ. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَطْعَنُ عَلَى السُّدِّيِّ وَأَبِي صَالِحٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يَرَاهُمَا مُقَصِّرِينَ فِي النَّظَرِ. ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي التَّفْسِيرِ وَأَلَّفُوا فِيهِ التَّآلِيفَ. وَكَانَتْ تَآلِيفُ الْمُتَقَدِّمِينَ أَكْثَرُهَا، إِنَّمَا هِيَ شَرْحُ لُغَةٍ، وَنَقْلُ سَبَبٍ، وَنَسْخٌ، وَقَصَصٌ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِالْعَرَبِ، وَبِلِسَانِ الْعَرَبِ. فَلَمَّا فَسَدَ اللِّسَانُ، وَكَثُرَتِ الْعَجَمُ، وَدَخَلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَنْوَاعُ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفُو الألسنة، والناقصو

 (١) سورة البقرة: ٢/ ٢٦٩.
 (٢) سورة القصص: ٢٨/ ٨٥.

الْإِدْرَاكِ، احْتَاجَ الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَى إِظْهَارِ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ غَرَائِبِ التَّرْكِيبِ، وَانْتِزَاعِ الْمَعَانِي، وَإِبْرَازِ النُّكَتِ الْبَيَانِيَّةِ، حَتَّى يُدْرِكَ ذَلِكَ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِي طَبْعِهِ، وَيَكْتَسِبَهَا مَنْ لَمْ تَكُنْ نَشْأَتُهُ عَلَيْهَا، وَلَا عُنْصُرُهُ يُحَرِّكُهُ إِلَيْهَا، بِخِلَافِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنَ الْعَرَبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مَرْكُوزًا فِي طِبَاعِهِمْ، يُدْرِكُونَ تِلْكَ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا، مِنْ غَيْرِ مُوَقِّفٍ وَلَا مُعَلِّمٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ لِسَانُهُمْ وَخُطَّتُهُمْ وَبَيَانُهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَفَاوَتُونَ أَيْضًا فِي الْفَصَاحَةِ وَفِي الْبَيَانِ. أَلَا تَرَى إِلَى
 قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ سَمِعَ كَلَامَ عَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ فِي الزِّبْرِقَانِ: **«إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»**.
 وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ إِلَى تَفَاوُتِ الْعَرَبِ فِي الْفَصَاحَةِ.
 وَقَدْ آنَ أَنْ نَشْرَعَ فِيمَا قَصَدْنَا، وَنُنْجِزَ مَا بِهِ وَعَدْنَا، وَنَبْدَأَ بِرَسْمٍ لِعِلْمِ التَّفْسِيرِ، فَإِنِّي لَمْ أَقِفْ لِأَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ عَلَى رَسْمٍ لَهُ، فَنَقُولُ: التَّفْسِيرُ فِي اللُّغَةِ الِاسْتِبَانَةُ وَالْكَشْفُ.
 قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْمَاءِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ الطَّبِيبُ تَفْسِرَةٌ وَكَأَنَّهُ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ، لِأَنَّ مَصْدَرَ فَعَّلَ جَاءَ أَيْضًا عَلَى تَفْعِلَةٍ، نَحْوَ جَرَّبَ تَجْرِبَةً، وَكَرَّمَ تَكْرِمَةً، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ فَعَّلَ التَّفْعِيلَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً **«١»**. وَيَنْطَلِقُ أَيْضًا التَّفْسِيرُ عَلَى التَّعْرِيَةِ لِلِانْطِلَاقِ. قَالَ ثَعْلَبٌ: تَقُولُ فَسَّرْتُ الْفَرَسَ عَرَّيْتُهُ لِيَنْطَلِقَ فِي حَصْرِهِ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَعْنَى الْكَشْفِ، فَكَأَنَّهُ كَشَفَ ظَهْرَهُ لِهَذَا الَّذِي يُرِيدُهُ مِنْهُ مِنَ الْجَرْيِ.
 وَأَمَّا الرَّسْمُ فِي الِاصْطِلَاحِ، فَنَقُولُ: التَّفْسِيرُ عِلْمٌ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، وَمَدْلُولَاتِهَا، وَأَحْكَامِهَا الْإِفْرَادِيَّةِ وَالتَّرْكِيبِيَّةِ، وَمَعَانِيهَا الَّتِي تُحْمَلُ عَلَيْهَا حَالَةُ التَّرْكِيبِ، وَتَتِمَّاتٍ لِذَلِكَ. فَقَوْلُنَا عُلِمٌ هُوَ جِنْسٌ يَشْمَلُ سَائِرَ الْعُلُومِ. وَقَوْلُنَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ هَذَا هُوَ عِلْمُ الْقِرَاءَاتِ. وَقَوْلُنَا وَمَدْلُولَاتِهَا، أَيْ مَدْلُولَاتِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَهَذَا هُوَ عِلْمُ اللُّغَةِ الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْعِلْمِ. وَقَوْلُنَا وَأَحْكَامِهَا الْإِفْرَادِيَّةِ وَالتَّرْكِيبِيَّةِ هَذَا يَشْمَلُ عِلْمَ التَّصْرِيفِ، وَعِلْمَ الْإِعْرَابِ، وَعِلْمَ الْبَيَانِ، وَعِلْمَ الْبَدِيعِ، وَمَعَانِيهَا الَّتِي تُحْمَلُ عَلَيْهَا حَالَةُ التَّرْكِيبِ شَمِلَ بُقُولِهِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَيْهَا مَا لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ بِالْحَقِيقَةِ، وَمَا دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ بِالْمَجَازِ، فَإِنَّ التَّرْكِيبَ قَدْ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ شَيْئًا، وَيَصُدُّ عَنِ الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ صَادٌ، فَيَحْتَاجُ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الْمَجَازُ. وَقَوْلُنَا، وَتَتِمَّاتٍ لِذَلِكَ، هُوَ مَعْرِفَةُ النَّسْخِ، وَسَبَبِ النُّزُولِ، وَقِصَّةٍ تُوَضِّحُ بَعْضَ مَا انْبَهَمَ فِي الْقُرْآنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

 (١) سُورَةُ الفرقان: ٢٥/ ٣٣.

سورة النّاس
 \[سورة الناس (١١٤) : الآيات ١ الى ٦\]

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)
 الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)
 قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلهِ النَّاسِ، مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ.
 تَقَدَّمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ مَعَ مَا قَبْلَهَا. وَالْخِلَافُ أَهِيَ مَدَنِيَّةٌ أَمْ مَكِّيَّةٌ؟ وَأُضِيفَ الرَّبُّ إِلَى النَّاسِ، لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّ الْمُوَسْوِسِ فِي صُدُورِهِمْ، اسْتَعَاذُوا بِرَبِّهِمْ مَالِكِهِمْ وَإِلَهِهِمْ، كَمَا يَسْتَعِيذُ الْعَبْدُ بِمَوْلَاهُ إِذَا دَهَمَهُ أَمْرٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ صِفَتَانِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُمَا عَطْفَا بَيَانٍ، كَقَوْلِكَ: سِيرَةُ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ الْفَارُوقِ بُيِّنَ بِمَلِكِ النَّاسِ، ثُمَّ زِيدَ بَيَانًا بِإِلَهِ النَّاسِ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ لِغَيْرِهِ: رَبُّ النَّاسِ، كَقَوْلِهِ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ **«١»**. وَقَدْ يُقَالُ: مَلِكُ النَّاسِ، وَأَمَّا إِلَهُ النَّاسِ فَخَاصٌّ لَا شَرِكَةَ فِيهِ، فَجُعِلَ غَايَةً لِلْبَيَانِ، انْتَهَى. وَعَطْفُ الْبَيَانِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَكُونُ بِالْجَوَامِدِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُمَا عَطْفَا بَيَانٍ لِوَاحِدٍ، وَلَا أَنْقُلُ عَنِ النُّحَاةِ شَيْئًا فِي عَطْفِ الْبَيَانِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَرَّرَ لِمَعْطُوفٍ عَلَيْهِ وَاحِدٍ أَمْ لَا يَجُوزُ؟.
 وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلَّا اكْتَفَى بِإِظْهَارِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الَّذِي هُوَ النَّاسُ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قُلْتُ: لِأَنَّ عَطْفَ الْبَيَانِ لِلْبَيَانِ، فَكَانَ مَظِنَّةً لِلْإِظْهَارِ دون الإضمار، انتهى.
 (١) سورة التوبة: ٩/ ٣١.

وَالْوَسْوَاسُ، قَالُوا: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الشَّيْطَانِ؟ وَالْوَسْوَاسُ أَيْضًا: مَا يُوَسْوِسُ بِهِ شَهَوَاتُ النَّفْسِ، وَهُوَ الْهَوَى الْمُنْهِيُّ عَنْهُ. وَالْخَنَّاسُ: الرَّاجِعُ عَلَى عَقِبِهِ، الْمُسْتَتِرُ أَحْيَانًا، وَذَلِكَ فِي الشَّيْطَانِ مُتَمَكِّنٌ إِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللَّهَ تَعَالَى تَأَخَّرَ. وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ فَتَخْنِسُ بِالْإِيمَانِ وَبِلُمَّةِ الْمَلِكِ وَبِالْحَيَاءِ، فَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ يَنْدَرِجَانِ فِي الْوَسْوَاسِ، وَيَكُونُ مَعْنَى مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ: مِنَ الشَّيَاطِينِ وَنُفُوسِ النَّاسِ، أَوْ يَكُونُ الْوَسْوَاسُ أُرِيدَ بِهِ الشَّيْطَانُ، وَالْمُغْرِي: الْمُزَيِّنُ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ، فَيَكُونُ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ، تَبْيِينًا لِذَلِكَ الْوَسْوَاسِ. قَالَ تَعَالَى: عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً **«١»**. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينُ، وَمِنَ الْجِنِّ شَيَاطِينَ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِرَجُلٍ: هَلْ تَعَوَّذْتَ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ؟
 وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْوَسْواسِ اسْمٌ بِمَعْنَى الْوَسْوَسَةِ، كَالزِّلْزَالِ بِمَعْنَى الزَّلْزَلَةِ وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَوِسْوَاسٌ بِالْكَسْرِ كَزِلْزَالٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّيْطَانُ، سُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ كَأَنَّهُ وَسُوسَةٌ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهَا صَنْعَتُهُ وَشُغْلُهُ الَّذِي هُوَ عَاكِفٌ عَلَيْهِ أَوْ أُرِيدَ ذُو الْوَسْوَاسِ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا مَعَهُ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ الزَّلْزَالَ بِالْفَتْحِ اسْمٌ وَبِالْكَسْرِ مَصْدَرٌ فِي إِذا زُلْزِلَتِ **«٢»**، وَيَجُوزُ فِي الَّذِي الْجَرُّ عَلَى الصِّفَةِ، وَالرَّفْعُ وَالنَّصْبُ عَلَى الشَّتْمِ، وَمِنْ فِي مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ كَائِنًا مِنِ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ، فَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ ذَلِكَ الْمُوَسْوِسُ هُوَ بَعْضُ الْجِنَّةِ وَبَعْضُ النَّاسِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ من متعلقا بيوسوس، وَمَعْنَاهُ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ، أَيْ يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِهِمْ مِنْ جِهَةِ الْجِنَّةِ وَمِنْ جِهَةِ النَّاسِ، انْتَهَى.
 وَلَمَّا كَانَتْ مَضَرَّةُ الدِّينِ، وَهِيَ آفَةُ الْوَسْوَسَةِ، أَعْظَمَ مِنْ مَضَرَّةِ الدُّنْيَا وَإِنْ عَظُمَتْ، جَاءَ الْبِنَاءُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهَا بِصِفَاتٍ ثَلَاثٍ: الرَّبُّ وَالْمَلِكُ وَالْإِلَهُ، وَإِنِ اتَّحَدَ الْمَطْلُوبُ، وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ ثَلَاثٍ: الْغَاسِقُ وَالنَّفَّاثَاتُ وَالْحَاسِدُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الرَّبُّ، وَإِنْ تَكَثَّرَ الَّذِي يُسْتَعَاذُ مِنْهُ.
 كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا آوَى إِلَى فِرَاشِهِ جَمَعَ كَفَّيْهِ وَنَفَثَ فِيهِمَا وَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِرَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا
 ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَمَجَّدَ وَكَرَّمَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ذَوِي الْكَرَمِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرا.
 تم وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

 (١) سورة الأنعام: ٦/ ١١٢.
 (٢) سورة الزلزلة: ٩٩/ ١.

### الآية 114:4

> ﻿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ [114:4]

والوسواس، قالوا : اسم من أسماء الشيطان ؟ والوسواس أيضاً : ما يوسوس به شهوات النفس، وهو الهوى المنهي عنه. 
والخناس : الراجع على عقبه، المستتر أحياناً، وذلك في الشيطان متمكن إذا ذكر العبد الله تعالى تأخر، وأما الشهوات فتخنس بالإيمان وبلمة الملك وبالحياء فهذان المعنيان يندرجان في الوسواس
وقال الزمخشري : الوسواس  اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة ؛ وأما المصدر فوسواس بالكسر كزلزال، والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه ؛ أو أريد ذو الوسواس. 
وقد تكلمنا معه في دعواه أن الزلزال بالفتح اسم وبالكسر مصدر في  إذا زلزلت  ويجوز في الذي الجر على الصفة، والرفع والنصب على الشتم.

### الآية 114:5

> ﻿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [114:5]

\[الجزء الاول\]

 مقدمة الناشر
 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد النبي الأمي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن سلكوا وساروا على منهاجهم إلى يوم الدين.
 وبعد.. فقد رسمت دار الفكر لها منذ انطلاقتها في عالم الحرف والكتاب معالم منهج علمي في نشر وطبع كتاب التراث الذي تزخر به وبمخطوطاته كبريات المكتبات في العالم وتفخر كل مكتبة بما لديها من هذه المخطوطات التي تكتنز في طياتها تراث أمة وحضارة شعوب ومبادئ نظام متطور أودعت فيه من العقائد والعبادات والأحكام والمعاملات والتشريعات الحقوقية والعلاقات الدولية والنظرة العلمية إلى الكون والحياة والإنسان وبناء المجتمعات البشرية ما أثرى الإنسانية على مر العصور والأيام، وهو الملاذ الأخير لها في نهاية المطاف.
 وكان هدفنا إحياء كتاب التراث وإيصاله إلى كل طالب افتقده وإلى كل دارس وعالم تهفو إليه نفسه لاقتنائه، وذلك بالشكل والمضمون الذي أراده له مؤلفه.
 وكان سبيلنا إلى ذلك المحافظة على نص الكتاب من الأخطاء، بعيدا عن التحريف وسهو النساخ والمصححين وليكون الكتاب خاليا من الأخطاء المطبعية نجتهد في إعمال يراع التصحيح والتنقيح فيه، وبذلك يكون بين أيدينا نصا صحيحا معافى من العيوب كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ نقدمه للطالب للاستفادة منه وللعالم ليعمل فيه فكره شرحا وتعليقا واستنباطا لفوائد ومعاني ربما تكون قد فاتت مؤلفه الأول.
 وهذا هو مفهومنا في التحقيق، هذه الكلمة التي فقدت معناها وأصبحت في كثير من الأحيان رمزا دعائيا يوظفها تاجر الكتاب لترويج كتابه حتى صارت كلمة تحقيق، ومحقق، وطبعة محققة، وحققه وقرأه فلان... ألفاظا خاوية بلا حقيقة.

