---
title: "تفسير سورة يوسف - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/12/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/12/book/350"
surah_id: "12"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة يوسف - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/12/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة يوسف - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/12/book/350*.

Tafsir of Surah يوسف from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 12:1

> الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [12:1]

تقدم القول في فواتح السور، و  الكتاب  القرآن، ووصفه ب  المبين  قيل : من جهة أحكامه وحلاله وحرامه، وقيل : من جهة مواعظه وهداه ونوره، وقيل : من جهة بيان اللسان العربي وجودته إذ فيه ستة أحرف لم تجتمع في لسان[(١)](#foonote-١) - روي هذا القول عن معاذ بن جبل - ويحتمل أن يكون مبيناً لنبوة محمد بإعجازه. 
والصواب أنه **«مبين »** بجميع هذه الوجوه.

١ هي: "الصاد والضاد والطاء والظاء والعين والحاء". ولاحظ قوله: "لم تجمع" فإنه هو المقصود..

### الآية 12:2

> ﻿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [12:2]

والضمير في قوله : أنزلناه  ل  الكتاب ، والإنزال : إما بمعنى الإثبات، وإما أن تتصف به التلاوة والعبارة ؛ وقال الزجاج : الضمير في  أنزلناه  يراد به خبر يوسف. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وقوله : لعلكم  يحتمل أن تتعلق ب  أنزلناه  أي أنزلناه لعلكم، ويحتمل أن تتعلق بقوله : عربياً  أي جعلناه  عربياً لعلكم تعقلون ، إذ هو لسانكم. و  قرآناً [(١)](#foonote-١) حال، و  عربياً  صفة له[(٢)](#foonote-٢)، وقيل : إن  قرآناً  بدل من الضمير - وهذا فيه نظر - وقيل : قرآناً  توطئة للحال و  عربياً  حال، وهذا كما تقول : مررت بزيد رجلاً صالحاً.

١ سمي القرآن قرآنا لأنه يقرأ، وهو اسم جنس يقع على القليل والكثير. وقال أبو عبيدة: سمي قرآنا لأنه يجمع السور فيضمها..
٢ \[عربيا\] منسوب إلى العرب، والعرب: جيل من الناس، واحده: عربي، والعرب: اسم جنس، وليس (الأعراب) جمعا له، بل (الأعراب) جمع أعرابي، والعرب واحد، وعربة ناحية دار إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، قال الشاعر:
 وعربة أرض ما يحل حرامها من الناس إلا اللوذعي الحلاحل.
 يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وسكنت راء (عربة) في البيت لضرورة الشعر.
 .

### الآية 12:3

> ﻿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [12:3]

وقوله : نحن نقص عليك  الآية، روى ابن مسعود أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا : لو قصصت علينا يا رسول الله، فنزلت هذه الآية، ثم ملوا ملة أخرى فقالوا : لو حدثتنا يا رسول الله، فنزلت  الله نزل أحسن الحديث كتاباً [(١)](#foonote-١) \[ الزمر : ٢٣ \]. 
و  القصص  : الإخبار بما جرى من الأمور، كأن الأنباء تتبع بالقول، وتقتص بالأخبار كما يقتص الآخر، وقوله : بما أوحينا إليك  أي بوحينا. و  القرآن  نعت ل  هذا ، ويجوز فيه البدل، وعطف البيان فيه ضعيف. و  إن  هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها لام التأكيد - هذا مذهب البصريين - ومذهب أهل الكوفة أن  إن  بمعنى ما، واللام بمعنى إلا. والضمير في  قبله  للقصص العام لما في جميع القرآن منه. و  من الغافلين ، أي عن معرفة هذا القصص. ومن قال : إن الضمير في  قبل  عائد على  القرآن ، جعل  من الغافلين  في معنى قوله تعالى : ووجدك ضالاً فهدى [(٢)](#foonote-٢) \[ الضحى : ٧ \] أي على طريق غير هذا الدين الذي بعثت به، ولم يكن عليه السلام في ضلال الكفار ولا في غفلتهم لأنه لم يشرك قط، وإنما كان مستهدياً ربه عز وجل موحداً، والسائل عن الطريق المتخير يقع عليه في اللغة اسم ضال.

١ الحديث بهذا اللفظ أخرجه ابن جرير عن عون بن عبد الله، إلا أنهم في الملة الأولى قالوا: "لو حدثتنا..."، وفي الثانية قالوا: "حدثنا فوق الحديث ودون القرآن، يعنون القصص". (راجع تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، والدر المنثور)، وأخرج ابن جرير – ونقله ابن كثير في تفسيره – عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله، أما ما رواه ابن مسعود فقد أخرجه ابن مردويه عنه من طريق عون بن عبد الله، ولفظه (قالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا، فنزلت: نحن نقص عليك أحسن القصص، (راجع الدر المنثور). وقوله تعالى: الله نزل أحسن الحديث كتابا من الآية (٢٣) من سورة (الزمر). وقد وصفت هذه السورة بأنها أحسن القصص لأسباب ذكرها العلماء: منها أن كل من ذكر فيها كان مآله إلى السعادة، وانظر إلى يوسف وأبيه وإخوته وامرأة العزيز والملك والساقي مستعبر الرؤيا، ومنها انفراد السورة بما فيها من أخبار لم تتكرر في غيرها، ومنها أنها عبرت عن حسن تجاوز يوسف عن أعمال إخوته وعفوه عنهم، ومنها أنها ذكرت جملة من الفوائد التي تصلح الدنيا والدين كالتوحيد، والفقه، والسير، والسياسة، والمعاشرة، وتعبير الرؤيا، وتدبير المعاش، وقيل: إن (أحسن) هنا بمعنى أعجب..
٢ الآية (٧) من سورة (الضحى)..

### الآية 12:4

> ﻿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [12:4]

العامل في  إذ  فعل مضمر تقديره : اذكر  إذ  ويصح أن يعمل فيه  نقص  \[ يوسف : ٣ \] كأن المعنى : نقص عليك الحال  إذ [(١)](#foonote-١) وحكى مكي أن العامل فيه  لمن الغافلين  \[ يوسف : ٣ \]، وهذا ضعيف. 
وقرأ طلحة بن مصرف **«يؤسَف »** بالهمز وفتح السين - وفيه ست لغات :**«يُوسُف »** بضم الياء وسكون الواو وبفتح السين وبضمها وبكسرها وكذلك بالهمز. وقرأ الجمهور **«يا أبتِ »** بكسر التاء حذفت الياء من أبي وجعلت التاء بدلاً منها، قاله سيبويه، وقرأ ابن عامر وحده[(٢)](#foonote-٢) وأبو جعفر والأعرج :**«يا أبتَ »** بفتحها، وكان ابن كثير وابن عامر يقفان بالهاء ؛ فأما قراءة ابن عامر بفتح التاء فلها وجهان : إما أن يكون :**«يا أبتا »**، ثم حذفت الألف تخفيفاً وبقيت الفتحة دالة على الألف، وإما أن يكون جارياً مجرى قولهم : يا طلحة أقبل، رخموه ثم ردوا العلامة ولم يعتد بها بعد الترخيم، وهذا كقولهم : اجتمعت اليمامة ثم قالوا : اجتمعت أهل اليمامة، فردوا لفظة الأهل ولم يعتدوا بها، وقرأ أبو جعفر والحسن وطلحة بن سليمان :**«أحد عْشر كوكباً »** بسكون العين لتوالي الحركات، ويظهر أن الاسمين قد جعلا واحداً. 
وقيل : إنه قد رأى كواكب حقيقة والشمس والقمر فتأولها يعقوب إخوته وأبويه، وهذا قول الجمهور، وقيل : الإخوة والأب والخالة لأن أمه كانت ميتة، وقيل إنما كان رأى إخوته وأبويه فعبر عنهم بالكواكب والشمس والقمر، وهذا ضعيف ترجم به الطبري، ثم أدخل عن قتادة والضحاك وغيرهما كلاماً محتملاً أن يكون كما ترجم وأن يكون مثل قول الناس، وقال المفسرون : القمر  تأويله : الأب، و  الشمس  تأويلها : الأم، فانتزع بعض الناس من تقديمها وجوب بر الأم وزيادته على بر الأب، وحكى الطبري عن جابر بن عبد الله أن يهودياً يسمى بستانة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أخبرني عن أسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودي، فقال :**«هل أنت مؤمن إن أخبرتك بذلك ؟ قال : نعم، قال : حربان، والطارق، والذيال، وذا الكنفان، وقابس، ووثاب، وعمودان والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور[(٣)](#foonote-٣) »** فقال اليهودي : أي والله إنها لأسماؤها[(٤)](#foonote-٤). 
وتكرر  رأيتهم  لطول الكلام[(٥)](#foonote-٥) وجرى ضمائر هذه الكواكب في هذه الآية مجرى ضمائر من يعقل إنما كان لما وصفت بأفعال هي خاصة بمن يعقل[(٦)](#foonote-٦). 
وروي أن رؤيا يوسف كانت ليلة القدر ليلة جمعة، وأنها خرجت بعد أربعين سنة، وقيل : بعد ثمانين سنة.

