---
title: "تفسير سورة يوسف - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/12/book/349.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/12/book/349"
surah_id: "12"
book_id: "349"
book_name: "محاسن التأويل"
author: "جمال الدين القاسمي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة يوسف - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/12/book/349)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة يوسف - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي — https://quranpedia.net/surah/1/12/book/349*.

Tafsir of Surah يوسف from "محاسن التأويل" by جمال الدين القاسمي.

### الآية 12:1

> الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [12:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

\[ ١ \]  آلر تلك آيات الكتاب المبين ١ . 
 آلر  تقدم الكلام على مثله، وأنها إما حروف مسرودة على نمط التعديد، والإشارة في قوله : تلك آيات الكتاب المبين  إلى آيات السورة، نزل ما بعده، لكونه مترقبا، منزلة المتقدم. والإشارة بالبعيد لعظمته، وبعد مرتبته. وإما اسم السورة، والإشارة في  تلك  إليها. والمراد ب  الكتاب  السورة لأنه بمعنى المكتوب، فيطلق عليها. أو القرآن، لأنه كما يطلق على كله، يطلق على بعضه. و  المبين  بمعنى الظاهر أمرها وإعجازها. إن أخذ من ( بان ) لازما بمعنى ظهر، وإن أخذ من المتعدى فالمفعول مقدر، أي أنها من عند الله تعالى.

### الآية 12:2

> ﻿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [12:2]

\[ ٢ \]  إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ٢ . 
 إنا أنزلناه  أي الكتاب المنعوت بما ذكر  قرآنا عربيا لعلكم تعقلون  أي لكي تفهموه، وتحيطوا بمعانيه، ولا يلتبس عليكم. كما قال تعالى[(١)](#foonote-١) : ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته . أو لتستعملوا فيه عقولكم، فتعلموا أن اقتصاصه كذلك، ممن لم يتعلم القصص، معجز، لا يمكن إلا بالإيحاء. أو  لعلكم تعقلون  يإنزاله عربيا، ما تضمن من المعاني والأسرار، التي لا يتضمنها ولا يحتملها غيرها من اللغات. وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات، وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس. قال بعضهم : نزل أشرف الكتب، بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وفي أشرف شهور السنة، وهو رمضان، فكمل له الشرف من كل الوجوه.

١ \[٤١ / فصلت / ٤٤\]..

### الآية 12:3

> ﻿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [12:3]

\[ ٣ \]  نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ٣ . 
 نحن نقص عليك أحسن القصص  أي أبدعه طريقة، وأعجبه أسلوبا، وأصدقه أخبارا، وأجمعه حكما و عبرا  بما أوحينا إليك  أي بإيحائنا إليك  هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين  أي عنه، لم يخطر ببالك. والتعبير عن عدم العلم بالغفلة لإجلال شأن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جوز في هذا أن يكون مفعول نقص، على أن  أحسن  نصب على المصدر. وأن يكون مفعول  أوحينا  على أن مفعول نقص  أحسن  أو محذوف وأن يكون بدلا من ( ما ) على أنها موصولة أو خبر محذوف كذلك.

### الآية 12:4

> ﻿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [12:4]

\[ ٤ \]  إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ٤ . 
 إذ قال يوسف لأبيه  يعني يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. والظرف بدل من المفعول قبله بدل اشتمال، أو مفعول لمحذوف.  يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  إنما ناجى يوسف أباه بهذه الرؤيا، لاعتقاده كمال علمه، وشفقته عليه، بحيث لو كانت رؤياه تسوءه لأمكنه صرفها عنه. 
قال القاشاني : هذه من المنامات التي تحتاج إلى تعبير، لانتقال المتخيلة من النفوس / الشريفة التي عرض على النفس من الغيب سجودها له، إلى الكواكب والشمس والقمر، وما كانت في نفس الأمر إلا أبويه وإخوته  يا أبت  أصله يا أبي، فعوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبها في الزيادة، وكسرها لأنه عوض عن حرف يناسبها. وقرئ بفتحها لأنها حركة أصلها، أو لأنه كان ( يا أبتا ) فحذف الألف، وبقي الفتحة. وقرئ بالضم إجراء لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء، من غير اعتبار التعويض. وقوله : رأيتهم  استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها، فلا تكرير : أو تأكيد للأولى تطرية لطول العهد، كما في قوله[(١)](#foonote-١) : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون . وإنما أجريت مجرى العقلاء في ضميرهم وجمع صفتهم جمعا سالما، لوصفها بوصفهم، وهو السجود. 
قال المهايمي : ولو صح كونها ناطقة فلا إشكال. قال : ولم أر من تعرض لهيأة السجود، ولعله تحريك جانبها الأعلى إلى الأسفل، مستديرة ظهرت أو مستطيلة ا ه.

١ \[٢٣ / المؤمنون / ٣٥\]..

### الآية 12:5

> ﻿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [12:5]

\[ ٥ \]  قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ٥ . 
 قال يا بني  صغره لصغر سنه، وللشفقة عليه، ولعذوبة المصغر،  لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا  أي فيفعلوا لأجلك أو لإهلاكك تحيلا عظيما متلفا لك.  إن الشيطان للإنسان عدو مبين  أي ظاهر العداوة، فلا يألوا جهدا في إغواء إخوتك وحملهم على ما لا خير فيه. 
قال القاشاني : هذا النهي من الإلهامات المجملة، فإنه قد يلوح صورة الغيب من المجردات الروحانية في الروح، ويصل أثره إلى القلب، ولا يتشخص في النفس مفصلا، / حتى يقع العلم به كما هو، فيقع في النفس منه خوف واحتراز إن كان مكروها، وفرح وسرور إن كان مرغوبا. ويسمى هذا النوع من الإلهام، إنذارات وبشارات. فخاف، عليه السلام، من وقوع ما وقع قبل وقوعه، فنهاه عن إخبارهم برؤياه احترازا ويجوز أن يكون احترازه كان من جهة دلالة الرؤيا على شرفه وكرامته، وزيادة قدره على إخوته، فخاف حسدهم عليه عند شعورهم بذلك. انتهى. 
**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ). قال الكيا : هذا يدل على جواز ترك إظهار النعمة لمن يخشى منه حسد ومكروه. 
وقال ابن العربي : فيه حكم بالعادة أن الإخوة والقرابة يحسدون. قال وفيه أن يعقوب عرف تأويل الرؤيا ولم يبال بذلك، فإن الرجل يود أن يكون ولده خيرا منه، والأخ لا يود ذلك لأخيه. 
وقال بعض المفسرين اليمانيين : قال الحاكم : هذا يدل على أنه يجب في بعض الأوقات إخفاء فضيلة، تحرزا من الحسود. وهذا داخل في قولنا : إن الحسن إذا كان سببا للقبيح قبح. ومنه آية الأنعام[(١)](#foonote-١) : ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم  وفي هذا ما ذكر عن زيد العابدين :
إني لأكتم من علمي جواهره \*\*\*كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
الأبيات المعروفة، ذكرها عن زين العابدين، الغزالي في ( منهاج العابدين ) والديلمي في كتاب ( التصفية ). وهذا يعقوب صلوات الله عليه أمر يوسف أن لا يقص رؤياه على إخوته، والمعنى واحد، فلا معنى لإنكار من ينكر ويزعم أن العلم لا يحل كتمه. انتهى. 
ومقصوده أنه خوف شر الأشرار من الصوارف عن الصدع بالحق. 
 وقال السيد ابن المرتضى اليماني في ( إيثار الحق ) : مما زاد الحق غموضا وخفاء خوف العارفين، مع قلتهم، من علماء السوء، وسلاطين الجور، وشياطين الخلق، مع جواز التقية عند ذلك، بنص القرآن، وإجماع أهل الإسلام. وما زال الخوف مانعا من إظهار الحق، وما برح المحق عدوا لأكثر الخلق. 
وذكر رحمه الله قبل في الاستدلال على التقية، أنه تعالى أثنى على مؤمن آل فرعون، مع كتم إيمانه، سميت به سورة ( المؤمن ). وصح أمر عمار به وتقريره عليه، ونزلت فيه[(٢)](#foonote-٢) : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان . وقد صح عن أبي هريرة[(٣)](#foonote-٣) أنه قال في ذلك في العصر الأول :" حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، أما أحدهما فبثثته لكم، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم ". قال الغزالي في خطبة ( المقصد الأسنى ) : من خالط جدير بأنه يتحامى. لكن من أبصر الحق عسير عليه أن يتعامى. انتهى.

١ \[٦ / الأنعام /١٠٨\]..
٢ \[١٦ / النحل / ١٠٦\]..
٣ أخرجه البخاري في : ٣- كتاب العلم، ٤٢- باب حفظ العلم، حديث رقم ١٠٣..

### الآية 12:6

> ﻿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [12:6]

\[ ٦ \]  وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم ٦ . 
 وكذلك يجتبيك ربك  أي مثل ذلك الاصطفاء، بإراءة هذه الرؤيا العظيمة الشأن، يصطفيك للنبوة والسيادة  ويعلمك من تأويل الأحاديث  أي تعبير المنامات، وإنما سمي التعبير تأويلا، لأنه جعل المرئي آيلا إلى ما يذكره المعبر بصدد التعبير، وراجعا إليه. والأحاديث اسم جمع للحديث، سميت به الرؤيا لأنها إما حديث ملك أو نفس أو شيطان.  ويتم نعمته عليك  أي بما سيؤول إليه أمرك  وعلى آل يعقوب  وهم أهله من بنيه، وحاشيتهم، أي يسبغ نعمته عليهم بك  كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم  بمن هو مستحق للاجتباء  حكيم  في صنعه. 
**تنبيهات :**
الأول - قال أبو السعود : كأن يعقوب عليه السلام أشار بقوله : ويعلمك من تأويل الأحاديث  إلى ما سيقع من يوسف عليه السلام، من تعبيره لرؤيا صاحبي السجن، ورؤيا الملك، وكون ذلك ذريعة إلى ما يبلغه الله إليه من الرياسة العظمى التي عبر عنها بإتمام النعمة. وإنما عرف يعقوب عليه السلام ذلك منه من جهة الوحي. أو أراد كون هذه الخصلة سببا لظهور أمره عليه السلام، على الإطلاق، فيجوز حينئذ أن تكون معرفته بطريق الفراسة، والاستدلال من الشواهد والدلائل والأمارات والمخايل، بأن من وفقه الله تعالى لمثل هذه الرؤيا، لابد من توفيقه لتعبيرها، وتأويل أمثالها، وتمييز ما هو آفاقي منها، مما هو أنفس كيف لا، وهي تدل على كمال تمكن نفسه عليه السلام في عالم المثال، وقوة تصرفاتها فيه، فيكون أقبل لفيضان المعارف المتعلقة بذلك العالم، وبما يحاكيه من الأمور بحسبها في عالم الشهادة، وأقوى وقوفا على النسب الواقعة بين الصور المعاينة في أحد ذينك العالمين، وبين الكائنات الظاهرة على وفقها في العالم الآخر. وإن هذا الشأن البديع، لابد أن يكون أنموذجا لظهور أمر من اتصف به، ومدارا لجريان أحكامه، فإن لكل نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معجزة، بها تظهر آثاره، وتجري أحكامه. 
الثاني - استدل بالآية على أن ( الجد ) يطلق عليه اسم ( الأب )، فيدل أن من نسب رجلا إلى جده وقال :( يا ابن فلان ) ! أنه لا يكون قذفا. 
الثالث - قال المهايمي : من فوائد هذا المقام استحباب كتمان السر، وجوزا التحذير / عن شخص بعينه، ومدح الشخص في وجهه إذا لم يضره، واعتبار السبب وإن لم يؤثر، وأن لكل حادث تأويلا عند الأولياء، وأنه تعبر الرؤيا من الصغار، وإن كان من عالم الخيال، إذ تصور المخيلة معاني معقولة، بصور محسوسة فترسلها إلى الحس المشترك فيشاهدها. والصادقة منها ما تكون باتصال النفس عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فيتصور بما فيها مما يناسب المعاني، فإن كانت شديدة المناسبة استغنت عن التعبير، وإلا احتاجت إليه فالأخبار عن هذه الرؤيا آية، وعما ترتب عليها آيات. 
بحث في الرؤيا
قال الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه ( الذريعة ) في بحث ( الفراسة ) ما مثاله :
ومن الفراسة علم الرؤيا. وقد عظم الله تعالى أمرها في جميع الكتب المنزلة، وقال[(١)](#foonote-١) لنبيه صلى الله عليه وسلم : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس . وقال[(٢)](#foonote-٢) : إذ يريكهم الله في منامك...  الآية - وقال [(٣)](#foonote-٣) : في قصة إبراهيم : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك  وقوله [(٤)](#foonote-٤) : يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا . 
والرؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم يكن لها حقيقة لم يكن لإيجاد هذه القوة في الإنسان فائدة، والله تعالى يتعالى عن الباطل. وهي ضربان : ضرب وهو الأكثر أضغاث أحلام وأحاديث النفس بالخواطر الردية، لكون النفس في تلك الحال كالماء المتموج، لا يقبل صورة. 
وضرب وهو الأقل، صحيح، وذلك قسمان : قسم لا يحتاج إلى تأويل، ولذلك يحتاج المعبر إلى مهارة، يفرق بين الأضغاث وبين غيرها، وليميز بين الكلمات الروحانية والجسمانية، / ويفرق بين طبقات الناس، إذ كان فيهم من لا تصح له رؤيا، وفيهم من تصح رؤياه ثم من صح له ذلك، منهم من يرشح أن تلقى إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطيرة، ومنهم من لا يرشح له ذلك. ولهذا قال اليونانيون : يجب أن يشتغل المعبر بعبارة رؤيا الحكماء والملوك دون الطغام، وذلك لأن له حظا من النبوة. وقد قال عليه الصلاة والسلام[(٥)](#foonote-٥) :" الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " وهذا العلم يحتاج إلى مناسبة بين متحريه وبينه، فرب حكيم لا يرزق حذقا فيه ورب نزر الحظ من الحكمة وسائر العلوم، توجد له فيه قوة عجيبة. انتهى. 
وقال الأستاذ ابن خلدون : حقيقة الرؤيا مطالعة النفس الناطقة، في ذاتها الروحانية، لمحة من صور الواقعات. فإنها عندما تكون روحانية تكون صور الواقعات فيها موجودة بالفعل، كما هو شأن الذوات الروحانية كلها، وتصير روحانية بأن تتجرد عن المواد الجسمانية، والمدارك البدنية. وقد يقع لها ذلك لمحة بسبب النوم، كما نذكر، فتقتبس بها علم ما تتشوف إليه من الأمور المستقبلة، وتعود به إلى مداركها. فإن كان ذلك الاقتباس ضعيفا وغير جلي بالمحاكاة، والمثال في الخيال لتخلطه فيحتاج من أجل هذه المحاكاة إلى التعبير. وقد يكون الاقتباس قويا يستغنى فيه عن المحاكاة، فلا يحتاج إلى تعبير لخلوصه من المثال والخيال والسبب في وقوع هذه اللمحة للنفس، أنها ذات روحانية بالقوة، مستكملة بالبدن ومداركه، حتى تصير ذاتها تعقلا محضا ويكمل وجودها بالفعل، فتكون حينئذ ذاتا روحانية مدركة بغير شيء من الآلات البدنية، إلا أن نوعها من الروحانيات دون نوع الملائكة، أهل الأفق الأعلى، على الذين لم يستكملوا ذواتهم بشيء من مدارك البدن، / ولا غيره. فهذا الاستعداد حاصل لها ما دامت في البدن. ومنه خاص، كالذي للأولياء. ومنه عام للبشر على العموم، وهو أمر الرؤيا. وأما الذي للأنبياء فهو استعداد بالانسلاخ من البشرية إلى الملكية المحضة التي هي أعلى الروحانيات. ويخرج هذا الاستعداد فيهم متكررا في حالات الوحي، وهي عندما يعرج على المدارك البدنية، ويقع فيها ما يقع من الإدراك، شبيها بحال النوم في حالات شبها بينا، وإن كان حال النوم أدون منه بكثير. فلأجل هذا الشبه عبر الشارع عن الرؤيا بأنها " جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " وفي رواية " ثلاثة وأربعين "، وفي رواية " سبعين " وليس العدد في جميعها مقصودا بالذات، وإنما المراد الكثرة في تفاوت هذه المراتب، بدليل ذكر السبعين في بعض طرقه، وهو للتكثير عند العرب، وما ذهب إليه بعضهم في رواية " ستة وأربعين " من أن الوحي كان في مبتدئه بالرؤيا ستة أشهر، وهي نصف سنة ومدة النبوة كلها بمكة والمدينة ثلاث وعشرون سنة، فنصف السنة منها جزء من ستة وأربعين فكلام بعيد من التحقيق. لأنه إنما وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. ومن أين لنا أن هذه المدة وقعت لغيره من الأنبياء " ؟ مع أن ذلك إنما يعطي نسبة من زمن الرؤيا من زمن النبوة، ولا يعطي نسبة حقيقتها من حقيقة النبوة. وإذا تبين لك هذا مما ذكرناه أولا، علمت أن معنى هذا الجزء نسبة الاستعداد الأول الشامل للبشر، إلى الاستعداد القريب الخاص بصنف الأنبياء الفطري لهم، صلوات الله عليهم، إذ هو الاستعداد البعيد. وإن كان عاما في البشر، ومعه عوائق وموانع كثيرة، من حصوله بالفعل. ومن أعظم تلك الموانع الحواس الظاهرة، ففطر الله البشر على ارتفاع حجاب الحواس بالنوم، الذي هو جبلي لهم، فتتعرض النفس عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوف إليه في عالم الحق، فتدرك بعض الأحيان منه لمحة يكون فيها الظفر بالمطلوب. ولذلك جعلها الشارع من المبشرات فقال[(٦)](#foonote-٦) :" لم يبق من النبوة إلا المبشرات ! قالوا : وما المبشرات يا رسول الله ؟ قال الرؤيا الصالحة، يراها الرجل الصالح، أو ترى له ". 
 وأما سبب ارتفاع حجاب الحواس بالنوم، فعلى ما أصفها لك : وذلك أن النفس الناطقة إنما إدراكها وأفعالها بالروح الحيواني الجسماني، وهو بخار لطيف، مركزه بالتجويف الأيسر من القلب على ما في كتب التشريح لجالينوس وغيره وينبعث مع الدم في الشريانات والعروق، فيعطي الحس والحركة، وسائر الأفعال البدنية، ويرتفع لطيفه إلى الدماغ، فيعدل من برده، وتتم أفعال القوى التي في بطونه. فالنفس الناطقة إنما تدرك وتعقل بهذا الروح البخاري، وهي متعلقة به، لما اقتضته حكمة التكوين في أن اللطيف لا يؤثر في الكثيف. ولما لطف هذا الروح الحيواني من بين المواد البدنية، صار محلاّ لآثار الذات المباينة له في جسمانيته، وهي النفس الناطقة، وصارت آثارها حاصلة في البدن بواسطته. 
وقد كنا قدمنا أن إدراكها على نوعين : إدراك بالظاهر وهو بالحواس الخمس، وإدراك بالباطن وهو بالقوى الدماغية. وأن هذا الإدراك كله صارف لها عن إدراكها ما فوقها من ذواتها الروحانية، التي هي مستعدة له بالفطرة. ولما كانت الحواس الظاهرة جسمانية، كانت معرضة للوسن والفشل، بما يدركها من التعب والكلال، وتغشى الروح بكثرة التصرف، فخلق الله لها طلب الاستجمام، لتجرد الإدراك على الصورة الكاملة. وإنما يكون ذلك بانخناس الروح الحيواني من الحواس الظاهرة كلها، ورجوعه إلى الحس الباطن. ويعين على ذلك ما يغشى البدن من البرد بالليل، فتطلب الحرارة الغريزية أعماق البدن، وتذهب من ظاهره إلى باطنه فتكون مشيعة مركبها، وهو الروح الحيواني، إلى الباطن. ولذلك كان النوم للبشر في الغالب إنما هو الليل. فإذا انخنس الروح عن الحواس الظاهرة، ورجع إلى القوى الباطنة، وخفّت عن النفس شواغل الحس وموانعه، ورجعت إلى الصورة التي في الحافظة، تمثل منها بالتركيب والتحليل صورة خيالية، وأكثر ما تكون معتادة لأنها منتزعة من المدركات المتعاهدة قريبا. ثم ينزلها الحس المشترك، الذي هو جامع الحواس الظاهرة، فيدركها على أنحاء الحواس الخمس الظاهرة / وربما التفتت النفس لفتة إلى ذاتها الروحانية، مع منازعتها القوى الباطنية، فتدرك بإدراكها الروحاني، لأنها مفطورة عليه. وتقتبس من صور الأشياء التي صارت متعلقة في ذاتها حينئذ، ثم يأخذ الخيال تلك الصور المدركة، فيمثلها بالحقيقة أو المحاكاة في القوالب المعهودة. والمحاكاة من هذه هي المحتاجة للتعبير وتصرفها بالتركيب والتحليل في صور الحافظة، قبل أن تدرك من تلك اللمحة ما تدركه هي أضغاث أحلام. 
وفي ( الصحيح ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال[(٧)](#foonote-٧) :" الرؤيا ثلاث : رؤيا من الله، رؤيا من الملك، ورؤيا من الشيطان " وهذا التفصيل مطابق لما ذكرناه. فالجلي من الله، والمحاكاة الداعية إلى التعبير من الملك، وأضغاث الأحلام من الشيطان، لأنها كلها باطل، والشيطان ينبوع الباطل. 
هذه حقيقة الرؤيا، وما يسببها ويشيعها من النوم. وهي خواص للنفس الإنسانية، موجودة في البشر على العموم، لا يخلو عنها أحد منهم، بل كل واحد من الإنسان رأى في نومه ما صدر له في يقظته، مرارا غير واحدة، وحصل له القطع أن النفس مدركة للغيب في النوم، ولابد. وإذا جاز ذلك

١ \[١٧ / الإسراء / ٦٠\]..
٢ \[٨ / الأنفال / ٤٣\]..
٣ \[٣٧ / الصافات / ١٠٢\]..
٤ \[١٢ / يوسف / ٤\]..
٥ أخرجه البخاري في: ٩١ ـ كتاب التعبير، ٢- باب رؤيا الصالحين، حديث ٢٥٣٦ ونصه: عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح..."..
٦ أخرجه البخاري في: ٩١- كتاب التعبير، باب المبشرات، حديث ٢٥٤١..
٧ أخرجه البخاري عن أبي هريرة في : ٩١- كتاب التعبير، ٢٦- باب القيد في المنام، حديث ٢٥٣٩..

### الآية 12:7

> ﻿۞ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ [12:7]

**وقوله تعالى :**
\[ ٧ \]  \* لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ٧ . 
 لقد كان في يوسف وإخوته  أي في قصتهم وحديثهم  آيات  أي دلائل على قدرته تعالى، وحكمته في كل شيء  للسائلين  أي لمن سأل عن نبئهم. أو آيات على نبوته صلوات الله عليه، لمن سأل عن نبئهم، فأخبرهم بالصحة من غير تلق عن بشر أو أخذ عن كتاب. 
قال القاشاني : أي آيات معظمات لمن يسأل عن قصتهم ويعرفها، تدلهم أولا : على أن الاصطفاء المحض أمر مخصوص بمشيئة الله تعالى، لا يتعلق بسعي ساع، ولا إرادة مريد، فيعلمون مراتب الاستعدادات في الأزل. 
ثانيا : على أن من أراد الله به خيرا، لم يمكن لأحد دفعه. ومن عصمه الله، لم يمكن لأحد رميه بسوء، ولا قصده بشر، فيقوى يقينهم وتوكلهم. 
ثالثا : على أن كيد الشيطان وإغواءه أمر لا يأمن منه أحد، حتى الأنبياء، فيكونون منه على حذر. وأقوى من ذلك كله أنها تطلعهم من طريق الفهم، الذي هو الانتقال الذهني، على أحوالهم في البداية والنهاية، وما بينهما، وكيفية سلوكهم إلى الله، فتثير شوقهم وإرادتهم، وتشحذ بصيرتهم، وتقوى عزيمتهم.

### الآية 12:8

> ﻿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [12:8]

\[ ٨ \]  إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين ٨ . 
 إذ قالوا ليوسف وأخوه  وهو بنيامين شقيقه، وأمهما راحيل بنت لابان، خال يعقوب  أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة  أي والحال أنا جماعة أقوياء، أحق بالمحبة / من صغيرين، ولا كفاية فيهما. والعصبة والعصابة : الجماعة من الرجال- عشرة فصاعدا- سموا بذلك لكون الأمور تعصب بهم، أي تشد فتقوى. وذكرها ليس لإفادة العدد فقط بل للإشعار بالقوة ليكون أدخل في الإنكار لأنهم قادرون على خدمته، والجد في منفعته يؤثر عليهم من لا يقدر على ذلك ؟
 إن أبانا لفي ضلال مبين  أي ذهاب عن طريق الصواب في ذلك لتفضيله المفضول بزعمهم. وغاب عنهم أنه كان يحب يوسف لما يرى فيه من المخايل، لاسيما بعد تلك الرؤيا. وبنيامين لكونه شقيقه وأصغرهم. ومن المعروف زيادة الميل لأصغر البنين.

### الآية 12:9

> ﻿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [12:9]

**وقوله تعالى :**
\[ ٩ \]  اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ٩ . 
 اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا  من مقول قولهم المحكي قبل. وإنما قالوا هذا لأن خبر المنام بلغهم. ويروى أنه قصه عليهم، فتشاوروا في كيده، وقالوا ذلك، وقالوا : لنرى بعد ما يكون من أحلامه، سخرية واستهزاء. وتنكير  أرضا  وإخلاؤها من الوصف، للإبهام. أي في أرض مجهولة، لا يعرفها الأب، ولا يمكن ليوسف أن يعرف طريق الوصول إليه. 
وقوله : يخل لكم وجه أبيكم  جواب الأمر، كناية عن خلوص محبته لهم، لأنه يدل على إقباله عليهم بكليته، وعلى فراغه عن الشغل بيوسف، فيشتغل بهم.  وتكونوا من بعده  أي من بعد الفراغ من قتله أو طرحه  قوما صالحين  أي تائبين إلى الله عما جنيتم، فيكون صلاحكم فداء عن معصية قتله أو طرحه. أو تصلح دنياكم، وتنتظم أموركم بعده بخلو وجه أبيكم. 
 **تنبيهات :**
الأول - قال ابن إسحاق : لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير، الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني، ذي الحق والحرمة والفضل، والده، ليفرقوا بينه وبين ابنه على صغر سنه، وحاجته إلى لطف والده، وسكونه إليه. يغفر الله لهم !
الثاني - قال ابن كثير : اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف : وظاهر السياق يدل على خلاف ذلك. ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر. ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل. ولم يذكروا سوى قوله تعالى[(١)](#foonote-١) : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط  وهذا فيه احتمال، لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب. يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف. ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم. والله أعلم. 
١ \[٢ / البقرة / ١٣٦\]..

### الآية 12:10

> ﻿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [12:10]

\[ ١٠ \]  قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابات الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ١٠ . 
 قال قائل منهم  أي صريحا ورضي به الباقون  لا تقتلوا يوسف  أي لأن القتل من الكبائر التي يخاف معها سدّ باب الصلاح. وإنما أظهره في مكان الإضمار استجلابا لشفقتهم عليه، أو استعظاما لقتله.  وألقوه في غيابات الجبّ  أي في غوره. و ( الجب ) : البئر التي لا حجارة فيها.  يلتقطه بعض السيارة  أي بعض الأقوام الذين يسيرون / في الأرض، فيمتلكه، فلا يمكنه الرجوع إلى أبيه، فيحصل مطلوبكم من غير ارتكاب كبيرة يخاف معها سد باب الصلاح. 
 إن كنتم فاعلين  أي عازمين مصرين على أن تفرقوا بينه وبين أبيه. وقد روي أن القائل هو أخوهم الأكبر، بكر يعقوب ( رؤوبين ). 
ولما تواطأوا على رأيه : قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون .

### الآية 12:11

> ﻿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ [12:11]

\[ ١١ \]  قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ١١ . 
 قالوا  أي لأبيهم  يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون  أي لم تخافنا عليه، ونحن نريد له الخير ونحبه ونشفق عليه ؟ أرادوا بذلك استنزاله عن عادته في حفظه منهم. وفيه دليل على أنه أحس منهم بما أوجب أن لا يأمنهم عليه - كذا في ( الكشاف ).

### الآية 12:12

> ﻿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [12:12]

\[ ١٢ \]  أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون ١٢ . 
 أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون  ( الرتع ) : الأكل والشرب، والسعي والنشاط، حيث يكون الخضر والمياه والزروع. يريدون : أن إلزامك إياه أن يكون بمكانك، موجب لملاله القاطع لنشاطه على العبادة، واكتساب الكمالات.