فإذا صحح أحدهم تجربة مطبعة صار منقحا وإذا نقح كتابا صار محققا وإذا عزا بعض الآيات في النص سمي شارحا وإذا كتب شروح وهوامش عن كتب أخرى جمع الصفات كلها فهو محقق وموثق ومعلق وشارح... إلخ ونسأل الله العفو والعافية.
 بعد هذا، يسرنا أن نقدم للقارىء العزيز كتاب البحر المحيط في التفسير مجردا مصححا ومنقحا مع إدخال الآيات القرآنية من المصحف وعزو الآيات المستدل بها في الشرح كما وضعه مؤلفه ابي حيان رحمه الله. وذلك بعد أن ساءت الطبعات السابقة وبليت حروفها ومسحت سطورها وأصبحت مانعة من الفائدة المرجوة من هذا التفسير النفيس.
 وصاحب البحر المحيط هو: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَيَّان الْأَنْدَلُسِيُّ الْجَيَّانِيُّ الغرناطي، الإمام الكبير في العربية والبلاغة والتفسير.
 ولد سنة ٦٥٤ ستمائة وأربع وخمسون، ونشأ في غرناطة الأندلس، ويحدثنا هو عن نفسه فيقول:... مِنْ لَدُنْ مَيَّزْتُ أَتَّلْمَذُ للعلماء وانحاز للفقهاء وأرغب في مجالستهم، أسلك طريقهم وأتبع فريقهم... وما زال يتنقل بين العلماء ويقتبس من أنوارهم ويقطف من أزهارهم، ويلتقط من نثارهم، يتوسد أبواب العلماء مؤثرا الْعِلْمَ عَلَى الْأَهْلِ وَالْمَالِ والولد، ويرتحل مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حتى القت به بمصر عصا التسيار.
 قرأ كتب النحو واللغة ودواوين مشاهير العرب فأخذ معرفة الأحكام للكلم العربية عن أبي جعفر إبراهيم الثقفي من كتاب سيبويه وغيره.
 وأخذ علم البيان والبديع عن تصانيف كثيرة أجمعها كتاب أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنُ سليمان النقيب، وعن أبي الْحَسَنِ حَازِمُ بْنُ مُحَمَّدِ الْأَنْدَلُسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْقَرْطَاجَنِّيُّ، مُقِيمُ تونس. وأخذ أيضا هذا الفن عن استاذه أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
 وسمع وروى الكتب الأمهات في الحديث والسنن وسمع من علم الكلام مسائل عَلَى الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ الأصفهاني.
 أما القراءات وهو الإمام فيها، فقد تلاها إفرادا وجمعا على مشايخ الأندلس، فقرأ الْقُرْآنَ بِقِرَاءَةِ السَّبْعَةِ بِجَزِيرَةِ الأندلس، وقرأ الثمان بثغر الاسكندرية، وقرأ القرآن ثانية بالقراءات السبعة بمصر، وألف في القراءات كتابة عقد اللآلئ على وزن الشاطبية وقافيتها.
 ومشايخه كثير حتى قال: إن عدة من أخذ عنه أربعمائة وخمسون عالما، ومنهم الوجيه الدهان والقطب القسطلاني وابن الأنماطي، ولازم ابن النحاس.

وأما من أجاز له فكثير جدا، قال الصفدي: لم أره قط إلا يسمع ويشتغل أو يكتب أو ينظر في كتاب ولم أره غير ذلك. وكان كثير النظم، والإمام المطلق في النحو والتصريف وله اليد الطولى في التفسير والحديث وتراجم الناس ومعرفة طبقاتهم خصوصا المغاربة. وله التصانيف التي سارت في الآفاق واشتهرت في حياته، وأخذ الناس عنه طبقة بعد طبقة وصار تلاميذه أئمة وأشياخا في حياته، وهو الذي رغب الناس إلى قراءة كتب مالك وشرح لهم غامضها وألزم نفسه أن لا يقرىء أحدا إلا كتب سيبويه أو في كِتَابُ تَسْهِيلِ الْفَوَائِدِ لِأَبِي مَالِكٍ الْجَيَّانِيِّ الطَّائِيِّ مُقِيمِ دمشق.
 أما مصنفاته فكثيرة في النحو والصرف واللغة والفقه والاعراب والقراءات وتاج مصنفاته البحر المحيط في التفسير.
 يقول رحمه الله: ما زَال يَخْتَلِجُ فِي ذِكْرِي، ويعتلج في فكري أنه إذ أبلغ الْعِقْدُ الَّذِي يَحُلُّ عُرَى الشباب ألوذ بجنان الرَّحْمَنِ وَأَقْتَصِرُ عَلَى النَّظَرِ في تفسير القرآن... وقد سهل له ذلك العمل الجليل بانتصابه مُدَرِّسًا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ فِي قُبَّةِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ المنصور...
 وكان عمره سبع وخمسين في آخر سنة عشر وسبعمائة وعند ما عكف على تصنيف كتابه:
 البحر المحيط الذي نقدم له.
 **منهج التفسير:**
 لقد اختار عالمنا الجليل اسما لتفسيره هو: البحر المحيط، فكان لفظا ومعنى ومضمونا، فالبحر معروف، وهو أيضا الرجل الكريم الجواد، والجواد الواسع الجري، وبحر الأرض أي شقها فكأنما غاص إلى أعمق المعاني في تفسيره، وأما المحيط فهو البحر المحدق، فقد أحاط بالعلوم التي تمكنه من الغوص في بحار حكم كلام الله القرآن الكريم ومن ثمّ ليحيط بكتاب العزيز العليم فهو العروة الوثقى والحبل المتين.
 **قال:**
 فَعَكَفْتُ عَلَى تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَانْتِخَابِ الصَّفْوِ وَاللُّبَابِ، أُجِيلُ الْفِكْر فِيمَا وَضَع الناس في تصانيفهم، وأمعن النَّظَر فِيمَا اقْتَرَحُوهُ مِنْ تَآلِيفِهِمْ، فَأُلَخِّصُ مُطَوَّلَهَا وَأَحُلُّ مُشْكِلَهَا، وَأُقَيِّدُ مُطْلَقَهَا، وَأَفْتَحُ مغلقها، واجمع مبدّدها... وَأُضِيفُ إِلَى ذَلِك مَا استخرجته مِنْ لَطَائِفِ عِلْمِ الْبَيَانِ الْمُطْلِعِ عَلَى إِعْجَازِ الْقُرْآنِ، العروة الوثقى والحبل المتين والصراط المستقيم.
 **وقد حدد لنا منهجه في التفسير، فقال:**

١- أَنِّي أَبْتَدِئُ أَوَّلًا بِالْكَلَامِ عن مفردات الآية التي أفسر لَفْظَةً لَفْظَةً فِيمَا يُحْتَاجُ فيه إلى اللُّغَةِ وَالْأَحْكَامِ النَّحْوِيَّةِ الَّتِي لِتِلْكَ اللَّفْظَةِ قَبْلَ التَّرْكِيبِ... فإذا كَانَ لِلْكَلِمَةِ مَعْنَيَانِ أَوْ معان ذكر ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَوْضِعٍ من تِلْكَ الْكَلِمَةُ، لِيُنْظَرَ مَا يُنَاسِبُ لَهَا مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تقع فيه فتحمل عليه، ويحيل ما يذكره من القواعد النحوية على كتب النحو.
 ٢- ثم يشرع فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ ذَاكِرًا سَبَبَ نُزُولِهَا إِذَا كَانَ لها سبب، ونسخها ومناسباتها وارتباطها بما قبلها.
 ٣- ولا يبخل عليها بما فيها من قراءات فيحشد منها شاذها ومستعملها، ويذكر أَقَاوِيلَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي فهم معانيها.
 ٤- وهو العالم في العربية وخبير الاعراب، فيشرح بيان مَا فِيهَا مِنْ غَوَامِضِ الاعراب، ودقائق الآداب من بديع وبيان، محيلا في أكثر الأحيان عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تُكُلِّمَ فيه عن تِلْكَ اللَّفْظَةِ أَوِ الْجُمْلَةِ أو الآية مبتعدا فِي الْإِعْرَابِ عَنِ الْوُجُوهِ الَّتِي تَنَزَّهَ الْقُرْآنُ عَنْهَا، مبينا أنه يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى أَحْسَنِ إِعْرَابٍ وَأَحْسَنِ تَرْكِيبٍ، فكلام اللَّهِ تَعَالَى أَفْصَحُ الْكَلَامِ.
 ٥- وينقل أَقَاوِيلَ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ في الأحكام الشرعية بما فيه تعلقه باللفظ القرآني، محيلا كل ذلك على الدلائل في كتب الفقه.
 وهكذا لم يترك شاردة ولا واردة إلا بيّنها جلية واضحة ومن الصعب الإحاطة بخصائص هذا التفسير العظيم في هذه السطور المتواضعة غير أننا سنترك للقارىء العزيز أن يكتشف بنفسه خلال دراسته ومطالعته عجائب هذا التفسير وغرائبه ومصنفه العالم البحر أبي حيان رحمه الله.
 عمل دار الفكر
 كان اعتمادنا في إخراج هذه الطبعة للكتاب على النسخة الوحيدة المطبوعة له منذ ما يقارب المائة عام، وقد توخينا في إخراجنا لهذا التفسير البحر بثوبه الجديد، كما قدمنا، أن نضعه امام العالم والدارس والطالب صحيحا سليما سهل التناول، وقد رعينا من أجل ذلك ما يلي:
 ١- إدخال الآيات المفسرة من المصحف دفعا لأي خطأ في التصحيح أو التباس في النسخ، ومن ناحية ثانية يكون أمام القارئ مصحف كامل مع تفسير شامل.
 ٢- راعينا قواعد التبويب وذلك بتحديد الفقرات والمقاطع والبدايات المناسبة لموضوع الآية أو لموضوع مجموعة الآيات المفسرة في السورة الواحدة مع التنسيق الكامل بينها وبين الشرح.

٣- ولكي نبلغ الغاية التي ننشدها التزمنا قواعد التنقيح من وضع فواصل ونقاط وإشارات.. إلخ وذلك بعد قراءة النص بكل تمعن وإتقان.
 ٤- عزونا الآيات القرآنية المستدل بها في الشرح.
 ٥- أثبتنا القرآن في الشرح بالرسم الإملائي في معظم الأحيان وهو جائز لأنه خارج المصحف.
 ٦- أشرنا إلى الأحاديث النبوية التي يستشهد بها الشارح خلال تفسيره وجعلناها بحرف مميز بين هلالين صغيرين.
 ٧- وضعنا فهرس تفصيلي للموضوعات يساعد القارئ على الوصول إلى مبتغاه بيسر وسهولة، كما وضعنا في رأس كل صفحة (ترويسة) عنوان ينبئ القارئ عن الآية التي يتناولها الشارح في تلك الصفحة.
 ٨- صنعنا فهارس شاملة للكتاب تضمنت هذه الفهارس:
 أ- فهرس للآيات القرآنية المستشهد بها.
 ب- فهرس للأحاديث النبوية: القولية والفعلية والتقريرية والأوامر والنواهي النبوية التي استشهد بها الشارح في تفسيره.
 ج- فهرس الأعلام.
 د- فهرس الأماكن والمعالم الجغرافية.
 هـ- فهرس القبائل والشعوب والمذاهب والأديان والفرق.
 وفهرس الشعر والرجز والأمثال التي يذكرها الشارح ليستدل بها في معنى لفظ أو إعراب كلمة...
 وهكذا نكون قد وفينا ما وعدنا القارئ به في مطلع هذه المقدمة وهو تسهيل الفائدة من هذا التفسير القيم بإخراجه الجديد راجين من الله الثواب وحسن الجزاء ومن إخواننا المؤازرة بالإغضاء وحسن الدعاء.
 بيروت يوم الأحد: ٢٧ شعبان ١٤١٢ هـ ١ آذار ١٩٩٢ م.
 وكتبه الراجي عفو ربه صدقي محمد جميل غفر الله له الناشر

\[خطبة الكتاب\]

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَال الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ، الْبَحْرُ الْفَهَّامَةُ، الْمُحَقِّقُ الْمُدَقِّقُ، حُجَّةُ الْبُلَغَاءِ، وَقُدْوَةُ النُّحَاةِ وَالْأُدَبَاءِ، الْأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن يُوسُف بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَيَّان الْأَنْدَلُسِيُّ الْجَيَّانِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمْتَع بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِين آمِين.
 الْحَمْدُ لِلَّهِ، مبدىء صُوَرِ الْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ فِي مَرَايَا الْعُقُولِ، وَمُبْرِزِهَا مِنْ مَحَالِّ الْأَفْكَارِ إِلَى مَحَالِّ الْمَقُولِ، وَحَارِسِهَا بِالْقُوَّتَيْنِ الذَّاكِرَةِ لِلْمَنْقُولِ، وَالْمُفَكِّرَةِ لِلْمَعْقُولِ، وَمُفِيضِ الْخَيْرِ عَلَيْهَا مِنْ نَتِيجَةِ مُقَدِّمَاتِ الْوُجُودِ، السَّائِرِ رُوحُ قُدُسِهِ فِي بُطُونِ التَّهَائِمِ وَظُهُورِ النُّجُودِ، الْمُبَرِّزِ فِي الِاتِّصَالَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ على كل موجود، مُحَمَّدٍ ذِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ، الْمُبْتَعَثِ بِالْحَقِّ الْأَبْهَجِ لِلْأَنَامِ دَاعِيًا، وَبِالطَّرِيقِ الْأَنْهَجِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُنَادِيًا، الصَّادِعِ بِالْحَقِّ، الْهَادِي لِلْخَلْقِ، الْمَخْصُوصِ بِالْقُرْآنِ الْمُبِينِ، وَالْكِتَابِ الْمُسْتَبِينِ، الَّذِي هُو أَعْظَمُ الْمُعْجِزَاتِ، وَأَكْبَرُ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، السَّائِرَةِ فِي الْآفَاقِ، الْبَاقِي بَقَاء الْأَطْوَاقِ فِي الْأَعْنَاقِ، الْجَدِيدُ عَلَى تَقَادُمِ الْأَعْصَارِ، اللَّذِيذُ عَلَى تَوَالِي التَّكْرَارِ، الْبَاسِقُ فِي الْإِعْجَازِ إِلَى الذِّرْوَةِ الْعُلْيَا، الْجَامِعُ لِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، الْجَالِي بِأَنْوَارِهِ ظُلَم الْإِلْحَادِ، الْحَالِي بِجَوَاهِرِ مَعَانِيهِ طَلَى الْأَجْيَادِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ أُنْزِل عَلَيْهِ، وَأَهْدَى أَرَج تَحِيَّةٍ وَأَزْكَاهَا إِلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الْمُخْتَصِّين بِالزُّلْفَى لَدَيْهِ، وَرَضِي اللَّهُ عَنْ صَحْبِهِ الَّذِين نَقَلُوا عَنْهُ كِتَاب اللَّهِ أَدَاءً وَعَرْضًا، وَتَلَقَّوْهُ مِنْ فِيهِ جَنِيًّا وَغَضًّا، وَأَدَّوْهُ إِلَيْنَا صَرِيحًا مَحْضًا.
 وَبَعْدُ، فَإِنّ الْمَعَارِف جَمَّةٌ، وَهِي كُلُّهَا مُهِمَّةٌ، وَأَهَمُّهَا مَا بِهِ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ، وَالسَّعَادَةُ السَّرْمَدِيَّةُ، وَذَلِك عِلْمُ كِتَابِ اللَّهِ هُو الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ، وَغَيْرُهُ مِن الْعُلُومِ لَهُ كَالْأَدَوَاتِ، هُو

الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَالْوَزَرُ الْأَقْوَى الْأَوْقَى، وَالْحَبْلُ الْمَتِينُ، وَالصِّرَاطُ الْمُبِينُ، وَمَا زَال يَخْتَلِجُ فِي ذِكْرِي، وَيَعْتَلِجُ فِي فِكْرِي، أَنِّي إِذَا بَلَغْتُ الْأَمَد الَّذِي يَتَغَضَّدُ فِيهِ الْأَدِيمُ، وَيَتَنَغَّصُ بِرُؤْيَتِي النَّدِيمُ، وَهُو الْعِقْدُ الَّذِي يَحُلُّ عُرَى الشَّبَابِ، الْمَقُولُ فِيهِ إِذَا بَلَغ الرَّجُلُ السِّتِّين، فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوَابّ، أَلُوذُ بِجَنَابِ الرَّحْمَنِ، وَأَقْتَصِرُ عَلَى النَّظَرِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، فَأَتَاح اللَّهُ لِي ذَلِك قَبْل بُلُوغِ ذَلِك الْعِقْدِ، وَبَلَّغَنِي مَا كُنْتُ أَرُومُ مِنْ ذَلِك الْقَصْدِ، وَذَلِك بِانْتِصَابِي مُدَرِّسًا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ فِي قُبَّةِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ الْمَنْصُورِ، قَدَّس اللَّهُ مَرْقَدَهُ، وَبَلّ بِمُزْنِ الرَّحْمَةِ مَعْهَدَهُ، وَذَلِك فِي دَوْلَةِ وَلَدِهِ السُّلْطَانِ الْقَاهِرِ، الْمَلِكِ النَّاصِرِ، الَّذِي رَدّ اللَّهُ بِهِ الْحَقّ إِلَى أَهْلِهِ، وَأَسْبَغ عَلَى الْعَالَمِ وَارِف ظِلِّهِ، وَاسْتَنْقَذ بِهِ الْمُلْك مِنْ غُصَّابِهِ، وَأَقَرَّهُ فِي مُنِيفِ مَحَلِّهِ وَشَرِيفِ نِصَابِهِ، وَكَان ذَلِك فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَهِي أَوَائِلُ سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِين مِنْ عُمُرِي، فَعَكَفْتُ عَلَى تَصْنِيفِ هَذَا الْكِتَابِ، وَانْتِخَابِ الصَّفْوِ وَاللُّبَابِ، أُجِيلُ الْفِكْر فِيمَا وَضَع النَّاسُ فِي تَصَانِيفِهِمْ، وَأُنْعِمُ النَّظَر فِيمَا اقْتَرَحُوهُ مِنْ تَآلِيفِهِمْ، فَأُلَخِّصُ مُطَوَّلَهَا، وَأَحُلُّ مُشْكِلَهَا، وَأُقَيِّدُ مُطْلَقَهَا، وَأَفْتَحُ مُغْلَقَهَا، وَأَجْمَعُ مُبَدَّدَهَا، وَأُخْلِصُ مَنْقَدَهَا، وَأُضِيفُ إِلَى ذَلِك مَا اسْتَخْرَجَتْهُ الْقُوَّةُ الْمُفَكِّرَةُ مِنْ لَطَائِفِ عِلْمِ الْبَيَانِ، الْمُطْلِعِ عَلَى إِعْجَازِ الْقُرْآنِ.
 وَمِنْ دَقَائِقِ عِلْمِ الْإِعْرَابِ، الْمُغْرِبِ فِي الْوُجُودِ أَيّ إِغْرَابٍ، الْمُقْتَنِصِ فِي الْأَعْمَارِ الطَّوِيلَةِ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَبَيَانِ الْأَدَبِ، فَكَمْ حَوَى مِنْ لَطِيفَةٍ فِكْرِي مُسْتَخْرِجُهَا، وَمِنْ غَرِيبَةٍ ذِهْنِي مُنْتِجُهَا، تَحَصَّلَتْ بِالْعُكُوفِ عَلَى عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالنَّظَرِ فِي التَّرَاكِيبِ النَّحْوِيَّةِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي أَسَالِيبِ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، وَالتَّقَلُّبِ فِي أَفَانِينِ الْخُطَبِ وَالشِّعْرِ، لَمْ يَهْتَدِ إِلَى إِثَارَتِهَا ذِهْنٌ، وَلَا صَاب بِرِيقِهَا مُزْنٌ، وَأَنَّى ذَلِك وَهِي أَزَاهِرُ خَمَائِل غُفْلٍ، وَمَنَاظِرُ مَا لِمُسْتَغْلَقِ أَبْوَابِهَا مِنْ قُفْلٍ. فِي إِدْرَاكِ مِثْلِهَا تَتَفَاوَتُ الْأَفْهَامُ، وَتَتَبَارَى الْأَوْهَامُ، وَلَيْس الْعِلْمُ عَلَى زَمَانٍ مَقْصُورًا، وَلَا فِي أَهْلِ زَمَانٍ مَحْصُورًا، بَلْ جَعَلَهُ اللَّهُ حَيْثُ شَاء مِن الْبِلَادِ، وَبَثَّهُ فِي التَّهَائِمِ وَالنِّجَادِ، وَأَبْرَزَهُ أَنْوَارًا تُتَوَسَّمُ، وَأَزْهَارًا تُتَنَسَّمُ، وَمَا زَال بِأُفُقِنَا الْمَغْرِبِيِّ الْأَنْدَلُسِيِّ، عَلَى بُعْدِهِ مِنْ مَهْبِطِ الْوَحْيِ النَّبَوِيِّ، عُلَمَاءُ بِالْعُلُومِ الإسلامية وغيرها. وَفُهَمَاءُ تَلَامِيذُ لَهُمْ دُرَاةٌ نَقَلَةٌ، يُرْوَوْن فَيَرْوُون وَيُسْقَوْن فَيَرْتَوُونَ، وَيُنْشَدُونَ فَيُنْشِدُونَ، وَيُهْدَوْنَ فَيَهْدُونَ، هَذَا وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي مَدَارِكِ الْعُلُومِ، وَتَبَايَنُوا فِي الْمَفْهُومِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ لَهُ مَزِيَّةٌ لَا يُجْهَلُ قَدْرُهَا، وَفَضِيلَةٌ لَا يُسَرُّ بَدْرُهَا.

وَمِمَّا بَرَعُوا فِيهِ عِلْمُ الْكِتَابِ، انْفَرَدُوا بِإِقْرَائِهِ مُذْ أَعْصَارٍ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الْآدَابِ، أَثَارُوا كُنُوزَهُ، وَفَكُّوا رُمُوزَهُ، وَقَرَّبُوا قَاصِيَهُ، وَرَاضُوا عَاصِيَهُ، وَفَتَحُوا مُقْفَلَهُ، وَأَوْضَحُوا مُشْكِلَهُ، وَأَنْهَجُوا شِعَابَهُ، وَذَلَّلُوا صِعَابَهُ، وَأَبْدَوْا مَعَانِيَهُ في صورة التَّمْثِيلِ، وَأَبْدَعُوهُ بِالتَّرْكِيبِ وَالتَّحْلِيلِ. فَالْكِتَابُ هُوَ الْمِرْقَاةُ إِلَى فَهْمِ الْكِتَابِ، إِذْ هُوَ الْمُطْلِعُ عَلَى عِلْمِ الْإِعْرَابِ، وَالْمُبْدِي مِنْ مَعَالِمِهِ مَا دَرَسَ، وَالْمُنْطِقُ مِنْ لِسَانِهِ مَا خَرُسَ، وَالْمُحْيِي مِنْ رُفَاتِهِ مَا رَمَسَ، وَالرَّادُّ مِنْ نَظَائِرِهِ مَا طُمِسَ. فَجَدِيرٌ لِمَنْ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَتَرَقَّتْ إِلَى التَّحْقِيقِ فِيهِ وَالتَّحْرِيرِ، أَنْ يَعْتَكِفَ عَلَى كِتَابِ سِيبَوَيْهِ، فَهُوَ فِي هَذَا الْفَنِّ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَالْمُسْتَنَدُ فِي حَلِّ الْمُشْكِلَاتِ إِلَيْهِ. وَلَمْ أَلْقَ فِي هَذَا الْفَنِّ مَنْ يُقَارِبُ أَهْلَ قُطْرِنَا الْأَنْدَلُسِيِّ فَضْلًا عَنِ المماثلة، ولا من يناضلهم فَيُدَانِي فِي الْمُنَاضَلَةِ، وَمَا زِلْتُ مِنْ لَدُنْ مَيَّزْتُ أَتَّلْمَذُ لِلْعُلَمَاءِ، وَأَنْحَازُ لِلْفُهَمَاءِ، وَأَرْغَبُ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَأُنَافِسُ فِي نَفَائِسِهِمْ، وَأَسْلُكُ طَرِيقَهُمْ، وَأَتْبَعُ فَرِيقَهُمْ، فَلَا أَنْتَقِلُ إِلَّا مِنْ إِمَامٍ إِلَى إِمَامٍ، وَلَا أَتَوَقَّلُ إِلَّا ذِرْوَةَ عَلَّامٍ. فَكَمْ صَدْرٍ أَوْدَعْتُ عِلْمَهُ صَدْرِي، وَحَبْرٍ أَفْنَيْتُ فِي فَوَائِدِهِ حِبْرِي، وَإِمَامٍ أَكْثَرْتُ بِهِ الْإِلْمَامَ، وَعَلَّامٍ أَطَلْتُ مَعَهُ الِاسْتِعْلَامَ، أُشَنِّفُ الْمَسَامِعَ بِمَا تَحْسُدُ عَلَيْهِ الْعُيُونُ، وَأُذَيِّلُ فِي تَطْلَابِ ذَلِكَ الْمَالِ الْمَصُونِ، وَأَرْتَعُ فِي رِيَاضٍ وَارِفَةِ الظِّلَالِ، وَأَكْرَعُ فِي حِيَاضٍ صَافِيَةِ السَّلْسَالِ، وَأَقْتَبِسُ بِهَا مِنْ أَنْوَارِهِمْ، وَأَقْتَطِفُ مِنْ أَزْهَارِهِمْ، وَأَبْتَلِجُ مِنْ صَفَحَاتِهِمْ، وَأَتَأَرَّجُ مِنْ نَفَحَاتِهِمْ، وَأَلْقُطُ مِنْ نُثَارِهِمْ، وَأَضْبُطُ مِنْ فُضَالَةِ إِيثَارِهِمْ، وَأُقَيِّدُ مِنْ شَوَارِدِهِمْ، وَأَنْتَقِي مِنْ فَرَائِدِهِمْ. فَجَعَلْتُ الْعِلْمَ بِالنَّهَارِ سَحِيرِي، وَبِاللَّيْلِ سَمِيرِي، زَمَانَ غَيْرِي يَقْصُرُ سَارِيَهُ عَلَى الصِّبَا، وَيَهُبُّ لِلَّهْوِ وَلَا كَهُبُوبِ الصَّبَا، وَيَرْفُلُ فِي مَطَارِفِ اللَّهْوِ، وَيَتَقَمَّصُ أَرْدِيَةَ الزَّهْوِ، وَيُؤْثِرُ مَسَرَّاتِ الْأَشْبَاحِ، عَلَى لَذَّاتِ الْأَرْوَاحِ، وَيَقْطَعُ نَفَائِسَ الْأَوْقَاتِ، فِي خَسَائِسِ الشَّهَوَاتِ، مِنْ مَطْعَمٍ شَهِيٍّ، وَمَشْرَبٍ رَوِيٍّ، وَمَلْبَسٍ بَهِيٍّ، وَمَرْكَبٍ خَطِيٍّ، وَمَفْرَشٍ وَطِيٍّ، وَمَنْصِبٍ سَنِيٍّ، وَأَنَا أَتَوَسَّدُ أَبْوَابَ الْعُلَمَاءِ، وَأَتَقَصَّدُ أَمَاثِلَ الْفُهَمَاءِ، وأسهر فِي حَنَادِسِ الظَّلَامِ، وَأَصْبِرُ عَلَى شَظَفِ الْأَيَّامِ، وَأُوثِرُ الْعِلْمَ عَلَى الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَأَرْتَحِلُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، حَتَّى أَلْقَيْتُ بِمِصْرَ عَصَا التَّسْيَارِ، وَقُلْتُ مَا بَعْدَ عَبَّادَانَ مِنْ دَارٍ، هَذِهِ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا، وَبِهَا طَوَالِعُ شُمُوسِهَا وَغَوَارِبُهَا، بَيْضَةُ الْإِسْلَامِ، وَمُسْتَقَرُّ الْأَعْلَامِ، فَأَقَمْتُ بِهَا لِمَعْرِفَةٍ أُبْدِيهَا، وَعَارِفَةِ عِلْمٍ أُسْدِيهَا، وَثَأْيٍ أَرَأَبُهُ، وَفَاضِلٍ أَصْحَبُهُ، وَبِهَا صَنَّفْتُ تَصَانِيفِي، وَأَلَّفْتُ تَآلِيفِي، وَمِنْ بَرَكَاتِهَا عَلَيَّ تَصْنِيفِي لِهَذَا الْكِتَابِ، الْمُقَرِّبِ مِنْ رَبِّ الْأَرْبَابِ، الْمَرْجُوِّ أَنْ يَكُونَ نُورًا يَسْعَى بَيْنَ يَدَيَّ، وَسِتْرًا مِنَ النار يضفو عليّ. فما لْمَخْلُوقٍ بِتَأْلِيفِهِ قَصَدْتُ، وَلَا غَيْرَ وَجْهِ اللَّهِ بِهِ

أَرَدْتُ. جَعَلْتُ كِتَابَ اللَّهِ وَالتَّدْبِيرَ لِمَعَانِيهِ أَنِيسِي، إِذْ هُوَ أَفْضَلُ مُؤَانِسٍ، وَسَمِيرِي إِذَا أَخْلُو لِكُتُبٍ ظُلَمِ الْحَنَادِسِ:

نِعْمَ السَّمِيرُ كِتَابُ اللَّهِ إِنَّ لَهُ  حَلَاوَةً هِيَ أَحْلَى مِنْ جَنَى الضَّرَبِبِهِ فُنُونُ الْمَعَانِي قَدْ جُمِعْنَ فَمَا  يُفْتَنُ مِنْ عَجَبٍ إِلَّا إِلَى عَجَبِأَمْرٌ وَنَهْيٌ وَأَمْثَالٌ وَمَوْعِظَةٌ  وَحِكْمَةٌ أُودِعَتْ فِي أَفْصَحِ الْكُتُبِلَطَائِفٌ يَجْتَلِيهَا كُلُّ ذِي بَصَرٍ  وَرَوْضَةٌ يَجْتَنِيهَا كُلُّ ذِي أَدَبِ وَتَرْتِيبِي فِي هَذَا الْكِتَابِ، أني أبتدىء أَوَّلًا بِالْكَلَامِ عَلَى مُفْرَدَاتِ الْآيَةِ الَّتِي أُفَسِّرُهَا، لَفْظَةً لَفْظَةً، فِيمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ اللُّغَةِ وَالْأَحْكَامِ النَّحْوِيَّةِ الَّتِي لِتِلْكَ اللَّفْظَةِ قَبْلَ التَّرْكِيبِ.
 وَإِذَا كَانَ لِلْكَلِمَةِ مَعْنَيَانِ أَوْ مَعَانٍ، ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَوْضِعٍ فِيهِ تِلْكَ الْكَلِمَةُ، لِيُنْظَرَ مَا يُنَاسِبُ لَهَا مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَقَعُ فِيهِ، فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَشْرَعُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، ذَاكِرًا سَبَبَ نُزُولِهَا، إِذَا كَانَ لَهَا سبب، ونسخها وَمُنَاسَبَتَهَا وَارْتِبَاطَهَا بِمَا قَبْلَهَا، حَاشِدًا فِيهَا الْقِرَاءَاتِ، شَاذَّهَا وَمُسْتَعْمَلَهَا، ذَاكِرًا تَوْجِيهَ ذَلِكَ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، نَاقِلًا أَقَاوِيلَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي فَهْمِ مَعَانِيهَا، مُتَكَلِّمًا عَلَى جَلِيِّهَا وَخَفِيِّهَا، بِحَيْثُ إِنِّي لَا أُغَادِرُ مِنْهَا كَلِمَةً، وَإِنِ اشْتُهِرَتْ، حَتَّى أَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا، مُبْدِيًا مَا فِيهَا مِنْ غَوَامِضِ الْإِعْرَابِ وَدَقَائِقِ الآداب مِنْ بَدِيعٍ وَبَيَانٍ، مُجْتَهِدًا أَنِّي لَا أُكَرِّرُ الْكَلَامَ فِي لَفْظٍ سَبَقَ، وَلَا فِي جُمْلَةٍ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، وَلَا فِي آيَةٍ فُسِّرَتْ، بَلْ أَذْكُرُ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا الْحِوَالَةَ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تُكُلِّمَ فِيهِ عَلَى تِلْكَ اللَّفْظَةِ أَوِ الْجُمْلَةِ أَوِ الْآيَةِ، وَإِنْ عَرَضَ تَكْرِيرٌ فَبِمَزِيدِ فَائِدَةٍ، نَاقِلًا أَقَاوِيلَ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَغَيْرِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِمَّا فِيهِ تَعَلُّقٌ بِاللَّفْظِ الْقُرْآنِيِّ، مُحِيلًا عَلَى الدَّلَائِلِ الَّتِي فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَكَذَلِكَ مَا نَذْكُرُهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ أُحِيلُ فِي تَقَرُّرِهَا وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهَا عَلَى كُتُبِ النَّحْوِ، وَرُبَّمَا أَذْكُرُ الدَّلِيلَ إِذَا كَانَ الْحُكْمُ غَرِيبًا، أَوْ خِلَافَ مَشْهُورِ مَا قَالَ مُعْظَمُ النَّاسِ، بَادِئًا بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ من حجا لَهُ لِذَلِكَ مَا لَمْ يَصُدَّ عَنِ الظَّاهِرِ مَا يَجِبُ إِخْرَاجُهُ بِهِ عَنْهُ، مُنْكَبًّا فِي الْإِعْرَابِ عَنِ الْوُجُوهِ الَّتِي تَنَزَّهَ الْقُرْآنُ عَنْهَا، مُبَيِّنًا أَنَّهَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُعْدَلَ عَنْهُ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَحْسَنِ إِعْرَابٍ وَأَحْسَنِ تَرْكِيبٍ، إِذْ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى أَفْصَحُ الْكَلَامِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ جَمِيعُ مَا يُجَوِّزُهُ النُّحَاةُ فِي شِعْرِ الشَّمَّاخِ وَالطِّرِمَّاحِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ سُلُوكِ التَّقَادِيرِ الْبَعِيدَةِ وَالتَّرَاكِيبِ الْقَلِقَةِ وَالْمَجَازَاتِ الْمُعَقَّدَةِ.
 ثُمَّ أَخْتَتِمُ الْكَلَامَ فِي جُمْلَةٍ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي فَسَّرْتُهَا إِفْرَادًا وَتَرْكِيبًا بِمَا ذَكَرُوا فِيهَا مِنْ

عِلْمِ الْبَيَانِ وَالْبَدِيعِ، مُلَخِّصًا، ثُمَّ أُتْبِعُ آخِرَ الْآيَاتِ بِكَلَامٍ مَنْثُورٍ أَشْرَحُ بِهِ مَضْمُونَ تِلْكَ الْآيَاتِ عَلَى مَا أَخْتَارُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي، مُلَخِّصًا جُمَلَهَا فِي أَحْسَنِ تَلْخِيصٍ، وَقَدْ يَنْجَرُّ مَعَهَا ذِكْرُ مُعَانٍ لَمْ تَتَقَدَّمْ فِي التَّفْسِيرِ، وَصَارَ ذَلِكَ أَنَمُوذَجًا لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْلُكَ ذَلِكَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ سَائِرِ الْقُرْآنِ. وَسَتَقِفُ عَلَى هَذَا الْمَنْهَجِ الَّذِي سَلَكْتُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَرُبَّمَا أَلْمَمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الصُّوفِيَّةِ مِمَّا فِيهِ بَعْضُ مُنَاسَبَةٍ لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَتَجَنَّبْتُ كَثِيرًا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ وَمَعَانِيهِمُ الَّتِي يُحَمِّلُونَهَا الْأَلْفَاظَ، وَتَرَكْتُ أَقْوَالَ الْمُلْحِدِينَ الْبَاطِنِيَّةِ الْمُخْرِجِينَ الْأَلْفَاظَ الْقَرِيبَةَ عَنْ مَدْلُولَاتِهَا فِي اللُّغَةِ إِلَى هَذَيَانٍ افْتَرَوْهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ، وَيُسَمُّونَهُ عِلْمَ التَّأْوِيلِ. وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى تفسير لبعض رؤوسهم، وَهُوَ تَفْسِيرٌ عَجِيبٌ يَذْكُرُ فِيهِ أَقَاوِيلَ السَّلَفِ مُزْدَرِيًا عَلَيْهِمْ وَذَاكِرًا أَنَّهُ مَا جَهِلَ مَقَالَاتِهِمْ، ثُمَّ يُفَسِّرُ هُوَ الْآيَةَ عَلَى شَيْءٍ لَا يَكَادُ يَخْطُرُ فِي ذِهْنِ عَاقِلٍ، وَيَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا، وَقَدْ رَدَّ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ أَقَاوِيلَهُمْ وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ.
 نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ فِي عُقُولِنَا وَأَدْيَانِنَا وَأَبْدَانِنَا، وَكَثِيرًا مَا يَشْحَنُ الْمُفَسِّرُونَ تَفَاسِيرَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْإِعْرَابِ، بِعِلَلِ النَّحْوِ وَدَلَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَدَلَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ، وَكُلُّ هَذَا مُقَرَّرٌ فِي تَآلِيفِ هَذِهِ العلوم، وإنما يؤخذ ذلك مُسَلَّمًا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ دُونَ اسْتِدْلَالٍ عَلَيْهِ.
 وَكَذَلِكَ أَيْضًا ذَكَرُوا مَا لَا يَصِحُّ مِنْ أَسْبَابِ نُزُولٍ وَأَحَادِيثَ فِي الْفَضَائِلِ وَحِكَايَاتٍ لَا تُنَاسِبُ وَتَوَارِيخَ إِسْرَائِيلِيَّةٍ، وَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُ هَذَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ. وَمَنْ أَحَاطَ بِمَعْرِفَةِ مَدْلُولِ الْكَلِمَةِ وَأَحْكَامِهَا قَبْلَ التَّرْكِيبِ، وَعَلِمَ كَيْفِيَّةَ تَرْكِيبِهَا فِي تِلْكَ اللُّغَةِ، وَارْتَقَى إِلَى تَمْيِيزِ حُسْنِ تَرْكِيبِهَا وَقُبْحِهِ، فَلَنْ يَحْتَاجَ فِي فَهْمِ مَا تَرَكَّبَ مِنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ إِلَى مُفَهِّمٍ وَلَا مُعَلِّمٍ، وَإِنَّمَا تَفَاوُتُ النَّاسِ فِي إِدْرَاكِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَفْهَامُهُمْ وَتَبَايَنَتْ أقوالهم.
 وقد جرينا الْكَلَامَ يَوْمًا مَعَ بَعْضٍ مَنْ عَاصَرْنَا، فَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ مُضْطَرٌّ إِلَى النَّقْلِ فِي فَهْمِ مَعَانِي تَرَاكِيبِهِ بِالْإِسْنَادِ إِلَى مُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَضْرَابِهِمْ، وَأَنَّ فَهْمَ الْآيَاتِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ذَلِكَ. وَالْعَجَبُ لَهُ أَنَّهُ يَرَى أَقْوَالَ هَؤُلَاءِ كَثِيرَةَ الِاخْتِلَافِ، مُتَبَايِنَةَ الْأَوْصَافِ، مُتَعَارِضَةً، يَنْقُضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَنَظِيرُ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْمُعَاصِرُ أَنَّهُ لَوْ تَعَلَّمَ أَحَدُنَا مَثَلًا لُغَةَ التُّرْكِ إِفْرَادًا وَتَرْكِيبًا حَتَّى صَارَ يَتَكَلَّمُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا نَثْرًا وَنَظْمًا، وَيَعْرِضُ مَا تَعَلَّمَهُ عَلَى كَلَامِهِمْ فَيَجِدُهُ مُطَابِقًا لِلُغَتِهِمْ قَدْ شَارَكَ فِيهَا فُصَحَاءَهُمْ، ثُمَّ جَاءَهُ كِتَابٌ بِلِسَانِ التُّرْكِ فَيُحْجِمُ عَنْ تَدَبُّرِهِ وَعَنْ فَهْمِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْمَعَانِي حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ ذلك سنقرا التركي

أو سنجرا، تَرَى مِثْلَ هَذَا يُعَدُّ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَكَانَ هَذَا الْمُعَاصِرُ يَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ نَقَلَ فِيهَا التَّفْسِيرَ خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ بِالسَّنَدِ إِلَى أَنْ وَصَلَ ذَلِكَ إِلَى الصَّحَابَةِ، وَمِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَفْسِيرِهَا هَذَا، وَهُمُ الْعَرَبُ الْفُصَحَاءُ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ.
 وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَقَدْ سُئِلَ: هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا عِنْدَنَا غَيْرُ مَا فِي هَذِهِ الصحيفة أو فهما يُؤْتَاهُ الرَّجُلُ فِي كِتَابِهِ.
 وَقَوْلُ هَذَا الْمُعَاصِرِ يُخَالِفُ قَوْلَ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَعَلَى قَوْلِ هَذَا الْمُعَاصِرِ يَكُونُ مَا اسْتَخْرَجَهُ النَّاسُ بَعْدَ التَّابِعِينَ مِنْ عُلُومِ التَّفْسِيرِ وَمَعَانِيهِ وَدَقَائِقِهِ، وَإِظْهَارِ مَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ وَالْإِعْجَازِ لَا يَكُونُ تَفْسِيرًا حَتَّى يُنْقَلَ بِالسَّنَدِ إِلَى مُجَاهِدٍ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ.
 وَإِذْ قَدْ جُرَّ الْكَلَامُ إِلَى هَذَا، فَلْنَذْكُرْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِلْمُ التَّفْسِيرِ مِنَ الْعُلُومِ عَلَى الِاخْتِصَارِ، وَنُنَبِّهُ عَلَى أَحْسَنِ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي فِي تِلْكَ الْعُلُومِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا فِيهِ فَنَقُولُ:
 النَّظَرُ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ:
 الْوَجْهُ الْأَوَّلُ- عِلْمُ اللُّغَةِ اسْمًا وَفِعْلًا وحرفا: الحروف لِقِلَّتِهَا تَكَلَّمَ عَلَى مَعَانِيهَا النُّحَاةُ، فَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ وَالْأَفْعَالُ فَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ، وَأَكْثَرُ الْمَوْضُوعَاتِ فِي عِلْمِ اللُّغَةِ كِتَابُ ابْنِ سِيدَهْ، فَإِنَّ الْحَافِظَ أَبَا مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ فِي مِائَةِ سِفْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِالْفَلَكِ وَخَتَمَ بِالذَّرَّةِ. وَمِنَ الْكُتُبِ الْمُطَوَّلَةِ فِيهِ: كِتَابُ الْأَزْهَرِيِّ، وَالْمُوعَبُ لِابْنِ التَّيَّانِيِّ، وَالْمُحْكَمُ لِابْنِ سِيدَهْ، وَكِتَابُ الْجَامِعِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ التَّمِيمِيِّ الْقَيْرَوَانِيِّ، عُرِفَ بِالْقَزَّازِ، وَالصِّحَاحُ لِلْجَوْهَرِيِّ، وَالْبَارِعُ لِأَبِي عَلِيٍّ التالي، وَمَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ لِلصَّاغَانِيِّ. وَقَدْ حَفِظْتُ فِي صِغَرِي فِي عِلْمِ اللُّغَةِ كِتَابَ الْفَصِيحِ لِأَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الشَّيْبَانِيِّ، وَاللُّغَاتِ الْمُحْتَوِي عَلَيْهَا دَوَاوِينُ مَشَاهِيرِ الْعَرَبِ السِّتَّةِ: امْرِئِ الْقَيْسِ، وَالنَّابِغَةِ، وَعَلْقَمَةَ، وَزُهَيْرٍ، وَطَرَفَةَ، وَعَنْتَرَةَ، وَدِيوَانُ الْأَفْوَهِ الْأَوْدِيِّ لِحِفْظِي عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ لِهَذِهِ الدَّوَاوِينِ. وَحَفِظْتُ كَثِيرًا مِنَ اللُّغَاتِ الْمُحْتَوِي عَلَيْهَا نَحْوُ الثُّلُثِ مِنْ كِتَابِ الْحَمَاسَةِ وَاللُّغَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا قَصَائِدُ مُخْتَارَةٌ مِنْ شِعْرِ حَبِيبِ بْنِ أَوْسٍ لِحِفْظِي ذَلِكَ. وَمِنَ الْمَوْضُوعَاتِ فِي الْأَفْعَالِ: كِتَابُ ابْنِ الْقُوطِيَّةِ، وَكِتَابُ ابن طريف، وكتاب السرقنطي الْمَنْبُوزِ **«١»** بِالْحِمَارِ. وَمِنْ أَجْمَعِهَا: كِتَابُ ابْنِ الْقَطَّاعِ.
 الْوَجْهُ الثَّانِي- مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الَّتِي لِلْكَلِمِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ جِهَةِ إِفْرَادِهَا وَمِنْ جِهَةِ تَرْكِيبِهَا:
 وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ النَّحْوِ، وَأَحْسَنُ مَوْضُوعٍ فِيهِ وَأَجَلُّهُ كِتَابُ أَبِي بِشْرٍ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ

 (١) المنبوز: المسمّى على وجه السخرية. وفي التنزيل العزيز: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ.