١ الآية (٧) من سورة (الضحى)..
٢ يعني: وحده من السبعة، وإلا فقد قرأ بها أبو جعفر، والأعرج كما ذكر المؤلف رحمه الله..
٣ اختلفت النسخ الأصلية في كتابة هذه الأسماء، وكذلك وقع اختلاف بين المفسرين في كتابتها، وقد آثرنا اختيار الأسماء التي اتفق عليها أكثر المفسرين، والاسم الأول جاء في بعض النسخ (حربان) بالراء والباء، وفي "فتح القدير" جاء (جريان) بالخاء والثاء، وضبطه "الجمل" نقلا عن "الشهاب" فقال: (جريان) بفتح الجيم وكسر الراء المهملة وتشديد الياء التحتية، أما (ذو الكتفين) فجاء في بعض التفاسير بالنون بدلا من التاء، و (عمودان) هو تثنية عمود، و (الفليق) جاء بتقديم اللام على الياء (الفيلق)، و (ذو الفرغ) بالغين المعجمة جاء في بعض النسخ بالعين المهملة، وهكذا..
٤ أخرجه سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، والعقيلي، وابن حبان في الضعفاء، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وأبو نعيم والبيهقي معا في "دلائل النبوة" عن جابر. (الدر المنثور)..
٥ قال الزمخشري: "ليس بتكرار، إنما هو كلام مستأنف وقع جوابا لسؤال مقدر، كأن يعقوب عليه السلام قال له: كيف رأيتها؟ سائلا عن حال رؤيتها، فقال: رأيتهم لي ساجدين. و قال الحمل مثل هذا الكلام أيضا، ثم عقب عليه بقوله: "وهذا أظهر لأنه متى دار الكلام بين الحمل على التأكيد أو التأسيس فحمله على التأسيس أولى".
 .
٦ والعرب تجمع مالا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته وإن كان خارجا عن الأصل، و من هذا قوله تعالى: يأيها النمل ادخلوا مساكنكم، وقوله: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون..

### الآية 12:5

> ﻿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [12:5]

تقتضي هذه الآية أن يعقوب عليه السلام كان يحس من بنيه حسد يوسف وبغضته، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن يشعل بذلك غل صدورهم، فيعملوا الحيلة على هلاكه، ومن هنا ومن فعلهم بيوسف - الذي يأتي ذكره - يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت. ووقع في كتاب الطبري لابن زيد : أنهم كانوا أنبياء ؛ وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنياوي وعن عقوق الآباء وتعريض مؤمن للهلاك والتوافر في قتله. 
ثم أعلمه : إن الشيطان للإنسان عدو مبين  أي هو يدخلهم في ذلك ويحضهم عليه. 
وأمال الكسائي  رؤياك ، والرؤيا حيث وقعت وروي عنه : أنه لم يمل : رؤياك  في هذه السورة وأمال الرؤيا حيث وقعت، وقرأ **«روياك »** بغير همز - وهي لغة أهل الحجاز - ولم يملها الباقون حيث وقعت. 
و **«الرؤيا »** مصدر كثر وقوعه على هذا المتخيل في النوم حتى جرى مجرى الأسماء كما فعلوا في الدر في قولهم : لله درك فخرجا من حكم عمل المصادر وكسروها رؤى بمنزلة ظلم، والمصادر في أكثر الأمر لا تكسر[(١)](#foonote-١).

١ الرؤيا: مصدر كالبقيا، قال الزمخشري: الرؤيا بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان في النوم دون اليقظة، فرق بينهما بحرفي التأنيث كما قيل في القربة والقربى"..

### الآية 12:6

> ﻿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [12:6]

وقوله : وكذلك يجتبيك  الآية، ف  يجتبيك  معناه : يختارك ويصطفيك، ومنه : جبيت الماء في الحوض، ومنه : جباية المال، وقوله : ويعلمك من تأويل الأحاديث [(١)](#foonote-١) قال مجاهد والسدي : هي عبارة الرؤيا. وقال الحسن : هي عواقب الأمور. وقيل : هي عامة لذلك وغيره من المغيبات. وقوله : ويتم نعمته  يريد النبوءة وما انضاف إليها من سائر النعم. وقوله : آل يعقوب  يريد في هذا الموضع الأولاد والقرابة التي هي من نسله، أي يجعل فيهم النبوءة، ويروى أن ذلك إنما علمه يعقوب من دعوة إسحاق له حين تشبه له بعيصو - والقصة كاملة في كتاب النقاش لكني اختصرتها لأنه لم ينبل ألفاظها[(٢)](#foonote-٢) وما أظنه انتزعها إلا من كتب بني إسرائيل، فإنها قصة مشهورة عندهم، وباقي هذه الآية بيّن. و **«النعمة »** على يوسف كانت تخليصه من السجن وعصمته والملك الذي نال ؛ وعلى  إبراهيم  هي اتخاذه خليلاً ؛ وعلى  إسحاق  فديته بالذبح العظيم[(٣)](#foonote-٣)، مضافاً ذلك كله إلى النبوءة. و  عليم حكيم  مناسبتان لهذا الوعد.

١ يرى الزمخشري أن الأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة، وعارضه أبو حيان فقال: وليس باسم جمع كما ذكر، بل هو جمع تكسير لحديث على غير قياس، كما قالوا: أباطل وأباطيل، ولم يـأت اسم جمع على هذا الوزن، وإذا كانوا يقولون في (عباديد) و (يناذير) إنهما جمعا تكسير ولم يلفظ لهما بمفرد فكيف لا يكون (أحاديث) و (أباطيل) جمعي تكسير؟. (البحر المحيط ٥-٢٨١)..
٢ لم يحسن اختيار الألفاظ ولم يحكمها، يقال: هو ينبل هذا الأمر بمعنى: يحكم معرفته، وهو ينبل الرسم أو التمثيل بمعنى يحسنه ويجيد القيام به، وأتاه أمر لم ينبل نبله بمعنى: لم يتخذ له عدته. (المعجم الوسيط)..
٣ الثابت أن الذبيح هو إسماعيل، ونسبة الذبح وقصته إلى إسحق فرية يروج لها اليهود..

### الآية 12:7

> ﻿۞ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ [12:7]

قرأ الجمهور **«آيات »** بالجمع، وقرأ ابن كثير - وحده[(١)](#foonote-١) - ****«آية »**** بالإفراد، وهي قراءة مجاهد وشبل وأهل مكة ؛ فالأولى : على معنى أن كل حال من أحواله آية فجمعها. والثانية : على أنه بجملته آية، وإن تفصل بالمعنى، ووزن ****«آية »**** فعلة أو فعلة أو فاعلة على الخلاف فيه[(٢)](#foonote-٢)، وذكر الزجّاج : أن في غير مصحف عثمان :**«عبرة للسائلين »** ؛ قال أبو حاتم : هو في مصحف أبيّ بن كعب. 
وقوله : للسائلين  يقتضي حضاً ما على تعلم هذه الأنباء، لأنه إنما المراد آية للناس، فوصفهم بالسؤال إذ كل واحد ينبغي أن يسأل عن مثل هذه القصص، إذ هي مقر العبر والاتعاظ. ويصح أيضاً أن يصف الناس بالسؤال من حيث كان سبب نزول السورة سؤال سائل كما روي.

١ كر المؤلف. يريد: وحده من بين السبعة، وإلا فقد قرأ بها مجاهد، وشبل، وأهل مكة كما 
 .
٢ وزن آية عند سيبويه: (فعله) فيه "أيية"، ووزنها عند الفراء: (فعلة)، فهي "أية"، ووزنها عند الكسائي: (فاعله)، فهي "آيية)..

### الآية 12:8

> ﻿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [12:8]

وقوله : وأخوه  يريدون به : يامين - وهو أصغر من يوسف - ويقال له : بنيامين، وقيل : كان شقيق يوسف وكانت أمهما ماتت، ويدل على أنهما شقيقان تخصيص الأخوة لهما ب  أخوة  وهي دلالة غير قاطعة وكان حب يعقوب ليوسف عليه السلام ويامين لصغرهما وموت أمهما، وهذا من حب الصغير هي فطرة البشر ؛ وقد قيل لابنة الحسن : أي بنيك أحب إليك ؟ قالت : الصغير حتى يكبر والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يفيق. 
وقولهم : ونحن عصبة  أي نحن جماعة تضر وتنفع، وتحمي وتخذل[(١)](#foonote-١)، أي لنا كانت تنبغي المحبة والمراعاة. و **«العصبة »** في اللغة : الجماعة، قيل : من عشرة إلى خمسة عشر، وقيل : من عشرة إلى أربعين، وقال الزجاج : العشرة ونحوهم، وفي الزهراوي : الثلاثة : نفر - فإذا زادوا فهم : رهط إلى التسعة، فإذا زادوا فهم : عصبة، ولا يقال لأقل من عشرة : عصبة. وقولهم : لفي ضلال مبين  أي لفي اختلاف وخطأ في محبة يوسف وأخيه، وهذا هو معنى الضلال، وإنما يصغر قدره أو يعظم بحسب الشيء الذي فيه يقع الائتلاف. و  مبين  معناه : يظهر للمتأمل. 
وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة ****«مبين اقتلوا »**** بكسر التنوين في الوصل لالتقاء ساكن التنوين والقاف، وقرأ نافع وابن كثير والكسائي ****«مبين اقتلوا »**** بكسر النون وضم إتباعاً لضمة التاء ومراعاة لها.