### الآية 12:13

> ﻿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ [12:13]

\[ ١٣ \]  قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون ١٣ . 
 قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون  / يعني : وإن زعمتم أنكم له حافظون، فحفظكم إنما يكون ما دمتم ناظرين إليه، لكن لا يخلو الإنسان عن الغفلة، فأخاف غفلتكم عنه. 
**قال الزمخشري : اعتذر إليهم بشيئين :**
أحدهما : أن ذهابهم به، ومفارقته إياه، مما يحزنه، لأنه كان لا يصبر عنه ساعة. 
والثاني : خوفه عليه من عدوة الذئب إذا غفلوا عنه، برعيهم ولعبهم، أو قل به اهتمامهم، ولم تصدق بحفظه عنايتهم. 
قال الناصر : وكان أشغل الأمرين لقلبه خوف الذئب عليه، لأنه مظنة هلاكه. وأما حزنه لمفارقته ريثما يرتع ويلعب ويعود سالما إليه عما قليل، فأمر سهل. فكأنهم لم يشتغلوا إلا بتأمينه وتطمينه من أشد الأمرين عليه. انتهى أي فيما حكي عنهم بقوله : قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون .

### الآية 12:14

> ﻿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ [12:14]

\[ ١٤ \]  قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون ١٤ . 
 قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة  أي جماعة أقوياء، يمكننا أن ننزعه من يد الذئب  إنا إذا لخاسرون  أي هالكون ضعفا وجبنا. أو عاجزون، أو مستحقون لأن يدعي عليهم بالخسارة والدمار.

### الآية 12:15

> ﻿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [12:15]

\[ ١٥ \]  فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ١٥ . 
 فلما ذهبوا به  أي بعد مراجعة أبيهم في شأنه  وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب  فيه تعظيم لما أزمعوا، إذ أخذوه ليكرموه، ويدخلوا السرور على أبيه، ومكروا ما مكروا.  وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا  أي أعلمناه بإلقاء في روعه، أو بواسطة ملك عند ذلك تبشيرا له، بأنك ستخلص مما أنت فيه، وتحدثهم بما فعلوا بك. 
 وقوله : وهم لا يشعرون  إما متعلق ب  أوحينا  أي أوحينا إليه ذلك وهم لا يشعرون، إيناسا له، وإزالة للوحشة ؛ أو حال من الهاء في  لتنبئنهم ، أي : لتحدثنهم بذلك وهم لا يشعرون أنك يوسف، لعلوّ شأنك، كما سيأتي في قوله تعالى[(١)](#foonote-١) : فعرفهم وهم له منكرون . 
روي أنهم نزعوا قميص يوسف الموشى الذي عليه، وأخذوه، وطرحوه في البئر، وكانت فارغة لا ماء بها، وجلسوا بعد، يأكلون ويلهون إلى المساء. 
وجواب  لما  في الآية محذوف، مثل فعلوا ما فعلوا، أو طرحوه فيها. وقيل : الجواب  أوحينا  والواو زائدة.

١ \[١٢ / يوسف / ٥٨\]..

### الآية 12:16

> ﻿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [12:16]

\[ ١٦ \]  وجاءوا أباهم عشاء يبكون ١٦ . 
 وجاءوا أباهم عشاء يبكون  بيان لمكرهم بأبيهم بطريق الاعتذار الموهم موته القاطع عنه متمناه، لتنقطع محبته عنه، ولو بعد حين، فيرجع إليهم بالحب الكلي. وقدموا عشاء لكونه وقت الظلمة المانعة من احتشامه في الاعتذار الكذب، ومن تفرسه من وجوههم الكذب وأوهموا، ببكائهم وتفجعهم عليه، إفراط محبتهم له المانعة من الجرأة عليه. ثم نادوه باسم ( الأب ) المضاف إليهم ليرحمهم، فيترك غضبه عليهم، الداعي إلى تكذيبهم.

### الآية 12:17

> ﻿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [12:17]

\[ ١٧ \]  قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ١٧ . 
 قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق  أي في العدو والرمي بالنصل  وتركنا يوسف / عند متاعنا  أي ما يتمتع به من الثياب والأزواد وغيرهما ليحفظه  فأكله الذئب  أي كما حذرت. 
وقوله تعالى : وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين  تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه. يقولون : ونحن نعلم أنك لا تصدقنا في هذه الحالة، ولو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا، وغير واثق بقولنا ؟. 
**وقد استفيد من الآية أحكام :**
منها : أن بكاء المرء لا يدل على صدقه، لاحتمال أن يكون تصنعا نقله ابن العربي. 
ومنها : مشروعية المسابقة. وفيه من الطب رياضة النفس والدواب، وتمرين الأعضاء على التصرف - كذا في ( الإكليل ) -. 
قال بعض اليمانيين : اللعب إن كان بين الصغار جاز بما لا مفسدة فيه، ولا تشبه بالفسقة. وأما بين الكبار، ففيه ثلاثة أقسام :
الأول : أن يكون في معنى القمار فلا يجوز. 
الثاني : أن لا يكون في معناه، وفيه استعانة وحث على القوة والجهاد، كالمناضلة بالقسي، والمسابقة على الخيل، فذلك جائز وفاقا. 
الثالث : أن لا يكون فيه عوض كالمصارعة ونحوها. ففي ذلك قولان للشافعية. رجح الجواز، إن كان بغير عوض، أو بعوض يكون دفعه على سبيل الرضا، لأنه صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) صارع يزيد بن ركانة. 
وروي أن عائشة قالت[(٢)](#foonote-٢) :" سابقت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، فسبقته في المرة الأولى، فلما بدنت سبقني وقال : هذه بتلك ". 
وفي الحديث[(٣)](#foonote-٣) :" ليس من اللهو ثلاثة : ملاعبة الرجل لأهله، وتأديبه فرسه ورميه بقوسه " انتهى.

١ أخرجه أبو داود في: ٣١- كتاب اللباس، ٢١- باب في العمائم، حديث ٤٠٧٨..
٢ أخرجه ابن ماجة في: ٩- كتاب النكاح، ٥٠- باب حسن معاشرة النساء، حديث رقم ١٩٧٩ (طبعتنا)..
٣ أخرجه أبو داود، من حديث طويل، عن عقبة بن عامر، في: ١٥- كتاب الجهاد، ٢٣- باب في الرمي، حديث رقم ٢٥١٣..

### الآية 12:18

> ﻿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ [12:18]

\[ ١٨ \]  وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ١٨ . 
 وجاءوا على قميصه بدم كذب  بيان لما تآمروا عليه من المكيدة، وهو أنهم أخذوا قميصه الموشى، وغمسوه في دم معز كانوا ذبحوه. و  كذب  مصدر بتقدير مضاف، أي : ذي كذب. أو وصف به مبالغة، كرجل عدل. و  على  ظرف ل  جاءوا  مشعر بتضمنه معنى ( افتروا ). 
وقوله : قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا  أي من تغيب يوسف، وتفريغه عني، والاعتذار الكاذب. 
قال الناصر : وقوّاه على اتهامهم، أنهم ادعوا الوجه الخاص الذي خاف يعقوب عليه السلام، هلاكه بسببه أولا، وهو أكل الذئب، فاتهمهم أن يكونوا تلقفوا العذر من قوله لهم : وأخاف أن يأكله الذئب ، وكثيرا ما تتفق الأعذار الباطلة، من قلق في المخاطب المعتذر إليه، حتى كان بعض أمراء المؤمنين يلقنون السارق الإنكار. انتهى. 
وفي ( الإكليل ) : استنبط، من هذا الحكم بالأمارات، والنظر إلى التهمة، حيث قال : بل سولت...  الآية. 
**لطائف :**
قال المهايمي : في الآية من الفوائد أن الجاه يدعو إلى الحسد، كالمال، وهو يمنع من المحبة الأصلية من القرابة ونحوها، بل يجعل عداوتهم أشد من عداوة الأجانب. وأن الحسد يدعو إلى المكر بالمحسود، وبمن يراعيه، وأنه إنما يكون برؤية الماكر نفسه أكمل عقلا من الممكور به وأن الحاسد إذا ادعى النصح والحفظ والمحبة، بل أظهره فعلا، لم يعتمد عليه. 
 وكذا من أظهر الأمانة قولا وفعلا، بفعل الخيانة. وأن الإذلال والإعزاز بيد الله، لا الخلق. وأن من طلب مراده بمعصية الله بعد عنه. وأن الخوف من الخلق يورث البلاء، وأن الإنسان، وإن كان نبيا، يخلق أولا على طبع البشرية. وأن اتباع الشهوات يورث الحزن الطويل. وأن القدر كائن. وأن الحذر لا يغني من القدر. 
قيل للهدهد : كيف ترى الماء تحت الأرض، ولا ترى الشبكة فوقها ؟ قال : إذا جاء القضاء عمي البصر. 
و ( التسويل ) تزيين النفس للمرء ما يحرص عليه، وتصوير القبيح بصورة الحسن.  فصبر جميل  ( صبر ) خبر أو مبتدأ، لكونه موصوفا، أي فشأني صبر جميل. أو فصبر جميل أجمل والصبر قوة للنفس على احتمال الآلام كالمصائب إذا عرضت، والجميل منه هو ما لا شكوى فيه إلى الخلق ولا جزع، رضا بقضاء الله، ووقوفا مع مقتضى العبودية. 
 والله المستعان على ما تصفون  أي المطلوب منه العون على احتمال ما تصفون من هلاك يوسف - كذا قدروه وحقق أبو السعود، أن المعنى على إظهار حال ما تصفون، وبيان كونه كذبا، وإظهار سلامته، فإنه علم في الكذب. قال سبحانه[(١)](#foonote-١) : سبحان ربك رب العزة عما يصفون  وهو الأليق بما سيجيء من قوله تعالى[(٢)](#foonote-٢) : فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا  وتفسير المستعان عليه باحتمال ما يصفون من هلاك يوسف، والصبر على الرزء فيه - يأباه تكذيبه عليه السلام لهم في ذلك، ولا تساعده الصيغة، فإنها قد غلبت في وصف الشيء بما ليس فيه، كما أشير إليه. انتهى. 
وفي قوله : والله المستعان  اعتراف بأن تلبسه بالصبر لا يكون إلا بمعونته تعالى. 
قال الرازي : لأن الدواعي النفسانية تدعوه إلى إظهار الجزع، وهي قوية. والدواعي الروحانية تدعوه إلى الصبر والرضا. فكأنهما في تحارب وتجالد. فما لم تحصل إعانته تعالى، / لم تحصل الغلبة. فقوله : فصبر جميل  يجري مجرى قوله : إياك نعبد . وقوله : والله المستعان  يجري مجرى قوله : وإياك نستعين . انتهى.

١ \[٣٧/ الصافات / ١٨٠\]..
٢ \[١٢ / يوسف / ١٨ و ٨٣\]..

### الآية 12:19

> ﻿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [12:19]

ثم ذكر تعالى ما جرى على يوسف في الجب، بعد ما تقدم بقوله :
\[ ١٩ \]  وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشراي هذا غلام وأسرّوه بضاعة والله عليم بما يعملون ١٩ . 
 وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم  أي الذي يرد الماء ويسقي لهم  فأدلى دلوه  أي أرسلها في الجب ليملأها، فتعلق بها يوسف للخروج، فلما رآه  قال يا بشراي هذا غلام  وقرئ  يا بشراي  بالإضافة والمنادى محذوف. أو نزلت منزلة من ينادي ويقال : إن هذه الكلمة تستعمل للتبشير من غير قصد إلى النداء. 
قال الزجاج : معنى النداء في هذه الأشياء التي لا تجيب هو تنبيه المخاطبين، وتوكيد القصة. فإذا قلت : يا عجباه ! فكأنك قلت : اعجبوا. 
و ( الغلام ) : الطارّ الشارب. أو من ولادته إلى أن يشّب. والتنوين للتعظيم. 
 وأسروه بضاعة  أي أخفوه متاعا للتجارة. ف  بضاعة  حال. وفي ( الفرائد ) : أنه ضمّن  أسروه  معنى ( جعلوه ) أي جعلوه بضاعة مسرين، فهو مفعول به، أو مفعول له أي لأجل التجارة و ( البضاعة ) من البضع وهو القطع لأنه قطعة وافرة من المال تقتنى للتجارة : والله عليم بما يعملون .

### الآية 12:20

> ﻿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [12:20]

\[ ٢٠ \]  وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ٢٠ . 
 وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين  الضمير / في  أسروه  و  شروه  للسيارة، لأنها بمعنى القوم السائرين. وقد روي أنهم كانوا تجارا من بلدة مدين، فلما أصعد روادهم يوسف، وضموه إلى بضاعتهم، باعوه لقافلة مرت بهم سائرة إلى مصر بعشرين درهما من الفضة، ثم أتوا بيوسف إلى مصر. و  دراهم  بدل من الثمن. و ( المعدود )، كناية عن القليل، لأن الكثير يوزن عندهم. و ( الزهد ) فيه بمعنى الرغبة عنه. 
**فوائد :**
قال في ( الإكليل )، استنبط الناس من هذه الآية أحكام اللقيط، فأخذوا منها أن اللقيط يؤخذ ولا يترك. ومن قوله : هذا غلام  أنه كان صغيرا، وأن الالتقاط خاص به، فلا يلتقط الكبير. وكذا قوله  وأخاف أن يأكله الذئب  لأن ذلك أمر يختص بالصغار. ومن قوله : وشروه بثمن بخس  أن اللقيط يحكم بحريته. وأن ثمن الحر حرام. قال بعضهم : وجه الاستدلال أنهم باعوه بثمن حقير لكونه لقيطا، وهو لا يملك، إذ لو ملك استوفوا ثمنه. 
قال بعض الزيدية : ورد هذا الاستدلال بأن فعلهم ليس شريعة. وأما الآن فلا شبهة أن ظاهر اللقيط الحرية، كما أن ظاهره الإسلام. اه. 
قال المهايمي : ومن الفوائد أن الفرج قد يحصل من حيث لا يحتسب. وأنه ينتظر للشدة. وأن من خرج لطلب شيء قد يجد ما لم يكن في خاطره، وأن الشيء الخطير قد يعرض فيه ما يهونه، وأن البشرى قد يعقبها الحزن، والعزة قد يعقبها الذلة، وبالعكس. اه.

### الآية 12:21

> ﻿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [12:21]

\[ ٢١ \]  وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ٢١ . 
 وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا  يخبر تعالى عن لطفه بيوسف، إذ يسر له من اشتره في مصر، فاعتنى به، وأوصى أهله، وتوسم فيه الخير والصلاح. ومعنى  أكرمي مثواه  اجعلي مقامه حسنا مرضيا. و ( المثوى ) محل الثواء، وهو الإقامة. 
قال الشهاب : وإكرام مثواه كناية عن إكرامه على أبلغ وجه وأتمه، لأن من أكرم المحل بإحسان الأسرة، واتخاذ الفراش ونحوه، فقد أكرم ضيفه بسائر ما يكرم به. أو ( المثوى ) مقحم. كما يقال : المقام السامي. 
روي أن القافلة لما نزلت مصر اشتراه منهم رئيس الشرط عند ملك مصر، فأقام في بيت سيده، والعناية الربانية تحفه، والنجاح يحوطه فكان يرى سيده أن كل ما يأتي به ينجحه الله تعالى على يده، فنال حظوة لديه، وأقامه قيّما على كل ما يملكه، وضاعف تعالى البركة في زرعه وماله وحوزته. 
 وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث  أي كما جعلنا له مثوى كريما في منزل العزيز وقلبه. جعلنا له تصرفا بالأمر والنهي، ومكانة رفيعة في أرض مصر، ووجاهة في أهلها، ومحبة في قلوبهم، ليكون عاقبة ذلك تعليمه تأويل الرؤيا التي ستقع من الملك، وتقضي بيوسف إلى الرياسة العظمى. 
 والله غالب على أمره  أي لا يمنع عما يشاء، ولا ينازع فيما يريد. أو على أمر يوسف، أريد به من الفتنة ما أريد غير مرة، فلم يكن إلا ما أراد الله له من العاقبة الحميدة. 
 ولكن أكثر الناس لا يعلمون  أي أن الأمر كله بيده، فيأتون ويذرون زعما أن لهم شيئا من الأمر، أو لا يعلمون لطائف صنعه، وخفايا لطفه.

### الآية 12:22

> ﻿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [12:22]

\[ ٢٢ \]  ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ٢٢ . 
 ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين  هذه الآية كالتي قبلها، تخللت تضاعيف نظم القصة لمعنى بديع، وهو البدار إلى الإعلام بنتائج صبر يوسف، وثمرات مجاهداته، وعجائب صنع الله تعالى في مراداته، إذ طوى له المنح في تلك المحن، وذخر له السيادة في تلك العبودية. ومعنى  بلغ أشده  أي زمان اشتداد جسمه وقوته. 
قال أبو عبيدة : العرب تقول : بلغ فلان أشده، إذا انتهى منتهاه في شبابه وقوته قبل أن يأخذ في النقصان. و ( الحكم ) إما الحكمة، وهو العلم المؤيد بالعمل، أو الحكم بين الناس. 
قال الزمخشري : وفي قوله تعالى : وكذلك نجزي المحسنين  تنبيه على أنه كان محسنا في عمله، متقيا في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه. 
وعن الحسن : من أحسن عبادة ربه في شبيبته، آتاه الله الحكمة في اكتهاله.

### الآية 12:23

> ﻿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [12:23]

\[ ٢٣ \]  وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ٢٣ . 
 وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون  هذا رجوع إلى شرح ما جرى على يوسف في منزل العزيز بعدما أمر امرأته بإكرام مثواه، من مراودتها له وإبائه. / والمراودة : المطالبة. أي : طلبت منه أن يواقعها. وتعديتها ب ( عن ) لتضمينها معنى المخادعة. والعدول عن التصريح باسمها للمحافظة على السر والستر. وإيراد الموصول دون امرأة العزيز، لتقرير المراودة، فإن كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك. قيل لامرأة : ما حملك على ما لا خير فيه ؟ قالت : قرب الوساد، وطول السواد. ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام كما سيأتي. 
و  هيت  قرئ ب ك ( ليت وقيل وحيث )، وبكسر الهاء وبهمزة ساكنة بعدها، وفتح التاء وضمها. وهي في هذه اللغات اسم فعل بمعنى ( تعال ). واللام لتبيين المفعول أي المخاطب. ونقل عن الفراء أنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها. 
قال ابن الأنباري : هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران، كما اتفقت لغة العرب والروم في ( القسطاس ) ونحوه. 
و  معاذ الله  منصوب على المصدر. أي : أعوذ بالله معاذا مما تدعينني إليه، لكونه زنى وخيانة فيما اؤتمنت عليه، وضرا لمن توقع النفع، وإساءة إلى المحسن. 
وقال أبو السعود : وهذا اجتناب منه على أتم الوجوه، وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل، يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه، وما ذاك إلا لأنه عليه السلام قد شاهده بما أراه الله تعالى من البرهان النير على ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح، ونهاية السّوء. 
وقوله : إنه ربي أحسن مثواي  تعليل للامتناع ببعض الأسباب الخارجية، مما عسى أن يكون مؤثرا عندها، وداعيا لها إلى اعتباره. بعد التنبيه على سببه الذاتي الذي تكاد تقبله لما سولته لها نفسها. والضمير للشأن. وفائدة تصدير الجملة به الإيذان بفخامة مضمونها، مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن، فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر، فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه، فيتمكن عند وروده له فضل تمكن. فكأنه قيل : إن الشأن الخطير هذا، وهو ربي، أي سيدي العزيز، أحسن مثواي، أي تعهدي، حيث أمرك بإكرامي، فكيف يمكن أن أسيء إليه بالخيانة في حرمه ؟ وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه. وقيل : الضمير لله عز وجل، و  ربي  خبر ( إن )، و  أحسن مثواي  خبر ثان. 
أو هو الخبر والأول بدل من الضمير. والمعنى : أن الحال هكذا، فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة ؟ وفيه تحذير لها من عقاب الله عز وجل. وعلى التقديرين، ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرض للإمتناع عما دعته إليه، إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته، وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلا. 
وقوله تعالى : إنه لا يفلح الظالمون  تعليل للامتناع المذكور، غبّ تعليل. و ( الفلاح ) الظفر، أو البقاء في الخير. ومعنى ( أفلح ) دخل فيه، كأصبح وأخواته. والمراد ب ( الظالمين ) كل من ظلم، كائنا من كان، فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة، والعصاة لأمر الله تعالى، دخولا أوليا. وقيل : الزناة، لأنهم ظالمون لأنفسهم، وللمزني بأهله. انتهى. 
وقال بعض اليمانيين : ثمرات هذه الآية ثلاث :
الأولى أن الواجب عند الدعاء إلى المعصية الاستعاذة بالله من ذلك، ليعصمه منها، ويدخل فيه دعاء الشيطان، ودعاء شياطين الإنس، ودعاء هوى النفس. 
الثانية - أن السيد والمالك يسمى ( ربّا ). 
الثالثة - أنه يجوز ترك القبيح لقبحه، ورعاية حق غيره، وخشية العار، أو الفقر، أو الخوف، ونحو ذلك. ولا يقال : التشريك غير مفيد في كونه تاركا للقبيح، وأنه لا يثاب. 
وتدل أيضا على لزوم حسن المكافأة بالجميل، وأن من أخل بالمكافأة عليه، كان ظالما. انتهى.

### الآية 12:24

> ﻿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [12:24]

\[ ٢٤ \]  ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين ٢٤ . 
 ولقد همت به، وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء، إنه من عبادنا المخلصين  ( الهم ) : يكون بمعنى القصد والإرادة، ويكون فوق الإرادة ودون العزم، إذا أريد به اجتماع النفس على الأمر والإزماع عليه، وبالعزم : القصد إلى إمضائه فهو أول العزيمة وهذا معنى قولهم : الهم همان : هم ثابت معه عزم وعقد ورضا وهو مذموم مؤاخذ به، وهم بمعنى خاطر، وحديث نفس، من غير تصميم، وهو غير مؤاخذ به. لأن خطور المناهي في الصدور، وتصورها في الأذهان، لا مؤاخذة بها ما لم توجد في الأعيان. 
روى الشيخان[(١)](#foonote-١) وأهل ( السنن ) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به، أو تعمل به ". ورواه الطبراني عن عمران بن حصين رضي الله عنهما. 
فمعنى قوله تعالى : ولقد همت به  أي بمخالطته، أي قصدتها وعزمت عليها عزما جازما، لا يلويها عنه صارف، بعدما باشرت مبادئها من المراودة، وتغليق الأبواب، ودعوته إلى الإسراع إليها بقولها  هيت لك  مما اضطره إلى الهرب إلى الباب. 
ومعنى قوله : وهم بها لولا أن رأى برهان ربه  أي لولا رؤيته برهان ربه لهم بها، كما همت به، لتوفر الدواعي. ولكنه رأى من تأييد الله له بالبرهان ما صرف عنه السوء والفحشاء. 
 قال أبو حيان : ونظيره ( قارفت الإثم لولا أن الله عصمك ). ولا نقول : إن جواب ( لولا ) يتقدم عليها، وإن لم يقم دليل على امتناعه، بل صريح أداوت الشرط العاملة مختلف فيها، حتى ذهب الكوفيون وأعلام البصريين إلى جواز تقدمه، بل نقول : هو محذوف لدلالة ما قبله عليه، لأن المحذوف في الشرط يقدر من جنس ما قبله. انتهى. 
فالآية حينئذ ناطقة بأنه لم يهم أصلا. وقيل : جواب ( لولا ) لغشيها ونحوه. فمعنى ( الهم ) حينئذ ما قاله الإمام الرازي : من أنه خطور الشيء بالبال، أو ميل الطبع، كالصائم في الصيف، يرى الماء البارد، فتحمله نفسه على الميل إليه، وطلب شربه، ولكن يمنعه دينه عنه. وكالمرأة الفائقة حسنا وجمالا، تتهيأ للشاب النامي القوي، فتقع بين الشهوة والعفة، وبين النفس والعقل، مجاذبة ومنازعة. ( فالهم ) هنا عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان جواذب الحكمة. وهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحال أشد، كانت القوة على لوازم العبودية أكمل. انتهى. 
وكذا قال أبو السعود : إن همه بها بمعنى ميله إليها، بمقتضى الطبيعة البشرية، وشهوة الشباب وقرمه، ميلا جليا، لا يكاد يدخل تحت التكليف، لا أنه قصدها قصدا اختياريا، ألا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له، ونفرته عنه، وحكمه بعدم إفلاح الظالمين ؟ وهل هو إلا تسجيل باستحالة صدور الهم منه عليه السلام - تسجيلا محكما ؟ وإنما عبر عنه بالهم، لمجرد وقوعه في صحبة همها في الذكر، بطريق المشاكلة، لا لشبهه به كما قيل. ولقد أشير إلى تباينهما، حيث لم يلزّا في قرن واحد من التعبير، بأن قيل : ولقد هما بالمخالطة، أو هم كل منهما بالآخر. وصدر الأول بما يقرر وجوده من التوكيد القسمي، وعقب الثاني بما يعفوا أثره من قوله عز وجل : لولا أن رأى برهان ربه ، أي حجته الباهرة، الدالة على كمال قبح الزنى، وسوء سبيله. والمراد برؤيته لها كمال إيقانه بها، ومشاهدته لها مشاهدة واصلة إلى مرتبة عين اليقين. وكأنه عليه السلام قد شاهد الزنى / بموجب ذلك البرهان النير، على ما هو عليه في حد ذاته أقبح ما يكون، وأوجب ما يجب أن يحذر منه، ولذلك فعل ما فعل من الاستعصام، والحكم بعدم إفلاح من يرتكبه. 
وجواب ( لولا ) محذوف، يدل عليه الكلام.. أي : لولا مشاهدة برهان ربه في شأن الزنى لجرى على موجب ميلة الجبلي، ولكن حيث كان مشاهدا له من قبل، استمر على ما هو عليه من قضية البرهان. وفائدة هذه الشرطية بيان أن امتناعه عليه السلام، لم يكن لعدم مساعدة من جهة الطبيعة، بل لمحض العفة والنزاهة، مع وفور الدواعي الداخلية، وترتيب المقدمات الخارجية، الموجبة لظهور الأحكام الطبيعية. انتهى. 
فاتضح أن لا شبهة فيها على عصمة يوسف عليه السلام، فإن الأنبياء ليسوا بمعصومين من حديث النفس، وخواطر الشهوة الجبلية، ولكنهم معصومون من طاعتها، والانقياد إليها. ولو لم توجد عندهم دواع جبلية، لكانوا إما ملائكة أو عالما آخر. ولما كانوا مأجورين على ترك المناهي، لأنهم يكونون مقهورين على تركها طبعا. والعنين لا يؤجر ويثاب على ترك الزنى ؛ لأن الأجر لا يكون إلا على عمل، والترك بغير داعية ليس عملا، وأما الترك مع الداعية، فهو كف النفس عما تتشوف إليه، فهو عمل نفسي. 
وحقيقة عصمة الأنبياء هي نزاهتهم، وبعدهم عن ارتكاب الفواحش والمنكرات التي بعثوا لتزكية الناس منها، لئلا يكونوا قدوة سيئة، مفسدين للأخلاق والآداب، وحجة للسفهاء على انتهاك حرمات الشرائع، وليس معناها أنهم آلهة منزهون عن جميع ما يقتضيه الطبع البشري. 
هذا وقد ألصق هنا بعض المفسرين الولعين بسرد الروايات، ما تلقفوه من أهل الكتاب، ومن المتصولحين، من تلك الأقاصيص المختلفة على يوسف عليه السلام، في همه، التي أثره تأليفي عن نقلها، بردها، وكلها - كما قال العلامة أبو السعود - خرافات وأباطيل، تمجها الآذان، وتردها العقول والأذهان، ويل لمن لاكها ولفقها، أو سمعها وصدقها. وسبقه / الزمخشري، فجوّد الكلام في ردها، فلينظر، فإنه مما يسر الواقف عليه. 
و ( السوء ) : المنكر والفجور والمكروه. ( والفحشاء ) : ما تناهى قبحه. 
قال أبو السعود : وفي قوله تعالى  لنصرف عنه...  الخ آية بينة، وحجة قاطعة على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقع منه هم بالمعصية، ولا توجد إليها قط، وإلا لقيل، لنصرفه عن السوء والفحشاء. وإنما توجه إليه ذلك من خارج، فصرفه الله تعالى بما فيه من موجبات العفة والعصمة. فتأمل. 
و  المخلصين  قرئ بكسر اللام، بمعنى الذين أخلصوا دينهم لله، وبالفتح أي الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم. 
قال الشهاب : قيل : إن كل من له دخل في هذه القصة شهد ببراءته عليه السلام. فشهد الله تعالى بقوله : لنصرف...  الخ، وشهد هو على نفسه بقوله : هي راودتني  ونحوه، وشهدت امرأة العزيز بقولها : ولقد راودته عن نفسه فاستعصم  وسيدها بقوله : إنك كنت من الخاطئين  وإبليس بقوله : لأغوينّهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين  فتضمن إخباره بأنه لم يغوه، ومع هذا كله لم يبرئه أهل القصص. انتهى. عفا الله عنهم !