قَنْبَرٍ سِيبَوَيْهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَحْسَنُ مَا وَضَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْمُخْتَصَرَاتِ وَأَجْمَعُهُ لِلْأَحْكَامِ كِتَابُ تَسْهِيلِ الْفَوَائِدِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْجَيَّانِيِّ الطَّائِيِّ، مُقِيمِ دِمَشْقَ.
 وَأَحْسَنُ مَا وُضِعَ فِي التَّصْرِيفِ كِتَابُ الممنع لِأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُؤْمِنِ بْنِ عُصْفُورٍ الْحَضْرَمِيِّ الشُّبَيْلِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ أَخَذْتُ هَذَا الْفَنَّ عَنْ أُسْتَاذِنَا الْأَوْحَدِ الْعَلَّامَةِ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بن الزبير الثقفي فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرِهِ.
 الْوَجْهُ الثَّالِثُ- كَونِ اللَّفْظِ أَوِ التَّرْكِيبِ أَحْسَنَ وَأَفْصَحَ: وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ وَالْبَدِيعِ. وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ تَصَانِيفَ كَثِيرَةً، وَأَجْمَعُهَا مَا جَمَعَهُ شَيْخُنَا الْأَدِيبُ الصَّالِحُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن سُلَيْمَانَ النَّقِيبُ، وَذَلِكَ فِي مُجَلَّدَيْنِ قَدَّمَهُمَا أَمَامَ كِتَابِهِ فِي التَّفْسِيرِ، وَمَا وَضَعَهُ شَيْخُنَا الْأَدِيبُ الْحَافِظُ الْمُتَبَحِّرُ أَبُو الْحَسَنِ حَازِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ الْأَنْدَلُسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْقَرْطَاجَنِّيُّ، مُقِيمُ تُونِسَ، الْمُسَمَّى مِنْهَاجُ الْبُلَغَاءِ وَسِرَاجُ الْأُدَبَاءِ. وَقَدْ أَخَذْتُ جُمْلَةً مِنْ هَذَا الْفَنِّ عَنْ أُسْتَاذِنَا أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
 الْوَجْهُ الرَّابِعُ- تَعْيِينُ مُبْهَمٍ، وَتَبْيِينُ مُجْمَلٍ، وَسَبَبُ نُزُولٍ وَنَسْخٍ: وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنَ النَّقْلِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْكُتُبُ وَالْأُمَّهَاتُ الَّتِي سَمِعْنَاهَا وَرَوَيْنَاهَا ذَلِكَ، كَالصَّحِيحَيْنِ، وَالْجَامِعِ لِلتِّرْمِذِيِّ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ، وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ، وَسُنَنِ الشَّافِعِيِّ، وَمَسْنَدِ الدَّارِمِيِّ، وَمُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ، وَمُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ، وَسُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ، وَالْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ لَهُ، وَمُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
 الْوَجْهُ الْخَامِسُ- مَعْرِفَةُ الْإِجْمَالِ، وَالتَّبْيِينِ، وَالْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ، وَالْإِطْلَاقِ، وَالتَّقْيِيدِ، وَدَلَالَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا: وَيَخْتَصُّ أَكْثَرُ هَذَا الْوَجْهِ بِجُزْءِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيُؤْخَذُ هُنَا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَمُعْظَمِهِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ لِعِلْمِ اللُّغَةِ، إِذْ هُوَ شَيْءٌ يُتَكَلَّمُ فِيهِ عَلَى أَوْضَاعِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ اللُّغَوِيِّينَ أَوِ النَّحْوِيِّينَ وَمَزَجُوهُ بِأَشْيَاءَ مِنْ حُجَجِ الْعُقُولِ. وَمِنْ أَجْمَعَ مَا فِي هَذَا الْفَنِّ في كِتَابُ الْمَحْصُولِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عمر الرَّازِيِّ. وَقَدْ بَحَثْتُ فِي هَذَا الْفَنِّ فِي كِتَابِ الْإِشَارَةِ لِأَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ عَلَى الشَّيْخِ الْأُصُولِيِّ الْأَدِيبِ أَبِي الْحَسَنِ فَضْلِ بْنِ إبراهيم العافري، الْإِمَامِ بِجَامِعِ غَرْنَاطَةَ، وَالْخَطِيبِ بِهِ، وَعَلَى الْأُسْتَاذِ الْعَلَّامَةِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي كِتَابِ الْإِشَارَةِ، وَفِي شَرْحِهَا لَهُ، وَذَلِك بِالْأَنْدَلُسِ. وَبَحَثْتُ أَيْضًا فِي هَذَا الْفَنِّ عَلَى الشَّيْخِ عَلَمِ الدِّينِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ علي بن عمر الأنصاري، المعروف بابن بنت العراقي، فِي مُخْتَصَرِهِ الَّذِي اخْتَصَرَهُ مِنْ كِتَابِ الْمَحْصُولِ،

وَعَلَى الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ عَلِيُّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَطَّابٍ الْبَاجِيِّ، فِي مُخْتَصَرِهِ الَّذِي اخْتَصَرَهُ مِنْ كِتَابِ الْمَحْصُولِ، وَعَلَى الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ الْأَصْبَهَانِيِّ، صَاحِبِ شَرْحِ الْمَحْصُولِ، بَحَثْتُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْقَوَاعِدِ، مِنْ تَأْلِيفِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
 الْوَجْهُ السَّادِسُ- الْكَلَامُ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا يَجِبُ لَهُ، وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرُ فِي النُّبُوَّةِ: وَيَخْتَصُّ هَذَا الْوَجْهُ بِالْآيَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ النَّظَرَ فِي الْبَارِي تَعَالَى، وَفِي الْأَنْبِيَاءِ، وَإِعْجَازِ الْقُرْآنِ، وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ. وَقَدْ صَنَّفَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ مِنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ فِي هَذَا كُتُبًا كَثِيرَةً، وَهُوَ عِلْمٌ صَعْبٌ، إِذِ الْمَزَلَّةُ فِيهِ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، مُفْضٍ إِلَى الْخُسْرَانِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ سَمِعْتُ مِنْهُ مَسَائِلَ تُبْحَثُ عَلَى الشَّيْخِ شَمْسِ الدِّينِ الْأَصْفَهَانِيِّ وَغَيْرِهِ.
 الْوَجْهُ السَّابِعُ- اخْتِلَافُ الْأَلْفَاظِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ تَغْيِيرِ حَرَكَةٍ، أَوْ إِتْيَانٍ بِلَفْظٍ بَدَلَ لَفْظٍ، وَذَلِكَ بِتَوَاتُرٍ وَآحَادٍ: وَيُؤْخَذُ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ عِلْمِ الْقِرَاءَاتِ. وَقَدْ صَنَّفَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ كُتُبًا لَا تَكَادُ تُحْصَى، وَأَحْسَنُ الْمَوْضُوعَاتِ فِي الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ كِتَابُ الْإِقْنَاعِ لِأَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْبَاذِشِ، وَفِي الْقِرَاءَاتِ الْعَشْرَةِ كِتَابُ الْمِصْبَاحِ لِأَبِي الْكَرَمِ الشَّهْرَزُورِيِّ. وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ بِقِرَاءَةِ السَّبْعَةِ، بِجَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ، عَلَى الْخَطِيبِ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الرُّعَيْنِيِّ، عُرِفَ بِابْنِ الطَّبَّاعِ، بِغَرْنَاطَةَ، وَعَلَى الْخَطِيبِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْحَقِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ الْوَادِي تِشِبْتِي، بِمِطِحْشَارِشَ، مِنْ حَضْرَةِ غَرْنَاطَةَ، وَعَلَى غَيْرِهِمَا بِالْأَنْدَلُسِ. وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ بِالْقِرَاءَاتِ الثَّمَانِ، بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، عَلَى الشَّيْخِ الصَّالِحِ رَشِيدِ الدِّينِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ النَّصِيرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى الْهَمْدَانِيِّ، عُرِفَ بِابْنِ الْمَرْبُوطِيِّ.
 وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ بِالْقِرَاءَاتِ السَّبْعَةِ، بِمِصْرَ، حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى، عَلَى الشَّيْخِ الْمُسْنِدِ الْعَدْلِ فَخْرِ الدِّينِ أَبِي الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَلِيجِيِّ، وَأَنْشَأْتُ فِي هَذَا العلم كتاب عقد اللآلي، قَصِيدًا فِي عَرُوضِ قَصِيدِ الشَّاطِبِيِّ، وَرَوِيِّهِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَلْفِ بَيْتٍ وَأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ بَيْتًا، صَرَّحْتُ فِيهَا بِأَسَامِي الْقُرَّاءِ مِنْ غَيْرِ رَمْزٍ وَلَا لُغْزٍ وَلَا حُوشِيِّ لُغَةٍ، وَأَنْشَأْتُهُ مِنْ كُتُبٍ تِسْعَةٍ، كَمَا قُلْتُ:

تَنَظَّمَ هَذَا الْعِقْدُ مِنْ دُرِّ تِسْعَةٍ  مِنَ الْكُتْبِ فَالتَّيْسِيرُ عُنْوَانُهُ انْجَلَابِكَافٍ لِتَجْرِيدٍ وَهَادٍ لِتَبْصِرَهْ  وَإِقْنَاعِ تَلْخِيصَيْنِ أَضْحَى مُكَمَّلَاجَنَيْتُ لَهُ إِنْسِيَّ لَفْظِ لَطِيفَهُ  وَجَانَبْتُ وَحْشِيًّا كَثِيفًا مُعَقَّلَا

فَهَذِهِ سَبْعَةُ وُجُوهٍ، لَا ينبغي أن يُقْدِمُ عَلَى تَفْسِيرِ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ أَحَاطَ بِجُمْلَةِ غَالِبِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَرْتَقِي مِنْ عِلْمِ التَّفْسِيرِ ذِرْوَتَهُ، وَلَا يَمْتَطِي مِنْهُ صَهْوَتَهُ، إِلَّا مَنْ كَانَ مُتَبَحِّرًا فِي عِلْمِ اللِّسَانِ، مُتَرَقِّيًا مِنْهُ إِلَى رُتْبَةِ الْإِحْسَانِ، قَدْ جُبِلَ طَبْعُهُ عَلَى إِنْشَاءِ النَّثْرِ وَالنَّظْمِ دُونَ اكْتِسَابٍ، وَإِبْدَاءِ مَا اخْتَرَعَتْهُ فِكْرَتُهُ السَّلِيمَةُ فِي أَبْدَعِ صُورَةٍ وَأَجْمَلِ جِلْبَابٍ، وَاسْتَفْرَغَ فِي ذَلِكَ زَمَانَهُ النَّفِيسَ، وَهَجَرَ الْأَهْلَ وَالْوَلَدَ وَالْأَنِيسَ، ذَلِكَ الَّذِي لَهُ فِي رِيَاضِهِ أَصْفَى مَرْتَعٍ، وَفِي حِيَاضِهِ أَصْفَى مَكْرَعٍ، يَتَنَسَّمُ عُرْفَ أَزَاهِرَ طال ما حجبتها الكمام، ويترشف كؤوس رَحِيقٍ لَهُ الْمِسْكُ خِتَامٌ، وَيَسْتَوْضِحُ أَنْوَارَ بُدُورٍ سَتَرَتْهَا كَثَائِفُ الْغَمَامِ، وَيَسْتَفْتِحُ أَبْوَابَ مَوَاهِبِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، يُدْرِكُ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ بِالْوِجْدَانِ لَا بِالتَّقْلِيدِ، وَيَنْفَتِحُ لَهُ مَا اسْتَغْلَقَ إِذْ بِيَدِهِ الْإِقْلِيدُ.
 وَأَمَّا مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى غَيْرِ هَذَا مِنَ الْعُلُومِ، أَوْ قَصَّرَ فِي إِنْشَاءِ الْمَنْثُورِ وَالْمَنْظُومِ، فَإِنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ فَهْمِ غَوَامِضِ الْكِتَابِ، وَعَنْ إِدْرَاكِ لِطَائِفِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْعَجَبِ الْعُجَابِ، وَحَظُّهُ مِنْ عِلْمِ التَّفْسِيرِ إِنَّمَا هُوَ نَقْلُ أَسْطَارٍ، وَتَكْرَارُ مَحْفُوظٍ عَلَى مَرِّ الْأَعْصَارِ، وَلِتَبَايُنِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي إِدْرَاكِ فَصَاحَةِ الْكَلَامِ، وما به تكون الرّجاجة فِي النِّظَامِ، اخْتَلَفُوا فِيمَا بِهِ إِعْجَازُ الْقُرْآنِ، فَمَنْ تَوَغَّلَ فِي أَسَالِيبِ الْفَصَاحَةِ وَأَفَانِينِهَا، وَتَوَقَّلَ فِي مَعَارِفِ الْآدَابِ وَقَوَانِينِهَا، أَدْرَكَ بِالْوِجْدَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ أَتَى فِي غَايَةٍ مِنَ الْفَصَاحَةِ لَا يُوصَلُ إِلَيْهَا، وَنِهَايَةٍ مِنَ الْبَلَاغَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَامَ عَلَيْهَا، فَمُعَارَضَتُهُ عِنْدَهُ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ لِلْبَشَرِ، وَلَا دَاخِلَةٍ تَحْتَ الْقَدَرِ. وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ هَذَا الْمُدْرَكَ، وَلَا سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ، رَأَى أَنَّهُ مِنْ نَمَطِ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَأَنَّ مِثْلَهُ مَقْدُورٌ لِمُنْشِئِ الْخُطَبِ. فَإِعْجَازُهُ عِنْدَهُ إِنَّمَا هُوَ بِصَرْفِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَمُنَاضَلَتِهِ، وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى مُمَاثَلَتِهِ. وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِعْجَازَ وَقَعَ بِالصَّرْفِ، هُمْ مِنْ نُقْصَانِ الْفِطْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي رُتْبَةِ بَعْضِ النِّسَاءِ حِينَ رَأَتْ زَوْجَهَا يطؤ جَارِيَةً فَعَاتَبَتْهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَا وَطِئَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَاقْرَأْ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَأَنْشَدَهَا بَيْتَ شِعْرٍ قَالَهُ، ذَكَرَ اللَّهَ فِيهِ وَرَسُولَهُ وَكِتَابَهُ، فَصَدَّقَتْهُ، فَلَمْ تُرْزَقْ مِنَ الرِّزْقِ مَا تُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ كَلَامِ الْخَلْقِ وَكَلَامِ الْحَقِّ.
 وَحَكَى لَنَا أُسْتَاذُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو جَعْفَرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَعْضِ مَنْ كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْعُلُومِ الْقَدِيمَةِ، وَمَعْرِفَةٌ بِكَثِيرٍ مِنَ الْعُلُومِ الْإِسْلَامِيَّةِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، لَا أُدْرِكُ فَرْقًا بَيْنَ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْكَلَامِ. فَهَذَا الرَّجُلُ وَأَمْثَالُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ مِنَ الطَّائِفَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِأَنَّ الْإِعْجَازَ وَقَعَ بِالصِّرْفَةِ. وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا مِمَّنْ لَهُ تَحَقُّقٌ