١ كان عددهم أحد عشر رجلا، وهم: روبيل- وهو أكبرهم، ويقال: روبين بالنون- وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وزبالون، ويساخر، فهؤلاء ستة أمهم ليا بنت ليان، وهي بنت خال يعقوب، وولد له من سريتين أربعة هم: دان، ونفتالي، وجاد، وآشر، ثم توفيت (ليا) فتزوج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين. وأم يعقوب اسمها (رفقا)، وراحيل ماتت في نفاس بنيامين..

### الآية 12:9

> ﻿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [12:9]

وقوله : اقتلوا يوسف  الآية، كانت هذه مقالة بعضهم.  أو اطرحوه  معناه : أبعدوه، ومنه قول عروة بن الورد :
ومن يك مثلي ذا عيال ومقتراً\*\*\* يغرر ويطرح نفسه كل مطرح[(١)](#foonote-١)
والنوى : الطروح البعيدة، و  أرضاً  مفعول ثان بإسقاط حرف الجر، لأن طرح - لا يتعدى إلى مفعولين إلا كذلك. وقالت فرقة : هو نصب على الظرف - وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهماً وهذه هنا ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك إبهامها، ومعلوم أن يوسف لم يخل من الكون في أرض، فبين أنها أرض بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله : يخل لكم وجه أبيكم  استعارة[(٣)](#foonote-٣)، أي إذا فقد يوسف رجعت محبته إليكم، ونحو هذا قول العربي حين أحبته أمه لما قتل إخوته وكانت قبل لا تحبه : الثكل أرأمها[(٤)](#foonote-٤)، أي عطفها عليه، والضمير في  بعده  عائد على يوسف أو قتله أو طرحه، و  صالحين  قال السدي ومقاتل بن سليمان : إنهم أرادوا صلاح الحال عند أبيهم، وهذا يشبه أن يكون قصدهم في تلك الحال ولم يكونوا حينئذ أنبياء، وقال الجمهور : صالحين  معناه بالتوبة، وهذا هو الأظهر من اللفظ، وحالهم أيضاً تعطيه، لأنهم مؤمنون بثوا على عظيمة وعللوا أنفسهم بالتوبة ؛

١ وروي: "من المال" بدلا من "يغرر"، ومقتر: مقل فقير، يقول: من كان مثلي فقيرا عليه أن يطلب رزقه في كل مكان، وأن يلقي نفسه في كل مطرح مهما كان بعيدا، وعروة من الشعراء الصعاليك، دفعه إلى ذلك اضطهاد أبيه له، وتفضيله أخاه الأكبر عليه، وقد احتقره قومه لهبوط منزلة أمه في النسب عن منزلة أبيه فزاده ذلك بعدا عنهم وإقبالا على الفروسية والصعلكة.
 .
٢ يقول الزمخشري: هي أرض منكورة مهجورة بعيدة عن العمران، وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الناس، ولإبهامها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة..
٣ ذكر "الوجه" لتصوير معنى الإقبال عليهم لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه، وفي الألوسي أنها كناية عن خلوص المحبة..
٤ نص المثل كما رواه الميداني في "مجمع الأمثال": (تكل أرأمها ولدا). قاله بيهس الملقب بنعامة لأمه حين رجع إليها بعد إخوته الذين قتلوا، وكان بيهس رجلا من فزارة، وكان سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم ناس من أشجع فقتلوا منهم ستة وبقي بيهس وهو أصغرهم، فقالوا: وما تريدون من قتل هذا؟ يحسب عليكم برجل، فلما رجع إلى أمه أخبرها الخبر، فقالت: فما جاءني بك من بين إخوتك؟ ثم رقت له، وعطفت عليه، فقال الناس: لقد أحبت أم بيهس بيهسا، فقال بيهس: (ثكل أرأمها ولدا)، أي: عطفها على ولد، فذهبت مثلا.
 .

### الآية 12:10

> ﻿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [12:10]

والقائل منهم قيل : هو روبيل - أسنهم - قاله قتادة وابن إسحاق، وقيل : يهوذا أحلمهم، وقيل شمعون أشجعهم، قاله مجاهد، وهذا عطف منه على أخيه لا محالة لما أراد الله من إنفاذ قضائه. و **«الغيابة »** ما غاب عنك من الأماكن أو غيب عنك شيئاً آخر. 
وقرأ الجمهور :**«غيابة الجب »**، وقرأ نافع وحده **«غيابات الجب »**، وقرأ الأعرج **«غيّابات الجب »** بشد الياء، قال أبو الفتح : هو اسم جاء على فعالة، كان أبو علي يلحقه بما ذكر سيبويه من الفياد ونحوه[(١)](#foonote-١)، ووجدت أنا من ذلك : التيار للموج والفجار للخزف. 
قال القاضي أبو محمد : وفي شبه غيابة بهذه الأمثلة نظر لأن غيابة جارية على فعل[(٢)](#foonote-٢). 
وقرأ الحسن :**«في غيبة الجب »** على وزن فعلة[(٣)](#foonote-٣)، وكذلك خطت في مصحف أبي بن كعب، ومن هذه اللفظة قول الشاعر - وهو المنخل -
فإن أنا يوماً غيبتني غيابتي\*\*\* فسيروا بسيري في العشيرة والأهل[(٤)](#foonote-٤)
و  الجب  البئر التي لم تطو[(٥)](#foonote-٥) لأنها جبت من الأرض فقط. 
وقرأ الجمهور :**«يلتقطه بعض »** بالياء من تحت على لفظ بعض، وقرأ الحسن البصري ومجاهد وقتادة وأبو رجاء **«تلتقطه »** بالتاء، وهذا من حيث أضيف  البعض  إلى  السيارة  فاستفاد منها تأنيث العلاقة، ومن هذا قول الشاعر :\[ الوافر \]
أرى مرّ السنين أخذنْ منّي\*\*\* كما أخذ السرار من الهلال[(٦)](#foonote-٦)
ومنه قول الآخر :\[ الطويل \]
إذا مات منهم سيد قام سيد\*\*\* فذلت له أهل القرى والكنائس[(٧)](#foonote-٧)
وقول كعب :\[ الكامل \]
ذلت لوقعتها جميع نزار. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [(٨)](#foonote-٨)
حين أراد بنزار القبيلة، وأمثلة هذا كثير. 
وروي أن جماعة من الأعراب التقطت يوسف عليه السلام : و  السيارة  جمع سيار. وهو بناء للمبالغة، وقيل في هذا  الجب  : أنه بئر بيت المقدس. وقيل : غيره : وقيل : لم يكن حيث طرحوه ماء ولكن أخرجه الله فيه حتى قصده الناس للاستقاء : وقيل : بل كان فيه ماء كثير يغرق يوسف فنشز حجر من أسفل الجب حتى ثبت عليه يوسف، وروي أنهم رموه بحبل فتماسك بيديه حتى ربطوا يديه ونزعوا قميصه ورموه حينئذ، وهموا برضخه بالحجارة فمنعهم أخوهم المشير بطرحه من ذلك.

١ الفياد: المتبختر، (المعجم الوسيط)، وفي "المحتسب" لأبي الفتح في نفس الموضع: "الفياد لذكر اليوم"، وفيه: "والحمام، والجيار- السعال – والكرار- كبش الراعي-"، و من أمثلة ذلك أيضا: الجبار والكلاء..
٢ امدان. أي: مشتقة من فعل، بخلاف التيار والفخار فهما.
٣ قال أبو الفتح في "المحتسب": "فيجوز أن يكون حدثا: فعلة من غبت، فيكون كقولنا: في ظلمة الجب، ويجوز أن يكون موضعا على فعلة كالقرمة"- بفتح القاف وكسرها وهي من سمات الإبل تكون فوق الأنف – والجرفة – بفتح الجيم وكسرها أيضا، وهي كذلك من سمات الإبل تكون دون الأنف..
٤ البيت للمنخل السعدي، ويروى: "في العشيرة"، والغاية هنا: القبر، يقال: وقع في غيابة من الأرض، أي في منهبط منها، يقول: إذا أنا مت في يوم من الأيام، وغيبني القبر في جوفه فاتبعوا سنتي وسيروا بسيرتي مع أهلي وعشيرتي..
٥ البئر المطوية هي التي بنيت بالحجارة ونحوها، أو عرشت، والبئر التي لم تطو هي التي حفرت وتركت دون بناء أو عرش..
٦ السرار بفتح السين وكسرها: الليلة التي يخفى فيها الهلال آخر الشهر، والشاهد في (أخذن) فقد أنثها الشاعر بالنون مع أنها تعود على (مر) إلى (السين) اكتسب منها التأنيث..
٧ هذا البيت من شواهد الكسائي، وقد أورده الفراء في "معاني القرآن"، وقال: "والعرب إذا أضافت المذكر إلى المؤنث وهو فعل له أو بعض له قالوا فيه بالتذكير والتأنيث، وإنما جاز ذلك لأن الثاني يكفي من الأول، ألا ترى أنه لو قيل: "تلتقطه السيارة" لجاز، ولا يجوز أن يقال: "ضربتي غلام جاريتك" لأنه ألقيت (غلام) لم تدخل الجارية على معناه؟". هذا ومثل البيتين قول الأعشى يخاطب يزيد بن مسهر الشيباني وكانت بينهما مهاجاة: 
 وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم
 فقال: شرقت وهي منسوبة إلى (صدر). ومعنى البيت: يعود عليك مكروه ما أذعته عني من القول وما نسبته إلى من الفعل القبيح فلا تجد منه مخلصا، والإنسان يشرق بالماء كما يغص بالطعام..
٨ هذا عجز بيت من أبيات قالها يمدح الأنصار بعد أن عاتبوه على الغض – من شأنهم في قصيدته المشهورة " بانت سعاد"، وهو بتمامه: 
 صدموا الكتيبة يوم بدر صدمة ذلت لوقعتهـــــا جميع نزار.
 ويروى البيت: "زلت لوقعتها رقاب نزار"، وعلى هذا فلا شاهد فيه..