١ أخرجه البخاري في: ٤٩- كتاب العتق، ٦- باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، حديث رقم ١٢٤٢.
 وأخرجه مسلم في: ١- كتاب الإيمان، حديث رقم ٢٠١ و ٢٠٢ (طبعتنا)..

### الآية 12:25

> ﻿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [12:25]

\[ ٢٥ \]  واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم ٢٥ . 
 واستبقا الباب  متصل بقوله : ولقد همت به...  الخ، وقوله : كذلك  الخ، اعتراف جيء به بين المعطوفين تقريرا لنزاهته. والمعنى : ولقد همت به، وأبى هو، واستبقا الباب، أي قصد كل سبق الآخر إلى الباب : فيوسف عليه السلام ليخرج، وهي لتمنعه من الخروج ووحد  الباب  هنا مع جمعه أولا، لأن المراد بالباب البراني الذي منه المخلص. 
 وقدت قميصه من دبر  أي اجتذبته من خلفه فانقد، أي انشق قميصه. 
 وألفيا سيدها لدى الباب  أي صادفا بعلها ثمت قادما. 
 قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم  تبرئة لساحتها، وإغراء عليه.

### الآية 12:26

> ﻿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [12:26]

\[ ٢٦ \]  قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ٢٦ . 
 قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين  لأن قده منه أمارة الدفع عن نفسها به، أو تعثره في مقادم قميصه بسبب إقباله عليها، فقدّ لإسراعه خلفها.

### الآية 12:27

> ﻿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [12:27]

\[ ٢٧ \]  وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ٢٧ . 
 { وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين  لأنه أمارة إدباره عنها بسبب أنها تبعته، واجتذبت ثوبه إليها فقدته. 
ومن اللطائف ما قيل : إن هذا الشاهد أراد ألا يكون هو الفاضح لها، ووثق بأن انقطاع قميصه إنما كان من دبر، فنصبه أمارة لصدقه وكذبها. ثم ذكر القسم الآخر، وهو قده من قبل، على علم بأنه لم ينقد من قبل حتى ينفي عن نفسه التهمة في الشهادة، وقصد الفضيحة، وينصفهما جميعا، فيذكر أمارة على صدقها المعلوم نفيه، كما ذكر أمارة على صدقه المعلوم وجوده. ومن ثم قدم أمارة على صدقها، على أمارة صدقه في الذكر، إزاحة للتهمة، ووثوقا بأن الأمارة الثانية هي الواقعة، فلا يضره تأخيرها. وهذه اللطيفة بعينها و الله أعلم / هي التي راعاها مؤمن آل فرعون في قوله[(١)](#foonote-١) : وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم . فقدم قسم الكذب على قسم الصدق، إزاحة للتهمة التي خشي أن تتطرق إليه في حق موسى عليه السلام، ووثوقا بأن القسم الثاني وهو صدقه، هو الواقع، فلا يضره تأخيره في الذكر لهذه الفائدة. ومن ثم قال : بعض الذي يعدكم ، ولم يقل : كل ما يعدكم، تعريضا بأنه معهم عليه، وأنه حريص على أن يبخسه حقه. وينحو هذا النحو تأخير يوسف عليه السلام، لكشف وعاء أخيه، الآتي ذكره، لأنه لو بدأ به لفطنوا أنه هو الذي أمر بوضع السقاية فيه - والله اعلم -.

١ \[٤٠ / غافر / ٢٨\]..

### الآية 12:28

> ﻿فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [12:28]

\[ ٢٨ \]  فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ٢٨ . 
 فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم  يعني بالكيد : الحيلة والمكر. وإنما استعظم كيدهن، لأنه ألطف وأعلق بالقلب، وأشد تأثيرا في النفس، ولهن فيه نيقة ورفق، وبذلك يغلبن الرجال. 
**تنبيه :**
قال ابن الفرس : يحتج بالآية من يرى الحكم بالأمارات والعلامات، فيما لا تحضره البينات، كاللقطة والسرقة والوديعة ومعاقد الحيطان والسقوف وشبهها.

### الآية 12:29

> ﻿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ [12:29]

**وقوله تعالى :**
\[ ٢٩ \]  يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين ٢٩ . 
 يوسف أعرض عن هذا  نودي بحذف حرف النداء، لقربه وكمال تفطنه للحديث. / أي يا يوسف أعرض عن هذا الأمر واكتمه، ولا تحدث به. 
 واستغفري لذنبك  أي الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب، ثم قذفه بما هو بريء منه. 
 إنك كنت من الخاطئين  أي من جملة القوم المتعمدين للذنب. يقال : خطئ إذا أذنب متعمدا، وأخطأ إذا فعله من غير تعمد. ولهذا يقال : أصاب الخطأ، وأخطأ الصواب. وأصاب الصواب. وإيثار جمع السالم تغليبا للذكور على الإناث. ودل هذا على أن العزيز كان رجلا حليما، إذ اكتفى من مؤاخذتها بهذا المقدار. 
قال ابن كثير : أو أنه عذرها أنها رأت ما لا صبر لها عنه، ويقال : إنه كان قليل الغيرة. 
قال الشهاب : وهو لطف من الله تعالى بيوسف عليه السلام. 
وقال أبو حيان : إنه مقتضى تربة مصر. انتهى. 
وقد تقرر لدى المحققين أن لاختلاف أحوال العمران في الخصب والجدب، وأقاليمه في الحرارة والبرودة وتوابعها أثرا في أخلاق البشر وأبدانهم انظر المقدمة الرابعة والخامسة من ( مقدمة ابن خلدون ).

### الآية 12:30

> ﻿۞ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [12:30]

ثم ذكر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع في المدينة وهي مصر بقوله :
\[ ٣٠ \]  \* وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين ٣٠ . 
 وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه  العزيز : الأمير، مأخوذ من ( العز ) وهو الشدة والقهر. وقد غلب على أمير مصر والإسكندرية. 
 قد شغفها حبا  أي خرق حبه شغاف قلبها، حتى وصل إلى الفؤاد. و ( الشغاف ) كسحاب، حجاب القلب. 
 إنا لنراها في ضلال مبين  أي في خطأ عن طريق الرشد والصواب. وإقحام الرؤية، للإشعار بأن حكمهن بضلالها صادر عن رؤية وعلم، مع التلويح إلى تنزههن عن مثل ذلك.

### الآية 12:31

> ﻿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [12:31]

\[ ٣١ \]  فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشى لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ٣١ . 
 فلما سمعت بمكرهن  أي اغتيابهن، وسوء قالتهن. استعير ( المكر ) ل ( الغيبة ) لشبهها له في الإحفاء. أو ( المكر ) على حقيقته، وكن قلن ذلك لتريهن يوسف. 
 أرسلت إليهن  أي تدعوهن للضيافة مكرا بهن  وأعتدت  أي أحضرت وهيأت  لهن متكئا  أي ما يتكئن عليه من الوسائد،  وآتت كل واحدة منهن سكينا  أي ليعالجن بها ما يأكلن من الفواكه ونحوها.  وقالت  أي ليوسف  اخرج عليهن  أي ابرز إليهن. 
قال الزمخشري : قصدت بتلك الهيأة وهي قعودهن متكئات، والسكاكين في أيديهن أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهن، فتقع أيديهن على أيديهن فيقطعنها، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده، فتبكتهن بالحجة، وقد كان ذلك كما قال تعالى :
 فلما رأينه أكبرنه  أي أعظمنه، وهبن حسنه الفائق،  وقطعن أيديهن  أي جرحنها، كما تقول : كنت أقطع اللحم فقطعت يدي تريد جرحتها  وقلن حاشى لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم  حاش : أصله حاشا، وحذفت ألفه تخفيفا، وبها قرأ أبو عمرو في ( الدرج )، أي تنزيها له سبحانه عن صفات النقص والعجز، / وتعجبا من قدرته على مثل ذلك الصنع البديع. وإنما نفين عنه البشرية لغرابة جماله، وأثبتن له الملكية، على نهج القصر، بناء على ما ركز في الطباع ألا أحسن من الملك، كما ركز فيها ألا أقبح من الشيطان. ولذلك يشبه، كل متناه في الحسن والقبح، بهما.

### الآية 12:32

> ﻿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [12:32]

\[ ٣٢ \]  قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ٣٢ . 
 قالت فذلكن الذي لمتنني فيه  أي في الافتتان به،  ولقد راودته عن نفسه فاستعصم  أي امتنع، طالبا للعصمة، مستزيدا منها. 
قال الزمخشري : الاستعصام بناء مبالغة، يدل على الامتناع البليغ، والتحفظ الشديد، كأنه في عصمة، وهو يجتهد في الاستزادة منها. ونحوه : استمسك، واستوسع الفتق، واستجمع الرأي، واستفحل الخطب. وهذا بيان لما كان من يوسف عليه السلام، لا مزيد عليه، وبرهان لا شيء أنور منه، على أنه بريء مما أضاف إليه أهل الحشو، مما فسروا به الهم والبرهان. انتهى. 
 ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن  أي ليعاقبن بالسجن والحبس  وليكونا من الصاغرين  أي الأذلاء المهانين.

### الآية 12:33

> ﻿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [12:33]

ولما سمع يوسف تهديدها : قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين . 
 قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه  أي من مواتاتها، لأنه مشقة قليلة، / تعقبها راحات أبدية. ثم فزع إلى الله تعالى في طلب العصمة بقوله : وإلا تصرف عني كيدهن  يعني : ما أردن مني  أصب إليهن  أي أمل إلى إجابتهن بمقتضى البشرية  وأكن من الجاهلين  أي بسبب ارتكاب ما يدعونني إليه من القبيح. 
قال أبو السعود : هذا فزع منه، عليه السلام، إلى ألطاف الله تعالى، جريا على سنن الأنبياء والصالحين، في قصر نيل الخيرات، والنجاة من الشرور، على جناب الله عز وجل، وسلب القوى والقدر عن أنفسهم، ومبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة، كقول المستغيث : أدركني وإلا هلكت. لا أنه يطلب الإجبار والإلجاء إلى العصمة والعفة، وفي نفسه داعية تدعوه إلى هواهن. انتهى. 
قال القاشاني : وذلك الدعاء هو صورة افتقار القلب الواجب عليه أبدا.

### الآية 12:34

> ﻿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [12:34]

\[ ٣٤ \]  فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ٣٤ . 
 فاستجاب له ربه  أي أجاب له دعاءه  فصرف عنه كيدهن  أي أيده بالتأييد القدسي، فصرفه إلى جناب القدس، ودفع عنه، بذلك كيدهن،  إنه هو السميع  أي لدعاء المتضرعين إليه،  العليم  أي بما يصلحهم.

### الآية 12:35

> ﻿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ [12:35]

\[ ٣٥ \]  ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ٣٥ . 
 ثم بدا لهم  أي ظهر للعزيز وأهله،  من بعد ما رأوا الآيات  أي الشواهد على براءته،  ليسجننه حتى حين  أي إلى مدة يرون رأيهم فيها.

### الآية 12:36

> ﻿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [12:36]

\[ ٣٦ \]  ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ٣٦ . 
 ودخل معه السجن فتيان  روي أنهما غلامان كانا لفرعون مصر، أحدهما رئيس سقاته والآخر رئيس طعامه، غضب عليهما فحبسهما، فكانا مع يوسف، ثم رآهما يوما وهما مهمومان فسألهما عن شأنهما، فذكرا له أنهما رأيا رؤيا غمتهما، وليس لهما من يعبرها. فقال لهما : أليس التأويل لله ؟ قصا علي ! فذلك قوله تعالى : قال أحدهما  وهو صاحب شرابه : إني أراني أعصر خمرا  أي عنبا، تسمية للعنب بما يؤول إليه، أو الخمر بلغة عمان اسم للعنب، وذلك أنه قال : رأيت في المنام كأن بين يدي وعاء فيه ثلاثة قضبان عنب، ثم نضجت عناقيدها وصارت عنبا، وكانت كأس فرعون في يدي، فأخذت العنب، وعصرته في الكأس، وناولتها لفرعون. 
 وقال الآخر  وهو صاحب طعامه : إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه  وذلك أنه قال له : رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال حوّارى، والطير تأكل من السلة العليا فوق رأسي. 
 نبئنا بتأويله  أي أخبرنا بتفسير ما رأينا، وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا  إنا نراك من المحسنين  أي الذين يحسنون عبارة الرؤيا، أو من المحسنين إلى أهل السجن، تداوي مريضهم، وتعزي حزينهم، وتوسع على فقيرهم، فأحسن إلينا بكشف غمتنا، إن كنت قادرا على ذلك.

### الآية 12:37

> ﻿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [12:37]

ثم أشار، عليه السلام، لهما بأن ما رأياه سهل التأويل، لوجود مثاله في المنام، وبأن له علما فوقه، وهو أنه يبين لهما كل جليل ودقيق من الأمور المستقبلة، وإن لم يكن هناك / مقدمة المنام، حتى إن الطعام الموظف الذي يأتيهما كل يوم، يبينه لهما قبل إتيانه، وإن ذلك ليس من باب الكهانة، بل من الفضل الرباني لمن يصطفيه. بالنبوة وهذا معنى قوله تعالى : قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون . 
 قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما  أي قبل أن يصلكما. والمراد بالطعام ما يبعث إلى أهل السجن. وتأويله ذكر ما هو، بأن يقول : يأتيكما طعام كيت وكيت، فيجدانه كذلك. وحقيقة ( التأويل ) تفسير الألفاظ المراد منها خلاف ظاهرها ببيان المراد. 
قال أبو السعود : فإطلاقه على تعيين ما سيأتي من الطعام، إما بطريق الاستعارة، فإن ذلك بالنسبة إلى مطلق الطعام المبهم بمنزلة التأويل، بالنظر إلى ما رئي في المنام، وشبيه له، وإما بطريق المشاكلة، حسبما وقع في عبارتهما من قولهما : نبئنا بتأويله . ومراده عليه السلام بذلك : بيان كل ما يهمهما من الأمور المترقبة قبل وقوعها. وإنما تخصيص الطعام بالذكر لكونه عريقا في ذلك، بحسب الحال، مع ما فيه من مراعاة حسن التخلص إليه مما استعبراه من الرؤييين المتعلقتين بالشراب والطعام. 
 ذلكما  أي ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات  مما علمني ربي  أي بالوحي والإلهام، لا من التكهن والتنجيم. وفيه إشعار بأن له علوما جمة، ما سمعاه شذرة من جواهرها. وقوله تعالى : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون . 
**تنبيه :**
لا يخفى أن قوله تعالى : قال لا يأتيكما طعام  إلى هنا، مقدمة لجواب سؤالهما عن تعبير رؤياهما، مهد، عليه السلام، بها له ليدعوهما إلى التوحيد، ليزداد علما بعظم شأنه، وثقة بأمره، توسلا بذلك إلى تحقيق ما يتوخاه من هدايتهما، لاسيما وأن أحدهما ستعاجله منيته بالصلب، فرجا أن يختم له بخير. 
قال الزمخشري : لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، افترض ذلك، فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام، وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد، ويعرض عليهما الإيمان، ويزينه لهما، ويقبح إليهما الشرك بالله. وهذه طريقة، على كل ذي علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة / إذا استفتاه واحد منهم، أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة الحسنة والنصيحة أولا، ويدعوه إلى ما هو أولى به، وأوجب عليه مما استفتى فيه، ثم يفتيه بعد ذلك. وفيه، أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم، فوصف نفسه بما هو بصدده وغرضه أن يقتبس منه، وينتفع به في الدين لم يكن من باب التزكية. انتهى.

### الآية 12:38

> ﻿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [12:38]

\[ ٣٨ \]  واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ٣٨ . 
 واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون  هذه الجملة إما مسوقة لبيان علة تعليم الله له بالوحي والإلهام، أي خصني بذلك لترك الكفر، وسلوك طريق آبائي المرسلين. أو كلام مستأنف، ذكر تمهيدا للدعوة، وإظهار أنه من بيت النبوة، لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه، والوثوق به. والمراد بتركه ملة الكفر الامتناع عنها رأسا، كما يفصح عنه قوله : ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ، أي ما صح ولا استقام ذلك لنا، فضلا عن الوقوع. وإنما عبر عنه بذلك، لكونه أدخل بحساب الظاهر في اقتدائهما به عليه السلام. والتخصيص بهم، مع أن الشرك لا يصح من غيرهم أيضا، لأنه يثبت بالطريق الأولى. أو المراد نفي الوقوع منهم لعصمتهم. وتكرير  هم  للدلالة على اختصاصهم، وتأكيد كفرهم بالآخرة. وزيادة ( من ) في المفعول، أعني  من شيء  لتأكيد العموم، أي لا نشرك به شيئا من الأشياء، قليلا أو حقيرا، صنما أو ملكا أو جنيا أو غير ذلك. 
وقوله : ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس  يعني عدم الإشراك بالله، وهو التوحيد، من نعم الله العامة، التي يجب شكره تعالى على الهداية لها بالفطر السليمة، ونصب الدلائل الأنفسية والآفاقية. 
ثم بين أن أكثر الناس نبذوا هذه النعمة بعدما حق عليهم شكرها.

### الآية 12:39

> ﻿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [12:39]

ولما ذكر، عليه السلام، ما هو عليه من الدين القويم، تلطف في الاستدلال على بطلان ما عليه قومهما من عبادة الأصنام، فضرب لهما مثلا يتضح به الحق حق اتضاح بقوله :
 \[ ٣٩ \]  يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ٣٩ . 
 يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار  وصفهما بالصحبة الضرورية المقتضية للمودة، وبذل النصيحة. أي : يا صاحبي فيه. فجعل الظرف توسعا، مفعولا به. أي : أأرباب شتى تستعبد الناس خير لهم، أم أن يكون لهم رب واحد قهار لا يغالب ؟
قال بعضهم : دلت الآية على أن الشرع كما جاء مطالبا بالاعتقاد، جاء هاديا لوجه الحسن فيه. وذلك أن هذه الآية تشير إشارة واضحة إلى أن تفرق الآلهة يفرق بين البشر في وجهة قلوبهم إلى أعظم سلطان يتخذونه فوق قوتهم. وهو يذهب بكل فريق إلى التعصب لما وجه قلبه إليه، وفي ذلك فساد نظامهم كما لا يخفى. أما اعتقاد جميعهم بإله واحد، فهو توحيد لمنازع نفوسهم إلى سلطان واحد، يخضع الجميع لحكمه، وفي ذلك نظام أخوّتهم، وهي قاعدة سعادتهم. فالشرع جاء مبينا للواقع في أن معرفة الله بصفاته، حسنة في نفسها، فهو ليس محدث الحسن. انتهى. 
وفي قوله : أأرباب متفرقون  إشارة إلى ما كان عليه أهل مصر لعهده عليه السلام، من عبادة أصنام شتى. 
يقول بعضهم : كما أن مصر كانت تغلبت في العلوم والسلطة، كذلك في عبادة الأصنام، فإن أهلها فاقوا كل من سواهم في الضلال، فكانوا يسجدون للشمس وللقمر والنجوم والأشخاص البشرية والحيوانات، حتى الهوامّ وأدنى حشرات الأرض.

### الآية 12:40

> ﻿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [12:40]

\[ ٤٠ \]  ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ٤٠ . 
 ما تعبدون من دونه  أي من دون الله  إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم  يعني أنكم سميتم، ما لا يستحق الإلهية، آلهة، ثم طفقتم تعبدونها، فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء فارغة لا مسميات تحتها  ما أنزل الله بها من سلطان  أي حجة تدل على صحتها  إن الحكم  أي في أمر العبادة والدين  إلا لله  لأنه مالك، وهو لم يحكم بعبادتها، لأنه  أمر ألا تعبدوا إلا إياه  لأن العبادة غاية التذلل، فلا يستحقها إلا من له غاية العظمة،  ذلك  أي التوحيد الدال على كمال عظمة الله، بحيث لا يشاركه فيها غيره  الدين القيم  أي الحق المستقيم الثابت،  ولكن أكثر الناس لا يعلمون  أي لجهلهم، ولذا كان أكثرهم مشركين.

### الآية 12:41

> ﻿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [12:41]

وبعد تحقيق الحق، ودعوتهما إليه، وبيانه لهما مرتبة علمه، شرع في تفسير ما استفسراه. ولكونه بحثا مغايرا لما سبق، فصله عنه بتكرير الخطاب فقال : يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان .
 يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا  أي يخرج من السجن، ويعود إلى ما كان عليه من سقي سيده الخمر،  وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه  أي فيقتل ويعلق على خشبة، فتأكل الطير من لحم رأسه. 
 قضي الأمر الذي فيه تستفتيان  أي قطع وتم ما تستفتيان فيه. يعني : مآله، وهو نجاة أحدهما، وهلاك الآخر. والتعبير عنه ب ( الأمر )، وعن طلب تأويله ب ( الاستفتاء ) تهويلا لأمره، وتفخيما لشأنه، إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم، المبهمة الجواب، وإيثار صيغة الاستقبال، مع سبق استفتائهما في ذلك، لما أنهما بصدده، إلى أن يقضي عليه السلام من الجواب وطره.

### الآية 12:42

> ﻿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [12:42]

\[ ٤٢ \]  وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ٤٢ . 
 وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك  أي قال يوسف للذي علم نجاته من الفتيين، أي خلوصه من السجن والقتل، وهو الساقي : اذكرني عند ربك  أي : اذكر حالي وصفتي، وعلمي بالرؤيا، وما جرى علي، عند الملك سيدك، عسى يخلصني مما ظلمت به. 
و ( الظن ) بمعنى العلم واليقين، ورد كثيرا، والتعبير به إرخاء للعنان، وتأدب مع الله تعالى. وقيل : الظن بمعناه المعروف، بناء على أن تأويل يوسف بطريق الاجتهاد، والحكم بقضاء الأمر اجتهادي أيضا، والأول أنسب بالسياق. 
**تنبيه :**
دلت الآية على جواز الاستعانة بمن هو مظنة كشف الغمة، ولو مشركا. وقد جاء ذلك في قوله تعالى[(١)](#foonote-١) : وتعاونوا على البر والتقوى . وقوله حكاية عن عيسى[(٢)](#foonote-٢) : من أنصاري إلى الله . وفي الحديث [(٣)](#foonote-٣) :" والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه ". وجلي أن ذلك من نظام الكون، والعمران البشري، ولذلك ميز الإنسان بالنطق. 
وأما ما رواه ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا :" لو لم يقل يعني يوسف الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند غير الله تعالى " فقال الحافظ ابن كثير : حديث ضعيف جدا، وذكر من رجاله الضعفاء راويين سماهما. ثم قال :/ وروى أيضا مرسلا عن الحسن وقتادة. قال : وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل، لو قبل المرسل من حيث هو، في غير هذا الموطن. والله أعلم انتهى. ولقد أجاد وأفاد عليه الرحمة. 
وقوله تعالى : فأنساه الشيطان ذكر ربه  يعني : فشغله الشيطان حتى نسي ذكر يوسف عند الملك.  فلبث  أي مكث يوسف  في السجن بضع سنين  أي طائفة منها. 
ولأهل اللغة أقوال في ( البضع ) : ما بين الثلاث إلى التسع، أو إلى الخمس، أو ما لم يبلغ العقد ولا نصفه، يعني ما بين الواحد إلى الأربعة، وقيل غير ذلك.

١ \[٥ / المائدة / ٢\]..
٢ \[٣ / آل عمران / ٥٢\] و \[٦١ / الصف / ١٤\]..
٣ أخرجه مسلم في ٤٨ – كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث رقم ٣٨ (طبعتنا) من حديث طويل لأبي هريرة..

### الآية 12:43

> ﻿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [12:43]

ولما دنا الفرج من يوسف عليه السلام، برحمته تعالى، وما هيأه من الأسباب : رأى فرعون مصر هذه الرؤيا التي أشار إليها تعالى بقوله :
\[ ٤٣ \]  وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون ٤٣ . 
 وقال الملك  أي لملئه : إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف  أي هالكات من الهزال. جمع عجفاء، بمعنى المهزولة، ضد السمينة،  وسبع سنبلات  أي وأرى رؤيا ثانية سبع سنبلات  خضر وأخر يابسات  أي وسبعا أخر يابسات دقيقة، أي نبتت وراءها، فابتلعت السنابل الخضر الممتلئة وإنما استغنى عن عددها وإعدامها للخضر، للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات لأنها نظيرتها. 
وقوله : يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون  خطاب للأشراف من قومه، وكان دعا، إثر استيقاظه، سحرة مصر وحكماءها، وقص عليهم رؤياه هذه.

### الآية 12:44

> ﻿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ [12:44]

\[ ٤٤ \]  قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ٤٤ . 
 قالوا  أي الملأ للملك  أضغاث أحلام  أي تخاليطها، جمع ( ضغث ). وهو في الأصل ما جمع من أخلاط النبات وحزم، ثم استعير لما تجمعه القوة المتخيلة من أحاديث النفس، ووساوس الشيطان، وتريها في المنام. و ( الأحلام ) جمع ( حلم )، وهو ما يراه النائم، فهو مرادف للرؤيا، إلا أنها غلبت في رؤيا الخير، والشيء الحسن، وغلب الحلم على خلافه. وفي الحديث[(١)](#foonote-١) :" الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان ". 
قال التوربشتي : الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا، والتفريق من الاصطلاحات التي سنها الشارع للفصل بين الحق والباطل، كأنه كره أن يسمي ما كان من الله، وما كان من الشيطان باسم واحد، فجعل الرؤيا عبارة عن الصالح منها، لما في الرؤيا من الدلالة على المشاهدة بالبصر أو البصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان، لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة. مما لا حقيقة له. انتهى. 
والمراد بالجمع في  الأحلام  ما فوق الواحد، لأنهما حلمان، رأى كل واحد منهما إثر استيقاظه منه، كما روي. وفهم بعضهم أنه حلم واحد، فالتمس للجمع نكتة فقال : إما المبالغة في وصفه بالبطلان، أو تضمنه أشياء مختلفة. ولا حاجة إليه، كما بينا. 
 وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين  يحتمل أن يريدوا ب  الأحلام  المنامات الباطلة خاصة. أي : ليس لها تأويل عندنا، وإنما التأويل للرؤيا الصادقة، وأن يعترفوا بقصور علمهم، وأنهم ليسوا في التعبير بنحارير. 
قال الناصر : وهذا هو الظاهر. وحمل الكلام على الأول يصيّره من وادي :
\* على لاحب لا يهتدي بمناره \*
 كأنهم قالوا : ولا تأويل للأحلام الباطلة، فنكون به عالمين. وقول الملك لهم أولا : إن كنتم للرؤيا تعبرون  دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها، لأنه أتى بكلمة الشك، وجاء اعترافهم بالقصور مطابقا لشك الملك الذي أخرجه مخرج استفهامهم عن كونهم عالمين بالرؤيا أو لا. وقول الفتى : أنا أنبئكم بتأويله  إلى قوله  لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون  دليل أيضا على ذلك والله أعلم.

١ أخرجه البخاري في : ٩١- كتاب التعبير، ١٠- باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، حديث ١٥٥٤، عن أبي قتادة.
 .

### الآية 12:45

> ﻿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ [12:45]

\[ ٤٥ \]  وقال الذي نجا منهما وادّكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ٤٥ . 
 وقال الذي نجا منهما  أي من صاحبي السجن، وهو الساقي : وادّكر بعد أمة  أي تذكر بعد مدة. وكان تذكره، على ما روي، بعد سنتين  أنا أنبئكم بتأويله  أي أخبركم به بالتلقي عمن عنده علمه، لا من تلقاء نفسي، ولذلك لم يقل : أنا أفتيكم فيها، وعقبه بقوله  فأرسلون  أي فابعثوني إلى يوسف، وإنما لم يذكره، ثقة بما سبق من التذكر، وما لحق من قوله : يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون .

### الآية 12:46

> ﻿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [12:46]

\[ ٤٦ \]  يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون ٤٦ . 
 يوسف أيها الصديق  أي أرسل إليه، فأتاه فقال : يا يوسف ! ووصفه بالمبالغة في الصدق، حسبما ذاق أحواله، وتعرف صدقه في تأويل رؤياه، ورؤيا صاحبه، حيث جاء كما أوّل، لكونه بصدد اغتنام معارفه، فهو من باب براعة الاستهلال  أفتنا في سبع بقرات سمان بأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات  أي في / تأويل رؤيا ذلك. ولم يغير لفظ الملك، لأن التعبير يكون على وفقه، كما بينوه. وفي قوله : أفتنا  مع أنه المستفتى وحده إشعار بأن الرؤيا ليست له، بل لغيره ممن له ملابسة بأمور العامة، وأنه في ذلك معبر وسفير، كما آذن بذلك قوله : لعلي أرجع إلى الناس  أي إلى الملك ومن عنده  لعلهم يعلمون  أي ذلك : فيعملون بمقتضاه ؛ أو يعلمون فضلك ومكانك من العلم، فيطلبوك ويخلصوك من محنتك، وإنما لم يبتّ الكلام، بل قال  لعلي  و  لعلهم  مجاراة معه على نهج الأدب، واحترازا عن المجازفة، إذ لم يكن على يقين من الرجوع، فربما اخترم دونه. 
\* لعل المنايا دون ما تعداني \*
ولا من علمهم بذلك فربما لم يعلموه أشار إليه أبو السعود.

### الآية 12:47

> ﻿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ [12:47]

\[ ٤٧ \]  قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ٤٧ . 
 قال  أي يوسف له في تأويلها  تزرعون سبع سنين دأبا  أي دائبين مواظبين كل عام منها  فما حصدتم  أي من الزرع  فذروه في سنبله  أي لا تدرسوه، فإنه أبقى له  إلا قليلا مما تأكلون  أي في تلك السنين، يعني بقدر ما تأكلون.

### الآية 12:48

> ﻿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ [12:48]

\[ ٤٨ \]  ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ٤٨ . 
 ثم يأتي من بعد ذلك  أي السبع المذكورات  سبع شداد  أي سبع سنين صعاب على الناس، لقوة القحط،  يأكلن ما قدمتم لهن  أي ما رفعتم لهن من الحبوب / المتروكة في سنابلها. ولما عبر عن البقرات بالسنين، نسب الأكل إلى السنين. كما رأى في الواقعة البقرات يأكلن حتى يحصل التطابق بين المعبر وهو المرئي في المنام، والمعبر به، وهو تأويله. ولا يتعين المجاز العقلي أي يؤكل فيها - كما في :( نهاره صائم ) لجواز أن يكون مشاكلة حينئذ.  إلا قليلا مما تحصنون  أي تحرزون وتخبئون للزراعة.

### الآية 12:49

> ﻿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [12:49]

\[ ٤٩ \]  ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ٤٩ . 
 ثم يأتي من بعد ذلك  أي السنين الموصوفة بالشدة، وأكل الغلال المدخرة  عام فيه يغاث الناس  أي يمطرون من الغيث، أو يغاثون من القحط، أو يرفع عنهم مكروهه من الغوث  وفيه يعصرون  أي ما كانوا يعصرونه على عادتهم من عنب وزيتون ونحوهما. 
قال أبو السعود : والتعرض لذكر ( العصر )، مع جواز الاكتفاء عنه بذكر ( الغيث ) المستلزم له عادة، كما اكتفي به عن ذكر تصرفهم في الحبوب، إما لأن استلزام الغيث له ليس كاستلزامه للحبوب، إذ المذكورات يتوقف صلاحها على مبادئ أخر غير المطر. وإما لمراعاة جانب المستفتي باعتبار حالته الخاصة به، بشارة له، وهي التي يدور عليها حسن موقع تغليبه على الناس، في القراءة بالفوقانية. وقيل : معنى  يعصرون  يحلبون الضروع. انتهى. 
واللفظ بعموم معناه يشمله، لأن الحلب فيه عصر الضرع ليخرج الدّر. 
قال الزمخشري : تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجيء مباركا خصيبا، كثير الخير، غزير النعم، وذلك جهة الوحي. 
**تنبيه :**
قال في ( الإكليل ) : هذه الآية من أصول التعبير. وفيها أيضا صحة رؤيا الكفار، وجواز تسميته ملكا، وأن قولنا ( الرؤيا لأول عابر ) ليس عاما في كل رؤيا، لأنهم قالوا : أضغاث أحلام ، ولم تسقط بقولهم ذلك، فتخص القاعدة بما يحتمل من الرؤيا وجوها فيعبر بأحدها، فيقع عليه. وفي قوله : ثم يأتي من بعد ذلك عام...  الخ زيادة على ما وقع السؤال عنه، فيستدل به على أنه لا بأس بذلك في تعبير الرؤيا والفتوى. انتهى.

### الآية 12:50

> ﻿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [12:50]

\[ ٥٠ \]  وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم ٥٠ . 
 وقال الملك ائتوني به  أي أخرجوه من السجن وأحضروه، لما علم عن علمه وفضله،  فلما جاءه الرسول  أي يستدعيه إلى الملك  قال  أي يوسف له : ارجع إلى ربك  أي سيدك الملك،  فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن  أي ما شأنهن وخبرهن ؟ أمره بأن يسأله ويستفهمه عن ذلك، ولم يكشف له عن القصة، ولا أوضحها له، لأن السؤال مجملا، مما يهيج الملك على الكشف والبحث والاستعلام، فتحصل البراءة. وإنما كان السؤال المجمل يهيج الإنسان، ويحركه للبحث عنه. لأنه يأنف من جهله وعدم علمه به، ولو قال : سله أن يفتش عن ذلك، لكان طلبا للفحص عنه، وهو مما يتسامح ويتساهل به، وفيه جرأة عليه، فربما امتنع منه، ولم يلتفت إليه. 
قال الزمخشري : إنما تأنى وتثبت في إجابة الملك، وقدم سؤال النسوة، ليظهر براءة ساحته عما قرف به وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده، ويجعلوه سلما إلى حط منزلته لديه، ولئلا يقولوا : ما خلد في السجن إلا لأمر عظيم، وجرم كبير، حق به أن يسجن ويعذب، ويستكفّ شره، وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها قال عليه السلام[(١)](#foonote-١) :" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفنّ / مواقف التهم ". ومنه قال[(٢)](#foonote-٢) رسول الله صلى الله عليه وسلم للمارين به في معتكفه، وعنده بعض نسائه : هي فلانة " اتقاء للتهمة. 
وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان. ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني. ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال : ارجع إلى ربك ، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت، لأسرعت الإجابة، وبادرتهم الباب، ولما ابتغيت العذر. إن كان لحليما ذا أناة ". انتهى. 
رواه عبد الرزاق في ( مصنفه ) مرسلا عن عكرمة. 
وقد روى في ( المسند ) و ( الصحيحين ) [(٣)](#foonote-٣) مختصرا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي " مدحه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأناة، وكان في طي هذه المدحة بالأناة والتثبت تنزيهه وتبرئته مما لعله يسبق إلى الوهم أنه همّ بامرأة العزيز همّا يؤاخذ به، لأنه إذا صبر وتثبت فيما له ألا يصبر فيه، وهو الخروج من السجن، مع أن الدواعي متوافرة على الخروج منه، فلأن يصبر فيما عليه أن يصبر فيه من الهم، أولى وأجدر أفاده الناصر. 
قال أبو السعود : وإنما لم يتعرض لامرأة العزيز، مع ما لقى منها ما لقي، من مقاساة / الأحزان، محافظة على مواجب الحقوق، واحترازا عن مكرها، حيث اعتقدها مقيمة في عدوة العداوة، وأما النسوة فقد كان يطمع في صدعهن بالحق، وشهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم، ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي، ولم يصرح بمراودتهن له، وقولهن ( أطع مولاتك ) واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله : إن ربي بكيدهن عليم  يعني ما كدنه به. وفي إضافة علمه إلى الله إشارة إلى عظمه، وأن كنهه غير مأمول الوصول إليه، لكن ما لا يدرك كله، لا يترك كله. وفيه تشويق وبعث على معرفته، فهو تتميم لقوله :( اسأل )، ودلالة على أنه بريء مما قرف به، للاستشهاد بعلمه تعالى عليه، وفيه الوعيد لهن على كيدهن، وأنه تعالى مجاز عليه.

١ لم أهتد إلى هذا الحديث..
٢ أخرجه البخاري في: ٣٣- كتاب الاعتكاف، ٨- باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد، حديث ١٠٣١، عن صفية، زوج النبي صلى الله عليه وسلم..
٣ أخرجه الإمام أحمد في المسند بالصفحة ٣٢٦ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي)
 وأخرجه البخاري في: ٦٠ ـ -كتاب الأنبياء، ١١- باب قوله عز وجل :ونبئهم عن ضيف إبراهيم، حديث رقم ١٥٩٣.
 وأخرجه مسلم في : ١- كتاب الإيمان، حديث رقم ٢٣٨ (طبعتنا)..

### الآية 12:51

> ﻿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ۚ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [12:51]

**وقوله :**
\[ ٥١ \]  قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ٥١ . 
 قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه  استئناف مبني على السؤال، كأنه قيل : فماذا كان بعد ذلك ؟ فقيل : قال الملك : ما خطبكن أي شأنكن - إذ راودتن يوسف يوم الضيافة ؟ يعني : هل وجدتن منه ميلا إليكن ؟
 قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء  أي قبيح. بالغن في نفي جنسه عنه بالتنكير، وزيادة ( من )  قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق  أي ثبت واستقر وظهر بعد خفائه،  أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين  أي في قوله : هي راودتني عن نفسي . 
قال الزمخشري : ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة، والنزاهة، واعترافهن على أنفسهن بأنه لم يتعلق بشيء مما قرفنه به، لأنهن خصومه. وإذا اعترف الخصم بأن صاحبه على الحق، وهو على الباطل، لم يبق لأحد مقال. انتهى \* والفضل ما شهدت به الأعداء \*

### الآية 12:52

> ﻿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [12:52]

\[ ٥٢ \]  ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ٥٢ . 
 ذلك  تقول امرأة العزيز : ذلك الذي اعترفت به على نفسي  ليعلم أني لم أخنه بالغيب  أي ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه، أو ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع، فاعترفت ليعلم أني بريئة. 
 وأن الله لا يهدي كيد الخائنين  أي لا يرضاه ولا يسدده. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**لطائف :**
الأولى - محل قوله : بالغيب  الحال من الفاعل أو المفعول، على معنى ـ وأنا غائب أو غائبة عنه، أو هو غائب عني خفي عن عيني. أو هو ظرف، أي بمكان الغيب، وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب. 
الثانية - قيل : معنى  لا يهدي كيد الخائنين  أي : لا يهديهم بسبب كيدهم، أوقعت الهداية المنفية على الكيد، وهي واقعة عليهم تجوزا، للمبالغة، لأنه إذا لم يهد السبب، علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى. 
وقيل : المعنى لا يهديهم في كيدهم، كقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : يضاهئون قول الذين كفروا  أي في قولهم. 
 وقيل : هداية الكيد مجاز عن تنفيذه وتسديده. 
الثالث ـ قال في ( الإكليل )  وما أبرئ نفسي  أصل في التواضع، وكسر النفس وهضمها. 
الرابعة - قال الزمخشري : لقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة - ثم ساقها ـ وقال : وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله. 
قال الناصر : ولقد صدق في التوريك على نقلة هذه الزيادات بالبهت، وذلك شأن المبطلة من كل طائفة. ويحق الله الحق بكلماته ويبطل الباطل. 
الخامسة - رأيت لابن القيم في ( الجواب الكافي ) في عجيب صبر يوسف وعفته، مع الدواعي من وجوه، قال عليه الرحمة، بعد أن مهد مقدمة في مفاسد عشق الصور العاجلة والآجلة : إنها أضعاف ما يذكره ذاكر، فإنه يفسد القلب بالذات، وإذا فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد ثغر التوحيد. 
والله تعالى إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس : وهم اللوطية والنساء. فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف، وما راودته، وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف، لصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله عليه. فإن موافقة الفعل، بحسب قوة الداعي، وزوال المانع، وكان الداعي ههنا في غاية القوة وذلك لوجوه :
أحدها ـ ما ركب الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل العطشان إلى الماء، والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب، ولا يصبر عن النساء. وهذا لا يذم إذا صادف حلالا بل يحمد. 
الثاني - أن يوسف عليه السلام كان شابا، وشهوة الشباب وحدّته أقوى. 
الثالث ـ أنه كان عزبا لا زوجة له ولا سرية تكسر شدة الشهوة. 
الرابع ـ أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى لغيره في وطنه، وبين أهله ومعارفه. 
 الخامس - أن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث أن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها. 
السادس ـ أنها غير أبية ولا ممتنعة، فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها، لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها، وكثير من الناس يزيده الإباء والامتناع زيادة حب، كما قال الشاعر :
وزادني كلفا في الحب أن منعت\*\*\* أحب شيء إلى الإنسان ما منعا
فطباع الناس مختلفة في ذلك : فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها، وتضمحل عند إبائها وامتناعها، ومنهم من يتضاعف حبه وإرادته بالمنع، ويشتد شوقه بكل ما منع، ويحصل له من اللذة بالظفر نظير ما يحصل من لذة الظفر بالضد بعد امتناعه ونفاره. واللذة بإدراك المسألة بعد استصعابها، وشدة الحرص على إدراكها. 
السابع - أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب، وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه. 
الثامن - أنه في دارها، وتحت سلطانها وقهرها، بحيث يخشى، إن لم يطاوعها، من أذاها له، فاجتمع داعي الرغبة والرهبة. 
التاسع - أنه لا يخشى أن تنمي عليه هي، ولا أحد من جهتها، فإنها هي الطالبة والراغبة، وقد غلقت الأبواب، وغيبت الرقباء. 
العاشر- إنه كان مملوكا لها في الدار، بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها، ولا ينكر عليه، وكان الأنس سابقا على الطلب، وهو من أقوى الدواعي، كما قيل لامرأة من العرب : ما حملك على كذا ؟ قالت : قرب الوساد، وطول السواد. تعني : قرب وساد الرجل من وسادتي، وطول السواد بيننا. 
الحادي عشر- أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن، وشكت / حالها إليهن، لتستعين بهن عليه، فاستعان هو بالله عليهن، فقال[(٢)](#foonote-٢) : وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين . 
الثاني عشر- أنها توعدته بالسجن والصغار، وهذا نوع إكراه، إذ هو تهديد ممن يغلب على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع داعي الشهوة، وداعي السلامة، من ضيق السجن والصغار. 
الثالث عشر- إن الزوج لم يظهر من الغيرة والقوة ما يفرق به بينهما، ويبعد كلا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما خاطبهما به أن قال ليوسف[(٣)](#foonote-٣) : أعرض عن هذا  وللمرأة[(٤)](#foonote-٤) : استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين . وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع، وهنا لم يظهر منه غيرة. 
ومع هذه الدواعي فآثر مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله تعالى على أن اختار السجن على الزنى وقال[(٥)](#foonote-٥) : رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه  وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين. وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه. وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة. انتهى كلام ابن القيم.

---

### الآية 12:53

> ﻿۞ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [12:53]

\[ ٥٣ \]  \* وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم ٥٣ . 
 وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم  تريد : وما أبرئ نفسي مع ذلك، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ولهذا راودته. أو تعني : أني ما أبرئ نفسي من الخيانة، فإني قد خنته حين قرفته وقلت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن  ؟ وأودعته السجن. تريد الاعتذار مما كان منها أن كل نفس لأمارة بالسوء، إلا نفسا رحمها الله بالعصمة، كنفس يوسف. 
ثم إن تأويل قوله تعالى : ذلك ليعلم...  الآية على أنه حكاية قول امرأة العزيز قال ابن كثير : هو القول الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة، ومعاني الكلام. وقد حكاه الماوردي في ( تفسيره ) وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله. فأفرده بتصنيف على حدة. وقد قيل : إن ذلك من كلام يوسف، ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم سواه والمعنى : ذلك التثبت والتأني والتشمر لظهور البراءة، ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب في أهله، أو ليعلم الله أني لم أخنه، لأن المعصية خيانة. ثم أكد أمانته بقوله : وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ، وأنه لو كان خائنا لما هدى الله عز وجل أمره، أي : سدده وأحسن عاقبته، وفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانته، وبالعزيز في خيانة أمانة الله تعالى، حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه. ثم أراد أن يتواضع لله، ويهضم نفسه، لئلا يكون لها مزكيا، وبحالها في الأمانة معجبا ومفتخرا، وليبين أن ما فيه من الأمانة ليس به وحده، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته، فقال : وما أبرئ نفسي  أي لا أنزهها من الزلل، ولا أشهد لها بالبراءة الكلية، ولا أزكيها، فإن النفس البشرية تأمر بالسوء، وتحمل عليه بما فيها من الشهوات، إلا ما رحم الله من النفوس التي يعصمها من الوقوع في المساوئ. 
هذا خلاصة ما قرروه على أنه من كلام يوسف. قال ابن كثير : والقول الأول أقوى وأظهر، لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك والله أعلم. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**لطائف :**
الأولى - محل قوله : بالغيب  الحال من الفاعل أو المفعول، على معنى ـ وأنا غائب أو غائبة عنه، أو هو غائب عني خفي عن عيني. أو هو ظرف، أي بمكان الغيب، وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب. 
الثانية - قيل : معنى  لا يهدي كيد الخائنين  أي : لا يهديهم بسبب كيدهم، أوقعت الهداية المنفية على الكيد، وهي واقعة عليهم تجوزا، للمبالغة، لأنه إذا لم يهد السبب، علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى. 
وقيل : المعنى لا يهديهم في كيدهم، كقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : يضاهئون قول الذين كفروا  أي في قولهم. 
 وقيل : هداية الكيد مجاز عن تنفيذه وتسديده. 
الثالث ـ قال في ( الإكليل )  وما أبرئ نفسي  أصل في التواضع، وكسر النفس وهضمها. 
الرابعة - قال الزمخشري : لقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة - ثم ساقها ـ وقال : وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله. 
قال الناصر : ولقد صدق في التوريك على نقلة هذه الزيادات بالبهت، وذلك شأن المبطلة من كل طائفة. ويحق الله الحق بكلماته ويبطل الباطل. 
الخامسة - رأيت لابن القيم في ( الجواب الكافي ) في عجيب صبر يوسف وعفته، مع الدواعي من وجوه، قال عليه الرحمة، بعد أن مهد مقدمة في مفاسد عشق الصور العاجلة والآجلة : إنها أضعاف ما يذكره ذاكر، فإنه يفسد القلب بالذات، وإذا فسد فسدت الإرادات والأقوال والأعمال، وفسد ثغر التوحيد. 
والله تعالى إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس : وهم اللوطية والنساء. فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف، وما راودته، وكادته به، وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف، لصبره وعفته وتقواه، مع أن الذي ابتلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبره الله عليه. فإن موافقة الفعل، بحسب قوة الداعي، وزوال المانع، وكان الداعي ههنا في غاية القوة وذلك لوجوه :
أحدها ـ ما ركب الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة كما يميل العطشان إلى الماء، والجائع إلى الطعام، حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب، ولا يصبر عن النساء. وهذا لا يذم إذا صادف حلالا بل يحمد. 
الثاني - أن يوسف عليه السلام كان شابا، وشهوة الشباب وحدّته أقوى. 
الثالث ـ أنه كان عزبا لا زوجة له ولا سرية تكسر شدة الشهوة. 
الرابع ـ أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها من قضاء الوطر ما لا يتأتى لغيره في وطنه، وبين أهله ومعارفه. 
 الخامس - أن المرأة كانت ذات منصب وجمال بحيث أن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها. 
السادس ـ أنها غير أبية ولا ممتنعة، فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها، لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها، وكثير من الناس يزيده الإباء والامتناع زيادة حب، كما قال الشاعر :
وزادني كلفا في الحب أن منعت\*\*\* أحب شيء إلى الإنسان ما منعا
فطباع الناس مختلفة في ذلك : فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها، وتضمحل عند إبائها وامتناعها، ومنهم من يتضاعف حبه وإرادته بالمنع، ويشتد شوقه بكل ما منع، ويحصل له من اللذة بالظفر نظير ما يحصل من لذة الظفر بالضد بعد امتناعه ونفاره. واللذة بإدراك المسألة بعد استصعابها، وشدة الحرص على إدراكها. 
السابع - أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد، فكفته مؤنة الطلب، وذل الرغبة إليها، بل كانت هي الراغبة الذليلة، وهو العزيز المرغوب إليه. 
الثامن - أنه في دارها، وتحت سلطانها وقهرها، بحيث يخشى، إن لم يطاوعها، من أذاها له، فاجتمع داعي الرغبة والرهبة. 
التاسع - أنه لا يخشى أن تنمي عليه هي، ولا أحد من جهتها، فإنها هي الطالبة والراغبة، وقد غلقت الأبواب، وغيبت الرقباء. 
العاشر- إنه كان مملوكا لها في الدار، بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها، ولا ينكر عليه، وكان الأنس سابقا على الطلب، وهو من أقوى الدواعي، كما قيل لامرأة من العرب : ما حملك على كذا ؟ قالت : قرب الوساد، وطول السواد. تعني : قرب وساد الرجل من وسادتي، وطول السواد بيننا. 
الحادي عشر- أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن، وشكت / حالها إليهن، لتستعين بهن عليه، فاستعان هو بالله عليهن، فقال[(٢)](#foonote-٢) : وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين . 
الثاني عشر- أنها توعدته بالسجن والصغار، وهذا نوع إكراه، إذ هو تهديد ممن يغلب على الظن وقوع ما هدد به، فيجتمع داعي الشهوة، وداعي السلامة، من ضيق السجن والصغار. 
الثالث عشر- إن الزوج لم يظهر من الغيرة والقوة ما يفرق به بينهما، ويبعد كلا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ما خاطبهما به أن قال ليوسف[(٣)](#foonote-٣) : أعرض عن هذا  وللمرأة[(٤)](#foonote-٤) : استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين . وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع، وهنا لم يظهر منه غيرة. 
ومع هذه الدواعي فآثر مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله تعالى على أن اختار السجن على الزنى وقال[(٥)](#foonote-٥) : رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه  وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه، وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه، وكان من الجاهلين. وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه. وفي هذه القصة من العبر والفوائد والحكم ما يزيد على ألف فائدة. انتهى كلام ابن القيم.

---

### الآية 12:54

> ﻿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ [12:54]

ثم أشار تعالى إلى ما امتن به على يوسف من وقع قدره بصبره، وإعلاء منزلته برحمته، بقوله سبحانه :
\[ ٥٤ \]  وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ٥٤ . 
 وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي  أي أخصه بها، دون العزيز، جريا على عادة الملوك من الاستئثار بالنفيس العزيز. قال ذلك لما تحقق براءته مما نسب إليه، وكرم / نفسه، وسعة علمه.  فلما كلمه  أي فلما أتوا به، وكلمه، أي خاطبه الملك وعرفه، وشاهد فضله وحكمته وبراعته وجوّز أن يكون فاعل  كلمه  يوسف عليه السلام  قال إنك اليوم لدينا مكين  أي ذو مكانة ومنزلة  أمين  أي مؤتمن على كل شيء. 
روي أن يوسف عليه السلام، لما حضر الملك، وعبر له رؤياه ابتهج بحديثه هو وخاصته، وقال لهم : هل نجد مثله رجلا مهبطا للإمداد الرباني ؟ وقال ليوسف : بعد أن عرفك الله هذا فلا يكون حكيم مثلك، وأنت على بيتي، وإلى كلمتك تنقاد رعيتي، ولا أكون أعظم منك إلا بعرشي، وقد أقمتك على جميع أرض مصر. ونزع خاتمه من يد، ووضعه في إصبعه، وألبسه ثياب بزّ، وجعل طوقا من ذهب في عنقه وأركبه مركبته، وأمر أن يطاف به في شوارع مصر، وينادى أمامه بالخضوع له. وقال له الملك : لا يمضي أمر، ولا ينفذ شأن في مصر إلا برأيك ومشورتك، وسماه مخلص العالم، وزوّجه بنت أحد العظماء لديه. وكان يوسف وقتئذ ابن ثلاثين سنة - والله أعلم. 
قال بعضهم : إن من أمعن النظر في قصة يوسف عليه السلام، علم يقينا أن التقي الأمين لا يضيع الله سعيه، بل يحسن عاقبته، ويعلي منزلته في الدنيا والآخرة، وأن المعتصم بالصبر لا يخشى حدثان الدهر وتجاربه، ولا يخاف صروفه ونوائبه، فإن الله يعضده وينجح مسعاه ويخلد ذكره العاطر على ممر الأدهار، فإن يوسف عليه السلام لما لم يخش للنوائب وعيدا، ولا للتجارب تهديدا، ولم يخف للسجن ظلما وشرا، ولا للتنكيل به ألما وضرا، بل ألقى توكله على الرب، وصبر إزاء تلك البلية ثابت القلب نال بطهارته وتقواه تاج الفخر، ولسان الصدق طول أيام الدهر. وها إن فضيلته لم يعف جميل ذكراها مرور الأيام، ولم يعبث بنضارتها كرور الأعوام، بل ادخرت لنا مثالا نقتفي أثره عند طروء التجارب، وملاذا نعوذ به في المحن والمصائب، ومقتدى نتدرب به على التثبت في مواقف العثار، وننهج منهاجه في التقوى وطيب الإزار، فننال في الدنيا سمة المجد، ونفوز في الآخرة بدار الخلد.

### الآية 12:55

> ﻿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [12:55]

وقوله تعالى : قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ٥٥ . 
 قال  أي يوسف للملك  اجعلني على خزائن الأرض  أي ولّني خزائن أرضك، يعني جميع الغلات لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها، فينصرف لهم على الوجه الأرشد والأصلح. ثم بين اقتداره في ذلك فقال : إني حفيظ عليم  أي أمين أحفظ ما تستحفظنيه، عالم بوجوه التصرف فيه. 
قال الزمخشري : وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه. 
وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى، وإقامة الحق، وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك فطلب التولية ابتغاء وجه الله، لا لحب الملك والدنيا. 
فإن قلت : كيف جاز أن يتولى عملا من يد كافر، ويكون تبعا له، وتحت أمره وطاعته ؟
قلت : روى مجاهد أنه كان قد أسلم، وعن قتادة هو دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملا من يد سلطان جائر. وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة البغاة ويرونه. وإذا علم النبي أو العالم أنه لا سبيل إلى الحكم بأمر الله ودفع الظلم إلا بتمكين الملك الكافر أو الفاسق، فله أن يستظهر به. 
وقيل : كان الملك يصدر عن رأيه، ولا يعترض عليه في كل ما رأى، فكان في حكم التابع له والمطيع. انتهى. 
وهذه الآية أصل في طلب الولاية كالقضاء ونحوه، لمن وثق من نفسه بالقيام بحقوقه، وجواز التولية عن الكافر والظالم. وأصل في جواز مدح الإنسان نفسه لمصلحته، وفي أن المتولي أمرا، شرطه أن يكون عالما به، خبيرا، ذكي الفطنة كذا في ( الإكليل ). 
قال أبو السعود : وإنما لم يذكر إجابة الملك إلى ما سأله، عليه السلام، من جعله على خزائن الأرض، إيذانا بأن ذلك أمر لا مرد له، غني عن التصريح، لاسيما بعد تقديم ما يندرج تحته من أحكام السلطنة بحذافيرها، من قوله : إنك اليوم لدينا مكين أمين ، وللتنبيه على أن كل ذلك من الله عز وجل، وإنما الملك آلة في ذلك. 
**تنبيه :**
قال ابن كثير : خزائن الأرض هي الأهرام التي يجمع فيها الغلات... الخ. 
ولم أر الآن مستنده في كون الأهرام كانت مجمع الغلات، ولم أقف عليه في كلام غيره. 
و ( الأهرام ) بفتح الهمزة. جمع هرم بفتحتين، وهي مبان مربعة الدوائر، مخروطية الشكل، بقي منها الآن ثلاثة في الجيزة، بعيدة أميالا عن القاهرة، معدودة من غرائب الدنيا. دعيت لرؤياها أيام رحلتي للديار المصرية عام ١٣٢١ ه وقد استقر رأي المتأخرين في تحقيق شأنها على أنها كانت مدافن لملوكهم. 
ففي كتاب ( الأثر الجليل لقدماء وادي النيل ) : جميع الأهرام ليست إلا مقابر ملوكية آثر أصحابها أن يتميزوا بها بعد موتهم عن سائر الناس كما تميزوا عنهم مدة حياتهم، وتوخوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدهور، وتراخي العصور. وقد أجمع مؤرخو هذا العصر على أن الهرم الأكبر قبر للملك ( خوفو )، والثاني للملك ( خفرع ) والثالث للملك ( منقرع ) وجميعهم من العائلة المنفيسية. ولا عبرة بقول من زعم أنها معابد أو مراصد للكواكب، أو مدرسة للمعارف الكهنوتية، أو غير ذلك. انتهى.