بِالْمَعْقُولِ، وَتَصَرُّفٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَنْقُولِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ فَقَرَأَ فَصِيحَةً، أَتَى لِبَعْضِ تَلَامِذَتِهِ وَكَلَّفَهُ أَنْ يُنْشِئَهَا لَهُ. وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا، مِمَّنْ لَهُ التَّبَحُّرُ فِي عِلْمِ لُغَةِ الْعَرَبِ، إِذَا أَسْقَطَ مِنْ بَيْتِ الشِّعْرِ كَلِمَةً أَوْ رُبْعَ الْبَيْتِ، وَكَانَ الْمُعَيَّنُ بِدُونِ مَا أَسْقَطَ لَا يُدْرَكُ مَا أَسْقَطَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَيْنَ هَذَا فِي الْإِدْرَاكِ مِنْ آخَرَ إِذَا حَرَّكْتَ لَهُ مُسَكَّنًا أَوْ سَكَّنْتَ لَهُ مُحَرَّكًا فِي بَيْتٍ أَدْرَكَ ذَلِكَ بِالطَّبْعِ وَقَالَ إِنَّ هَذَا الْبَيْتَ مَكْسُورٌ، وَيُدْرَكُ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ، إِذَا كَانَ فِيهِ زِحَافٌ مَا، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، لَكِنْ يَجِدُ مِثْلَ هَذَا طَبْعُهُ يَنْبُو عَنْهُ وَيَقْلَقُ لِسَمَاعِهِ. هَذَا، وإن كان لا يفهم مَعْنَى الْبَيْتِ، لِكَوْنِهِ حُوشِيَّ اللُّغَاتِ أَوْ مُنْطَوِيًا عَلَى حُوشِيٍّ.
 فَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ مَوَاهِبِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا تُؤْخَذُ بِاكْتِسَابٍ، لَكِنَّ الِاكْتِسَابَ يُقَوِّيهَا، وَلَيْسَ الْعَرَبُ مُتَسَاوِينَ فِي الْفَصَاحَةِ، وَلَا فِي إِدْرَاكِ الْمَعَانِي، وَلَا فِي نَظْمِ الشِّعْرِ، بَلْ فِيهِ مَنْ يَكْسِرُ الْوَزْنَ، وَمَنْ لَا يَنْظِمُ وَلَا بَيْتًا وَاحِدًا، وَمَنْ هُوَ مُقِلٌّ مِنَ النَّظْمِ، وَطِبَاعُهُمْ كَطِبَاعِ سَائِرِ الْأُمَمِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى فَحَوْلِ شُعَرَائِهِمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْفَصَاحَةِ، وَيُنَقِّحُ الشَّاعِرُ مِنْهُمُ الْقَصِيدَةَ حَوْلًا حَتَّى يُسَمَّى قَصَايِدَ الْحَوْلِيَّاتِ، فَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ.
 وَكَذَلِكَ كَانَ بَعْضُ الْكُفَّارِ حِينَ سَمِعَ الْقُرْآنَ أَدْرَكَ إِعْجَازَهُ لِلْوَقْتِ، فَوُفِّقَ وَأَسْلَمَ، وَآخَرُ أَدْرَكَ إِعْجَازَهُ فَكَفَرَ، وَلَجَّ فِي عِنَادِهِ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَنَسَبَهُ تَارَةً إِلَى الشِّعْرِ وَتَارَةً إِلَى الْكَهَانَةِ وَالسِّحْرِ، وَآخَرُ لَمْ يُدْرِكْ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ، كَتِلْكَ الْمَرْأَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا، وَكَحَالِ أَكْثَرِ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ إِعْجَازَ الْقُرْآنِ مِنْ جِهَةِ الْفَصَاحَةِ. فَمَنْ أَدْرَكَ إِعْجَازَهُ، فَوُفِّقَ وَأَسْلَمَ بِأَوَّلِ سَمَاعٍ سَمِعَهُ، أَبُو ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم مِنْ أَوَائِلِ فُصِّلَتْ آيَاتٍ فَأَسْلَمَ لِلْوَقْتِ، وَخَبَرُهُ فِي إِسْلَامِهِ مَشْهُورٌ.
 وَمِمَّنْ أَدْرَكَ إِعْجَازَهُ وَكَفَرَ عِنَادًا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ مِنْ عُقَلَاءِ الْكُفَّارِ، حَتَّى كَانَ يَتَوَهَّمُ أُمَيَّةُ بْنُ الصَّلْتِ أَنَّهُ هُوَ، يَعْنِي عُتْبَةَ يَكُونُ النَّبِيَّ الْمُنْبَعَثَ فِي قُرَيْشٍ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَسَدَهُ عُتْبَةُ وَأَضْرَابُهُ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُعْجِزٌ. وَكَذَلِكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ،
 رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي مَخْزُومٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلَامًا مَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْإِنْسِ، وَلَا مِنْ كَلَامِ الْجِنِّ، إِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّ أَعْلَاهُ لَمُثْمِرٌ، وَإِنَّ أَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَإِنَّهُ يَعْلُو وَمَا يُعْلَى، وَمَعَ هَذَا الِاعْتِرَافِ غَلَبَ عَلَيْهِ الْحَسَدُ وَالْأَشَرُ، حَتَّى قَالَ، مَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُ: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ.
 وَمِمَّنْ لَمْ يُدْرِكْ إِعْجَازَهُ، أَوْ أَدْرَكَ وَعَانَدَ وَعَارَضَ، مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، أَتَى بِكَلِمَاتٍ زَعَمَ أَنَّهَا أُوحِيَتْ إِلَيْهِ، انْتَهَتْ فِي الْفَهَاهَةِ وَالْعِيِّ وَالْغَثَاثَةِ، بِحَيْثُ صَارَتْ هُزْأَةً لِلسَّامِعِ،

وكذلك أبو الطيب المتنبئ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الطَّيِّبِ الْبَاقِلَّانِيُّ، فِي كِتَابِ الِانْتِصَارِ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ، شَيْئًا مِنْ كَلَامِ أَبِي الطَّيِّبِ مِمَّا هُوَ كُفْرٌ. وَذَكَرَ لَنَا قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ وَهْبٍ الْقُشَيْرِيُّ أَنَّ أَبَا الطَّيِّبِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَاتَّبَعَهُ نَاسٌ مِنْ عَبْسٍ وَكَلْبٍ، وَأَنَّهُ اخْتَلَقَ شَيْئًا ادَّعَى أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِهِ سُوَرًا سَمَّاهَا الْعِبَرَ، وَأَنَّ شِعْرَهُ لَا يُنَاسِبُهَا لِجَوْدَةِ أَكْثَرِهِ وَرَدَاءَتِهَا كُلِّهَا، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا أَتَيْنَا بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْكَلَامِ، لِيُعْلَمَ أَنَّ أَذْهَانَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْإِدْرَاكِ عَلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعْطَى كُلَّ أَحَدٍ.
 وَلِنُبَيِّنَ أَنَّ عِلْمَ التَّفْسِيرِ لَيْسَ مُتَوَقِّفًا عَلَى عِلْمِ النَّحْوِ فَقَطْ، كَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ، بَلْ أَكْثَرُ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ هُمْ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْفَصَاحَةِ وَالتَّفَنُّنِ فِي الْبَلَاغَةِ، وَلِذَلِكَ قَلَّتْ تَصَانِيفُهُمْ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَقَلَّ أَنْ تَرَى نَحْوِيًّا بَارِعًا فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، كَمَا قَلَّ أَنْ تَرَى بَارِعًا فِي الْفَصَاحَةِ يَتَوَغَّلُ فِي عِلْمِ النَّحْوِ. وَقَدْ رَأَيْنَا مَنْ يُنْسَبُ لِلْإِمَامَةِ فِي عِلْمِ النَّحْوِ، وَهُوَ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَنْطِقَ بِأَبْيَاتٍ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْرِفَ مَدْلُولَهَا، أَوْ يَتَكَلَّمَ عَلَى مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْبَلَاغَةِ وَالْبَيَانِ. فَأَنَّى لِمِثْلِ هَذَا أَنْ يَتَعَاطَى عِلْمَ التَّفْسِيرِ؟.
 وَلِلَّهِ دَرُّ أَبِي الْقَاسِمِ الزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي خُطْبَةِ كِتَابِهِ فِي التَّفْسِيرِ مَا نَصُّهُ: إِنَّ إملاء الْعُلُومِ بِمَا يَغْمُرُ الْقَرَائِحَ، وَأَنْهَضَهَا بِمَا يُبْهِرُ الْأَلْبَابَ الْقَوَارِحَ، مِنْ غَرَائِبِ نُكَتٍ يَلْطُفُ مَسْلَكُهَا، وَمُسْتَوْدَعَاتِ أَسْرَارٍ يدق سلكها. عِلْمُ التَّفْسِيرِ الَّذِي لَا يَتِمُّ لِتَعَاطِيهِ، وَإِجَالَةِ النَّظَرِ فِيهِ، كُلُّ ذِي عِلْمٍ، كَمَا ذَكَرَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ نَظْمِ الْقُرْآنِ، فَالْفَقِيهُ، وَإِنْ بَرَّزَ عَلَى الْأَقْرَانِ فِي عِلْمِ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ، وَالْمُتَكَلِّمُ، وَإِنْ بَزَّ أَهْلَ الدُّنْيَا فِي صِنَاعَةِ الْكَلَامِ، وَحَافِظُ الْقِصَصِ وَالْأَخْبَارِ، وَإِنْ كَانَ مِنِ ابْنِ الْقِرِّيَّةِ أَحْفَظَ، وَالْوَاعِظُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَوْعَظَ، وَالنَّحْوِيُّ، وَإِنْ كَانَ أَنْحَى مِنْ سِيبَوَيْهِ، وَاللُّغَوِيُّ، وَإِنْ عَلَكَ اللُّغَاتِ بِقُوَّةِ لَحْيَيْهِ، لَا يَتَصَدَّى مِنْهُمْ أَحَدٌ لِسُلُوكِ تِلْكَ الطَّرَائِقِ، وَلَا يَغُوصُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْحَقَائِقِ، إِلَّا رَجُلٌ قَدْ بَرَعَ فِي عِلْمَيْنِ مُخْتَصَّيْنِ بِالْقُرْآنِ، وَهُمَا الْمَعَانِي وَعِلْمُ الْبَيَانِ، وَتَمَهَّلَ فِي ارْتِيَادِهِمَا آوِنَةً، وَتَعِبَ فِي التَّنْقِيرِ عَنْهُمَا أَزْمِنَةً، وَبَعَثَتْهُ عَلَى تَتَبُّعِ مَظَانِّهِمَا هِمَّةٌ فِي مَعْرِفَةِ لَطَائِفِ حُجَّةِ اللَّهِ، وَحَرِصَ عَلَى اسْتِيضَاحِ مُعْجِزَةِ رَسُولِ اللَّهِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ آخِذًا مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ بِحَظٍّ، جَامِعًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ تَحْقِيقٍ وَحِفْظٍ، كَثِيرَ الْمُطَالَعَاتِ، طَوِيلَ الْمُرَاجَعَاتِ، قَدْ رَجَعَ زَمَانًا وَرُجِعَ إِلَيْهِ، وَرَدَّ وَرُدَّ عَلَيْهِ، فَارِسًا فِي عِلْمِ الْإِعْرَابِ، مُقَدَّمًا فِي جُمْلَةِ الْكِتَابِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مُسْتَرْسِلَ الطَّبِيعَةِ مُنْقَادَهَا، مُشْتَعِلَ الْقَرِيحَةِ وقادها، يقظان النفس درا كاللمحجة وَإِنْ لَطُفَ شَأْنُهَا، مُنْتَبِهًا عَلَى الرَّمْزَةِ وَإِنْ خَفِيَ مَكَانُهَا، لَا كَزًّا جَاسِيًا، وَلَا غَلِيظًا جَافِيًا، مُتَصَرِّفًا ذَا

دُرْبَةٍ بِأَسَالِيبِ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، مُرْتَاضًا غَيْرَ رَيِّضٍ بِتَلْقِيحِ نَبَاتِ الْفِكْرِ، قَدْ عَلِمَ كَيْفَ يُرَتِّبُ الْكَلَامَ وَيُؤَلِّفُ، وَكَيْفَ يَنْظِمُ وَيَرْصُفُ، طَالَمَا دُفِعَ إِلَى مَضَايِقِهِ، وَوَقَعَ فِي مَدَاحِضِهِ وَمَزَالِقِهِ. انْتَهَى كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي وَصْفِ مُتَعَاطِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَأَنْتَ تَرَى هَذَا الْكَلَامَ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنَ التَّرْصِيفِ الَّذِي يُبْهِرُ بِجِنْسِهِ الْأُدَبَاءَ، وَيَقْهَرُ بِفَصَاحَتِهِ الْبُلَغَاءَ، وَهُوَ شَاهِدٌ لَهُ بِأَهْلِيَّتِهِ لِلنَّظَرِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَاسْتِخْرَاجِ لَطَائِفِ الْفُرْقَانِ.
 وَهَذَا أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ الْمَشْرِقِيُّ الْخَوَارِزْمِيُّ الزَّمَخْشَرِيُّ وَأَبُو محمد عبد الحق بن غَالِبِ بْنِ عَطِيَّةَ الْأَنْدَلُسِيُّ الْمَغْرِبِيُّ الْغَرْنَاطِيُّ، أَجَلُّ مَنْ صنف في علم التفسير، وَأَفْضَلُ مَنْ تَعَرَّضَ لِلتَّنْقِيحِ فِيهِ وَالتَّحْرِيرِ. وَقَدِ اشْتُهِرَا وَلَا كَاشْتِهَارِ الشَّمْسِ، وَخُلِّدَا فِي الْأَحْيَاءِ وَإِنْ هَدَانِي فِي الرَّمْسِ، وَكَلَامُهُمَا فِيهِ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِهِمَا فِي عُلُومٍ، مِنْ مَنْثُورٍ وَمَنْظُومٍ، وَمَنْقُولٍ وَمَفْهُومٍ، وَتَقَلُّبٍ فِي فُنُونِ الْآدَابِ، وَتَمَكُّنٍ مِنْ عِلْمَيِ الْمَعَانِي وَالْإِعْرَابِ، وَفِي خُطْبَتَي كِتَابَيْهِمَا وَفِي غُضُونِ كِتَابِ الزَّمَخْشَرِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا فَارِسَا مَيْدَانٍ، وَمُمَارِسَا فَصَاحَةٍ وَبَيَانٍ.
 وَلِلزَّمَخْشَرِيِّ تَصَانِيفُ غَيْرَ تَفْسِيرِهِ، مِنْهَا: الْفَائِقُ فِي لُغَاتِ الْحَدِيثِ، وَمُخْتَلِفُ الْأَسْمَاءِ وَمُؤْتَلِفُهَا، وَرَبِيعُ الْأَبْرَارِ، وَالرَّائِضُ فِي الْفَرَائِضِ، وَالْمُفَصَّلُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
 وَقَدْ ذَكَرَ الْوَزِيرُ أَبُو نَصْرٍ الْفَتْحُ بْنُ خَاقَانَ الْأَشْبِيلِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى قَلَائِدُ الْعِقْيَانِ وَمَحَاسِنُ الْأَعْيَانِ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ عَطِيَّةَ، فَقَالَ: فِيهِ نَبْعَةُ رُوحِ الْعُلَا، وَمُحْرِزُ مَلَابِسِ الثَّنَا، فَذُّ الْجَلَالَةِ، وَوَاحِدُ الْعَصْرِ وَالْأَصَالَةِ، وَقَارٌ كَمَا رَسَا الْهَضْبُ، وَأَدَبٌ كَمَا اطَّرَدَ السَّلْسَلُ الْعَذْبُ، أَثَرُهُ فِي كُلِّ مَعْرِفَةٍ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارٌ، وَطَوَالِعُهُ فِي آفَاقِهَا صُبْحٌ وَنَهَارٌ. وَقَدْ أَثْبَتَ مِنْ نَظْمِهِ مَا يَنْفَحُ عَبِيرًا، وَيَتَّضِحُ مُنِيرًا، وَأَوْرَدَ لَهُ نَثْرًا كَمَا نَظَمَ قَلَائِدَ، وَنَظْمًا تَزْدَانُ بِمِثْلِهِ أَجْيَادُ الْوَلَائِدِ، مِنْ أَلْفَاظٍ عَذْبَةٍ تَسْتَنْزِلُ بِرِقَّتِهَا الْعَصِمَ، وَمَعَانٍ مُبْتَكَرَةٍ تُفْحِمُ الْأَلَدَّ الْخَصِمَ، أَبْقَتْ لَهُ ذِكْرًا مُخَلَّدًا عَلَى جَبِينِ الدَّهْرِ، وَعُرْفًا أَرِجًا كَتَضَوُّعِ الزَّهْرِ.
 وَلَمَّا كَانَ كِتَابَاهُمَا فِي التَّفْسِيرِ قَدْ أَنْجَدَا وَأَغَارَا، وَأَشْرَقَا فِي سَمَاءِ هَذَا الْعِلْمِ بَدْرَيْنِ وَأَنَارَا، وَتَنَزَّلَا مِنَ الْكُتُبِ التَّفْسِيرِيَّةِ مَنْزِلَةَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ مِنَ الْعَيْنِ، وَيَتِيمَةِ الدر من اللآلي، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ اللَّيَالِي، فَعَكَفَ النَّاسُ شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَيْهِمَا، وَثَنَوْا أَعِنَّةَ الِاعْتِنَاءِ إِلَيْهِمَا. وَكَانَ فِيهِمَا عَلَى جَلَالَتِهِمَا مَجَالٌ لِانْتِقَادِ ذَوِي التَّبْرِيزِ، وَمَسْرَحٌ لِلتَّخْيِيلِ فِيهِمَا وَالتَّمْيِيزِ، ثَنَيْتُ إِلَيْهِمَا عَنَانَ الِانْتِقَادِ، وَحَلَلْتُ مَا تَخَيَّلَ النَّاسُ فِيهِمَا مِنَ الِاعْتِقَادِ. أَنَّهُمَا