### الآية 12:11

> ﻿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ [12:11]

الآية الأولى تقتضي أن أباهم قد كان علم منهم إرادتهم الخبيثة في جهة يوسف. وهذه أنهم علموا هم منه بعلمه ذلك. 
وقرأ الزهري وأبو جعفر **«لا تأمنا »** بالإدغام دون إشمام. ورواها الحلواني عن قالون[(١)](#foonote-١)، وقرأ السبعة بالإشمام للضم، وقرأ طلحة بن مصرف **«لا تأمننا »** وقرأ ابن وثاب والأعمش **«لا تيمنا »** بكسر تاء العلامة.

١ أما الحلواني فاسمه أحمد بن يزيد، وأما قالون فهو عيسى بن ميناء بن وردان بن عيسى المدني، مولى الأنصار، أبو موسى، من أهل المدينة مولدا ووفاة، وإليه انتهت الرياسة في زمانه في علوم العربية والقراءة بالحجاز، وكان أصم يقرأ عليه القرآن وهو ينظر إلى شفتي القارئ فيرد عليه اللحن والخطأ، و (قالون) لقب دعاه به نافع القارئ لجودة قراءته، ومعناه بلغة الروم: جيد. (النجوم الزاهرة ٢- ٢٣٥، وغاية النهاية ١- ٦١٥، والتاج ٩- ٣١٣)..

### الآية 12:12

> ﻿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [12:12]

و  غداً  ظرف أصله : غدو[(١)](#foonote-١)، فلزم اليوم كله، وبقي الغدو اسمين لأول النهار، وقال النضر ابن شميل : ما بين الفجر إلى الإسفار يقال فيه غدوة. وبكرة. 
وقرأ أبو عمرو وأبو عامر :**«نرتعْ ونلعبْ »** بالنون فيهما وإسكان العين والباء، و **«نرتعْ »** - على هذا - من الرتوع وهي الإقامة في الخصب والمرعى في أكل وشرب، ومنه قول الغضبان بن القبعثري : القيد والرتعة وقلة التعتعة[(٢)](#foonote-٢). ومنه قول الشاعر :\[ الوافر \]
. . . . . . . . . وبعد عطائك المائة الرتاعا[(٣)](#foonote-٣)\*\*\* و **«لعبهم »** هذا دخل في اللعب المباح كاللعب بالخيل والرمي ونحوه، فلا وصم عليهم في ذلك، وليس باللعب الذي هو ضد الحق وقرين اللهو، وقيل لأبي عمرو بن العلاء : كيف يقولون : نلعب وهم أنبياء ؟ قال : لم يكونوا حينئذ أنبياء. 
وقرأ ابن كثير :**«نرتعِ ونلعبْ »** بالنون فيهما، وبكسر وجزم الباء، وقد روي عنه **«ويلعب »** بالياء، وهي قراءة جعفر بن محمد. و **«نرتعِ »** - على هذا - من رعاية الإبل : وقال مجاهد هي من المراعاة : أي يراعي بعضنا بعضاً ويحرسه، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي **«يرتع ويلعب »** بإسناد ذلك كله إلى يوسف، وقرأ نافع ****«يرتعِ »**** بالياء فيهما وكسر العين وجزم الباء، ف ****«يرتعِ »**** - على هذا - من رعي الإبل ؛ قال ابن زيد : المعنى : يتدرب في الرعي وحفظ المال ؛ ومن الارتعاء قول الأعشى :
ترتعي السفح فالكثيب فذاقا\*\*\* ن فروض القطا فذات الرئال[(٤)](#foonote-٤)
قال أبو علي : وقراءة ابن كثير - **«نرتع »** بالنون و **«يلعب »** بالياء - فنزعها حسن، لإسناد النظر في المال والرعاية إليهم، واللعب إلى يوسف لصباه. 
وقرأ العلاء بن سيابة، **«يرتع ويلعبُ »** برفع الباء على القطع[(٥)](#foonote-٥). وقرأ مجاهد وقتادة :**«نُرتِع »** بضم النون وكسر التاء و **«نلعبْ »** بالنون والجزم. وقرأ ابن كثير - في بعض الروايات عنه - **«نرتعي »** بإثبات الياء - وهي ضعيفة لا تجوز إلا في الشعر كما قال الشاعر :\[ الوافر \]
ألم يأتيك والأنباء تنمي\*\*\* بما لاقت لبون بني زياد[(٦)](#foonote-٦)
وقرأ أبو رجاء **«يُرتعْ »** بضم الياء وجزم العين و **«يلعبْ »** بالياء والجزم[(٧)](#foonote-٧). 
وعللوا طلبه والخروج به بما يمكن أن يستهوي يوسف لصباه من الرتوع واللعب والنشاط.

١ قال في ( اللسان – غدا): "وغد: أصله غدو وهو اليوم الذي يأتي بعد يومك، فحذفت لامه بلا عوض، ولم يستعمل تاما إلا في الشعر، ويدخل فيه الألف واللام للتعريف"..
٢ في (اللسان – رتع): "الرتع: الرعي في الخصب، ومنه حديث الغضبان الشيباني مع الحجاج أنه قال له: سمنت يا غضبان! فقال: الخفض والدعة، والقيد والرتعة؛ وقلة التعتعة، ومن يكن ضيف الأمير يسمن"..
٣ ذا عجز بيت للقطامي، وهو من قصيدة يمدح بها الشاعر زفر بن الحارث الكلابي، والبيت بتمامه: 
 أكفرا بعـــــد رد الموت عنى وبعد عطائك المائة الرتاعـــــا؟ 
 قال البغدادي في الخزانة: البيت شاهد على أن العطاء هنا بمعنى الإعطاء، ولهذا عمل عمله، والمفعول الثاني محذوف، أي: بعد إعطائك المائة الرتاع إياي، وأورده شراح الألفية على أن العطاء اسم مصدر. والرتاع: الراعية، والمعنى: أأخونك وأكفر نعمتك وفضلك بعد أن أطلقتني ومننت علي وأعطيتني مائة من الإبل التي ترعى في الخصب؟
 .
٤ البيت من قصيدة الأعشى التي قالها يمدح الأسود بن المنذر اللخمي، ومطلعها: 
 ما بكــــاء الكبير بالأطــــلال وسؤالي فهل ترد ســـــؤالي؟
 وكل ما في البيت أسماء لمواضع مشهورة يشير إليها، والضمير في (ترتعي) يعود على امرأة اسمها (جبيرة) يشبهها بالبقرة التي ترعى في خصب ونماء..
٥ قال أبو الفتح بن جني: "أما \[يرتع\] فجزم لأنه جواب \[أرسله\]، و \[يلعب\] مرفوع لأنه جعله استئنافا، أي: هو ممن يلعب، كقولك: "زرني أحسن إليك"، أي: أنا ممن يحسن إليك"..
٦ هو من أبيات قالها قيس بن زهير تجدها مع قصتها في شرح الشواهد للسيوطي ٣ – ١، وتنمي: تبلغ، واللبون: جماعة الإبل ذات اللبن، والبيت في سيبويه ٢- ٥٩، والخزانة ٣ – ٥٣٤، وسر صناعة الإعراب ٨٨، والنحويون يستشهدون به على زيادة (الباء) للضرورة في الشعر، وعلى وقوع الجملة العترضة بين الفعل وفاعله لإفادة الكلام تقوية وتحسينا، وتجد البيت في المعنى لابن هشام في هذين الموضعين..
٧ أي أن نرتع ونلعب مجزومان لأنهما جوابان، أحدهما معطوف على صاحبه، وهو على حذف المفعول، أي: يرتع مطيته، قال ذلك ابن جني، وقال: وعلى ذكر حذف المفعول فما أعربه وأعذبه في الكلام، ألا ترى إلى قوله تعالى: ووجد من دونهم امرأتين تذودان أي: تذودان إبلهما، ولو نطق المفعول لما كان في عذوبة حذفه ولا في علوه..