### الآية 12:56

> ﻿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [12:56]

**وقوله تعالى :**
\[ ٥٦ \]  وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ٥٦ . 
 وكذلك مكنا ليوسف في الأرض  أي أرض مصر  يتبوأ منها  أي ينزل / من بلادها  حيث يشاء  وذلك أنه عليه السلام لما ولاّه النظر على خزائن مصر، تجول في قطرها، وطاف قراها، والأمر أمره، والإشارة إشارته، عناية منه تعالى ورحمة، كما قال : نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين  أي الذين أحسنوا عملا.

### الآية 12:57

> ﻿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [12:57]

ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون  أي ثوابها خير من ثواب الدنيا للمؤمنين المتقين. إشارة إلى أن المطلب الأعلى هو ثواب الآخرة، وأن ما يدخر لهؤلاء هو أعظم وأجل مما يخولون به في الدنيا من التمكين في الأرض والجاه والثروة والملك.

### الآية 12:58

> ﻿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [12:58]

\[ ٥٨ \]  وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ٥٨ . 
 وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون  إشارة إلى ما وقع من مصداق رؤيا يوسف. وذلك أن الأرض أخصبت سبع سنين، وأخرجت من بركاتها ما يعادل رمل البحر كثرة، فجمع يوسف غلالها، وجعل في كل مدينة غلال ما حولها من الحقول، ولما مضت هذه السبع، دخلت السنون المجدبة، فعم القحط مصر والشام ونواحيهما، فأخذ الناس، من سائر البلاد، في المسير إلى مصر ليمتاروا منها، لأنفسهم وعيالهم، لما علموا من وجود القوت فيها. وكان من جملة من سار للميرة إخوة يوسف، عن أمر أبيهم يعقوب، لتناول القحط بلادهم – فلسطين فركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب عنده ابنه بنيامين، شقيق يوسف، خشية أن يلحقه سوء، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف. فلما هبطوا مصر دخلوا على يوسف، ولم يعرفوه لطول العهد، ومفارقته إياهم في سن الحداثة، وعدم استشعارهم أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، وأما هو فعرفهم. روي أنهم لما دخلوا عليه سجدوا له بوجوههم إلى الأرض، تحية له فشرع يخاطبهم متنكرا لهم قال : من أين قدمتم ؟ قالوا : من أرض كنعان لنبتاع طعاما فقال لهم : أنتم جواسيس، إنما جئتم لتجسوا ثغور الأرض ! قالوا : معاذ الله ! ما جاء عبيدك إلا للميرة، لأن الجهد أصابنا ونحن إخوة، بنو أب واحد. قال : كم أنتم ؟ قالوا : كنا اثني عشر، هلك منا واحد. قال : فكم أنتم هاهنا ؟ قالوا عشرة. قال : فأين الأخ الحادي عشر ؟ قالوا : هو عند أبيه يتسلى به من الهالك. قال : لابد من امتحان صدق كلامكم، فليبق واحد منكم عندي رهينة ولتذهب بقيتكم، فتأخذ ميرة لمجاعة أهلكم، وأتوا بأخيكم الصغير إلي، ليتحقق صدقكم. ثم أخذ شمعون، واحتبسه عنده، وأذن للبقية، وأمر أن يعطوا زادا للطريق، وهذا ما أشير إليه في قوله تعالى : و لما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين .

### الآية 12:59

> ﻿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [12:59]

\[ ٥٩ \]  و لما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ٥٩ . 
 ولما جهزهم بجهازهم  بفتح الجيم، وقرئ بكسرها، أي أوقر ركائبهم بالطعام والميرة.  قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل  أي أتمه  وأنا خير المنزلين  أي المضيّفين وقوله ذلك، تحريض لهم على الإتيان به، لا امتنان.

### الآية 12:60

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ [12:60]

\[ ٦٠ \]  فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ٦٠ . 
 فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي  أي فيما تستقبلون،  ولا تقربون  أي ولا تقربوني بدخول بلادي مرة ثانية. فالياء محذوفة، والنون نون الوقاية.

### الآية 12:61

> ﻿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ [12:61]

\[ ٦١ \]  قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون ٦١ . 
 قالوا سنراود عنه أباه  أي سنخادعه ونحتال في انتزاعه من يده، ونجتهد في ذلك. وفيه تنبيه على عزة المطلب، وصعوبة مناله قاله أبو السعود  وإنا لفاعلون  أي ذلك. يعنون المراودة أو الإتيان به، فيكون ترقيا إلى الوعد بتحصيله بعد المراودة.

### الآية 12:62

> ﻿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [12:62]

\[ ٦٢ \]  وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ٦٢ . 
 وقال لفتيانه  أي لخدامه الكيالين : اجعلوا بضاعتهم في رحالهم  يعني ببضاعتهم، ما شروا به الطعام. روي أنها كانت فضة. أي اجعلوها في أمتعتهم من حيث لا يشعرون.  لعلهم يعرفونها  أي لكي يعرفونها،  إذا انقلبوا إلى أهلهم  أي وفتحوا أوعيتهم،  لعلهم يرجعون  أي حسبما أمرتهم به، فإن التفضل عليهم بإعطاء البدلين من أقوى الدواعي إلى الرجوع.

### الآية 12:63

> ﻿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [12:63]

\[ ٦٣ \]  فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون ٦٣ . 
 فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل  أي أنذرنا بمنعه بعد هذا، إن لم نأت بأخينا،  فأرسل معنا أخانا نكتل  أي نرفع المانع من الكيل، ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه، وقرئ  يكتل  بالتحتية أي أخونا لنفسه مع اكتيالنا،  وإنا له لحافظون  أي من أن يناله مكروه.

### الآية 12:64

> ﻿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [12:64]

\[ ٦٤ \]  قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ٦٤ . 
 قال  أي يعقوب لهم  هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل  أي من قبله، يوسف. يعني : هل أقدر أن آخذ عليكم العهد والميثاق، أكثر مما أخذت عليكم في يوسف، وقد قلتم[(١)](#foonote-١) : وإنا له لحافظون  ثم خنتم بضمانكم ؟ فما يؤمنني من مثل ذلك ؟ فلا أثق بكم، ولا بحفظكم، وإنما أفوض الأمر إلى الله  فالله خير حافظا  أي منكم ومن كل أحد  وهو أرحم الراحمين  أي أرحم من والديه وإخوته، فأرجو أن يرحمني بحفظه. وهذا ميل منه إلى الإذن في إرساله معهم لما رأى فيه من المصلحة.

١ \[١٢ / يوسف / ١٢\]..

### الآية 12:65

> ﻿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ۖ هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ [12:65]

\[ ٦٥ \]  ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير ٦٥ . 
 ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم  أي وجدوا دراهمهم، ثمن طعامهم في متاعهم. 
روي أن أحدهم فتح متاعه ليأخذ علفا لدابته، فرأى فضته في فم متاعه فقال لإخوته : قد ردت دراهمي وها هي في متاعي ثم لما وصلوا كنعان، وأخذوا يفرغون أوعيتهم، وجد كل واحد منهم صرة دراهمه في وعائه، فاستطارت قلوبهم، ودهشوا وحمدوا عناية الله بهم. 
 قالوا يا أبانا ما نبغي  أي ماذا نبتغي وراء ذلك ؟ هل من زيادة ؟ أي : لا مزيد على ما فعل، لأنه أكرمنا، وأحسن مثوانا، بإنزالنا عنده، ورد الثمن علينا. والقصد إلى / استنزاله عن رأيه : أو : لا نبغي في القول ولا نكذب فيما حكينا لك، من إحسانه الداعي إلى امتثال أمره. أو : ما نبغي وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من تجهيزنا مع أخينا. وقرئ على الخطاب. أي : أي شيء تطلب وراء هذا من الدليل على صدقنا ؟. 
 هذه بضاعتنا ردت إلينا  جملة مستأنفة موضحة لما دل عليه الإنكار من بلوغ اللطف غايته، كأنهم قالوا : كيف لا، وهذه بضاعتنا ردت إلينا تفضلا من حيث لا ندري ؟
 ونمير أهلنا  معطوف على مقدر مفهوم. أي : فنستظهر بها، ونمير أهلنا إذا رجعنا إلى الملك. أي : نأتيهم بميرة، أي بطعام. يقال :( ماره ) أتاه بطعام ومنه :( ما عنده خير ولا مير ). 
 ونحفظ أخانا  أي : فلا يصيبه شيء مما تخافه  ونزداد كيل بعير  أي باستصحابه  ذلك كيل يسير  أي سهل على هذا الملك المحسن لسخائه، فلا يضايقنا فيه. أو المعنى قصيرة المدة، ليس سبيل مثله أن تطول مدته بسبب الحبس والتأخير أو المعنى : ذلك الذي يكال لنا دون أخينا شيء يسير قليل، فابعث أخانا معنا حتى نتسع ونتكثر بمكيله. 
وقال ابن كثير : هذا من تمام الكلام وتحسينه. أي : إن هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم لا يعدل هذا. فلا يكون من كلامهم، والجملة محتملة الكل.

### الآية 12:66

> ﻿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [12:66]

\[ ٦٦ \]  قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل ٦٦ . 
 قال  أي لهم أبوهم  لن أرسله معكم  أي بهذه المقالة  حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به  أي عهدا منه، ويمينا به، لتردنه علي  إلا أن يحاط بكم  أي / تغلبوا كلكم، فلا تقدرون على تخليصه. وأصله من :( حاط به العدو ) سد عليه مسالك النجاة ودنا هلاكه. 
 فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل  أي شهيد رقيب. والقصد حثهم على ميثاقهم بتخويفهم من نقضه بمجازاته تعالى. 
قال ابن إسحاق : وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بدا من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى بهم عنها. 
**لطيفة :**
قال الناصر : ولقد صدقت هذه القصة المثل السائر، وهو قولهم :( البلاء موكل بالمنطق ) فإن يعقوب عليه السلام قال أولا في حق يوسف[(١)](#foonote-١) : وأخاف أن يأكله الذئب  فابتلي من ناحية هذا القول. وقال هاهنا ثانيا : إلا أن يحاط بكم  أي تغلبوا عليه، فابتلي أيضا ذلك، وأحيط بهم وغلبوا عليه. انتهى.

١ \[١٢ / يوسف / ١٣\]..

### الآية 12:67

> ﻿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [12:67]

\[ ٦٧ \]  وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ٦٧ . 
 وقال  أي أبوهم : يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة  أي لئلا يستلفت دخولهم من باب واحد، أنظار من يقف عليه من الجند، ومن يعسّ للحاكم، فيريب بهم، لأن دخول قوم على شكل واحد، وزي متحد، على بلدهم غرباء عنه، مما يلفت نظر كل راصد. كانت المدن وقتئذ مبوبّة لا ينفذ إليها إلا من أبوابها، / وعلى كل باب حرسه، وليس دخول الفرد كدخول الجمع في التنبه، واتباع البصر. وقيل : نهاهم لئلا تصيبهم العين إذا دخلوا كوكبة واحدة وسيأتي بيانه. 
 وما أغني عنكم من الله من شيء  أي لا أدفع عنكم بتدبيري شيئا مما قضي عليكم، فإن الحذر لا يمنع القدر. 
قال أبو السعود : ولم يرد به عليه السلام إلغاء الحذر بالمرة، كيف لا وقد قال عز قائلا[(١)](#foonote-١) : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  وقال[(٢)](#foonote-٢) : خذوا حذركم . بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا محالة، بل هو تدبير في الجملة. وإنما التأثير وترتيب المنفعة عليه من العزيز القدير، وإن ذلك ليس بمدافعة للقدر، بل هو استعانة بالله تعالى، وهرب منه إليه.  إن الحكم إلا لله  أي لا يشاركه أحد، ولا يمانعه شيء  عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون .

١ \[٢ / البقرة / ١٩٥\]..
٢ \[٤ / النساء / ٧١ و ١٠٢\]..

### الآية 12:68

> ﻿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ۚ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [12:68]

\[ ٦٨ \]  ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ٦٨ . 
 ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم  أي : من الأبواب المتفرقة  ما كان  أي ذلك الدخول  يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها  أي أبداها،  وإنه لذو علم لما علمناه  أي : علم جليل، لتعليمنا إياه بالوحي، ونصب الأدلة، حيث لم يعتقد أن الحذر، يدفع القدر، وأن التدبير، له حظ من التأثير. وفي تأكيد الجملة ب ( إن ) و ( اللام ) وتنكير العلم، وتعليله بالتعليم المسند إلى ذاته سبحانه، من الدلالة على شأن يعقوب عليه السلام، وعلو مرتبة علمه وفخامته، ما لا يخفى أفاده أبو السعود  ولكن أكثر الناس لا يعلمون  أي فيظنون الأسباب مؤثرات. 
قال ابن حزم في ( الملل ) : كان أمر يعقوب عليه السلام بدخولهم من أبواب متفرقة، إشفاقا عليهم، إما من إصابة العين، وإما من تعرض عدوّ، أو مستريب بإجماعهم، أو ببعض ما يخوّفه عليهم. وهو عليه السلام معترف أن فعله ذلك، وأمره إياهم بما أمرهم به من ذلك، لا يغني عنهم من الله شيئا يريده عز وجل بهم. لكن لما كانت طبيعة البشر جارية في يعقوب عليه السلام، وفي سائر الأنبياء عليهم السلام، كما قال تعالى حاكيا عن الرسل أنهم قالوا[(١)](#foonote-١) : إن نحن إلا بشر مثلكم  حملهم ذلك على بعض النظر المخفف لحاجة النفس ونزعها وتوقها إلى سلامة من تحب، وإن كان ذلك لا يغني شيئا، كما كان عليه السلام[(٢)](#foonote-٢) : يحب الفأل الحسن. 
**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : في هذه الآية على ما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما - أن العين حق[(٣)](#foonote-٣)، وأن الحذر لا يرد القدر. ومع ذلك لابد من ملاحظة الأسباب. انتهى. 
وقال بعض اليمانيين : لهذه الجملة ثمرات وهي : استحباب البعد عن مضار العباد، والحذر عنها. فأما فعل الله تعالى فلا يغني الحذر عنه. ثم قال : وفي ( التهذيب ) أن أبا علي بكر أنكر الضرر بالعين، وهو مرويّ عن جماعة من المتكلمين. 
وصحح الحاكم والأمير الحسين وغيرهما جواز ذلك، لأخبار وردت فيها. 
 ثم قال : واختلف من أين أتت المضرة الحاصلة بالعين. فمن قائل : بأنه يخرج من عين العائن شعاع يتصل بمن يراه، فيؤثر فيه تأثير السم. وضعفه الحاكم بأنه لو كان كذلك، لما اختص ببعض الأشياء دون بعض، ولأن الجواهر متماثلة، فلا يؤثر بعضها في بعض. ومن قائل : بأنه فعل العائن. قال : وهذا لا يصح، لأن الجسم لا يفعل في جسم آخر شيئا إلا بمماسته، أو ما في حكمها من الاعتمادات، ولأنه لو كان فعله، وقف على اختياره. ومن قائل : بأنه فعل الله، أجرى الله العادة بذلك لضرب من الإصلاح. وصحح هذا الحاكم وهو الذي ذكره الزمخشري والأمير الحسين، وهو قول أبي هاشم، ذكره عنهما في ( التهذيب ) انتهى. 
وقد أوضحه الرازي بقوله : قال أبو هاشم وأبو القاسم البلخي : إنه لا يمتنع أن تكون العين حقا، ويكون معناه أن صاحب العين إذا شاهد الشيء وأعجب به استحسانا كان المصلحة له في تكليفه أن يغير الله ذلك الشخص، وذلك الشيء حتى لا يبقى قلب ذلك المكلف متعلقا به، فهذا المعنى غير ممتنع. ثم لا يبعد أيضا أنه لو ذكر ربه عند تلك الحالة، وعدل عن الإعجاب، وسأل ربه أن يقيه ذلك، فعنده تتعين المصلحة. ولما كانت هذه العادة مطردة، لا جرم قيل : العين حق. انتهى. 
أقول : وقد بسط الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) هذا البحث بما يشفي ويكفي، في ( بحث هديه صلى الله عليه وسلم في علاج العين ) بعد إيراده ما روي في ( الصحيحين ) وغيرهما. من حقية العين، وشهرة تأثيرها عند العرب، قال :
فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل، أمر العين، وقالوا : إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجابا، وأكثفهم طباعا، وأبعدهم عن معرفة الأرواح والنفوس، وصفاتها وأفعالها وتأثيراتها، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا يدفع أمر العين ولا ينكره، وإن اختلفوا في / سببه، وجهة تأثير العين، فقالت طائفة : إن العائن إذا تكيفت نفسه بالكيفية الردية، انبعثت من عينه قوة سمية، تتصل بالمعين فيتضرر. قالوا : ولا يستنكر هذا، كما لا يستنكر انبعاث قوة سمية من الأفعى تتصل بالإنسان فيهلك، وهذا أمر قد اشتهر عن نوع من الأفاعي أنها إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن. 
وقالت فرقة أخرى : لا يستبعد أن ينبعث من عين بعض الناس جواهر لطيفة، غير مرئية، فتتصل بالمعين، وتتخلل مسام جسمه، فيحصل له الضرر. 
وقالت فرقة أخرى : قد أجرى الله العادة بخلق ما يشاء من الضرر عند مقابلة عين العائن لمن يعينه، من غير أن يكون منه قوة ولا سبب ولا تأثير أصلا. وهذا مذهب منكري الأسباب والقوى والتأثيرات في العالم. وهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب العلل والتأثيرات والأسباب، وخالفوا العقلاء أجمعين. ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، وجعل في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة، ولا يمكن العاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام، فإنه أمر مشاهد محسوس. وأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة إذا نظر إليه من يحتشمه. ويستحي منه، ويصفر صفرة شديدة عند نظر من يخافه، إليه. وقد شاهد الناس من يسقم من النظر، وتضعف قواه، وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح. ولشدة ارتباطها بالعين ينسب الفعل إليها، وليست هي الفاعلة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بيّنا، ولهذا أمر الله سبحانه رسوله أن يستعيذ به من شره. وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين، فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة تقابل المحسود فتؤثر فيه بتلك الخاصية، وأشبه الأشياء بهذا، الأفعى. فإن السم كامن فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوّها انبعث منها قوة غضبية، وتكيفت نفسها بكيفية خبيثة مؤذية فمنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط / الجنين، ومنها ما يؤثر في طمس البصر. كما قال صلى الله عليه وسلم[(٤)](#foonote-٤) في الأبتر وذي الطفيتين من الحيات :" إنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل "، ومنها ما يؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية من غير اتصال به، لشدة خبث تلك النفس، وكيفيتها الخبيثة المؤثرة. والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية، كما يظنه من قل علمه، ومعرفته بالطبيعة والشريعة، بل التأثير يكون تارة بالاتصال، وتارة بالمقابلة، وتارة بالرؤية وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيه، وتارة بالأدعية والرقى والتعويذات، وتارة بالوهم والتخيل. ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية، بل قد يكون أعمى فيوصف له الشيء فتؤثر نفسه فيه وإن لم يره. وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية، وقد قال الله تعالى لنبيه[(٥)](#foonote-٥) : وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم  وقال[(٦)](#foonote-٦) : قل أعوذ برب الفلق \* من شر ما خلق \* ومن شر غاسق إذا وقب \* ومن شر النفاثات في العقد \* ومن شر حاسد إذا حسد . فكل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائنا. فلما كان الحاسد أعم من العائن، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعين نحو المحسود والمعين، تصيبه العين تارة، وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه أثرت فيه، ولابد. وإن صادفته حذرا، شاكي السلاح، لا منفذ فيه للسهام، لم تؤثر فيه، وربما ردت السهام على صاحبها. وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء، فهذا من النفوس والأرواح، وهذا من الأجسام والأشباح. وأصله من إعجاب العائن بالشيء، ثم يتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المعين. وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته، بل بطبعه. وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني. وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء : إن من عرف / بذلك حبسه الإمام، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت، وهذا هو الصواب قطعا. انتهى كلام ابن القيم، عليه الرحمة. 
وقال الرازي : ليس من شرط المؤثر أن يكون تأثيره بحسب الكيفيات المحسوسة، أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، بل قد يكون التأثير نفسانيا محضا، ولا يكون للقوى الجسمانية بها تعلق، والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض، إذا كان موضوعا على الأرض قدر الإنسان عن المشي عليه. ولو كان موضوعا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان عن المشي عليه، وما ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه، فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة. وأيضا إن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذيا له، حصل في قلبه غضب، ويسخن مزاجه جدا، فمبدأ تلك السخونة ليس إلا لذلك التصور النفساني، ولأن مبدأ الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية، فلما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص، لم يبعد أيضا أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان، فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان. وأيضا جواهر النفوس مختلفة بالماهية، فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر، بشرط أن يراه، ويتعجب منه. فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل، والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه، والنفوس النبوية نطقت به، فعنده لا يبقى في وقوعه شك وإذا ثبت هذا، ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين، كلام حق. لا يمكن رده. انتهى.

١ \[١٤ / إبراهيم / ١١\]..
٢ أخرجه البخاري في: ٧٦- كتاب الطب، ٤٤ - باب الفأل، حديث ٢٢٦٨. عن أنس..
٣ أخرجه البخاري في : ٧٦- كتاب الطب، ٣٦- باب العين حق، حديث ٢٢٦٣، عن أبي هريرة..
٤ أخرجه أبو داود في : ٤٠ - كتاب الأدب، ١٦٢ ـ باب من قتل الحيات، حديث ٥٢٥٢ عن ابن عمر..
٥ \[٦٨/ القلم / ٥١\]..
٦ \[١١٣ / الفلق / ١- ٥\]..

### الآية 12:69

> ﻿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [12:69]

\[ ٦٩ \]  ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون ٦٩ . 
 ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون  يخبر سبحانه بأن إخوة يوسف لما قدموا عليه، ضم إليه أخاه، بنيامين، إما على الطعام، أو في المنزل، وأعلمه بأنه أخوه، وقال له : لا تبتئس. أي لا تحزن بما كانوا يعملون بنا فيما مضى، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا، وجمعنا بخير. 
وقد روي أنهم لما قدموا عليه، ووقفوا بين يديه، رأى أخاه بنيامين معهم، فأمر بإنزالهم في بيته، وحلولهم في كرامته وضيافته، وحضورهم معه في غذائه. ثم دخل عليهم فقاموا وسجدوا له، وسألهم عن سلامة أبيهم ورفع طرفه إلى أخيه، فأدناه وآواه إليه، وآنسه بحديثه كما ذكر في الآية ثم أراد يوسف أن يحتال على بقاء أخيه عنده، فتواطأ مع فتيانه، إذ جهز إخوته، أن يضعوا سقايته في رحل أخيه، كما بينه تعالى بقوله : فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون .

### الآية 12:70

> ﻿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [12:70]

\[ ٧٠ \]  فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون ٧٠ . 
 فلما جهزهم بجهازهم  أي من الطعام  جعل السقاية في رحل أخيه  وهي جام فضة يشرب به يوسف، وضعه في ميرة أخيه. 
وقد روي أن يوسف لما جهزهم وارتحلوا، أمهلهم حتى انطلقوا وبعدوا قليلا عن المدينة، ثم أمر أن يسعى في إثرهم، يؤذنوا بما فقد، كما أشار إليه تعالى بقوله : ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون .

### الآية 12:71

> ﻿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ [12:71]

جام فضة يشرب به يوسف، وضعه في ميرة أخيه.
 وقد روي أن يوسف لما جهزهم وارتحلوا، أمهلهم حتى انطلقوا وبعدوا قليلا عن المدينة، ثم أمر أن يسعى في إثرهم، ويؤذنوا بما فقد،
 كما أشار إليه تعالى بقوله: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ.
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧١ الى ٧٢\]
 قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)
 قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ.
 قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ معنى (أذّن) نادى. يقال: آذنه: أعلمه، وأذّن أكثر الإعلام، ومنه (المؤذن) لكثرة ذلك منه.
 و (العير) : الإبل التي عليها الأحمال، لأنها تعير، أي تذهب وتجيء، وهو اسم جمع للإبل، لا واحد له، فأطلق على أصابها. وقيل: هي قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة (عير). و (الصواع) هو السقاية المتقدمة، إناء فضة.
 **تنبيه:**
 قال في (الإكليل) : في الآية دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق.
 قال ابن العربي: وفي إطلاق السرقة عليهم، وليسوا بسارقين، جواز دفع الضرر بضرر أقل منه.
 وقوله تعالى: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ أصل في الجعالة.
 وقوله: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أصل في الضمان والكفالة. انتهى.
 **ولما اتهمهم المؤذن ومن معه من الفتيان:**
 القول في تأويل قوله تعالى: \[سورة يوسف (١٢) : آية ٧٣\]
 قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣)
 قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ أي ما جئنا للسرقة، أو لمطلق فساد، وإنما جئنا للميرة، وما كنا نوصف بالسرقة. وإنما

### الآية 12:72

> ﻿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [12:72]

\[ ٧٢ \]  قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ٧٢ . 
 قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون  ؟
 قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم  معنى  أذن  نادى. يقال : آذنه : أعلمه، وأذن أكثر الإعلام، ومنه ( المؤذن ) لكثرة ذلك منه. و ( العير ) : الإبل التي عليها الأحمال، لأنها تعير، أي تذهب وتجيء، وهو اسم جمع للإبل لا واحد له، فأطلق على أصحابها. وقيل : هي قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة ( عير ). و ( الصواع ) هو السقاية المتقدمة، إناء فضة. 
**تنبيه :**
قال في ( الإكليل ) : في الآية دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق. 
قال ابن العربي : وفي إطلاق السرقة عليهم، وليسوا بسارقين، جواز دفع الضرر بضرر أقل منه. 
وقوله تعالى : ولمن جاء به حمل بعير  أصل في العجالة. 
وقوله : وأنا به زعيم  أصل في الضمان والكفالة. انتهى.

### الآية 12:73

> ﻿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ [12:73]

ولما اتهمهم المؤذن ومن معه من الفتيان :
 قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين  أي ما جئنا للسرقة، أو لمطلق فساد، وإنما جئنا للميرة، وما كنا نوصف بالسرقة. وإنما استشهدوا بعلمهم على براءتهم، لما تيقنوه من حالهم، في كرّتي مجيئهم.

### الآية 12:74

> ﻿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ [12:74]

قالوا فما جزاؤه  أي السارق  إن كنتم كاذبين .

### الآية 12:75

> ﻿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [12:75]

\[ ٧٥ \]  قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين ٧٥ . 
 قالوا  أي لثقتهم ببراءتهم  جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه  أي جزاء سرقته، أخذ من وجد في رحله رقيقا. وهو قولهم : فهو جزاؤه  تقرير لذلك الحكم وإلزامه، أي : فأخذه جزاؤه لا غيره. ويجوز أن يكون جزاؤه مبتدأ، والجملة الشرطية كما هي خبره، على إقامة الظاهر مقام المضمر والأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو. 
 كذلك نجزي الظالمين  أي بالسرقة، تأكيد إثر تأكيد، وبيان لقبح السرقة.

### الآية 12:76

> ﻿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [12:76]

\[ ٧٦ \]  فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم ٧٦ . 
 فبدأ  أي فتى يوسف  بأوعيتهم  أي فتشها  قبل وعاء أخيه  أي بنيامين نفيا للتهمة  ثم استخرجها  أي السقاية  من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف  أي دبرنا لتحصيل غرضه  ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك  أي شرعه وقانونه. والجملة استئناف وتعليل لذلك الكيد وصنعه. أي : ما صح له أن يأخذ أخاه في قضاء الملك، فدبر تعالى ما حكم به إخوة يوسف على السارق، لإيصال يوسف إلى أربه، رحمة منه وفضلا. وفيه إعلام بأن يوسف ما كان يتجاوز قانون الملك، وإلا، لاستبد بما شاء، وهذا من فور فطنته، وكمال حكمته. ويستدل به على جواز تسمية قوانين ملل الكفر ( دينا ) لها والآيات في ذلك كثيرة. 
وقوله تعالى : إلا أن يشاء الله  يعنى : أن ذلك الأمر كان بمشيئة الله وتدبيره، لأن ذلك كله كان إلهاما من الله ليوسف وإخوته، حتى جرى الأمر وفق المراد. 
 نرفع درجات من نشاء  أي بالعلم، كما رفعنا يوسف. وفي إيثار صيغة الاستقبال إشعار بأن ذلك سنة إلهية مستمرة، غير مختصة بهذه المادة. 
 وفوق كل ذي علم  أي من أولئك المرفوعين  عليم  أي فوقه أرفع درجة منه.

### الآية 12:77

> ﻿۞ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ [12:77]

\[ ٧٧ \]  \* قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون ٧٧ . 
 قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل  هذا تنصل منهم إلى العزيز بالتشبيه به أي : إن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف. 
 فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم، قال أنتم شر مكانا  أي منزلة، حيث سرقتم أخاكم من أبيكم، ثم طفقتم تفترون على البريء. 
 والله أعلم بما تصفون  أي من أمر يوسف.