فِي التَّفْسِيرِ الْغَايَةُ الَّتِي لَا تُدْرَكُ، وَالْمَسْلَكُ الْوَعِرُ الَّذِي لَا يَكَادُ يُسْلَكُ، وَعَرَضْتُهُمَا عَلَى مَحْكِ النَّظَرِ، وَأَوْرَيْتُ فِيهِمَا نَارَ الْفِكْرِ، حَتَّى خَلُصَ دَسِيسُهُمَا، وَبَرَزَ نَفِيسُهُمَا، وَسَيَرَى ذَلِكَ مَنْ هُوَ لِلنَّظَرِ أَهْلٌ، وَاجْتَمَعَ فِيهِ إِنْصَافٌ وَعَدْلٌ، فَإِنَّهُ يَتَعَجَّبُ مِنَ التَّوَلُّجِ عَلَى الضَّرَاغِمِ، وَالتَّحَرُّزِ لِأَشْبَالِهَا وَالْأَنْفُ رَاغِمٌ، إِذْ هَذَانِ الرَّجُلَانِ هُمَا فَارِسَا عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَمُمَارِسَا تَحْرِيرَهُ وَالتَّحْبِيرَ. نَشَرَاهُ نَشْرًا، وَطَارَ لَهُمَا بِهِ ذِكْرًا، وَكَانَا مُتَعَاصِرَيْنِ فِي الْحَيَاةِ، مُتَقَارِبِينَ فِي الْمَمَاتِ.
 وُلِدَ أَبُو الْقَاسِمِ مَحْمُودُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِزَمَخْشَرَ، قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى خُوَارِزْمَ، يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، السَّابِعَ عَشَرَ لِرَجَبٍ، سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وأربعمائة، وتوفي بگرگانج، قَصَبَةِ خُوَارِزْمَ، لَيْلَةَ عَرَفَةَ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَوُلِدَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ غَالِبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَالِبِ بْنِ تَمَّامِ بْنِ عَبْدِ الرؤوف بن عبد الله بن تَمَّامِ بْنِ عَطِيَّةَ الْمُحَارِبِيُّ، مِنْ أَهْلِ غَرْنَاطَةَ، سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ بِلُورْقَةَ، فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ لِرَمَضَانَ، سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي وَفَاةِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ بَشْكُوَالٍ: تُوُفِّيَ، يَعْنِي ابْنَ عَطِيَّةَ، سَنَةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
 وَكِتَابُ ابْنِ عَطِيَّةَ أَنْقَلُ وَأَجْمَعُ وَأَخْلَصُ، وَكِتَابُ الزَّمَخْشَرِيِّ أَلْخَصُ وَأَغْوَصُ، إِلَّا أن الزمخشري قائل بالطفرة، وَمُقْتَصِرٌ مِنَ الذُّؤَابَةِ عَلَى الْوَفْرَةِ، فَرُبَّمَا سَنَحَ لَهُ آبِي الْمَقَادَةِ فَأَعْجَزَهُ اغْتِيَاصُهُ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ لِتَأَنِّيهِ اقْتِنَاصُهُ، فَتَرَكَهُ عَقْلًا لِمَنْ يَصْطَادُهُ، وَغَفْلًا لِمَنْ يَرْتَادُهُ، وَرُبَّمَا نَاقَضَ هَذَا الْمَنْزَعَ، فَثَنَى الْعِنَانَ إِلَى الْوَاضِحِ، وَالسَّهْلِ اللَّائِحِ، وَأَجَالَ فِيهِ كَلَامًا، وَرَمَى نَحْوَ غَرَضِهِ سِهَامًا، هَذَا مَعَ مَا فِي كِتَابِهِ مِنْ نُصْرَةِ مَذْهَبِهِ، وَتَقَحُّمِ مُرْتَكِبِهِ، وَتَجَشُّمِ حَمْلِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ، وَنِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَمُغْتَفَرٌ إِسَاءَتُهُ لِإِحْسَانِهِ، وَمَصْفُوحٌ عَنْ سَقْطِهِ فِي بَعْضٍ لِإِصَابَتِهِ فِي أَكْثَرِ تِبْيَانِهِ، فما كان في كِتَابِي هَذَا مِنْ تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَخْبَرَنِي بِهِ أُسْتَاذُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِجَازَةً أَيَّامَ كُنْتُ أَبْحَثُ مَعَهُ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ، عَنِ الْقَاضِي ابْنِ الْخَطَّابِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خَلِيلٍ السَّكُونِيِّ، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ بَرَكَاتِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طاهر الخشوعي وَأَخْبَرَنِي بِهِ عَالِيًا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيُّ، عُرِفَ بِابْنِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِهِ إِلَيَّ مِنْ دِمَشْقَ عَنْ أَبِي طَاهِرٍ الْخُشُوعِيِّ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ.

وَمَا كَانَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ، فَأَخْبَرَنِي بِهِ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي الْأَحْوَصِ الْقُرَشِيُّ، قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ لِبَعْضِهِ. وَمُنَاوَلَةً عَنِ الْحَافِظِ أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى بْنِ سَالِمٍ الْكُلَاعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، يُعْرَفُ بِابْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا بِهِ مُصَنِّفُهُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ لِجَمِيعِهِ، وَأَخْبَرَنِي بِهِ عَالِيًا الْقَاضِي الْأُصُولِيُّ الْمُتَكَلِّمُ أَبُو الْحَسَنِ محمد بن الْقَاضِي الْأُصُولِيِّ الْمُتَكَلِّمِ أَبِي عَامِرٍ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْعَرِيِّ نَسَبًا وَمَذْهَبًا، إِجَازَةً كَتَبَهَا لِي بِخَطِّهِ بِغَرْنَاطَةَ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْغَافِقِيِّ الشَّقُورِيِّ بِقُرْطُبَةَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ.
 وَاعْتَمَدْتُ، فِي أَكْثَرِ نَقُولِ كِتَابِي هَذَا، عَلَى كِتَابِ التَّحْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ لِأَقْوَالِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ، مِنْ جَمْعِ شَيْخِنَا الصَّالِحِ الْقُدْوَةِ الْأَدِيبِ جَمَالِ الدِّينِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ الْمَقْدِسِيِّ، عُرِفَ بِابْنِ النَّقِيبِ، رَحِمَهُ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ هُوَ أَكْبَرُ كِتَابٍ رَأَيْنَاهُ صُنِّفَ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ، يَبْلُغُ فِي الْعَدَدِ مِائَةَ سِفْرٍ أَوْ يَكَادُ، إِلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ التَّكْرِيرِ، قَلِيلُ التَّحْرِيرِ، مُفْرِطُ الْإِسْهَابِ، لَمْ يُعَدَّ جَامِعُهُ مِنْ نَسْخٍ كُتِبَ فِي كِتَابِهِ، كَذَلِكَ كَانَ فِيهِ بِحَالِ التَّهْذِيبِ وَمُرَادِ التَّرْتِيبِ.
 وَهَذَا الْكِتَابُ رِوَايَتِي بِالْإِجَازَةِ مِنْ جَامِعِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ شَاهَدْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ حِينَ جَمَعَهُ يَقُولُ لِلنَّاسِخِ: اقْرَأْ عَلَيَّ، فَيَقْرَأُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: اكْتُبْ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا. وَيَنْقُلُ مَا فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ الَّتِي اعْتَمَدَهَا، وَيَعْزُو فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ مَا يُنْقَلُ مِنْهَا إِلَى مُصَنِّفِ ذَلِكَ الْكِتَابِ. وَكَانَ فِيهِ فَضِيلَةُ أَدَبٍ، وَلَهُ نَثْرٌ وَنَظْمٌ مُتَوَسِّطٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَرَضِيَ عَنْهُ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنِّي قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى جَمَاعَةٍ من المقرءين، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَا الْآنَ أُسْنِدُ قِرَاءَتِي الْقُرْآنَ، مِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ، وَأَذْكُرُ شَيْئًا مِمَّا وَرَدَ فِي القرآن وفضائله وتفسيره، على سبيل الاختصار، فأقول: قرأت الْقُرْآنِ بِرِوَايَةِ وَرْشٍ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي نَنْشَأُ عَلَيْهَا بِبِلَادِنَا وَنَتَعَلَّمُهَا أَوَّلًا فِي الْمَكْتَبِ عَلَى الْمُسْنِدِ الْمُعَمَّرِ الْعَدْلِ أَبِي طَاهِرٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ علي المليجي، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي الْجُودِ غِيَاثِ بْنِ فَارِسِ بْنِ مَكِّيٍّ المنذري، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي الْفُتُوحِ نَاصِرِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الزيدي، بمصر.
 وقرأتها عَلَى أَبِي الْحَسَنِ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الفرج الخشاب، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ نَفِيسٍ، بمصر. وقرأتها عَلَى ابْنِ عَدِيٍّ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ

مُحَمَّدٍ، عُرِفَ بِابْنِ الْإِمَامِ، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن مالك بن سيف، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَيَّارٍ، وَيُقَالُ يَسَارٍ الْأَزْرَقِ، بمصر.
 وقرأتها عَلَى أَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَدِيٍّ، الملقب بورش، بمصر. وقرأتها عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ، بِمَدِينَةِ رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَرَأَ نَافِعٌ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ يَزِيدَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَرَأَ يَزِيدُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى أَبِي الْمُنْذِرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَرَأَ أُبَيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ دَائِرٌ بَيْنَ مِصْرِيٍّ وَمَدَنِيٍّ.
 فَمِنْ شَيْخِي إِلَى وَرْشٍ مِصْرِيُّونَ، وَمِنْ نَافِعٍ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ مَدَنِيُّونَ. وَمِثْلُ هَذَا الْإِسْنَادِ عَزِيزُ الْوُجُودِ، بَيْنِي وبين رسول الله ﷺ ثلاثة عَشَرَ رَجُلًا، وَهَذَا مِنْ أَعْلَى الْأَسَانِيدِ الَّتِي وَقَعَتْ لِي.
 وَقَدْ وَقَعَ لِي فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَى عَشَرَ رَجُلًا، وَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَاصِمٍ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي يَنْشَأُ عَلَيْهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ أَعْلَى مَا وَقَعَ لِأَمْثَالِنَا. وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي الطاهر بن الْمَلِيجِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْجُودِ، قَالَ:
 قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْفُتُوحِ الزَّيْدِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أحمد الْأَبْهَرِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْأَهْوَازِيِّ. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُثْمَانَ الغضايري، وقرأ الغضائري عَلَى أَبِي بَكْرٍ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدِ بْنِ مِهْرَانَ الْوَاسِطِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ الْعُلَيْمِيِّ الْكُوفِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَاصِمٍ، وَقَرَأَ عاصم على ابني عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ السُّلَمِيِّ، وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وعبد الله بن مسعود، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَفَضَائِلِهِ، فَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، كَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ، وَغَيْرِهِ.
 وَمِمَّا
 رُوِيَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، قِيلَ: فَمَا النجاة منها يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ نَبَأُ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ فَصْلٌ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ تَجَبُّرًا قَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَنُورُهُ الْمُبِينُ، وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَالصِّرَاطُ

الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَتَشَعَّبُ مَعَهُ الْآرَاءُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَمَلُّهُ الْأَتْقِيَاءُ، مَنْ عَلِمَ عِلْمَهُ سَبَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عُصِمَ بِهِ فَقَدَ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
 وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«مَنْ أَرَادَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَلْيُثَوِّرِ الْقُرْآنَ»**.
 وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«اتْلُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْجُرُكُمْ بِالْحَرْفِ عَشْرَ حسنات، وأما إِنِّي لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنِ الْأَلِفُ حَرْفٌ وَاللَّامُ حَرْفٌ وَالْمِيمُ حَرْفٌ»**.
 وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ، فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا، وَهُوَ مَرِيضٌ: **«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ، إِنَّهُ لَنْ تَعْمَى أَبْصَارُكُمْ، وَلَنْ تَضِلَّ قُلُوبُكُمْ، وَلَنْ تَزِلَّ أَقْدَامُكُمْ، وَلَنْ تَقْصُرَ أَيْدِيكُمْ، كِتَابُ اللَّهِ سَبَبٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، طَرَفُهُ بِيَدِهِ وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَأَحِلُّوا حَلَالَهُ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، أَلَا وَأَهْلُ بَيْتِي وَعِتْرَتِي، وَهُوَ الثَّقَلُ الْآخَرُ، فَلَا تَسُبُّوهُمْ فَتَهْلِكُوا»**.
 وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَدًا أُوتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوتِيَ، فَقَدِ اسْتَصْغَرَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«مَا مِنْ شَفِيعٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْقُرْآنِ، لَا نَبِيَّ وَلَا مَلِكَ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي بالقرآن»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«أَشْرَفُ أُمَّتِي حَمَلَةُ الْقُرْآنِ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«مَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَرَأَ مِائَتَيْ آيَةٍ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَرَأَ ثَلَاثَمِائَةِ آيَةٍ لَمْ يُحَاجَّهُ الْقُرْآنُ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«الْقُرْآنُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَمَا حَلَّ مُصَدِّقٌ، مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ نَجَا، وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكَبَّهُ اللَّهُ لِوَجْهِهِ فِي النَّارِ، وَأَحَقُّ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ أَهْلُهُ وَحَمَلَتُهُ، وَأَوْلَى مَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مَنْ عَدَلَ عَنْهُ وَضَيَّعَهُ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«إِنَّ أَصْغَرَ الْبُيُوتِ بَيْتٌ صِفْرٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: **«إِنَّ الَّذِي يَتَعَاهَدُ الْقُرْآنَ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ لَهُ أَجْرَانِ، والذي يقرأه وَهُوَ خَفِيفٌ عَلَيْهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ»**.
 وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«أَفْضَلُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»**.
 وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ تَرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ لَمْ تَزَلْ دَارُهُ الْبَارِحَةَ تُزْهِرُ، وَحَوْلَهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: **«فَلَعَلَّهُ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ»**. فَسُئِلَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ.
 وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَنْزِيلِ الْمَلَائِكَةِ فِي الظُّلْمَةِ لِصَوْتِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ،
 وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: **«عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ»**.
 وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم عَنْ أَحْسَنِ النَّاسِ قِرَاءَةً أَوْ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ فَقَالَ: **«الَّذِي إِذَا سَمِعْتَهُ رَأَيْتَهُ يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى»**.
 وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِهِ،
 فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَيُّ عِلْمِ

الْقُرْآنِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم: **«عَرَبِيَّتُهُ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الشِّعْرِ»**.
 وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ، وَالْتَمِسُوا غَرَائِبَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُعْرَبَ، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْحِكْمَةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ «١»** بِأَنَّهَا تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ».
 وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً»**.
 وَقَالَ الْحَسَنُ: أَهْلَكَتْهُمُ الْعُجْمَةُ، يَقْرَأُ أَحَدُهُمُ الْآيَةَ، فَيَعْيَا بِوُجُوهِهَا حَتَّى يَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَا يُفَسِّرُ كَالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي يَهُذُّ الشِّعْرَ. وَوَصَفَ عَلِيٌّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، لِكَوْنِهِ يَعْرِفُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ **«٢»**. وَرَحَلَ مَسْرُوقٌ الْبَصْرَةَ فِي تَفْسِيرِ آيَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: الَّذِي يُفَسِّرُهَا رَجَعَ إِلَى الشَّامِ، فَتَجَهَّزَ وَرَحَلَ إِلَيْهِ حَتَّى عَلِمَ تَفْسِيرَهَا.
 وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْلَمُهُمْ بِمَا أَنْزَلَ.
 وَمَا
 رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: **«مِنْ كَوْنِهِ لَا يُفَسِّرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا آيًا بِعَدَدٍ عَلَّمَهُ إِيَّاهُنَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ»**.
 مَحْمُولٌ ذَلِكَ عَلَى مُغَيِّبَاتِ الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرِهِ لِمُجْمَلِهِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَا
 رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قَوْلِهِ: «مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ، فَقَدْ أَخْطَأَ
 مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَسَوَّرَ عَلَى تَفْسِيرِهِ بِرَأْيِهِ، دُونَ نَظَرٍ فِي أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَقَوَانِينِ الْعُلُومِ، كَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالْأُصُولِ، وَلَيْسَ مَنِ اجْتَهَدَ فَفَسَّرَ عَلَى قَوَانِينِ الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ بِدَاخِلٍ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَلَا هُوَ يُفَسَّرُ بِرَأْيِهِ وَلَا يُوصَفُ بِالْخَطَأِ. وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ الْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: عَلِيُّ بن أبي طالب، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. فَهَؤُلَاءِ مَشَاهِيرُ مَنْ أُخِذَ عَنْهُ التَّفْسِيرُ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَا شَيْءٍ مِنَ التَّفْسِيرِ.
 وَمِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي التَّفْسِيرِ مِنَ التَّابِعِينَ: الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَمُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَلْقَمَةُ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَأَبُو صَالِحٍ. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَطْعَنُ عَلَى السُّدِّيِّ وَأَبِي صَالِحٍ، لِأَنَّهُ كَانَ يَرَاهُمَا مُقَصِّرِينَ فِي النَّظَرِ. ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي التَّفْسِيرِ وَأَلَّفُوا فِيهِ التَّآلِيفَ. وَكَانَتْ تَآلِيفُ الْمُتَقَدِّمِينَ أَكْثَرُهَا، إِنَّمَا هِيَ شَرْحُ لُغَةٍ، وَنَقْلُ سَبَبٍ، وَنَسْخٌ، وَقَصَصٌ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِالْعَرَبِ، وَبِلِسَانِ الْعَرَبِ. فَلَمَّا فَسَدَ اللِّسَانُ، وَكَثُرَتِ الْعَجَمُ، وَدَخَلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَنْوَاعُ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفُو الألسنة، والناقصو

 (١) سورة البقرة: ٢/ ٢٦٩.
 (٢) سورة القصص: ٢٨/ ٨٥.