### الآية 12:13

> ﻿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ [12:13]

وقوله تعالى : إني ليحزنني  الآية. 
قرأ عاصم وابن كثير والحسن والأعرج وعيسى وأبو عمرو وابن محيصن **«ليَحزُنني »** بفتح الياء وضم الزاي، قال أبو حاتم : وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والإدغام، ورواية ورش عن نافع : بيان النونين مع ضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن، وأن الأولى فاعلة والثانية مفعولة ب  أخاف . وقرأ الكسائي وحده :****«الذيب »**** دون همز وقرأ الباقون بالهمز - وهو الأصل منه جمعهم إياه على ذؤبان، ومنه تذاءبت الريح والذئاب إذا أتت من ها هنا وها هنا. وروى رش عن نافع :****«الذيب »**** بغير همز، وقال نصر : سمعت أبا عمرو لا يهمز، قال : وأهل الحجاز يهم. 
وإنما خاف يعقوب الذئب دون سواه، وخصصه لأنه كان الحيوان العادي المنبت في القطر. وروي أن يعقوب كان رأى في منامه ذئباً يشتد على يوسف. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا عندي ضعيف لأن يعقوب لو رأى ذلك لكان وحياً، فإما أن يخرج على وجهه وذلك لم يكن، وإما أن يعرف يعقوب بمعرفته لعبارة مثال هذا المرئي، فكان يتشكاه بعينه، اللهم إلا أن يكون قوله : أخاف أن يأكله الذئب  بمعنى أخاف أن يصيبه مثل ما رأيت من أمر الذئب - وهذا بعيد - وكذلك يقول الربيع بن ضبع :\[ المنسرح \]
والذئب أخشاه[(١)](#foonote-١). . . . . . . . . . . . . . . . . . . إنما خصصه لأنه كان حيوان قطره العادي، ويحتمل أن يخصصه يعقوب عليه السلام لصغر يوسف : أي أخاف عليه هذا الحقير فما فوقه، وكذلك خصصه الربيع لحقارته وضعفه في الحيوان، وباقي الآية بيّن.

١ هذا جزء من بيت، والشاعر هو الربيع بن ضبع الفزاري، وقال البيت يصور خشيته من الذئب جين كبر وبلغ من السن، والبت بتمامه:
 والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الريح والمطرا
 .

### الآية 12:14

> ﻿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ [12:14]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣:وقوله تعالى : إني ليحزنني  الآية. 
قرأ عاصم وابن كثير والحسن والأعرج وعيسى وأبو عمرو وابن محيصن ****«ليَحزُنني »**** بفتح الياء وضم الزاي، قال أبو حاتم : وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والإدغام، ورواية ورش عن نافع : بيان النونين مع ضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن، وأن الأولى فاعلة والثانية مفعولة ب  أخاف . وقرأ الكسائي وحده :********«الذيب »******** دون همز وقرأ الباقون بالهمز - وهو الأصل منه جمعهم إياه على ذؤبان، ومنه تذاءبت الريح والذئاب إذا أتت من ها هنا وها هنا. وروى رش عن نافع :********«الذيب »******** بغير همز، وقال نصر : سمعت أبا عمرو لا يهمز، قال : وأهل الحجاز يهم. 
وإنما خاف يعقوب الذئب دون سواه، وخصصه لأنه كان الحيوان العادي المنبت في القطر. وروي أن يعقوب كان رأى في منامه ذئباً يشتد على يوسف. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا عندي ضعيف لأن يعقوب لو رأى ذلك لكان وحياً، فإما أن يخرج على وجهه وذلك لم يكن، وإما أن يعرف يعقوب بمعرفته لعبارة مثال هذا المرئي، فكان يتشكاه بعينه، اللهم إلا أن يكون قوله : أخاف أن يأكله الذئب  بمعنى أخاف أن يصيبه مثل ما رأيت من أمر الذئب - وهذا بعيد - وكذلك يقول الربيع بن ضبع :\[ المنسرح \]
والذئب أخشاه[(١)](#foonote-١)................... إنما خصصه لأنه كان حيوان قطره العادي، ويحتمل أن يخصصه يعقوب عليه السلام لصغر يوسف : أي أخاف عليه هذا الحقير فما فوقه، وكذلك خصصه الربيع لحقارته وضعفه في الحيوان، وباقي الآية بيّن. 
١ هذا جزء من بيت، والشاعر هو الربيع بن ضبع الفزاري، وقال البيت يصور خشيته من الذئب جين كبر وبلغ من السن، والبت بتمامه:
 والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الريح والمطرا
 .


---

### الآية 12:15

> ﻿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [12:15]

وقوله تعالى : فلما ذهبوا به  الآية، أسند الطبري إلى السدي قال : ذهبوا بيوسف وبه عليهم كرامة، فلما برزوا في البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه به فجعل لا يرى منهم رحيماً، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويقول : يا أبتاه يا يعقوب لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء، فقال لهم يهوذا : ألم تعطوني موثقاً أن لا تقتلوه ؟ فانطلقوا به إلى الجب، فجعلوا يدلونه فيتعلق بالشفير فربطوا يديه ونزعوا قميصه. فقال : يا إخوتاه ردوا عليّ قميصي أتوارى به في الجب، فقالوا : ادعُ الشمس والقمر والكواكب تؤنسك ؛ فدلوه حتى إذا بلغ نصف الجب ألقوه إرادة أن يموت، فكان في الجب ماء فسقط فيه ثم قام على صخرة يبكي، فنادوه، فظن أنهم رحموه، فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة، فمنعهم يهوذا، وكان يأتيه بالطعام. 
وجواب  لما  محذوف تقديره : فلما ذهبوا به وأجمعوا  أجمعوا، هذا مذهب الخليل وسيبويه وهو نص لهما في قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
فلما أجزنا ساحية الحي وانتحى[(١)](#foonote-١). . . . . . . . . ومثل هذا قول الله تعالى :
 فلما أسلما وتله للجبين [(٢)](#foonote-٢)- وقال بعض النحاة - في مثل هذا- : إن الواو زائدة - وقوله مردود لأنه ليس في القرآن شيء زائد لغير معنى[(٣)](#foonote-٣). 
و  أجمعوا  معناه : عزموا واتفق رأيهم عليه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم - في المسافر - **«ما لم يجمع مكثاً »**[(٤)](#foonote-٤)، على أن إجماع الواحد قد ينفرد بمعنى العزم والشروع، ويتصور ذلك في إجماع إخوة يوسف وفي سائر الجماعات - وقد يجيء إجماع الجماعة فيما لا عزم فيه ولا شروع ولا يتصور ذلك في إجماع الواحد. 
والضمير في  إليه  عائد إلى يوسف. وقيل على يعقوب، والأول أصح وأكثر، ويحتمل أن يكون الوحي حينئذ إلى يوسف برسول، ويحتمل أن يكون بإلهام أو بنوم - وكل ذلك قد قيل - وقال الحسن : أعطاه الله النبوءة وهو في الجب. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا بعيد. 
وقرأ الجمهور :**«لتنبئنهم »** بالتاء، وفي بعض مصاحف البصرة بالياء، وقرأ سلام بالنون، وهذا كله في العلامة التي تلي اللام. 
وقوله : وهم لا يشعرون  قال ابن جريج : وقت التنبيه إنك يوسف[(٥)](#foonote-٥). وقال قتادة : لا يشعرون بوحينا إليه. قال القاضي أبو محمد : فيكون قوله : وهم لا يشعرون  - على التأويل الأول - مما أوحي إليه - وعلى القول الثاني - خبر لمحمد صلى الله عليه وسلم.

١ هذا صدر بيت، وهو بتمامه:
 فلما أجزنا ساحة الحي وانتحــــــى بنا بطن خبت ذي حـقاف عقنقل
 والساحة: الفناء، والحي: القبيلة وجمعه أحياء، وانتحى: اعترض، والخبت: أرض مطمنة، والحقف من الرمل: المعوج (ويروى: "ركام" بدلا من "حقاف"، والعقنقل: المتداخل المتعقد، (ويروى البيت أيضا: ذي قفاف) وهي جمع قف وهو ما غلظ وارتفع من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلا بعضه في بعض.
 .
٢ من الآية (١٠٣) من سورة (الصافات)..
٣ هذا رأي أكثر الكوفيين، وقد قالوا بزيادة الواو في البيت، وفي آية (الصافات)، أما البصريون فيقدرون الجواب محذوفا، وتقديره في آية يوسف: "فلما ذهبوا به و......... عظمت فتنتهم"، وقيل تقديره: "جعلوه فيها"، ورجح أبو حيان هذا إذ يدل عليه قوله تعالى: وأجمعوا أن يجعلوه. وقال بعض المفسرين: الجواب مثبت في الآية وليس محذوفا، وهو قولهم بعد ذلك: قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق. وعلى رأي من يرى أن الجواب محذوف يكون التقدير في آية (الصافات): "فازا وظفرا بما أحبا"، وفي البيت: "هصرت"..
٤ الحديث في (الموطأ)، ولفظه فيه: (أصلي صلاة المسافر ما لم أجمع مكثا)، ومن اللفظة أيضا قوله صلى الله عليه وسلم (لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر)، رواه النسائي، والترمذي، والدارمي، وأبو داود، ومالك في الموطأ، وقوله صلوات الله وسلامه عليه: (من أجمع إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم الصلاة)، رواه مالك في الموطأ..
٥ أي: لا يشعرون وقت تنبيهك لهم أنك يوسف، فكلمة (وقت) ظرف للفعل (يشعرون)، ويكون هذا دليلا على نبوته في ذلك الوقت..