### الآية 12:78

> ﻿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [12:78]

\[ ٧٨ \]  قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين ٧٨ . 
 قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه، إنا نراك من المحسنين  لما تعين أخذ بنيامين وإبقاؤه عند يوسف بمقتضى فتواهم، طفقوا يعطفونه عليهم، بأن له أبا شيخا كبيرا يحبه حبا شديدا يتسلى به عن أخيه المفقود، فخذ أحدنا بدله رقيقا عندك. 
قال بعضهم : الفقه من هذه الجملة أن للكبير حقا يتوسل به، كما توسلوا بكبر يعقوب. وقد ورد في الاستسقاء إخراج الشيوخ انتهى. 
وفي ما عزموا عليه لإنقاذ أخيهم من شرك العبودية، المقضي عليه بها، ما يشف عن حسن طوية، ووفاء بالوعد، ويعرب عن أمانة وصدق بر، وشدة تمسك بموثق أبيهم، محافظة على رضاه وإكرامه، وهكذا فليتمسك البار بمرضاة أبويه. 
وقولهم : إنا نراك من المحسنين  أي إلينا، فأتمم إحسانك بهذه التتمة. أو من المتعودين بالإحسان، فليكن هذا منه.

### الآية 12:79

> ﻿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ [12:79]

\[ ٧٩ \]  قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون ٧٩ . 
 قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون  أي إن أخذنا بريئا بمتهم، لأنه لا يؤخذ أحد بجرم غيره قال بعضهم : إلا ما ورد في العقل.

### الآية 12:80

> ﻿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [12:80]

**وقوله تعالى :**
\[ ٨٠ \]  فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ٨٠ . 
 فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا  أي يئسوا من يوسف وإجابته لهم أشد يأس. كما دل عليه ( السين والتاء ) فإنهما يزادان في المبالغة. 
 قال أبو السعود : وإنما حصلت لهم هذه المرتبة من اليأس، لما شاهدوه من عوذ بالله لما طلبوه، الدال على كون ذلك عنده في أقصى مراتب الكراهة، وأنه مما يجب أن يحترز عنه، ويعاذ بالله عز وجل، ومن تسميته ( ظلما ) بقوله : إنا إذا لظالمون  و  خلصوا  بمعنى اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين، لا يخالطهم سواهم. و  نجيا  حال من فاعل  خلصوا  أي : اعتزلوا في هذه الحالة مناجين وإنما أفردت الحال، وصاحبها جمع، إما لأن النجي ( فعيل ) بمعنى ( مفاعل )، كالعشير والخليط. بمعنى المعاشر والمخالط، كقوله[(١)](#foonote-١) : وقربناه نجيا  أي مناجيا، وهذا في الاستعمال يفرد مطلقا. يقال : هم خليطك وعشيرك، أي مخالطوك ومعاشروك. وإما لأنه صفة على ( فعيل ) بمنزلة صديق، وبابه. فوحد لأنه بزنة المصادر، كالصهيل، والوحيد والذميل. وإما لأنه مصدر بمعنى التناجي، أطلق على المتناجين مبالغة، أو لتأويله بالمشتق : والمصدر، ولو بحسب الأصل، يشمل القليل والكثير. وتنزيل المصدر منزلة الأوصاف أبلغ في المعنى، ولذا قال الزمخشري : وأحسن منه أي من تأويل  نجيا  بذوي نجوى أو فوجا نجيا أي مناجيا أنهم تمحضوا تناجيا لاستجماعهم لذلك، وإفاضتهم فيه، بجد واهتمام، كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم على أي صفة يذهبون، وما يقولون لأبيهم في شأن أخيهم ؟ كقوم تعايوا بما دهمهم من الخطب، فاحتاجوا إلى التشاور. انتهى. 
**لطيفة :**
ذكر القاضي عياض في ( الشفا ) في ( بحث إعجاز القرآن ) : أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ : فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا ، فقال : أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام. 
وقال الثعالبي في كتاب ( الإيجاز والإعجاز ) في الباب الأول : من أراد أن يعرف جوامع الكلم، ويتنبه لفضل الاختصار، ويحيط ببلاغة الإيماء، ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن، وليتأمل علوه على سائر الكلام. 
ثم قال : فمن ذلك قوله عز ذكره. في إخوة يوسف  فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا ، وهذه صفة اعتزالهم جميع الناس وتقليبهم الآراء ظهرا لبطن، وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه، وما يوردون عليه من ذكر الحادث. فتضمنت تلك الكلمات القصيرة معاني القصة الطويلة. 
وقوله تعالى : قال كبيرهم  أي في السن، كما هو المتبادر، وهو فيما يروى ( رؤبين ).  ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله  أي عهدا وثيقا في رد أخيكم، وإنما جعل منه تعالى لكون الحلف كان باسمه الكريم.  ومن قبل  أي قبل هذا  ما فرطتم في يوسف  أي قصرتم في شأنه و ( ما ) إما مزيدة، و ( من ) متعلق بالفعل بعده، والجملة حالية، وإما مصدرية في موضع رفع بالابتداء و ( من قبل ) خبره. أو في موضع نصب عطفا على معمول  تعلموا . وإما موصولة بالوجهين، أي : قدمتموه في حقه من الخيانة، ولم تحفظوا عهد أبيكم، بعدما قلتم[(٢)](#foonote-٢)  وإنا له لناصحون   وإنا له لحافظون  [(٣)](#foonote-٣). 
 فلن أبرح الأرض  أي : فلن أفارق أرض مصر  حتى يأذن لي أبي  أي في الرجوع  أو يحكم الله لي  أي بالخروج من مصر، أو بخلاص أخي بسبب ما. 
 وهو خير الحاكمين  لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل. 
١ \[١٩ / مريم / ٥٢\]..
٢ \[١٢ / يوسف / ١١\]..
٣ \[١٢ / يوسف / ٦٣\]..

### الآية 12:81

> ﻿ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ [12:81]

ثم أمر كبيرهم أن يخبروا أباهم بما جرى، فقال : ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق  أي : نسب إلى سرقة صواع الملك،  وما شهدنا إلا بما علمنا  أي ما شهدنا عليه بالسرقة، إلا بما تيقناه من إخراج الصواع من رحله. 
**تنبيه :**
استنبط بعضهم من هذا عدم جواز الشهادة على الكتابة بلا علم وتذكر. وكذا من سمع كلامه من وراء حجاب، لعدم العلم به كذا في ( الإكليل ) ولا يخفى أن مثل هذا مما يستأنس به في مواقع الخلاف. 
 وما كنا للغيب حافظين  أي : وما علمنا أنه سيسرق حين أعطيناك الموثق.

### الآية 12:82

> ﻿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [12:82]

\[ ٨٢ \]  وسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ٨٢ . 
 وسأل القرية التي كنا فيها  يعنون مصر، أي : أرسل إلى أهلها فسلهم عن كنه القصة.  والعير التي أقبلنا فيها  أي جئنا معها. وكان صحبهم قوم من كنعان  وإنا لصادقون  أي فيما أخبرناك.

### الآية 12:83

> ﻿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [12:83]

\[ ٨٣ \]  قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم ٨٣ . 
 قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا  معناه : فرجعوا إلى أبيهم، فقالوا له ما قال لهم أخوهم. فقال : بل سولت، أي زينت وسهلت أنفسكم أمرا، ففعلتموه. 
 **لطيفة :**
قال الزمخشري : أمرا أردتموه، وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته، لولا فتواكم وتعليمكم. 
قال الناصر : هذا من الزمخشري إسلاف جواب عن سؤال، كان قائلا يقول : هم في الوقعة الأولى سولت لهم أنفسهم أمرا بلا مراء، وأما في هذه الوقعة الثانية، فلم يتعمدوا في حق بنيامين سوءا، ولا أخبروا أباهم إلا بالواقع على جليته، وما تركوه بمصر إلا مغلوبين عن استصحابه، فما وجه قوله ثانيا  بل سولت لكم أنفسكم أمرا  كما قال أولا ؟ وإذا ورد السؤال على هذا التقرير، فلا بد من زيد بسط في الجواب، فنقول : كانوا عند يعقوب عليه السلام حينئذ متهمين، وهم قمن باتهامه لما أسلفوه في حق يوسف عليه السلام، وقامت عنده قرينة تؤكد نفي التهمة وتقوّيها، وهي أخذ الملك له في السرقة، ولم يكن ذلك إلا من دين يعقوب وحده، لا من دين غيره من الناس، ولا من عادتهم. وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك  تنبيها من الله تعالى على وجه اتهام يعقوب لهم، فعلم أن الملك إنما فعل ذلك بفتواهم له به، وظن أنهم أفتوه بذلك بعد ظهور السرقة تعمدا ليتخلف أخوهم، وكان الواقع أنهم استفتوا من قبل أن يدعى عليهم بالسرقة، فذكروا ما عندهم، ولم يشعروا أن المقصود إلزامهم بما قالوا. واتهام من هو بحيث تتطرق التهمة إليه لا حرج فيه، وخصوصا فيما يرجع إلى الوالد من الولد. ويحتمل والله أعلم أن يكون الوجه الذي يسوغ له هذا القول في حقهم، أنهم جعلوا مجرد وجود الصواع في رحل من يوجد في رحله، سرقة، من غير أن يحيلوا الحكم على ثبوت كونه سارقا بوجه معلوم. وهذا في شرعنا لا يثبت السرقة عليه والله أعلم. 
وقوله : بل سولت لكم أنفسكم أمرا  واقع بمكانه من حالهم، وإن كان شرعهم يقتضي ذلك مخالفا لشرعنا، فالعمدة على الجواب الأول. اه. 
 وقوله تعالى : فصبر جميل  أي : بلا جزع  عسى الله أن يأتيني بهم جميعا  أي بيوسف وأخيه المتوقف بمصر، فتذهب أحزانه بمرة واحدة  إنه هو العليم الحكيم  أي العليم بحالي وحالهم، الحكيم في تشديد الأمر لينظر مقدار الصبر، فيفيض بقدرة الأجر، ومن الأجر المعجل تعجيل الفرج.

١ \[١٢ / يوسف / ٧٦\]..

### الآية 12:84

> ﻿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [12:84]

\[ ٨٤ \]  وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ٨٤ . 
 وتولى  أي أعرض  عنهم  أي عن بنيه كراهة لما جاءوا به  وقال يا أسفى على يوسف  أي يا حزني الشديد ! و ( الألف ) بدل من ياء المتكلم للتخفيف، وقيل : هي ألف الندبة، والهاء محذوفة. و ( الأسف ) أشد الحزن والحسرة على ما فات. وإنما تأسف على يوسف دون أخويه، والحادث رزأهما والرزء الأحدث أشد على النفس، وأظهر أثرا - لأن الرزء في يوسف كان قاعدة مصيباته التي ترتبت عليها الرزايا في ولده، فكان الأسف عليه أسفا على من لحق به، ولأنه لم يزل عن فكره، فكان غضا طريا عنده، كما قيل[(١)](#foonote-١) :

ولم تنسني أوفى المصيبات بعده  وكل جديد يذكر بالقديمولأنه كان واثقا بحياتهما دون حياته. 
 وابيضت عيناه من الحزن  وذلك لكثرة بكائه. 
قال الزمخشري : إذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين، وقلبته إلى بياض كدر.  فهو كظيم  أي مملوء من الغيظ على أولاده، ولا يظهر ما يسوؤهم. ( فعيل ) بمعنى ( مفعول ) كقوله[(٢)](#foonote-٢) : وهو مكظوم  أو بمعنى شديد التجرع للغيظ أو الحزن، لأنه لم يشكه إلى أحد قط. فهو بمعنى ( فاعل ). 
**تنبيه :**
دلت الآية على جواز التأسف والبكاء عند المصيبة. 
قال الزمخشري : فإن قلت : كيف جاز لنبي الله أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ ؟ قلت : الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن، ولذلك حمد صبره، وأن يضبط نفسه حتى لا يخرج إلى ما لا يحسن. 
ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال[(٣)](#foonote-٣) :" إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ". 
وإنما الجزع المذموم ما يقع من الجهلة من الصياح والنياحة ولطم الصدور والوجوه وتمزيق الثياب. وعن الحسن أنه بكى على ولد، أو غيره فقيل له في ذلك ؟ فقال : ما رأيت الله جعل الحزن عارا على يعقوب. 
١ ليس هكذا النص. ولا يمكن فهمه بغير ما قبله. وهو قوله:نعى الركب (أوفى) حين آبت ركابهم  لعمري لقد جاءوا بشر فأوجعوانعوا باسق الأخلاق لا يخلفونه  تكاد الجبال الصم منه تصدعفعزيت عن (أوفى) (غيلان) بعده  عزاء وجفن العين بالماء مترعولم تنسني (أوفى) المصيبات بعده  ولكن نكء القرح بالقرح أوجع وقائلها هشام، أخو ذي الرمة وغيلان هو ذو الرمة. انظر: ص ٢٢٣ من الجزء الأول، من كامل المبرد (طبعة الحلبي)..
٢ \[٦٨ / القلم / ٤٨\]..
٣ أخرجه البخاري في : ٢٣- كتاب الجنائز، ٤٤- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنا بك لمحزونون)، حديث ٦٩٢، عن أنس.
 وأخرجه مسلم في : ٤٣- كتاب الفضائل، ١٥- باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال، وتواضعه وفضل ذلك، حديث رقم ٦٢ (طبعتنا)..

### الآية 12:85

> ﻿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ [12:85]

**وقوله تعالى :**
 \[ ٨٥ \]  قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين ٨٥ . 
 قالوا  أي أولاد يعقوب، لأبيهم على سبيل الرفق به، والشفقة عليه : تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا  أي مريضا مشفيا على الهلاك،  أو تكون من الهالكين  أي بالموت. يقولون : إن استمر بك هذا الحال، خشينا عليك الهلاك والتلف. واستدل به على جواز الحلف بغلبة الظن. وقيل : إنهم علموه، لكنهم نزّلوه منزلة المنكر، فلذا أكّدوه. و  تفتأ  مضارع فتىء، مثلثة التاء. يستعمل مع النفي ملفوظا أو منويا، لأن موضعه معلوم، فيحذف للتخفيف كقوله[(١)](#foonote-١) :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا\*\*\* ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أي : لا أبرح. ومعنى  تفتأ  : لا تزال ولا تبرح. 
١ قائله امرؤ القيس من قصيدته التي مطلعها :ألاعم صباحا أيها الطلل البالي  وهل يعمن من كان في العصر الخالي؟.

### الآية 12:86

> ﻿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [12:86]

\[ ٨٦ \]  قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ٨٦ . 
 قال إنما أشكو بثي  أي غمي وحالي،  وحزني إلى الله  أي لا أشكو إلى أحد منكم ومن غيركم، إنما أشكو إلى ربي داعيا له، وملتجئا إليه، فخّلوني وشكايتي. 
 وأعلم من الله  أي لمن شكا إليه من إزالة الشكوى، ومزيد الرحمة  ما لا تعلمون  ما يوجب حسن الظن به، وهو مع ظن عبده به.

### الآية 12:87

> ﻿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [12:87]

ولما علم من شدة البلاء مع الصبر، قرب الفرج، قوى رجاءهم، وأمرهم أن يرحلوا لمصر، ويتطلبوا خبر يوسف وأخيه بقوله :
 \[ ٨٧ \]  يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ٨٧ . 
 يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه  أي تعرفوا من نبئهما، وتخبروا خبرهما  ولا تيأسوا من روح الله  أي فرجه ورحمته المريحة من الشدة.  إنه لا ييأس من روح الله  لم يقل ( منه ) إشارة إلى ظهور حصوله لمن لم ييأس  إلا القوم الكافرون  أي بالله ورحمته وقدرته على إفاضة الروح، بعد مضي المدة في الشدة، وسنته في إفاضة اليسر مع العسر، لاسيما في حق من أحسن الظن به.

### الآية 12:88

> ﻿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [12:88]

**وقوله تعالى :**
\[ ٨٨ \]  فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين ٨٨ . 
 فلما دخلوا عليه  أي على يوسف بعدما رجعوا إلى مصر، ولانفهامه من المقام طوى ذكره إيجازا  قالوا : يا أيها العزيز  أي : الملك القادر، الممتنع،  مسنا وأهلنا الضر  أي : الشدة من الجدب،  وجئنا ببضاعة مزجاة  أي : بدراهم قليلة في مقابلة ما نمتاره. استقلوا الثمن واستحقروه اتضاعا لهيبة الملك، واستجلابا لرأفته وحنانه. وأصل معنى ( التزجية ) : الدفع والرمي، فكنوا به عن القليل الذي يدفع، رغبة عنه، لذلك  فأوف لنا الكيل  أي : أتممه ووفره بهذه الدراهم المزجاة، كما توفره بالدراهم الجياد. 
 وتصدق علينا  أي : برد أخينا، أو بالإيفاء، أو بالمسامحة وقبول ما لا يعد عوضا.  إن الله يجزي المتصدقين  أي يثيبهم أحسن المثوبة. 
 **تنبيهات :**
الأول - في الآية إرشاد إلى أدب جليل، وهو تقديم الوسائل أمام المآرب، فإنها أنجح لها. وهكذا فعل هؤلاء : قدموا ما ذكر من رقة الحال، والتمسكن، وتصغير العوض، ولم يفجؤوه بحاجتهم، ليكون ذريعة إلى إسعاف مرامهم، ببعث الشفقة، وهز العطف والرأفة، وتحريك سلسلة الرحمة كما قدمنا - ومن ثم رق لهم، وملكته الرحمة عليهم، فلم يتمالك أن عرّفهم نفسه، كما يأتي. 
الثاني يؤخذ من الآية جواز شكوى الحاجة لمن يرجى منه إزالتها. 
الثالث - استدل بعضهم بقوله تعالى : فأوف لنا الكيل  على أن أجرة الكيال على البائع، لأنه إذا كان عليه توفية الكيل، فعليه مؤنثه، وما يتم به. 
الرابع - استدل بقوله تعالى : وتصدق علينا  من قال : إن الصدقة لم تكن محرمة على الأنبياء كذا في ( الإكليل ) وهذا بعد تسليم نبوة إخوة يوسف. وفيها خلاف. وسيأتي في التنبيهات، آخر السورة، تحقيق ذلك. 
الخامس - في قوله تعالى : إن الله يجزي المتصدقين  حث على الإحسان، وإشارة إلى أن المحسن يجزى أحسن جزاء منه تعالى، وإن لم يجزه المحسن إليه.

### الآية 12:89

> ﻿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ [12:89]

ثم بين تعالى رأفه يوسف بتعرفه إليهم بقوله :
\[ ٨٩ \]  قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ٨٩ . 
 قال  أي يوسف مجيبا لهم : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون  أي شبان غافلون ؟ استفهام تقرير، يفيد تعظيم الواقعة. ومعناه : ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف، وما أقبح ما أقدمتم عليه ! كما يقال للمذنب : هل تدري من عصيت / وهل تعرف من خالفت ؟ وهذه الآية تصديق لقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون . 
**لطائف :**
الأولى - أبدى المهايمي مناسبة بديعة في قول يوسف لهم : هل علمتم  إثر قولهم : إن الله يجزي المتصدقين ، وهو أنهم أرادوا بقولهم : إن الله يجزي المتصدقين  أنه يعطيهم في الآخرة ما هو خير من العوض الدنيوي، فأشار لهم يوسف بأنكم تريدون دفع الضرر العاجل، بوعد الأجر الآجل، ولا تدفعون عن أنفسكم الضرر الآجل، كأنكم تنكرونه، هل علمتم ضرر ما فعلتم بيوسف ؟. 
الثانية - قيل : من تلطفه بهم قوله : إذ أنتم جاهلون  كالاعتذار عنهم، لأن فعل القبيح على جهل بمقدار قبحه، أسهل من فعله على علم. وهم ولو ضربوا في طرق الاعتذار لم يلفوا عذرا كهذا. ألا ترى أن موسى عليه السلام، لما اعتذر عن نفسه لم يزد على أن قال[(٢)](#foonote-٢) : فعلتها إذا وأنا من الظالمين . ففيه تخفيف للأمر عليهم. 
الثالثة - قال الزمخشري : فإن قلت : ما فعلهم بأخيه ؟ قلت : تعريضهم إياه للغمّ والثكل، بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه، وجفاؤهم به، حتى كان لا يستطيع أن يكلم أحدا منهم إلا كلام الذليل للعزيز، وإيذاؤهم له بأنواع الأذى. انتهى.

١ \[١٢/ يوسف / ١٥\]..
٢ \[٢٦ / الشعراء / ٢٠\]..

### الآية 12:90

> ﻿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [12:90]

\[ ٩٠ \]  قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد منّ الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ٩٠ . 
 قالوا  أي : استغرابا وتعجبا من أن هذا لا يعلمه إلا يوسف  أإنك لأنت / يوسف ؟ قال : أنا يوسف  أي : الذي فعلتم به ما فعلتم،  وهذا أخي  أي من أبوي. 
قال أبو السعود : زادهم ذلك مبالغة في تعريف نفسه، وتفخيما لشأن أخيه، وتكملة لما أفاده قوله : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه  حسبما يفيده قوله :
 قد منّ الله علينا  فكأنه قال : هل علمتم ما فعلتم بنا من التفريق والإذلال، فأنا يوسف، وهذا أخي، قد منّ الله علينا بالخلاص مما ابتلينا به، والاجتماع بعد الفرقة، والعزة بعد الذلة، والأنس بعد الوحشة. 
ثم علل ذلك بطريق الاستئناف التعليلي بقوله : إنه من يتق  أي ربه في جميع أحواله،  ويصبر  أي : على الضراء وعن المعاصي،  فإن الله لا يضيع أجر المحسنين  أي : أجرهم. وفي وضع الظاهر موضع الضمير، تنبيه على أن المنعوتين بالتقوى والصبر، موصوفون بالإحسان.

### الآية 12:91

> ﻿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [12:91]

\[ ٩١ \]  قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين ٩١ . 
 قالوا تالله لقد آثرك الله علينا  أي فضّلك بما ذكرت من التقوى والصبر، وسيرة المحسنين،  وإن كنا لخاطئين  أي : وإن شأننا وحالنا أنا كنا متعمدين للذنب، لم نتق ولم نصبر، ففعلنا بك ما فعلنا، ولذلك أوثرت علينا. وفيه إشعار بالتوبة والاستغفار، ولذلك : قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ٩٢

### الآية 12:92

> ﻿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [12:92]

\[ ٩٢ \]  قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ٩٢ . 
 قال لا تثريب  أي : لا تعيير ولا توبيخ ولا تقريع،  عليكم اليوم  أي : وإن كنتم ملومين قبل ظهور منتهى فعلكم، ولا إثم عليكم، إذ  يغفر الله لكم . / أي حقي لرضاي عنكم، وحقه أيضا لواسع رحمته كما قال : وهو أرحم الراحمين  أي : فكأنه لا خطأ منكم. و  اليوم  متعلق بالتثريب، أو بالمقدر في  عليكم  من معنى الاستقرار والمعنى : ولا أثرّب بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام ؟ ! فتعبيره ب  اليوم  ليس لوقوع التثريب في غيره، لأن من لم يثرب أول لقائه واشتعال ناره، فبعده بطريق الأولى :
وقال الشريف المرتضى في ( الدرر ) : إن اليوم موضوع موضع الزمان كله بقوله :

اليوم يرحمنا من كان يغبطنا  واليوم نتبع من كانوا لنا تبعاثم زادهم تكريما بأن دعا لهم بالمغفرة، لما فرط منهم بقوله : يغفر الله لكم . 
وقوله : وهو أرحم الراحمين  تحقيق لحصول المغفرة، لأنه عفا عنهم، فالله أولى بالعفو والرحمة لهم، وبيان للوثوق بإجابة الدعاء. وجوز تعلق  اليوم  ب  يغفر . والجملة خبرية سيقت بشارة بعاجل غفران الله، لما تجدد يومئذ من توبتهم وندمهم على خطيئتهم. 
والوجه الأول أظهر. والثاني من الإغراب في التوجيهات. 
**تنبيه :**
قال بعضهم : إن تجاوز يوسف عن ذنب إخوته، وإبقاءه عليهم، ومصافاته لهم، تعلمنا أن نغفر لمن يسيء إلينا، ونحسن إليه، ونصفي له الود، وأن نغضي عن كل إهانة تلحق بنا، فيسبغ الله تعالى إذ ذاك علينا نعمه وخيراته في هذه الدنيا، كما أوسع على يوسف ويورثنا السعادة الأخروية، وأما إذا أضمرنا السوء للمسيئين إلينا، ونقمنا منهم، فينتقم الله منا، ويوردنا مورد الثبور، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا.

### الآية 12:93

> ﻿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [12:93]

**ثم قال لهم يوسف :**
 \[ ٩٣ \]  اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين ٩٣ . 
 اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين  أراد يوسف تبشير أبيه بحياته، وإدخال السرور عليه بذلك، وتصديقه بإرسال حلة من حلله التي كان يستشعر بها أو يتدثر، ليكون في مقابلة القميص الأول، جالب الحزن، وغشاوة العين. و ( الإلقاء على وجهه ) بمعنى المبالغة في تقريبه منه، لما ناله من ضعف بصره، فتتراجع إليه قوة بصره، بانتعاش قلبه، بشمه واطمئنانه على سلامته. وللمفرجات تأثير عظيم في صحة الجسم، وتقوية الأعضاء، وقد جوّد الكلام في ذلك الحكيم داود الأنطاكيّ في ( تذكرته ) في مادة مفرح بما لا يستغنى عن مراجعته. 
وفي ( الكنوز ) من كتب الطب : الفرح، إن كان بلطف، فإنه ينفع الجسم، ويبسط النفس، ويريح العقل، فتقوى الأعضاء وتنتعش. انتهى. 
ثم رأيت الرازي عوّل على نحو ما ذكرناه، وعبارته : قال المفسرون : لما عرفهم يوسف سألهم عن أبيه، فقالوا : ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه. قال المحققون : إنما عرف أن إلقاء القميص على وجهه يوجب قوة البصر بوحي من الله تعالى، ولولا الوحي، لما عرف ذلك، لأن العقل لا يدل عليه. ويمكن أن يقال : لعل يوسف عليه السلام علم أن أباه ما صار أعمى إلا أنه من كثرة البكاء، وضيق القلب، ضعف بصره، فإذا ألقى عليه قميصه، فلا بد أن ينشرح صدره، وأن يحصل في قلبه الفرح الشديد. وذلك يقوي الروح، ويزيل الضعف عن القوى، فحينئذ يقوى بصره، ويزول عنه النقصان. فهذا القدر مما يمكن معرفته بالقلب. فإن القوانين الطبية تدل على صحة هذا المعنى. انتهى. 
 ولعل الرازي عنى بالمحققين الصوفية، أو من يقف على الظاهر وقوفا بحتا ولا يخفى أن أسلوب التنزيل في كناياته ومجازاته أسلوب فريد، ينبغي التفطن له. 
وقد جوز في قوله : يأت بصيرا  أن يكون معناه يصير بصيرا، أو يجيء إلي بصيرا على حقيقة الإتيان. ف  بصيرا  حال. قيل : ينصره قوله : وأتوني بأهلكم أجمعين  أي : بأبي وغيره. وفيه نظر، لأن اتحاد الفعلين هنا في المبنى، لا يدل على اتحادهما في المعنى. ولا يقال : الأصل الحقيقة، لأن ذلك فيما يقتضيه السياق، ولا اقتضاء هنا. فالأول أرق وأبدع، لما فيه من التجانس. 
روي أن يوسف عليه السلام، بعد أن دعا لهم بالمغفرة قال لهم : إن الله بعثني أمامكم لأحييكم وقد مضت سنتا جوع في الأرض، وبقي خمس سنين، ليس فيها حرث ولا حصاد. فأرسلني الله أمامكم ليجعل لكم بقية في الأرض، ويستبقيكم لنجاة عظيمة. وقد جعلني سبحانه أبا لفرعون، وسيدا لجميع أهله، ومتسلطا على جميع أرض مصر، فبادروا وأشخصوا إلى أبي وأخبروه بجميع مجدي بمصر، وما رأيتموه، قولوا له : كذا قال ابنك يوسف : قد جعلني الله سيدا لجميع المصريين، فهلمّ إلي، فتقم في أرض جاسان، وتكون قريبا مني أنت وبنوك، وبنو بنيك، ومواشيك، وجميع ما هو لك، وأعولك هاهنا، فقد بقي خمس سنين مجدبة، فأخشى أن يهلك الأهل والمال. وكان نما الخبر إلى فرعون وقيل : جاء إخوة يوسف، فسر بذلك فرعون وخاصته وأمره أيضا بان يؤكد عليهم إتيانهم بأبيهم وأهلهم، ووعدهم خير أرض في مصر تكون لهم، لئلا يأسفوا على ما خلفوا. ثم زود يوسف إخوته أحسن زاد، وأعطاهم من الحلل والثياب والدراهم مقدارا وافرا، وبعث إلى أبيه بمثل ذلك، وأصحبهم عجلات لأطفالهم ونسائهم، وأوصاهم ألا يتخاصموا في الطريق والله أعلم.