الْإِدْرَاكِ، احْتَاجَ الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَى إِظْهَارِ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ غَرَائِبِ التَّرْكِيبِ، وَانْتِزَاعِ الْمَعَانِي، وَإِبْرَازِ النُّكَتِ الْبَيَانِيَّةِ، حَتَّى يُدْرِكَ ذَلِكَ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِي طَبْعِهِ، وَيَكْتَسِبَهَا مَنْ لَمْ تَكُنْ نَشْأَتُهُ عَلَيْهَا، وَلَا عُنْصُرُهُ يُحَرِّكُهُ إِلَيْهَا، بِخِلَافِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنَ الْعَرَبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مَرْكُوزًا فِي طِبَاعِهِمْ، يُدْرِكُونَ تِلْكَ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا، مِنْ غَيْرِ مُوَقِّفٍ وَلَا مُعَلِّمٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ لِسَانُهُمْ وَخُطَّتُهُمْ وَبَيَانُهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَفَاوَتُونَ أَيْضًا فِي الْفَصَاحَةِ وَفِي الْبَيَانِ. أَلَا تَرَى إِلَى
 قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ سَمِعَ كَلَامَ عَمْرِو بْنِ الْأَهْتَمِ فِي الزِّبْرِقَانِ: **«إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»**.
 وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ إِلَى تَفَاوُتِ الْعَرَبِ فِي الْفَصَاحَةِ.
 وَقَدْ آنَ أَنْ نَشْرَعَ فِيمَا قَصَدْنَا، وَنُنْجِزَ مَا بِهِ وَعَدْنَا، وَنَبْدَأَ بِرَسْمٍ لِعِلْمِ التَّفْسِيرِ، فَإِنِّي لَمْ أَقِفْ لِأَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ عَلَى رَسْمٍ لَهُ، فَنَقُولُ: التَّفْسِيرُ فِي اللُّغَةِ الِاسْتِبَانَةُ وَالْكَشْفُ.
 قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْمَاءِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ الطَّبِيبُ تَفْسِرَةٌ وَكَأَنَّهُ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ، لِأَنَّ مَصْدَرَ فَعَّلَ جَاءَ أَيْضًا عَلَى تَفْعِلَةٍ، نَحْوَ جَرَّبَ تَجْرِبَةً، وَكَرَّمَ تَكْرِمَةً، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ فَعَّلَ التَّفْعِيلَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً **«١»**. وَيَنْطَلِقُ أَيْضًا التَّفْسِيرُ عَلَى التَّعْرِيَةِ لِلِانْطِلَاقِ. قَالَ ثَعْلَبٌ: تَقُولُ فَسَّرْتُ الْفَرَسَ عَرَّيْتُهُ لِيَنْطَلِقَ فِي حَصْرِهِ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَعْنَى الْكَشْفِ، فَكَأَنَّهُ كَشَفَ ظَهْرَهُ لِهَذَا الَّذِي يُرِيدُهُ مِنْهُ مِنَ الْجَرْيِ.
 وَأَمَّا الرَّسْمُ فِي الِاصْطِلَاحِ، فَنَقُولُ: التَّفْسِيرُ عِلْمٌ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، وَمَدْلُولَاتِهَا، وَأَحْكَامِهَا الْإِفْرَادِيَّةِ وَالتَّرْكِيبِيَّةِ، وَمَعَانِيهَا الَّتِي تُحْمَلُ عَلَيْهَا حَالَةُ التَّرْكِيبِ، وَتَتِمَّاتٍ لِذَلِكَ. فَقَوْلُنَا عُلِمٌ هُوَ جِنْسٌ يَشْمَلُ سَائِرَ الْعُلُومِ. وَقَوْلُنَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ هَذَا هُوَ عِلْمُ الْقِرَاءَاتِ. وَقَوْلُنَا وَمَدْلُولَاتِهَا، أَيْ مَدْلُولَاتِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ، وَهَذَا هُوَ عِلْمُ اللُّغَةِ الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْعِلْمِ. وَقَوْلُنَا وَأَحْكَامِهَا الْإِفْرَادِيَّةِ وَالتَّرْكِيبِيَّةِ هَذَا يَشْمَلُ عِلْمَ التَّصْرِيفِ، وَعِلْمَ الْإِعْرَابِ، وَعِلْمَ الْبَيَانِ، وَعِلْمَ الْبَدِيعِ، وَمَعَانِيهَا الَّتِي تُحْمَلُ عَلَيْهَا حَالَةُ التَّرْكِيبِ شَمِلَ بُقُولِهِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَيْهَا مَا لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ بِالْحَقِيقَةِ، وَمَا دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ بِالْمَجَازِ، فَإِنَّ التَّرْكِيبَ قَدْ يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ شَيْئًا، وَيَصُدُّ عَنِ الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ صَادٌ، فَيَحْتَاجُ لِأَجْلِ ذَلِكَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الْمَجَازُ. وَقَوْلُنَا، وَتَتِمَّاتٍ لِذَلِكَ، هُوَ مَعْرِفَةُ النَّسْخِ، وَسَبَبِ النُّزُولِ، وَقِصَّةٍ تُوَضِّحُ بَعْضَ مَا انْبَهَمَ فِي الْقُرْآنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

 (١) سُورَةُ الفرقان: ٢٥/ ٣٣.

سورة النّاس
 \[سورة الناس (١١٤) : الآيات ١ الى ٦\]

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)
 الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)
 قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلهِ النَّاسِ، مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ.
 تَقَدَّمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ مَعَ مَا قَبْلَهَا. وَالْخِلَافُ أَهِيَ مَدَنِيَّةٌ أَمْ مَكِّيَّةٌ؟ وَأُضِيفَ الرَّبُّ إِلَى النَّاسِ، لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّ الْمُوَسْوِسِ فِي صُدُورِهِمْ، اسْتَعَاذُوا بِرَبِّهِمْ مَالِكِهِمْ وَإِلَهِهِمْ، كَمَا يَسْتَعِيذُ الْعَبْدُ بِمَوْلَاهُ إِذَا دَهَمَهُ أَمْرٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ صِفَتَانِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُمَا عَطْفَا بَيَانٍ، كَقَوْلِكَ: سِيرَةُ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ الْفَارُوقِ بُيِّنَ بِمَلِكِ النَّاسِ، ثُمَّ زِيدَ بَيَانًا بِإِلَهِ النَّاسِ لِأَنَّهُ قَدْ يُقَالُ لِغَيْرِهِ: رَبُّ النَّاسِ، كَقَوْلِهِ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ **«١»**. وَقَدْ يُقَالُ: مَلِكُ النَّاسِ، وَأَمَّا إِلَهُ النَّاسِ فَخَاصٌّ لَا شَرِكَةَ فِيهِ، فَجُعِلَ غَايَةً لِلْبَيَانِ، انْتَهَى. وَعَطْفُ الْبَيَانِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَكُونُ بِالْجَوَامِدِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُمَا عَطْفَا بَيَانٍ لِوَاحِدٍ، وَلَا أَنْقُلُ عَنِ النُّحَاةِ شَيْئًا فِي عَطْفِ الْبَيَانِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَرَّرَ لِمَعْطُوفٍ عَلَيْهِ وَاحِدٍ أَمْ لَا يَجُوزُ؟.
 وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلَّا اكْتَفَى بِإِظْهَارِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ الَّذِي هُوَ النَّاسُ مَرَّةً وَاحِدَةً؟ قُلْتُ: لِأَنَّ عَطْفَ الْبَيَانِ لِلْبَيَانِ، فَكَانَ مَظِنَّةً لِلْإِظْهَارِ دون الإضمار، انتهى.
 (١) سورة التوبة: ٩/ ٣١.

وَالْوَسْوَاسُ، قَالُوا: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الشَّيْطَانِ؟ وَالْوَسْوَاسُ أَيْضًا: مَا يُوَسْوِسُ بِهِ شَهَوَاتُ النَّفْسِ، وَهُوَ الْهَوَى الْمُنْهِيُّ عَنْهُ. وَالْخَنَّاسُ: الرَّاجِعُ عَلَى عَقِبِهِ، الْمُسْتَتِرُ أَحْيَانًا، وَذَلِكَ فِي الشَّيْطَانِ مُتَمَكِّنٌ إِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللَّهَ تَعَالَى تَأَخَّرَ. وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ فَتَخْنِسُ بِالْإِيمَانِ وَبِلُمَّةِ الْمَلِكِ وَبِالْحَيَاءِ، فَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ يَنْدَرِجَانِ فِي الْوَسْوَاسِ، وَيَكُونُ مَعْنَى مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ: مِنَ الشَّيَاطِينِ وَنُفُوسِ النَّاسِ، أَوْ يَكُونُ الْوَسْوَاسُ أُرِيدَ بِهِ الشَّيْطَانُ، وَالْمُغْرِي: الْمُزَيِّنُ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ، فَيَكُونُ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ، تَبْيِينًا لِذَلِكَ الْوَسْوَاسِ. قَالَ تَعَالَى: عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً **«١»**. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينُ، وَمِنَ الْجِنِّ شَيَاطِينَ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُمْ. وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِرَجُلٍ: هَلْ تَعَوَّذْتَ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ؟
 وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الْوَسْواسِ اسْمٌ بِمَعْنَى الْوَسْوَسَةِ، كَالزِّلْزَالِ بِمَعْنَى الزَّلْزَلَةِ وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَوِسْوَاسٌ بِالْكَسْرِ كَزِلْزَالٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّيْطَانُ، سُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ كَأَنَّهُ وَسُوسَةٌ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهَا صَنْعَتُهُ وَشُغْلُهُ الَّذِي هُوَ عَاكِفٌ عَلَيْهِ أَوْ أُرِيدَ ذُو الْوَسْوَاسِ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا مَعَهُ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ الزَّلْزَالَ بِالْفَتْحِ اسْمٌ وَبِالْكَسْرِ مَصْدَرٌ فِي إِذا زُلْزِلَتِ **«٢»**، وَيَجُوزُ فِي الَّذِي الْجَرُّ عَلَى الصِّفَةِ، وَالرَّفْعُ وَالنَّصْبُ عَلَى الشَّتْمِ، وَمِنْ فِي مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ كَائِنًا مِنِ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ، فَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ ذَلِكَ الْمُوَسْوِسُ هُوَ بَعْضُ الْجِنَّةِ وَبَعْضُ النَّاسِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ من متعلقا بيوسوس، وَمَعْنَاهُ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ، أَيْ يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِهِمْ مِنْ جِهَةِ الْجِنَّةِ وَمِنْ جِهَةِ النَّاسِ، انْتَهَى.
 وَلَمَّا كَانَتْ مَضَرَّةُ الدِّينِ، وَهِيَ آفَةُ الْوَسْوَسَةِ، أَعْظَمَ مِنْ مَضَرَّةِ الدُّنْيَا وَإِنْ عَظُمَتْ، جَاءَ الْبِنَاءُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهَا بِصِفَاتٍ ثَلَاثٍ: الرَّبُّ وَالْمَلِكُ وَالْإِلَهُ، وَإِنِ اتَّحَدَ الْمَطْلُوبُ، وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ ثَلَاثٍ: الْغَاسِقُ وَالنَّفَّاثَاتُ وَالْحَاسِدُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الرَّبُّ، وَإِنْ تَكَثَّرَ الَّذِي يُسْتَعَاذُ مِنْهُ.
 كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا آوَى إِلَى فِرَاشِهِ جَمَعَ كَفَّيْهِ وَنَفَثَ فِيهِمَا وَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِرَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا
 ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّفَ وَمَجَّدَ وَكَرَّمَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ذَوِي الْكَرَمِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرا.
 تم وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

 (١) سورة الأنعام: ٦/ ١١٢.
 (٢) سورة الزلزلة: ٩٩/ ١.

### الآية 114:6

> ﻿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [114:6]

ومن في  من الجنة والناس  للتبعيض، أي كائناً من الجنة والناس، فهي في موضع الحال أي ذلك الموسوس هو بعض الجنة وبعض الناس. 
وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون من متعلقاً بيوسوس، ومعناه ابتداء الغاية، أي يوسوس في صدورهم من جهة الجنة ومن جهة الناس، انتهى. 
ولما كانت مضرة الدين، وهي آفة الوسوسة، أعظم من مضرة الدنيا وإن عظمت، جاء البناء في الاستعاذة منها بصفات ثلاث : الرب والملك والإله، وإن اتحد المطلوب، وفي الاستعاذة من ثلاث : الغاسق والنفاثات والحاسد بصفة واحدة وهي الرب، وإن تكثر الذي يستعاذ منه. 
ويكون معنى  من الجنة والناس  : من الشياطين ونفوس الناس، أو يكون الوسواس أريد به الشيطان، والمغري : المزين من قرناء السوء، فيكون  من الجنة والناس ، تبييناً لذلك الوسواس. 
قال تعالى : عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً  وقال قتادة : إن من الإنس شياطين، ومن الجن شياطين، فنعوذ بالله منهم. 
وقال أبو ذر لرجل : هل تعوذت من شياطين الإنس ؟

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/114.md)
- [كل تفاسير سورة النّاس](https://quranpedia.net/surah-tafsir/114.md)
- [ترجمات سورة النّاس](https://quranpedia.net/translations/114.md)
- [صفحة الكتاب: البحر المحيط في التفسير](https://quranpedia.net/book/322.md)
- [المؤلف: أبو حيان الأندلسي](https://quranpedia.net/person/11844.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/114/book/322) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