### الآية 12:16

> ﻿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [12:16]

قرأت فرقة **«عشاء »** أي وقت العشاء، وقرأ الحسن :**«عشى »** على مثال دجى، أي جمع عاش، قال أبو الفتح :**«عشاة »** كماش ومشاة، ولكن حذفت الهاء تخفيفاً كما حذفت من مألكة، وقال عدي :
أبلغ النعمان عني مألكاً\*\*\* أنه قد طالب حبسي وانتظاري[(١)](#foonote-١)
قال القاضي أبو محمد : ومعنى ذلك أصابهم عشا من البكاء أو شبه العشا إذ كذلك هي هيئة عين الباكي لأنه يتعاشى، ومثل شريح في امرأة بكت وهي مبطلة ببكاء هؤلاء وقرأ الآية.

١ البيت لعدي بن زيد بن حماد، وهو من أسرة بني العباد الذين كتبوا لكسرى وسفروا بينه وبين العرب، وقد نشأ في بلاط النعمان، ثم أعجب به كسرى أنو شروان فثبته في بلاطه، وبهذا كان عدي أول من كتب بالعربية في ديوان الأكاسرة. وقد بلغ من المنزلة عند النعمان أنه تزوج من هند بنت النعمان، ثم وشى الحساد به عند النعمان فحبسه – وفي سجنه أرسل إليه القصائد، والبيت مطلع واحدة من قصائده هذه. والمألك: الرسالة، وفيه يذكر النعمان بأنه قضى مدة طويلة في سجنه، وأنه لا يزال في انتظار عفوه..

### الآية 12:17

> ﻿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [12:17]

وروي أن يعقوب لما سمع بكاءهم قال : ما بالكم أجرى في الغنم شيء ؟ قالوا : لا، قال فأين يوسف ؟ قالوا : ذهبنا نستبق  ؛ فبكى وصاح وقال : أين قميصه ؟ - وسيأتي قصص ذلك. 
و  نستبق  معناه : على الأقدام أي نجري غلاباً، وقيل : بالرمي أي ننتضل. وهو نوع من المسابقة، قاله الزجاج. 
وقولهم : وما أنت بمؤمن  أي بمصدق ؛ ومعنى الكلام : أي لو كنا موصوفين بالصدق ؛ وقيل المعنى : ولو كنت تعتقد ذلك فينا في جميع أقوالنا قديماً لما صدقتنا في هذه النازلة خاصة لما لحقك فيها من الحزن ونالك من المشقة ولما تقدم من تهمتك لنا. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول ذكره الزجاج وغيره، ويحتمل أن يكون قولهم : ولو كنا صادقين ، بمعنى : وإن كنا صادقين - وقاله المبرد - كأنهم أخبروا عن أنفسهم أنهم صادقون في هذه النازلة فهو تمادٍ منهم في الكذب ويكون بمنزلة قوله : أو لو كنا كارهين [(١)](#foonote-١) بمعنى أو إن كنا كارهين. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا المثال عندي نظر، وتخبط الرماني في هذا الموضع، وقال : ألزموا أباهم عناداً ونحو هذا مما لا يلزم لأنهم لم يقولوا : وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين في معتقدك، بل قالوا : وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين فيما نعتقد نحن، وأما أنت فقد غلب عليك سوء الظن بنا. ولا ينكر أن يعتقد الأنبياء عليهم السلام صدق الكاذب وكذب الصادق ما لم يوح إليهم، فإنما هو بشر، كما قال صلى الله عليه وسلم :**«إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه. . »** الحديث[(٢)](#foonote-٢). فهذا يقتضي أنه جوز على نفسه أن يصدق الكاذب. وكذلك قد صدق عليه السلام عبد الله بن أبيّ حين حلف على مقالة زيد بن أرقم وكذب زيداً، حتى نزل الوحي، فظهر الحق[(٣)](#foonote-٣)، فكلام اخوة يوسف إنما هو مغالطة ومحاجة لا إلزام عناد.

١ من الآية (٨٨) من سورة (الأعراف)..
٢ أخرجه البخاري في الشهادات، وفي الأحكام، وفي الحيل، وأخرجه مسلم والدارمي في الأقضية، والترمذي في الأحكام، والنسائي في القضاة، وابن ماجه في الأحكام، والموطأ في الأقضية، والإمام أحمد في مسنده (٦- ٢٩٠، ٣٠٨، ٣٣٠)ن وبقيته كما جاءت في البخاري (فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ فإنما له قطعة من النار)، رواه البخاري عن أم سلمة..
٣ وردت قصة هذا الحديث في البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم..

### الآية 12:18

> ﻿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ [12:18]

وقوله تعالى : وجاءوا على قميصه بدم كذب  الآية، روي أنهم أخذوا سخلة[(١)](#foonote-١) أو جدياً فذبحوه ولطخوا به قميص يوسف، وقالوا ليعقوب : هذا قميصه، فأخذه ولطخ به وجهه وبكى، ثم تأمله فلم ير خرقاً ولا أثر ناب. 
فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم : متى كان الذئب حليماً، يأكل يوسف ولا يخرق قميصه ؟ - قص هذا القصص ابن عباس وغيره، وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم لصحة القميص - واستند الفقهاء إلى هذا في إعمال الأمارات في مسائل كالقسامة بها - في قول مالك - إلى غير ذلك. 
قال الشافعي : كان في القميص ثلاث آيات : دلالته على كذبهم وشهادته في قده، ورد بصر يعقوب به[(٢)](#foonote-٢). وروي أنهم ذهبوا فأخذوا ذئباً فلطخوا فاه بالدم وساقوه وقالوا ليعقوب، هذا أكل يوسف، فدعاه يعقوب فأقعى وتكلم بتكذيبهم. 
ووصف الدم ب  كذب  إما على معنى بدم ذي كذب، وإما أن يكون بمعنى مكذوب عليه، كما قد جاء المعقول بدل العقل في قول الشاعر :
\[ الكامل \]
حتى إذا لم يتركوا لعظامه\*\*\* لحماً ولا لفؤادِهِ معقولا[(٣)](#foonote-٣)
فكذلك يجيء التكذيب مكان المكذوب. 
قال القاضي أبو محمد : هذا كلام الطبري، ولا شاهد له فيه عندي، لأن نفي المعقول يقتضي نفي العقل، ولا يحتاج إلى بدل، وإنما **«الدم الكذب »** عندي وصف بالمصدر على جهة المبالغة. 
وقرأ الحسن :**«بدم كذب »** بدال غير معجمة، ومعناه الطري ونحوه، وليست هذه القراءة قوية[(٤)](#foonote-٤). 
ثم قال لهم يعقوب لما بان كذبهم : بل سولت لكم أنفسكم أمراً  أي رضيت وجعلت سولاً ومراداً٥٤  أمراً  أي صنعاً قبيحاً بيوسف. وقوله : فصبر جميل  رفع إما على حذف الابتداء وإما على حذف الخبر : إما على تقدير : فشأني صبر جميل، وإما على تقدير فصبر جميل أمثل. وذكر أن الأشهب وعيسى بن عمر قرأ بالنصب :**«فصبراً جميلاً »** على إضمار فعل، وكذلك هي في مصحف أبيّ ومصحف أنس بن مالك - وهي قراءة ضعيفة عند سيبويه ولا يصلح النصب في مثل هذا إلا مع الأمر، ولذا يحسن النصب في قول الشاعر \[ الرجز \]
. . . . . . . . صبرا جميلاً فكلانا مبتلى\*\*\* وينشد أيضاً بالرفع ويروى **«صبر جميل »**، على نداء الجمل المذكور في قوله :\[ الرجز \]
شكى إليّ جملي طول السرى\*\*\* يا جملي ليس إليّ المشتكى
صبر جميل فكلانا مبتلى\*\*\* وإنما تصح قراءة النصب على أن تقدر يعقوب عليه السلام رجع إلى مخاطبة نفسه أثناء مخاطبة بنيه. 
وجميل الصبر ألا تقع شكوى إلى بشر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«من بث لم يصبر صبراً جميلاً »**[(٥)](#foonote-٥). 
وقوله : والله المستعان على ما تصفون  تسليم لأمر الله تعالى وتوكل عليه، والتقدير على احتمال ما تصفون.

١ السخلة: الذكر والأنثى من ولد الضأن والمعز ساعة يولد، والجمع: سخل، وسخال، وسخلان. (المعجم الوسيط)..
٢ قال القرطبي: "هذا مردود، فإن القميص الذي جاءوا عليه بالدم غير القميص الذي قُدّ، وغير القميص الذي أتاه البشير به، وقد قيل: إن القميص الذي قد هو القميص الذي أتي به فارتد بصيرا". هذا وقد اختلف العلماء في إعراب على قميصه، فقال الزمخشري: محله النصب على الظرف كأنه قيل: وجاءوا فوق قميصه بدم، كما تقول: "جاء على جماله بأحمال"، ورد أبو حيان ذلك بقوله: ولا يساعد المعنى على نصب \[على\] على الظرف بمعنى فوق، لأن العامل فيه إذ ذاك \[جاءوا\] وليس الفوق ظرفا لهم، بل يستحيل أن يكون ظرفا لهم، وقال الحوفي: \[على\] متعلق ب\[جاءوا\]، ورده أبو حيان أيضا، وقال أبو البقاء: على قميصه في موضع نصب حالا من \[دم\]، لأن التقرير: جاءوا بدم كذب على قميصه، وعلق على ذلك أبو حيان بقوله: والمعنى يرشد إليه وإن كان هناك خلاف في جواز تقديم الحال على المجرور بالحرف غير الزائد، ومن أجاز ذلك استدل عليه بشواهد كثيرة من لسان العرب.
 .
٣ البيت للراعي النميري، قاله من قصيدة يمدح بها عبد الملك بن مروان ويشكو من جباة الزكاة، وقد وردت في (جمهرة أشعار العرب) لابن أبي الخطاب القرشي، ومعنى البيت مع البيت الذي قبله: إن جباة الزكاة ضربوا رئيس القوم بالسياط الأصبحية حتى لم يتركوا على عظامه لحما، ولا أبقوا في فوائده عقلا. كذلك أورد الفراء البيت في (معاني القرآن) في أثناء شرحه للآية الكريمة، قال: "وقوله: وجاءوا على قميصه بدم كذب معناه: مكذوب، والعرب تقول للكذب: مكذوب، وليس له عقد رأي، ومعقود رأي، فيجعلون المصدر في كثير من الكلام مفعولا، قال الشاعر: إن أخا المجلود من صبرا، وقال آخر: حتى إذا لم يتركوا... البيت"..
٤ قال أبو الفتح بن جني في "المحتسب ١- ٣٣٥": "أصل هذا من الكذب وهو الفوف، يعني البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث، فكأنه دم قد أثر على قميصه فلحقته أعراض كالنقش عليه"..
٥ الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله..