### الآية 12:94

> ﻿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ [12:94]

**وقوله تعالى :**
 \[ ٩٤ \]  ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ٩٤ . 
 ولما فصلت العير  أي خرجت من مصر. يقال : فصل القوم عن المكان وانفصلوا، بمعنى فارقوه.  قال أبوهم  أي : لحفدته ومن حوله من قومه، من عظم اشتياقه ليوسف، وانتظاره لروح الله : إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفنّدون  الريح : الرائحة، توجد في النسيم. أي : لأتنسم رائحته مقبلة إلي. كناية عن تحققه وجوده بما ألقى الله في روعه من حياته، وساق إليه من نسائم البشارة الغيبية بسلامته. وقد كان عظم رجاؤه بذلك من مولاه، ووثق بنيل مأموله ومبتغاه، ولذلك نهى نبيه عن الاستيئاس من روح الله. وإذا دنا أجل الضراء، أخذت تهب نسائم الفرج حاملة عرف السراء، يدري ذلك كل من قوي إحساسه، وعظمت فطنته، واستنارت بصيرته، فيكاد أن يلمس في نهاية الشدة زهر الفرج، ولا يحنث إن آلى أنه يجد من نسيمه أزكى الفرج. عرف ذلك من عرف، فأحرى بمن نالوا من النبوة ذروة الشرف. 
وإضافة الريح إلى الولد معروفة في كلامهم : وفي حديث عند الطبراني :" ريح الولد من ريح الجنة ". وقال الشاعر :
يا حبذا ريح الولد \*\*\* ريح الخزامى في البلد
وقوله : لولا أن تفندون  بمعنى إلا أنكم تفندون. أو لولاه لصدقتموني. و ( فنّده ) نسبه إلى الفند بفتحتين، وهو ضعف الرأي والعقل من الهرم وكبر السن. 
قال في ) العناية ( :" مأخوذ من الفند، وهو الحجر والصخرة، كأنه جعل حجرا لقلة فهمه، كما قال :
إذا أنت لم تعشق ولم تذر ما الهوى \*\*\* فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
ثم اتسع فيه فقيل : فنده، إذ ضعّف رأيه، ولامه على ما فعله.

### الآية 12:95

> ﻿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ [12:95]

**وقوله تعالى :**
 \[ ٩٥ \]  قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم ٩٥ . 
 قالوا  أي حفدته ومن عنده : تالله إنك لفي ضلالك القديم  أي لفي ذهابك عن الصواب المتقدم، في إفراطك في محبة يوسف، ولهجتك بذكره، ورجائك للقائه، وكان عندهم أنه مات أو تشتت، فاستحال الاجتماع به. وجعله فيه لتمكنه ودوامه عليه.

### الآية 12:96

> ﻿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [12:96]

\[ ٩٦ \]  فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون ٩٦ . 
 فلما أن جاء البشير  أي : المخبر بما يسره من أمر يوسف  ألقاه على وجهه  أي : طرح البشير القميص على وجه يعقوب، أو ألقاه يعقوب نفسه على وجهه،  فارتد بصيرا  أي عاد بصيرا لما حدث فيه من السرور والانتعاش.  قال : ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون  أي : من حياة يوسف، وإنزال الفرج وجوّز كون  إني أعلم  كلاما مبتدأ. والمقول  لا تيأسوا من روح الله  إن كان الخطاب لبنيه. أو  إني لأجد ريح يوسف  إن كان لحفدته ومن عنده. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيه :**
قيل : في هذه الآيات دلالة على جواز التبشير ببشائر الدنيا واستحبابه، وجواز السرور بحصول النعم الحاصلة في الدنيا. وفيها دلالة على إرجاء الاستغفار والدعاء لوقت يرى أنه أحضر فيه قلبا من غيره أو أنه أفضل وأقرب للإجابة. 
وقد روي أنه أخر الاستغفار إلى السحر. وتخصيص الأوقات الفاضلة بالاستغفار والدعاء معروف في السنة، ومنه شرع الاستغفار في السحر، وعقب الصلوات، وقضاء الحج وكان الدعاء في السجود، وعند الأذان، وبينه وبين الإقامة، والإفطار من الصيام، أقرب للإجابة مما عداه.

---

### الآية 12:97

> ﻿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ [12:97]

\[ ٩٧ \]  قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ٩٧ . 
 قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين  الضمير لبنيه. طلبوا أن يستغفر لهم لما فرط منهم، أو لحفدته ومن عنده لقولهم : إنك لفي ضلالك القديم . والأول أقرب وأصوب. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيه :**
قيل : في هذه الآيات دلالة على جواز التبشير ببشائر الدنيا واستحبابه، وجواز السرور بحصول النعم الحاصلة في الدنيا. وفيها دلالة على إرجاء الاستغفار والدعاء لوقت يرى أنه أحضر فيه قلبا من غيره أو أنه أفضل وأقرب للإجابة. 
وقد روي أنه أخر الاستغفار إلى السحر. وتخصيص الأوقات الفاضلة بالاستغفار والدعاء معروف في السنة، ومنه شرع الاستغفار في السحر، وعقب الصلوات، وقضاء الحج وكان الدعاء في السجود، وعند الأذان، وبينه وبين الإقامة، والإفطار من الصيام، أقرب للإجابة مما عداه.

---

### الآية 12:98

> ﻿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [12:98]

ولما كان من حق المعترف بذنبه أن يصفح عنه، ويسأل له المغفرة، وعدهم بذلك :
 \[ ٩٨ \]  قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم ٩٨ . 
 قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم  أي : سوف أدعوه لكم، فإنه المتجاوز عن السيئات، الرحيم لمن تاب. 
قال المهايمي : صرّحوا بالذنوب دون الله، لمزيد اهتمامهم بها، وكأنهم غلب عليهم النظر إلى قهره. وصرّح يعقوب بذكر الرب دون الذنوب، إذ لا مقدرا لها بالنظر إلى رحمته التي ربّى بها الكل. انتهى. 
وهذا من دقائق لطائف التنزيل ومحاسنها فيه. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيه :**
قيل : في هذه الآيات دلالة على جواز التبشير ببشائر الدنيا واستحبابه، وجواز السرور بحصول النعم الحاصلة في الدنيا. وفيها دلالة على إرجاء الاستغفار والدعاء لوقت يرى أنه أحضر فيه قلبا من غيره أو أنه أفضل وأقرب للإجابة. 
وقد روي أنه أخر الاستغفار إلى السحر. وتخصيص الأوقات الفاضلة بالاستغفار والدعاء معروف في السنة، ومنه شرع الاستغفار في السحر، وعقب الصلوات، وقضاء الحج وكان الدعاء في السجود، وعند الأذان، وبينه وبين الإقامة، والإفطار من الصيام، أقرب للإجابة مما عداه.

---

### الآية 12:99

> ﻿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [12:99]

\[ ٩٩ \]  فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ٩٩ . 
 فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه  إشارة إلى ورود يعقوب وآله على يوسف. / وذلك أنهم تخلوا عن آخرهم، وترحلوا من بلاد كنعان، وأركبوا أطفالهم ونساءهم على العجل التي بعث بها فرعون، وصحبوا ماشيتهم وسرحهم، وهبطوا أرض مصر وروي أنهم كانوا سبعين نفسا وتقدمهم يهوذا إلى يوسف ليدله على أرض ( جاسان ) فينزلوها. ثم خرج يوسف في مركبته، فتلقى أباه في ( جاسان )، ولما ظهر له ألقى بنفسه على عنقه وبكى طويلا. والمراد بدخولهم على يوسف وصولهم لملتقاه خارج البلد، وبإيواء أبويه ضمهما إليه، واعتناقهما واصطحابه لهما في مركبه. قالوا : عنى بأبويه والده وخالته، لأن أمه راحيل توفيت وهي نفساء بأخيه بنيامين. وتنزيل الخالة منزلة الأم، لكونها مثلها في زوجة الأب، وقيامها مقامها وتوقيرها، كتنزيل العم منزلة الأب في قوله[(١)](#foonote-١) : وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق . 
 وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين  أي من القحط وأصناف المكاره.

١ \[٢ / البقرة / ١٣٣\]..

### الآية 12:100

> ﻿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [12:100]

\[ ١٠٠ \]  ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم ١٠٠ . 
 ورفع أبويه على العرش  أي أجلسهما معه على سرير ملكه تكريما لهما  وخروا له سجدا  أي سجد له أبوه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر، تحية وتكرمة له. وكان السجود عندهم للكبير يجري مجرى التحية عندنا. 
 وقال يا أبت هذا  أي السجود  تأويل  أي تعبير  رؤياي من قبل  أي / أنني رأيتها أيام الصبا، وهي سجود أحد عشر كوكبا والشمس والقمر  قد جعلها ربي حقا  أي صدقا مطابقا للواقع في الحس،  وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن  أي نجاني من العبودية، وجعل الملك مطيعا لي مفوضا إلي خزائن الأرض. وفي الاقتصار على التحدث بالخروج من السجن على جلالة ملكه، وفخامة شأنه من التواضع، وتذكر ما سلف من الضراء، استدامة للشكر، ما فيه من أدب النفس الباهر. وفيه إشارة إلى النعمة في الانطلاق من الحبس، لأنه كما قال عبد الملك بن عبد عزيز، لما كان في حبس الرشيد :
ومحلة شمل المكاره أهلها \*\*\* وتقلدوا مشنوءة الأسماء
دار يهاب بها اللئام وتتقى \*\*\* وتقل فيها هيبة الكرماء
ويقول علج ما أراد، ولا ترى\*\*\* حرا يقول برقة وحياء
وبرق عن مس الملاحة وجهه \*\*\* فيصونه بالصمت والإغضاء
**وقال شاعر من المسجونين :**
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها\*\*\* فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة\*\*\* عجبنا وقلنا : جاء هذا من الدنيا
ويؤثر عن يوسف عليه السلام أنه كتب على باب السجن : هذه منازل البلاء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء، وقبور الأحياء. 
هذا وقد حاول كثير من الأدباء مدح السجن بسحر بيانهم. فقال علي بن الجهم :
قالوا : حبست فقلت ليس بضائري \*\*\* حبسي. وأي مهند لا يغمد ؟
أو ما رأيت الليث يألف غابه\*\*\* كبرا وأوباش السباع تردد
والبدر يدركه المحاق فتنجلي \*\*\* أيامه وكأنه متجدد
ولكل حال معقب ولربما\*\*\* أجلى لكل المكروه عما تحمد
والسجن، ما لم تغشه لدنيّة\*\*\* شنعاء، نعم المنزل المتورد
بيت يجدد للكريم كرامة \*\*\* فيزار فيه ولا يزور ويحفد
 وأحسن ما قيل في تسلية المسجونين قول البحتري :
أما في رسول الله يوسف أسوة \*\*\* لمثلك محبوسا على الجور والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة\*\*\* فآل به الصبر الجميل إلى الملك
 نقله الثعالبي في ( اللطائف واليواقيت ). 
 وجاء بكم من البدو  أي البادية، وقد كانوا أصحاب مواش،  من بعد أن نزغ  أي أفسد  الشيطان بيني وبين إخوتي  أي بالحسد، وأسنده إلى الشيطان لأنه بوسوسته وإلقائه، وفيه تفاد عن تثريبهم أيضا، وإنما ذكره لأن النعمة بعد البلاء أحسن موقعا. 
 إن ربي لطيف لما يشاء  أي لطيف التدبير له، والرفق به،  إنه هو العليم  بوجوه المصالح،  الحكيم  في أفعاله وأقضيته. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهان :**
الأول - في فقه هذه الآيات : قال بعض اليمانيين : يستدل مما روي أن يوسف خرج للقاء أبيه، على حسن التعظيم باللقاء، وكذا يأتي مثله في التشييع، ومنه ما روي في تشييع الضيف. ويستدل مما روي أن المراد بأمه خالته - كما مر- أن من نسب رجلا إلى خالته فقال : يا ابن فلانة ! لم يكن قاذفا لها ويستدل من رفعهما على العرش ـ وهو السرير الرفيع - جواز اتخاذه، ورفع الغير، تعظيما للمرفوع. ويستدل من قوله : وجاء بكم من البدو  على أن الانتقال منه نعمة، وذلك لما يلحق أهل البادية من الجفاء، والبعد عن موارد العلوم، وعن رفاهة المدنية، ولطف المعاشرة، والكمالات الإنسانية. وروي لجرير[(٢)](#foonote-٢) :أرض الحراثـة لو أتاهـا جـرول  أعنـي الحطيئـة لاغتـدى حراثــامـا جئتهـا من أي وجـه جئتهــا\*\*\* إلا حسبـت بيـوتهــا أجـداثـــا
 وفي الحديث [(٣)](#foonote-٣) :" من بدا جفا " أي : من حل البادية. وفي آخر[(٤)](#foonote-٤) " إن الجفا والقسوة في الفدادين ". ففي هذا دليل على حسن النقلة من البوادي إلى المدن. أ هـ بزيادة. 
الثاني - قص كثير نبأ استقرار يعقوب وآله بمصر. ومجمله أن يوسف اختار لمستقرهم أرض جاسان، فلما دخلوا مصر أخبر يوسف فرعون بقدوم أبيه وإخوته وجميع ما لهم إلى أرض جاسان، ثم أدخل أباه على فرعون، فأكرمه وكلمه حصة، وسأله عن عمره فأجابه : مائة وثلاثون سنة، وأقطعه وبنيه أجود أرض في مصر، وهي أرض رعمسيس، أي عين شمس، وملكها إياهم، ودعا له يعقوب ثم انصرف. ثم أخذ يوسف خمسة من إخوته، فمثلهم بين يدي فرعون، فقال لهم : ما حرفتكم فأجابوه ـ كما أوصاهم يوسف ـ : نحن وآباؤنا رعاة غنم ! فقال فرعون ليوسف : إن كنت تعلم أن فيهم ذوي حذق، فأقمهم وكلاء على ماشيتي. وأجرى يوسف لأبيه وإخوته وسائر أهله طعاما على حسبهم. وأقاموا في أرض مصر بجاسان، فتملكوا فيها، ونموا وكثروا جدّا. وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، فكانت مدة عمره كله مائة وسبعا وأربعين سنة. ولما دنا أجله قال ليوسف لا تدفني بمصر إذا مت، بل احملني منها إلى مدفن آبائي، فأجابه لذلك. ثم بعد مدة أخبر يوسف بمرض أبيه، فأخذ ولديه وسار إلى أبيه، فانتعش أبوه بمقدمه ورأى ولديه، فقال : من هذان ؟ فقال : ابناي رزقنيهما الله هاهنا. فقال : أذنهما مني، فأدناهما، فقبلهما، ودعا لهما. وقال له : لم أكن أظن أني أرى وجهك، والآن أراني الله نسلك أيضا، ثم أعلم يوسف بدنو أجله، وبشره بأن الله سيكون معكم، ويردكم إلى أرض آبائكم. ثم دعا بقية بنيه ودعا لهم بالبركة، وأوصاهم بأن يضموه إلى قومه، ويدفنوه مع آبائه في المغارة التي في حبرون، وهي المعروفة اليوم بمدينة الخليل فإن فيها دفن إبراهيم، / وسارة امرأته وإسحاق ورفقة زوجته، وليأة امرأة يعقوب. ولما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه فاضت روحه، فوقع يوسف على وجه أبيه، وبكى وقبله. ثم أمر الأطباء أن يحنطوه ويصبروه. ولما انقضت أيام التعزية به، استأذن يوسف فرعون بأن يبرح لدفن أبيه، عملا بوصيته فأذن له وسار من مصر، وصحبه إخوته آل أبيه وحاشيته، ووجهاء مصر، وأتباع فرعون في موكب عظيم، إلى أن وصلوا أرض كنعان ودفنوه في المغارة ـ كما أوصى ـ ثم عاد بمن معه إلى مصر، ولم يزل يوسف يرعى إخوته بالإكرام والإحسان، إلى أن قرب أجله فأوصاهم بأن ينقلوه معهم إذا عادوا إلى الأرض التي كتبها الله لآبائهم. ثم توفى يوسف. وهو ابن مائة وعشر سنين، فحنطوه، وجعلوه في تابوت بمصر. 
وهذا ما قصه قدماء المؤرخين، والله أعلم بالحقائق، وإنما لم يذكر هذا، القرآن الكريم لأن القرآن لم يبن على قانون التاريخ، فليس فيه شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار، وإنما هي الآيات والعبر، تجلت في سياق الوقائع، ولذلك لم تذكر القصة بترتيبها وتفاصيلها، وإنما يذكر موضع العبرة فيها، كما سيأتي الإشارة إليه في قوله تعالى[(٥)](#foonote-٥) : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، وقوله[(٦)](#foonote-٦) : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك . ومضى في المقدمة بسط هذا البحث، فراجعه. وسنذكر إن شاء الله في آخر السورة شيئا. من الحكم والعبر المقتبسة من نبأ يوسف، فانتظر.

---

### الآية 12:101

> ﻿۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [12:101]

\[ ١٠١ \]  \* رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليّي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ١٠١ . 
 رب قد آتيتني من الملك  أي بعضا منه عظيما، وهو ملك مصر،  وعلمتني من تأويل الأحاديث  أي تعبير الرؤيا،  فاطر السماوات والأرض  أي مبدعهما وخالقهما،  أنت وليّي  أي مالك أموري،  في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين  أي من النبيين والمرسلين. دعا يوسف عليه السلام بهذا الدعاء لما تمت نعمة الله عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما آثره به من العلم والملك، فسأل ربه عز وجل، كما أتم عليه نعمته في الدنيا، أن يحفظها عليه باقي عمره، حتى إذا حان أجله قبضه على الإسلام، وألحقه بالصالحين. فليس فيه تمنّ للموت، وطلب التوفي منجزا كما قيل. 
 روى الإمام أحمد والشيخان[(١)](#foonote-١) عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله علي وسلم :" لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إن كان محسنا فيزداد، وإن كان مسيئا فلعله يستعتب : ولكن ليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي " وفي رواية :" وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ". 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهان :**
الأول - في فقه هذه الآيات : قال بعض اليمانيين : يستدل مما روي أن يوسف خرج للقاء أبيه، على حسن التعظيم باللقاء، وكذا يأتي مثله في التشييع، ومنه ما روي في تشييع الضيف. ويستدل مما روي أن المراد بأمه خالته - كما مر- أن من نسب رجلا إلى خالته فقال : يا ابن فلانة ! لم يكن قاذفا لها ويستدل من رفعهما على العرش ـ وهو السرير الرفيع - جواز اتخاذه، ورفع الغير، تعظيما للمرفوع. ويستدل من قوله : وجاء بكم من البدو  على أن الانتقال منه نعمة، وذلك لما يلحق أهل البادية من الجفاء، والبعد عن موارد العلوم، وعن رفاهة المدنية، ولطف المعاشرة، والكمالات الإنسانية. وروي لجرير[(٢)](#foonote-٢) :أرض الحراثـة لو أتاهـا جـرول  أعنـي الحطيئـة لاغتـدى حراثــامـا جئتهـا من أي وجـه جئتهــا\*\*\* إلا حسبـت بيـوتهــا أجـداثـــا
 وفي الحديث [(٣)](#foonote-٣) :" من بدا جفا " أي : من حل البادية. وفي آخر[(٤)](#foonote-٤) " إن الجفا والقسوة في الفدادين ". ففي هذا دليل على حسن النقلة من البوادي إلى المدن. أ هـ بزيادة. 
الثاني - قص كثير نبأ استقرار يعقوب وآله بمصر. ومجمله أن يوسف اختار لمستقرهم أرض جاسان، فلما دخلوا مصر أخبر يوسف فرعون بقدوم أبيه وإخوته وجميع ما لهم إلى أرض جاسان، ثم أدخل أباه على فرعون، فأكرمه وكلمه حصة، وسأله عن عمره فأجابه : مائة وثلاثون سنة، وأقطعه وبنيه أجود أرض في مصر، وهي أرض رعمسيس، أي عين شمس، وملكها إياهم، ودعا له يعقوب ثم انصرف. ثم أخذ يوسف خمسة من إخوته، فمثلهم بين يدي فرعون، فقال لهم : ما حرفتكم فأجابوه ـ كما أوصاهم يوسف ـ : نحن وآباؤنا رعاة غنم ! فقال فرعون ليوسف : إن كنت تعلم أن فيهم ذوي حذق، فأقمهم وكلاء على ماشيتي. وأجرى يوسف لأبيه وإخوته وسائر أهله طعاما على حسبهم. وأقاموا في أرض مصر بجاسان، فتملكوا فيها، ونموا وكثروا جدّا. وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، فكانت مدة عمره كله مائة وسبعا وأربعين سنة. ولما دنا أجله قال ليوسف لا تدفني بمصر إذا مت، بل احملني منها إلى مدفن آبائي، فأجابه لذلك. ثم بعد مدة أخبر يوسف بمرض أبيه، فأخذ ولديه وسار إلى أبيه، فانتعش أبوه بمقدمه ورأى ولديه، فقال : من هذان ؟ فقال : ابناي رزقنيهما الله هاهنا. فقال : أذنهما مني، فأدناهما، فقبلهما، ودعا لهما. وقال له : لم أكن أظن أني أرى وجهك، والآن أراني الله نسلك أيضا، ثم أعلم يوسف بدنو أجله، وبشره بأن الله سيكون معكم، ويردكم إلى أرض آبائكم. ثم دعا بقية بنيه ودعا لهم بالبركة، وأوصاهم بأن يضموه إلى قومه، ويدفنوه مع آبائه في المغارة التي في حبرون، وهي المعروفة اليوم بمدينة الخليل فإن فيها دفن إبراهيم، / وسارة امرأته وإسحاق ورفقة زوجته، وليأة امرأة يعقوب. ولما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه فاضت روحه، فوقع يوسف على وجه أبيه، وبكى وقبله. ثم أمر الأطباء أن يحنطوه ويصبروه. ولما انقضت أيام التعزية به، استأذن يوسف فرعون بأن يبرح لدفن أبيه، عملا بوصيته فأذن له وسار من مصر، وصحبه إخوته آل أبيه وحاشيته، ووجهاء مصر، وأتباع فرعون في موكب عظيم، إلى أن وصلوا أرض كنعان ودفنوه في المغارة ـ كما أوصى ـ ثم عاد بمن معه إلى مصر، ولم يزل يوسف يرعى إخوته بالإكرام والإحسان، إلى أن قرب أجله فأوصاهم بأن ينقلوه معهم إذا عادوا إلى الأرض التي كتبها الله لآبائهم. ثم توفى يوسف. وهو ابن مائة وعشر سنين، فحنطوه، وجعلوه في تابوت بمصر. 
وهذا ما قصه قدماء المؤرخين، والله أعلم بالحقائق، وإنما لم يذكر هذا، القرآن الكريم لأن القرآن لم يبن على قانون التاريخ، فليس فيه شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار، وإنما هي الآيات والعبر، تجلت في سياق الوقائع، ولذلك لم تذكر القصة بترتيبها وتفاصيلها، وإنما يذكر موضع العبرة فيها، كما سيأتي الإشارة إليه في قوله تعالى[(٥)](#foonote-٥) : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ، وقوله[(٦)](#foonote-٦) : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك . ومضى في المقدمة بسط هذا البحث، فراجعه. وسنذكر إن شاء الله في آخر السورة شيئا. من الحكم والعبر المقتبسة من نبأ يوسف، فانتظر.

---


١ أخرجه البخاري في : ٨٠- كتاب الدعوات، ٣٠- باب الدعاء بالموت والحياة، حديث ٢٢٤٥.
 ومسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث رقم ١٠ (طبعتنا). والإمام أحمد في مسنده بالصفحة رقم ١٠١ من الجزء الثالث (طبعة الحلبي)..

### الآية 12:102

> ﻿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [12:102]

**وقوله تعالى :**
\[ ١٠٢ \]  ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ١٠٢ . 
 ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك  إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف، البعيد درجة / كماله في جمع ما لا يتناهى من المحاسن والأسرار حتى صار معجزا. والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي : هذا من أخبار الغيوب السابقة، نوحيه إليك، ونعلمك به، لما فيه من العبرة والاتعاظ. 
وقوله تعالى : وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون  كالدليل على كونه نبأ غيبيا ووحيا سماويا. أي : لم تعرف هذا النبأ إلا من جهة الوحي، لأنك لم تحضر إخوة يوسف حين أجمعوا أمرهم على إلقاء أخيهم في البئر، وهم يمكرون به، إذ حثوه على الخروج معهم، يبغون له الغوائل، وبأبيهم في استئذانه ليرسله معهم أي فلم تشاهدهم حتى تقف على ظواهر أسرارهم وبواطنها. 
قال أبو السعود : وليس المراد مجرد نفي حضوره عليه الصلاة والسلام في مشهد إجماعهم ومكرهم فقط، بل سائر المشاهد أيضا، وإنما تخصيصه بالذكر لكونه مطلع القصة، وأخفى أحوالها كما ينبئ عنه قوله تعالى : وهم يمكرون . والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكن المراد إلزام المكذبين. والمعنى : ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، إذ لا سبيل إلى معرفتك إياه سوى ذلك، إذ عدم سماعك ذلك من الغير، وعدم مطالعتك للكتب، أمر لا يشك فيه المكذبون أيضا. ولم تكن بين ظهرانيهم عند وقوع الأمر حتى تعرفه كما هو، فتبلغه إليهم. وفيه تهكم بالكفار، فكأنهم يشكون في ذلك فيدفع شكهم. وفيه أيضا إيذان بأن ما ذكر من النبأ هو الحق المطابق للواقع، وما ينقله أهل الكتاب ليس على ما هو عليه. يعني : أن مثل هذا التحقيق بلا وحي ولا يتصور إلا بالحضور والمشاهدة، وإذ ليس بالحضور فهو بالوحي. ومثله قوله تعالى[(١)](#foonote-١) : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم . وقوله [(٢)](#foonote-٢) : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر  انتهى. 
١ \[٣ / آل عمران / ٤٤\]..
٢ \[٢٨ / القصص / ٤٤\]..

### الآية 12:103

> ﻿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [12:103]

**وقوله تعالى :**
 \[ ١٠٣ \]  وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ١٠٣ . 
 وما أكثر الناس  يريد به العموم، أو أهل مكة.  ولو حرصت  أي جهدت كل الجهد على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات القاطعة الدالة على صدقك،  بمؤمنين  أي بالكتب والرسل، لميلهم إلى الكفر، وسبيل الشر، يعني : قد وضح بمثل هذا النبأ نبوته صلوات الله عليه، وقامت الحجة، ومع ذلك فما آمن أكثر الناس، كما قال تعالى[(١)](#foonote-١) : إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم بمؤمنين . 
قال الرازي : ما معناه : وجه اتصال هذه الاية بما قبلها، أن كفار قريش، وجماعة من اليهود، طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام قص نبأ يوسف تعنتا، فكان يظن أنهم يؤمنون إذا تلى عليهم، فلما نزلت وأصروا على كفرهم، قيل له : وما أكثر الناس  الخ. وكأنه إشارة إلى ما ذكر في قوله تعالى[(٢)](#foonote-٢) : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء . 
١ \[٢٦ /الشعراء / ٨ و ٦٧ و ١٠٣ و١٢١ و١٣٩ و١٥٨ و ١٧٤ و١٩٠\]..
٢ \[٢٨ /القصص / ٥٦\]..

### الآية 12:104

> ﻿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [12:104]

\[ ١٠٤ \]  وما تسألهم عليه من أجر إلا ذكر للعالمين ١٠٤ . 
 وما تسألهم عليه  أي على هذا النصح، والدعاء إلى الخير والرشد،  من أجر  أي أجرة  إن هو  أي ما هو، يعني القرآن،  إلا ذكر للعالمين  أي : عظة لهم، يتذكرون به ويهتدون وينجون في الدنيا والآخرة. يعني : أن هذا القرآن يشتمل على العظة البالغة، والمراشد القويمة، وأنت لا تطلب في تلاوته عليهم مالا، ولا جعلا. فلو كانوا عقلاء لقبلوا، ولم يتمردوا. 
 قال بعض اليمانين : في الآية دليل على أن من تصدّر للإرشاد، من تعليم ووعظ، فإن عليه اجتناب ما يمنع من قبوله كلامه.

### الآية 12:105

> ﻿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [12:105]

\[ ١٠٥ \]  وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ١٠٥ . 
 وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون  أي : وكم من آية على وحدانية الخالق، وقدرته الباهرة، ونعوته الجليلة، في السموات : من كواكبها وأفلاكها، وفي الأرض : من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وقفار شاسعات، وحيوان ونبات، وثمار مختلفات، وأحياء، وأموات، يشاهدونها، ولا يعتبرون بها. 
قال الرازي : يعني أنه لا عجب إذا لم يتأملوا في الدلائل الدالة على نبوتك، فإن العالم مملوء من دلائل التوحيد، والقدرة والحكمة ثم إنهم يمرون عليها، ولا يلتفتون إليها. واعلم أن دلائل التوحيد والعلم والقدرة والحكمة والرحمة، لا بد وأن تكون من أمور محسوسة، وهي إما الأجرام الفلكية، وإما الأجرام العنصرية. أما الأجرام الفلكية فهي قسمان : أفلاك، وكواكب. أما الأفلاك، فقد يستدل بمقاديرها المعينة على وجود الصانع. وقد يستدل بكون بعضها فوق البعض أو تحته، وقد يستدل بأحوال حركاتها، إما بسبب أن حركاتها مسبوقة بالعدم، فلا بد من محرك قادر، وإما بسبب كيفية حركاتها في سرعتها وبطئها، وإما بسبب اختلاف جهات تلك الحركات وأما الأجرام الكوكبية : فتارة يستدل على وجود الصانع بمقاديرها وأحيازها وحركاتها، وتارة بألوانها وأضوائها، وتارة بتأثيراتها في حصول الأضواء والأظلال، والظلمات والنور. 
وأما الدلائل المأخوذة من الأجرام العنصرية : فإما أن تكون مأخوذة من بسائط، وهي عجائب البر والبحر، وإما من المواليد وهي أقسام :
 أحدهما الآثار العلوية، كالرعد والبرق والسحاب والمطر والثلج والهواء وقوس قزح. 
وثانيها المعادن على اختلاف طبائعها وصفاتها وكيفياتها. 
ثالثها النبات وخاصية الخشب والورق والثمر، واختصاص كل واحد منها بطبع خاص وطعم خاص، وخاصية مخصوصة. 
ورابعها اختلاف أحوال الحيوانات في أشكالها وطبائعها وأصواتها وخلقتها. 
وخامسها تشريح أبدان الناس، وتشريح القوى الإنسانية، وبيان المنفعة الحاصلة فيها. 
فهذه مجامع الدلائل. 
ومن هذا الباب أيضا قصص الأولين، وحكايات الأقدمين، وأن الملوك إذا استولوا على الأرض وخربوا البلاد، وقهروا العباد، ماتوا ولم يبق منهم في الدنيا خبر ولا أثر، ثم بقي الوزر والعقاب. 
ولما كان العقل البشري لا يفي بالإحاطة بشرح دلائل العالم الأعلى والأسفل، ذكر في الكتاب العزيز مجملا. انتهى.

### الآية 12:106

> ﻿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [12:106]

**وقوله تعالى :**
\[ ١٠٦ \]  وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ١٠٦ . 
 وما يؤمن أكثرهم  أي : الناس، أو أهل مكة،  بالله  أي في إقرارهم بوجوده وخالقيته  إلا وهم مشركون  أي : بعبادتهم لغيره، وباتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا، وبقولهم باتخاذه تعالى ولدا. سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. 
**تنبيه :**
كما تدل الآية على النعي عليهم بالشرك الأكبر، وهو أن يعبد مع الله غيره، فإنها تشير إلى / ما يتخلل الأفئدة وينغمس به الأكثرون من الشرك الخفي، الذي لا يشعر صاحبه به غالبا ومنه قول الحسن في هذه الآية : ذاك المنافق، يعمل إذا عمل رئاء الناس، وهو مشرك بعمله. يعني : الشرك في العبادة. فصاحبه، وإن اعتقد وحدانيته تعالى - ولكن لا يخلص له في عبوديته بل يعمل لحظ نفسه، أو طلب الدنيا، أو طلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق. فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب. وهذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه ابن حبان في ( صحيحه ) :" الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ". فالرياء كله شرك، وهو محبط للعبادة، مبطل ثواب العمل، ويعاقب عليه إذا كان العمل واجبا. فإنه تعالى أمر بعبادته خالصة. قال تعالى[(١)](#foonote-١) : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ، فمن لم يخلص لله في عبادته، لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور، فلا يقبل منه. 
وروى مسلم[(٢)](#foonote-٢) وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه ". وروى الإمام أحمد[(٣)](#foonote-٣) عن محمود بن لبيد، رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم :" إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ! قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال : الرياء ! ". 
ومن الشرك نوع غير مغفور، وهو الشرك بالله في المحبة والتعظيم، بأن يحب مخلوقا كما يحب الله. فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله، وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه[(٤)](#foonote-٤) : ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا...  الآية وقال أصحاب هذا الشرك / لآلهتهم، وقد جمعتهم الجحيم[(٥)](#foonote-٥) : تالله إن كنا لفي ضلال مبين \* إذ نسوّيكم برب العالمين  ومعلوم أنهم ما سوّوهم به سبحانه في الخلق والرزق، والإماتة والإحياء، والملك والقدرة، وإنما سووهم به في الحب والتأله، والخضوع لهم والتذلل. وهذا غاية الجهل والظلم. فكيف يسوى من خلق من التراب، برب الأرباب ؟ وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب، وكيف يسوى الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم، بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غناه وقدرته وملكه ووجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام، من لوازم ذاته ؟ فأي ظلم أقبح من هذا وأي حكم أشد جورا منه ؟ حيث عدل من لا عدل له بخلقه، أفاده الشمس ابن القيم في ( الجواب الكافي ). 
قال الحافظ ابن كثير : وثم شرك خفي لا يشعر به غالبا فاعله، كما روي عن حذيفة :" أنه دخل على مريض، فرأى في عضده سيرا فقطعه، ثم قال : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون . 
وفي الحديث[(٦)](#foonote-٦) :" من حلف بغير الله فقد أشرك " رواه الترمذي عن ابن عمر وحسّنه. 
وفي الحديث الذي رواه أحمد[(٧)](#foonote-٧) وأبو داود[(٨)](#foonote-٨) وغيرهما عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الرقى والتمائم والتّولة شرك ". ورواه الإمام أحمد بأبسط من هذا عن زينب امرأة عبد الله قالت :" كان عبد الله إذا جاء من حاجة انتهى إلى الباب، تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه ؟ قالت : وإنه جاء ذات يوم فتنحنح، وعندي عجوز ترقيني / من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير. قالت : فدخل فجلس إلى جانبي، فرأى في عنقي خيطا، فقال : ما هذا الخيط ؟ قالت : قلت : خيط رقي لي فيه ! فأخذه فقطعه، ثم قال : إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الرقى والتمائم والتولة شرك. قالت : قلت له : لم تقول هذا، وقد كانت عيني تفرق، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت ؟ ! فقال : إنما ذاك من الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كفّ عنها، كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : أذهب الباس، رب الناس، اشف أنت الشافي. لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما ". 
وروى الإمام أحمد[(٩)](#foonote-٩) عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من علق تميمة فقط أشرك ! ". 
وأخرج أيضا[(١٠)](#foonote-١٠) عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ". 
وبما ذكر يعلم أن لفظ الآية يتناول كل ما يصدق عليه مسمى الإيمان. مع وجود مسمى الشرك، فأهل الشرك الأكبر ما يؤمن أكثرهم بأن الله هو الخالق إلا وهو مشرك به، بما يتخذه من الشفعاء، وما يعبده من الأصنام. وكذا أهل الشرك الأصغر من المسلمين، كالرياء مثلا، ما يؤمن أحدهم بالله إلا وهو مشرك به، بذلك الشرك الخفي. وعلى هذا، فالشرك يجامع الإيمان، فإن الموصوف بهما مما تقدم، مؤمن فيما آمن به، ومشرك فيما أشرك به والتسمية في الشريعة لله عزوجل ولرسوله، فلهما أن يوقعا أي اسم شاءا على أي مسمى شاءا. فكما أن الإيمان في اللغة التصديق، ثم أوقعه الله عز وجل في الشريعة على جميع الطاعات، واجتناب المعاصي، / إذا قصد بكل ذلك، من عمل أو ترك، وجه الله تعالى، كذلك الشرك نقل عن شرك شيء مع آخر مطلقا، إلى الشرك في عبادته تعالى، وفي خصائص ربوبيته. 
**قال ابن القيم :**
حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق، والتشبه للمخلوق به، فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية ؛ فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع، والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف والرجاء، والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فضلا عن غيره، مشبها بمن له الأمر كله، جل وعلا. فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات. ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستعانة وغاية الذل، مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة، أن يكون له وحده. ويمنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير، بمن لا شبيه له، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله، ولشدة قبحه، وتضمنه غاية الظلم، أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره. مع أنه كتب على نفسه الرحمة. ومن خصائص الإلهية العبودية التي قامت على ساقين، لا قوام لها بدونهما : غاية الحب، مع غاية الذل. هذا تمام العبودية وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين : فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله، فقد شبهه به في خالص حقه، وهذا من المحال أن تأتي به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل. ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم، وأفسدتها عليهم، ومضى على الفطرة من سبقت له من الله الحسنى، إذا عرف هذا فمن خصائص الإلهية السجود. فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به. ومنها التوكل، فمن توكل / على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به. ومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا. فمن حلف بغيره فقد شبهه به. هذا في جانب التشبيه. وأما في جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر، ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم، والخضوع، والرجاء، وتعليق القلب به، خوفا ورجاء والتجاء، واستعانة، فقد تشبه به، ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان، ويذله غاية الذل. 
وفي ( الصحيح ) [(١١)](#foonote-١١) عنه صلى الله عليه وسلم قال :" يقول الله عز وجل : العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته ". وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده، كملك الأملاك، وحاكم الحكام، ونحوه. 
وفي ( الصحيح ) [(١٢)](#foonote-١٢) عنه صلى الله عليه وسلم :" أغيظ رجل على الله رجل يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله ". 
فهذا غضب الله على من تشبه في الاسم، الذي لا ينبغي إلا له، فهو سبحانه ملك الملوك وحده يحكم عليهم كلهم، ويقضي عليهم، لا غيره. 
وتتمة هذا البحث في ( الجواب الكافي ) لابن القيم، فانظره. 
١ \[٩٨ / البينة / ٥\]..
٢ أخرجه مسلم في: ٥٣- كتاب الزهد والرقائق، حديث ٤٦ (طبعتنا)..
٣ أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة رقم ٤٢٨ من الجزء الخامس (طبعة الحلبي)..
٤ \[٢ / البقرة / ١٦٥\]..
٥ \[٢٦ / الشعراء / ٩٧ و ٩٨\]..
٦ أخرجه الترمذي في : ١٨- كتاب النذور والأيمان، ٩- باب حدثنا قتيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر..
٧ رواه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة ٣٨١ من الجزء الأول (طبعة الحلبي) والحديث رقم ٣٦١٥ (طبعة المعارف)..
٨ أخرجه أبو داود في : ٢٧- كتاب الطب، ١٧- باب في تعليق التمائم، حديث رقم ٣٨٨٣..
٩ أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة رقم ١٥٦ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
١٠ أخرجه الإمام أحمد في مسنده بالصفحة رقم ٢٢٠ من الجزء الثاني (طبعة الحلبي). والحديث رقم ٧٠٤٥ (طبعة المعارف)..
١١ أخرجه مسلم في: ٤٥- كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم ١٣٦ (طبعتنا)..
١٢ أخرجه البخاري في: ٧٨- كتاب الأدب، ١١٤ – باب أبغض الأسماء إلى الله، حديث رقم ٢٣٦٧، عن أبي هريرة.
 ومسلم في: ٣٨- كتاب الآداب، حديث رقمي ٢٠ و ٢١ (طبعتنا)..

### الآية 12:107

> ﻿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [12:107]

**وقوله تعالى :**
 \[ ١٠٧ \]  أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون ١٠٧ . 
 أفأمنوا  أي هؤلاء المشركون  أن تأتيهم غاشية من عذاب الله  أي : عقوبة تنبسط عليهم وتغمرهم  أو تأتيهم الساعة بغتة  أي فجأة  وهم لا يشعرون  أي : بإتيانها. وهذا كقوله تعالى[(١)](#foonote-١) : أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون \* أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين \* أو يأخدهم على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم  وقوله [(٢)](#foonote-٢) : أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون \* أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون \* أفأمنوا مكر الله ؟ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون . 
١ \[١٦/ النحل / ٤٥ و ٤٦ و ٤٧\]..
٢ \[٧ / الأعراف / ٩٧ و ٩٨ و ٩٩\]..

### الآية 12:108

> ﻿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [12:108]

\[ ١٠٨ \]  قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ١٠٨ . 
 قل هذه سبيلي  أي هذه السبيل، التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، سبيلي، أي طريقي ومسلكي وسنتي. والسبيل والطريق يذكّران ويؤنّثان. ثم فسر سبيله بقوله : أدعوا إلى الله  أي : إلى دينه وتوحيده، ومعرفته بصفات كماله، ونعوت جلاله  على بصيرة  أي : مع حجة واضحة، غير عمياء.  أنا ومن اتبعني  أي : آمن بي، يدعون إلى الله أيضا على بصيرة، لا على هوى.  وسبحان الله  أي : وأنزهه / وأجله وأقدسه عن أن يكون له شريك أو ند أو كفؤ أو ولد أو صاحبة، تعالى عن ذلك علوا كبيرا،  وما أنا من المشركين  أي : على دينهم. 
**تنبيهات :**
الأول - قال السمين  أدعوا إلى الله  يجوز أن يكون مستأنفا، وهو الظاهر، وأن يكون حالا من الياء. و  على بصيرة  حال من فاعل  أدعوا  أي : أدعو كائنا على بصيرة. وقوله : ومن اتبعني  عطف على فاعل  أدعو ، ولذلك أكد بالضمير المنفصل، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف. أي : ومن اتبعني يدعو أيضا. ويجوز أن يكون  على بصيرة  خبرا مقدما، و  أنا  مبتدأ مؤخرا، و  من اتبعني  عطف عليه ومفعول  أدعوا  إما منوي، أي الناس، أو منسي. 
الثاني - دل قوله تعالى  على بصيرة  على مزية هذا الدين الحنيف، ونهجه الذي انفرد به، وهو أنه لم يطلب التسليم به لمجرد أنه جاء بحكايته، ولكنه ادعى وبرهن وحكى مذاهب المخالفين، وكر عليها بالحجة، وخاطب العقل، واستنهض الفكر، وعرض نظام الأكوان، وما فيها من الإحكام والإتقان، على أنظار العقول، وطالبها بالإمعان فيها لتصل بذلك إلى اليقين بصحة ما ادعاه ودعا إليه - انظر ( رسالة التوحيد ) في تتمة ذلك. 
الثالث - دلت الآية على أن سيرة أتباعه صلى الله عليه وسلم، الدعوة إلى الله. 
قال الرازي : كل من ذكر الحجة، وأجاب عن الشبهة، فقد دعا بمقدار وسعه إلى الله. وهذا يدل على أن الدعاء إلى الله تعالى إنما يحسن ويجوز مع هذا الشرط : وهو أن يكون على بصيرة مما يقول، وعلى هدى ويقين، فإن لم يكن كذلك، فهو محض الغرور. انتهى. 
ولا يخفى أن الدعوة إلى الله إنما هي بنشر مطالب الدين، وإذاعة آدابه وتعليمه. 
قال بعضهم : ينبغي للعالم أن يكون حديثه مع العامة، في حال مخالطته ومجالسته لهم، في بيان الواجبات والمحرمات، ونوافل الطاعات، وذكر الثواب والعقاب، على الإحسان / والإساءة. ويكون كلامه معهم بعبارة قريبة واضحة يعرفونها ويفهمونها. ويزيد بيانا للأمور التي يعلم أنهم ملابسون لها ولا يسكت حتى يسأل عن شيء من العلم، وهو يعلم أنهم محتاجون إليه، ومضطرون إليه، فإن علمه بذلك سؤال منهم بلسان الحال. والعامة قد غلب عليهم التساهل بأمر الدين، علما وعملا، فلا ينبغي للعلماء أن يساعدوهم على ذلك بالسكوت عن تعليمهم وإرشادهم، فيعم الهلاك، ويعظم البلاء. وقلما تختبر عامّيا وأكثر الناس عامة إلا وجدته جاهلا بالواجبات والمحرمات، وبأمور الدين التي لا يجوز ولا يسوغ الجهل بشيء منها، وإن لم يوجد جاهلا بالكل، وجد جاهلا بالبعض. وإن علم شيئا من ذلك، وجدت علمه به علما مسموعا من ألسنة الناس، لو أردت أن تقلبه له جهلا فعلت ذلك بأيسر مؤونة، لعدم الأصل والصحة فيما يعلمه. وعلى الجملة، فيتأكد على العلماء أن يجالسوا الناس بالعلم، ويحدثوهم به، ويبثوه لهم، ويكون كلام العالم معهم في بيان الأمر الذي جاءوا من أجله. مثل ما إذا جاءوا لعقد النكاح، يكون كلامه معهم فيما يتعلق بحقوق النساء من الصداق والنفقة والمعاشرة بالمعروف. أو لعقد بيع، يكون كلامه صحيح البيوع وآدابها، وفوائد التجارة النافعة، واجتناب الغش والخداع وهكذا. ولا ينبغي للعالم أن يخوض مع الخائضين، ولا أن يصرف شيئا من أوقاته في غير إقامة الدين. وبالسكوت عن التذكير والتعليم، يغلب الفساد، ويعم الضرر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

### الآية 12:109

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [12:109]

**وقوله تعالى :**
\[ ١٠٩ \]  وما أرسلنا من قلبك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون ١٠٩ . 
 وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى  أي لا ملائكة / من أهل السماء. رد لقول المشركين[(١)](#foonote-١) : لو شاء ربنا لأنزل ملائكة . وهذا كقوله[(٢)](#foonote-٢) تعالى : وما أرسلنا من قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق . وقوله[(٣)](#foonote-٣) : وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين  وقوله[(٤)](#foonote-٤) : قل ما كنت بدعا من الرسل  الآية. 
احتج بقوله تعالى : إلا رجالا  على أنه لم ينتظم في سلك النبوة امرأة. 
والقرى : جمع قرية، وهي على ما في ( القاموس ) : المصر الجامع. وفي ( كفاية المتحفظ ) : القرية كل مكان اتصلت به الأبنية، واتخذ قرارا، وتقع على المدن وغيرها. انتهى. 
قال ابن كثير : والمراد بالقرى هنا المدن. أي : لا أنهم من أهل البوادي الذين هم أجفى الناس طباعا وأخلاقا. وهذا هو المعهود المعروف : أن أهل المدن أرق طباعا وألطف من أهل بواديهم وأهل الريف والسواد أقرب حالا من الذين يسكنون في البوادي. ولهذا قال تعالى[(٥)](#foonote-٥) : الأعراب أشد كفرا ونفاقا...  الآية. 
قال قتادة : إنما كانوا من أهل القرى لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمور. 
وقوله تعالى : أفلم يسيروا  أي : هؤلاء المكذبون،  في الأرض فينظروا  أي نظر تفكر،  كيف كان عاقبة الذين من قبلهم  أي : من الأمم المكذبة. كقوله تعالى[(٦)](#foonote-٦) : أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها...  الآية فإذا استمعوا خبر ذلك، رأوا أن الله أهلك الكافرين، ونجى المؤمنين. وهذه كانت سنته تعالى في خلقه، ولهذا قال تعالى : ولدار الآخرة خير للذين اتقوا  أي : الشرك والفواحش، وآمنوا بالله ورسله وكتبه. 
 قال ابن كثير : أي وكما نجينا المؤمنين في الدنيا، كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة، وهي خير لهم من الدنيا. كقوله تعالى[(٧)](#foonote-٧) : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . 
 أفلا تعقلون  أي تستعملون عقولكم، فتعلموا أن الآخرة خير. أو تعلموا كيف عاقبة أولئك. 
١ \[٤١ / فصلت / ١٤\]..
٢ \[٢٥ / الفرقان / ٢٠\]..
٣ \[٢١ / الأنبياء / ٨\]..
٤ \[٤٦ / الأحقاف / ٩\]..
٥ \[٩ / التوبة / ٩٧\]..
٦ \[٢٢ / الحج / ٤٦\]..
٧ \[٤٠ / غافر / ٥١\]..

### الآية 12:110

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [12:110]

ثم بين تعالى أن العاقبة لرسله، وأن نصره يأتيهم إذا تمادى تكذيبهم، تثبيتا لفؤاده عليه الصلاة والسلام، فقال سبحانه : حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فننجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين . 
 حتى إذا استيأس الرسل  أي : من إجابة قومهم،  وظنوا  أي : علموا وتيقنوا. يعني : الرسل،  أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا  يقرأ  كذبوا  بضم الكاف وتشديد الذال. أي : كذبهم قومهم بما جاءوا به، لطول البلاء عليهم. ويقرأ بضم الكاف وتخفيف الذال. فالضمير في  ظنوا  على ما اختاروه للقوم. أي ظنوا أن الرسل قد كذبوا. أي : ما وعدوا به من النصر. 
وروي عن ابن عباس أن الضمير للرسل. أي : وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر، وقال : كانوا بشرا، وتلا قوله تعالى[(١)](#foonote-١) : وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله  وقد استشكلوه على ابن عباس، وتأولوا لكلامه وجوها :
 قال الزمخشري : أراد بالظن ما يخطر بالبال، ويهجس في القلب، من شبه الوسوسة، وحديث النفس، على ما عليه البشرية. انتهى. 
وقيل : المراد بظنهم عليهم السلام ذلك، المبالغة في التراخي والإمهال، على طريق الاستعارة التمثيلية، بأن شبه المبالغة في التراخي بظن الكذب، باعتبار استلزام كل منهما، لعدم ترتب المطلوب، فاستعمل ما لأحدهما للآخر. 
وقال الخطابي : لاشك أن ابن عباس لا يجيز على الرسل أنها تكذب بالوحي، ولا تشك في صدق المخبر، فيحمل كلامه على أنه أراد أنهم، لطول البلاء عليهم، وإبطاء النصر، وشدة استنجاز ما وعدوا به توهموا أن الذي جاءهم من الوحي كان حسبانا من أنفسهم، وظنوا عليها الغلط في تلقي ما ورد عليهم من ذلك، فيكون الذي بنى له الفعل أنفسهم، لا الآتي بالوحي. والمراد ب ( الكذب ) : الغلط، لا حقيقة الكذب، كما يقول القائل : كذبتك نفسك. 
قال الحافظ ابن حجر : ويؤيده قراءة مجاهد  وظنوا أنهم قد كذبوا  بفتح أوله مع التخفيف أي : غلطوا، ويكون فاعل  وظنوا  الرسل. 
وقال أبو نصر القشيري : ولا يبعد أن المراد خطر بقلب الرسل، فصرفوه عن أنفسهم. أو المعنى : قربوا من الظن، كما يقال : بلغت المنزل، إذا قربت منه. 
وقال الترمذي الحكيم : وجهه : أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر، أن يتخلف النصر، لا من تهمة بوعد الله، بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثا ينقض ذلك الشرط، فكان الأمر إذا طال، واشتد البلاء عليهم، دخلهم الظن من هذه الجهة. 
وحكى الواحديّ عن ابن الأنباري أنه قال : ما روي عن ابن عباس غير معّول عليه، وأنه ليس من كلامه، بل تؤول عليه. 
 قال ابن حجر : وعجب لابن الأنباري في جزمه بأنه لا يصح ثم للزمخشري في توقفه عن صحة ذلك عن ابن عباس، فإنه صح عنه، أي : فرواه البخاري[(٢)](#foonote-٢) في تفسير البقرة بلفظ :" ذهب بها هناك، وأشار إلى السماء "، وزاد الإسماعيلي عنه :" كانوا بشرا ضعفوا وأيسوا وظنوا أنهم قد كذبوا ". 
وروى البخاري[(٣)](#foonote-٣) :" أن عائشة كانت تقرأ  كذبوا  مشدودة وتتأوّلها على المعنى الأول وإن عروة قال لها : لعلها  كذبوا  مخففة، فقالت : معاذ الله ! ". 
قال الحافظ ابن حجر : وهذا ظاهر في أنها أنكرت القراءة بالتخفيف، ولعلها لم تبلغها ممن يرجع إليه في ذلك، وقد أقرها بالتخفيف أئمة الكوفة من القراء : عاصم ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي. ووافقهم من الحجازيين أبو جعفر بن القعقاع، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي عبد الرحمن السلميّ والحسن البصري ومحمد بن كعب القرظيّ في آخرين. 
وقوله تعالى : فنجّي من نشاء  وهم الرسل والمؤمنون بهم. وقرئ  فننجي  بالتخفيف والتشديد. وقرئ  فنجا . 
 ولا يرد بأسنا  أي عذابنا.  عن القوم المجرمين  أي : إذا نزل بهم. 
وفيه بيان من شاء الله نجاتهم، لأنه يعلم من المقابلة أنهم من ليسوا بمجرمين. وهم من تقدم.

١ \[٢ / البقرة / ٢١٤\]..
٢ أخرجه البخاري في : ٦٥- كتاب التفسير، ٢- سورة البقرة، ٣٨- باب أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، حديث رقم ١٩٧٥، عن ابن عباس..
٣ أخرجه البخاري في: ٦٥- كتاب التفسير، ٢- سورة البقرة، ٣٨- باب أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، حديث رقم ١٥٩٨، عن عائشة..

### الآية 12:111

> ﻿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [12:111]

\[ ١١١ \]  لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ١١١ . 
 لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  الضمير ليوسف وإخوته، أو للأنبياء وأممهم. ورجّح الزمخشري الثاني بقراءة  قصصهم  بكسر القاف، جمع قصة. والمفتوح مصدر بمعنى المفعول. وأجيب بأن قصة يوسف وأبيه وإخوته مشتملة على قصص وأخبار مختلفة، وقد يطلق الجمع على الواحد، كما مر في  أضغاث أحلام  [(١)](#foonote-١). وسنذكر وجوه العبر منها بعونه تعالى. 
 ما كان  أي : القرآن المدلول عليه بما سبق دلالة واضحة  حديثا يفترى  أي : يختلق.  ولكن تصديق الذي بين يديه  أي : من الكتب المنزلة، فهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير. 
قال بعض المحققين : المراد به أن قصص القرآن ليست مخترعة ولا مفتراة، بدليل وجود أمثالها بين الناس، قبل نزوله. فهي وإن اختلفت قليلا في بعض التفاصيل والجزئيات، عما يرويه الناس، إلا أنها توافقها في الجملة، وتصدقها في الجوهر. فلا تظنوا أيها المشركون أن النبي اخترعها بعقله، بل اسألوا عنها أهل الكتاب تجدوا أنها معروفة بينهم، ومروية في كتبهم، فوجود قصص القرآن عند الناس من قبل، من أعظم ما يصدقه ويؤيده، لأن النبي صلوات الله عليه، لم يطلع على كتب أهل الكتاب. ولا يتوهم من هذه الآية أن قصص القرآن يجب ألا تختلف عن قصص التوراة والإنجيل في شيء ما ! كلا إذ لو صح / هذا لما قال تعالى[(٢)](#foonote-٢) : إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون  فقصصه قد تختلف عما عندهم، وتبين لهم حقه من باطله. فلا منافاة بين تصديق القرآن لقصصهم في الجملة، ومخالفته لها في بعض الجزئيات كما قلنا ويجوز أن يكون المراد بقوله : تصديق الذي بين يديه  تصديق الحق الذي عندهم، لا كلّ الذي عندهم، وإلا لدخل في ذلك عقائدهم الفاسدة، وأوهامهم وخرافاتهم وغيرها، مما جاء القرآن لإزالته ومحقه ويستحيل أن يكون مصدقا لما جاء لإبطاله. فتنبه لذلك، ولا تكن من الغافلين. انتهى. 
وقوله تعالى : وتفصيل كل شيء  أي : تبيان كل ما يحتاج إليه من أحكام الحلال والحرام، والآداب والأخلاق، ووجوه العبر والعظات. ولذا كان أعظم ما تنقذ به القلوب من الغيّ إلى الرشاد، ومن الضلال إلى السداد، وتبتغي به الرحمة من رب العباد، كما قال تعالى : وهدى  أي : من الضلالة  ورحمة  أي : من العذاب  لقوم يؤمنون  أي : يصدقون به، ويعملون بأوامره، فإن الإيمان قول وعقد وعمل. وخصهم لأنهم المنتفعون به.

١ \[١٢ / يوسف / ٤٤\]..
٢ \[٢٧ / النمل / ٧٦\]..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/12.md)
- [كل تفاسير سورة يوسف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/12.md)
- [ترجمات سورة يوسف
](https://quranpedia.net/translations/12.md)
- [صفحة الكتاب: محاسن التأويل](https://quranpedia.net/book/349.md)
- [المؤلف: جمال الدين القاسمي](https://quranpedia.net/person/8623.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/12/book/349) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