### الآية 12:19

> ﻿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [12:19]

قيل إن ****«السيارة »**** جاءت في اليوم الثاني من طرحه في الجب،  سيارة  : جمع سيار، كما قالوا بغال وبغالة، وهذا بعكس تمرة وتمر، و  سيارة  : بناء مبالغة للذين يرددون السير في الطرق. وروي أن هذه ****«السيارة »**** كانوا قوماً من أهل مدين، وقيل : قوم أعراب. و ****«الوارد »**** هو الذي يأتي الماء ليسقي منه لجماعة، ويروى أن مدلي الدلو كان يسمى مالك بن ذعر، ويروى أن هذا الجب كان بالأردن على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب، ويقال :**«أدلى الدلو »** : إذا ألقاه في البئر ليستقي الماء. ودلاه يدلوه : إذا استقاه من البئر. وفي الكلام هنا حذف تقديره : فتعلق يوسف بالحبل فلما بصر به المدلي قال : يا بشرأي، وروي أن يوسف كان يومئذ ابن سبع سنين، ويرجح هذا لفظة  غلام ، فإنه ما بين الحولين إلى البلوغ، فإن قيلت فيما فوق ذلك فعلى استصحاب حال وتجوز ؛ وقيل : كان ابن سبع عشرة سنة - وهذا بعيد -. 
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر **«يا بشرأيَ »** بإضافة البشرى إلى المتكلم وبفتح الياء على ندائها كأنه يقول : احضري، فهذا وقتك، وهذا نحو قوله : يا حسرة على العباد [(١)](#foonote-١) وروى ورش عن نافع **«يا بشرأيْ »** بسكون الياء، قال أبو علي : وفيها جمع بين ساكنين على حد دابة وشابة[(٢)](#foonote-٢)، ووجه ذلك أنه يجوز أن تختص بها[(٣)](#foonote-٣) الألف لزيادة المد الذي فيها على المد الذي في أختيها[(٤)](#foonote-٤)، كما اختصت في القوافي بالتأسيس، واختصت في تخفيف الهمزة نحو هبأة[(٥)](#foonote-٥) وليس شيء من ذلك في الياء والواو. 
وقرأ أبو الطفيل والجحدري وابن أبي إسحاق والحسن **«يا بشريَّ »** تقلب الألف ياء ثم تدغم في ياء الإضافة، وهي لغة فاشية، ومن ذلك قول أبي ذؤيب :\[ الكامل \]
سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهمُ\*\*\* فتخرموا ولكل جنب مصرع[(٦)](#foonote-٦)
**وأنشد أبو الفتح وغيره في ذلك :**
يطوّف بيَّ كعب في معد\*\*\* ويطعن بالصملة في قفيا
فإن لم تثأروا لي في معد\*\*\* فما أرويتما أبداً صديا[(٧)](#foonote-٧) أراد : هواي، وقفاي، وصداي[(٨)](#foonote-٨). 
وقرأ حمزة والكسائي **«يا بشرِي »** ويميلان ولا يضيفان. وقرأ عاصم كذلك إلا أنه يفتح الراء ولا يميل، واختلف في تأويل هذه القراءة فقال السدي : كان في أصحاب هذا ****«الوارد »**** رجل اسمه بشرى، فناداه وأعلمه بالغلام[(٩)](#foonote-٩)، وقيل : هو على نداء البشرى - كما قدمنا - والضمير في قوله : وأسروه  ظاهر الآيات أنه ل **«وارد »** الماء، - قاله مجاهد، وقال : إنهم خشوا من تجار الرفقة إن قالوا : وجدناه أن يشاركوهم في الغلام الموجود. 
قال القاضي أبو محمد : هذا إن كانوا فسقة أو يمنعوهم من تملكه إن كانوا خياراً، فأسروا بينهم أن يقولوا : أبضعه معنا بعض أهل المصر. 
و  بضاعة  حال، و **«البضاعة »** : القطعة من المال يتجر فيها بغير نصيب من الربح، مأخوذة من قولهم : بضعت أي قطعت. وقيل : إنهم أسروا في أنفسهم يتخذونه بضاعة لأنفسهم أي متجراً، ولم يخافوا من أهل الرفقة شيئاً، ثم يكون الضمير في قوله : وشروه  لهم أيضاً، أي باعوه بثمن قليل، إذ لم يعرفوا حقه ولا قدره، بل كانوا زاهدين فيه، وروي - على هذا - أنهم باعوه من تاجر. وقال مجاهد : الضمير في  أسروه  لأصحاب **«الدلو »**، وفي  شروه  لإخوة يوسف الأحد عشر، وقال ابن عباس : بل الضمير في  أسروه  و  شروه  لإخوة يوسف. 
قال القاضي أبو محمد : وذلك أنه روي أن إخوته لما رجعوا إلى أبيهم وأعلموه رجع بعضهم إلى الجب ليتحققوا أمر يوسف، ويقفوا على الحقيقة من فقده فلما علموا أن الوراد قد أخذوه جاؤوهم فقالوا : هذا عبد أبق لأمنا ووهبته لنا ونحن نبيعه منكم، فقارهم[(١٠)](#foonote-١٠) يوسف على هذه المقالة خوفاً منهم، ولينفذ الله أمره ؛ فحينئذ أسره إخوته إذ جحدوا إخوته فأسروها، واتخذوه  بضاعة  أي متجراً لهم ومكسباً  وشروه  أيضاً  بثمن بخس ، أي باعوه. 
وقوله  والله عليم بما يعملون  إن كانت الضمائر لإخوة يوسف ففي ذلك توعد، وإن كانت الضمائر للواردين ففي ذلك تنبيه على إرادة الله تعالى ليوسف، وسوق الأقدار بناء حاله، فهو - حينئذ - بمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«يدبر ابن آدم والقضاء يضحك »**. 
وفي الآية - أيضاً - تسلية للنبي عليه السلام عما يجري عليه من جهة قريش، أي العاقبة التي للمتقين هي المراعاة والمنتظرة.

١ من الآية (٣٠) من سورة (يس)..
٢ على حدهما في مجرد التقاء الساكنين، ولكن نلحظ أن ثاني الساكنين في (بشراي) ليس مضعفا..
٣ يظهر أن الضمير في "بها" يعود على "القاعدة" وهي مفهومة من كلامه، والمعنى: يجوز أن تختص بهذه القاعدة الألف..
٤ يريد بأختيها الياء والواو، فقد ذكر بعض الفروق بين الألف وكل من الواو والياء..
٥ أصلها "هبأة" بسكون الباء، فنقلت حركة الهمزة إليها، فصارت "هباة"، والهباء: التراب الذي تطيره الريح ويلصق بالأشياء، أو ينبث في الهواء فلا يبدو إلا في الشمس، وفي التنزيل العزيز: وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا، ويقال: هبا الرماد يهبو، قال الأصمعي: إذا سكن لهب النار ولم يطفأ جمرها قيل: خمدت، فإن طفئت البتة قيل: همدت، فإن صارت رمادا قيل: هبا يهبو وهو هاب غير مهموز (اللسان).
٦ قال أبو ذؤيب هذا البيت ضمن أبيات يرثي بها أولاده، وهوى: هواي: وهي لغة هذيل، يقلبون ألف المقصور المضاف إلى الياء ياء ثم يدغمون الياءين فيقولون: هذه عصي في عصاي، وكذلك قفى في قفاي، وأعنقوا: أسرعوا، وتخرموا: أخذوا واحدا بعد واحد، قال الأصمعي: "أي: ماتوا قبلي ولم يلبثوا لهواي، وكنت أخب أن أموت قبلهم، وقد جعلهم كأنهم هووا المنية لسرعتهم إليها وهم في الحقيقة لم يهووها". والبيت من شواهد النحويين، وقد رواه الفراء في "معاني القرآن" عن القاسم بن معن بلفظ آخر، قال:
 تركوا هوي وأعنقوا لهواهم ففقدتهم ولكل حب مصرع.
٧ البيتان للمنخل اليشكري، وكان قد اتهم بالمتجردة امرأة النعمان بن المنذر، وعرف النعمان ذلك فدفعه إلى صاحب سجنه واسمه عكب اللخمي، فقيده عكب هذا وعذبه، فقال المنخل شعرا يصف فيه حاله، ومنه هذان البيتان، وقد رواهما أبو الفتح في "المحتسب" عن قطرب بلفظ آخر هو:
 يظوف بي عكب في معد ويطعن بالصملة في قفيا
 فإن لم تثأرا لي من عكب فلا أرويتما أبدا صديا
 والصملة: العصا كما في "التاج – صمل". والشعر في الخصائص، وشرح الحماسة للتبريزي ٢- ٤٨، واللسان – عكب..
٨ قال أبو علي: "إن قلب هذه الألف ياء لوقوع الياء بعدها كأنه عوض مما كان يجب فيها من كسرها لياء الإضافة بعدها، ككسرة ميم غلامي وباء صاحبي ونحو ذلك، ولم يفعل ذلك في ألف التثنية نحو غلاماي وصاحباي خوف التباس المرفوع بالمنصوب والمجرور"..
٩ قال أبو حيان في " البحر المحيط": "إن السدي أبعد في هذا التفسير"..
١٠ قاره: قر معه وسكن. (اللسان). ويقال: "أنا لا أقارك على ما أنت عليه". وفي الحديث: (قاروا الصلاة) بمعنى: اسكنوا فيها ولا تتحركوا. (المعجم الوسيط)..

### الآية 12:20

> ﻿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [12:20]

و  شروه  - هنا - بمعنى باعوه، وقد يقال : شرى، بمعنى اشترى، ومن الأول قول يزيد بن مفرغ الحميري :\[ مجزوء الكامل \]
وشريتُ برداً ليتني\*\*\* من بعد بردٍ كنتُ هامَهْ[(١)](#foonote-١)
برد : اسم غلام له ندم على بيعه، والضمير يحتمل الوجهين المتقدمين ؛ و  البخس  مصدر وصف به **«الثمن »** وهو بمعنى النقص - وهذا أشهر معانيه - فكأنه القليل الناقص، وهو قول الشعبي - وقال قتادة :**«البخس »** هنا بمعنى الظلم، ورجحه الزجاج من حيث الحر لا يحل بيعه، وقال الضحاك : وهو بمعنى الحرام، وهذا أيضاً بمعنى لا يحل بيعه. 
وقوله : دراهم معدودة  عبارة عن قلة الثمن لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن لقلتها، وذلك أنهم كانوا لا يزنون ما دون الأوقية، وهي أربعون درهماً، واختلف في مبلغ ثمن يوسف عليه السلام : فقيل باعوه بعشرة دراهم، وقال ابن مسعود : بعشرين، وقال مجاهد : باثنين وعشرين أخذ منها إخوته درهمين درهمين [(٢)](#foonote-٢) وقال عكرمة : بأربعين درهماً دفعت ناقصة خفافاً، فهذا كان بخسها. 
وقوله : وكانوا فيه من الزاهدين  وصف يترتب في **«ورّاد »** الماء، أي كانوا لا يعرفون قدره، فهم لذلك قليل اغتباطهم به، لكنه أرتب في إخوة يوسف إذ حقيقة الزهد في الشيء إخراج حبه من القلب ورفضه من اليد، وهذه كانت حال إخوة يوسف في يوسف، وأما الورّاد فتمسكهم به وتجرهم يمانع زهدهم إلا على تجوز. 
وقوله  فيه  ليست بصلة ل  الزاهدين  - قاله الزجاج وفيه نظر لأنه يقتضي وصفهم بالزهد على الإطلاق وليس قصد الآية هذا، بل قصدها الزهد الخاص في يوسف، والظروف يجوز فيها من التقديم ما لا يجوز في سائر الصلات، وقد تقدم القول في عود ضمير الجماعة الذي في قوله : وشروه .

١ البيت من شواهد أبي عبيدة في "مجاز القرآن" على أن شرى بمعنى باع، وقد رواه في تفسير الطبري: "من قبل برد" وجاء في "اللسان": وشاهد شريت بمعنى بعت قول يزيد بن مفرغ وقد باع غلامه بردا فندم بعد بيعه: 
 شريت بردا ولولا ما تكنفني من الحوادث ما فارقته أبدا.
 ومثل هذا البيت قول الشماخ في رجل باع قوسه لرجل آخر:
 فلما شراها فاضت العين عبرة وفي الصدر حزاز من اللوم حامز
 يريد: فلما باع قوسه. ومعنى حامز: ممض محرق..
٢ أي لكل واحد منهم درهمان، فيكون المجموع اثنين وعشرين درهما..

### الآية 12:21

> ﻿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [12:21]

روي أن مبتاع يوسف - وهو الوارد من إخوته أو التاجر من الوراد، حسبما تقدم من الخلاف - ورد به مصر، البلد المعروف، ولذلك لا ينصرف، فعرضه في السوق، وكان أجمل الناس، فوقعت فيه مزايدة حتى بلغ ثمناً عظيماً - فقيل : وزنه من ذهب ومن فضة ومن حرير فاشتراه العزيز، وكان حاجب الملك وخازنه، واسم الملك الريان بن الوليد، وقيل مصعب بن الريان، وهو أحد الفراعنة، وقيل : هو فرعون موسى، عمر إلى زمانه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وذلك أن ظهور يوسف عليه السلام لم يكن في مدة كافر يخدمه يوسف ؛ واسم العزيز المذكور : قطفير، قاله ابن عباس، وقيل : أطفير، وقيل : قنطور ؛ واسم امرأته : راعيل، قاله ابن إسحاق، وقيل ربيحة، وقيل : زليخا[(١)](#foonote-١)، وظاهر أمر العزيز أنه كان كافراً، ويدل على ذلك كون الصنم في بيته - حسبما نذكره في البرهان الذي رأى يوسف - وقال مجاهد : كان العزيز مسلماً. 
و **«المثوى »** مكان الإقامة، و **«الإكرام »** إنما هو لذي المثوى، ففي الكلام استعارة وقوله : عسى أن ينفعنا ، أي بأن يعيننا في أبواب دنيانا وغير ذلك من وجوه النفع، وقوله : أو نتخذه ولداً  أي نتبناه، وكان فيما يقال لا ولد له. 
ثم قال تعالى : وكذلك ، أي كما وصفنا  مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه  فعلنا ذلك. و  الأحاديث  : الرؤيا في النوم - قاله مجاهد - وقيل : أحاديث الأمم والأنبياء. 
والضمير في  أمره  يحتمل أن يعود على يوسف، قال الطبري، ويحتمل أن يعود على الله عز وجل، قاله ابن جبير، فيكون إخباراً منبهاً على قدرة الله عز وجل ليس في شأن يوسف خاصة بل عاماً في كل أمر. وكذلك الاحتمال في قول الشاعر :\[ الطويل \]
رأيت أبا بكر - وربك - غالب\*\*\* على أمره يبغي الخلافة بالتمر[(٢)](#foonote-٢)
وأكثر الناس الذين نفي عنهم العلم هم الكفرة، وفيهم الذين زهدوا في يوسف وغيرهم ممن جهل أمره، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : أصح الناس فراسة ثلاثة : العزيز حين قال لامرأته : أكرمي مثواه ، وابنة شعيب حين قالت :**«استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين »**[(٣)](#foonote-٣) وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب. 
قال القاضي أبو محمد : وفراسة العزيز إنما كانت في نفس نجابة يوسف لا أنه تفرس الذي كان كما في المثالين الآخرين، فإن ما تفرس خرج بعينه[(٤)](#foonote-٤).

١ يضبط بضم الزاي وفتح اللام، والأقرب إلى الصواب ضبطه بفتح الزاي وكسر اللام..
٢ البيت غير منسوب، والشاهد فيه أن الضمير في (أمره) قد يعود على الله سبحانه وتعالى، وقد يعود على أبي بكر رضي الله عنه، وجملة "وربك غالب على أمره" جملة معترضة..
٣ من (٢٦) من سورة (القصص)..
٤ نقل القرطبي عن ابن العربي قوله تعقيبا على خبر ابن مسعود: "عجبا للمفسرين في اتفاقهم على جلب هذا الخبر، والفراسة هي علم غريب، وليس كذلك فيما نقلوه، لأن الصديق إنما ولى عمر بالتجربة في الأعمال، والمواظبة على الصحبة وطولها، والاطلاع على ما شاهد منه من العلم والمنة، وليس ذلك من طريق الفراسة، وأما بنت شعيب فكانت معها العلامة البينة، وأما أمر العزيز فيمكن أن يجعل فراسة لأنه لم يكن معه علامة ظاهرة"..

### الآية 12:22

> ﻿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [12:22]

و ********«الأشد »******** : استكمال القوة وتناهي البأس، أولهما البلوغ وقد عبر عنه مالك وربيعة ببنية الإنسان، وهما أشدان : وذكره منذر بن سعيد، والثاني : الذي يستعمله العرب وقيل : هو من ثماني عشرة سنة إلى ستين سنة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول ضعيف. وقيل :********«الأشد »******** : بلوغ الأربعين، وقيل : بل ستة وثلاثون. وقيل : ثلاثة وثلاثون. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو أظهر الأقوال -فيما نحسبه - وهو الأسبوع الخامس، وقيل : عشرون سنة، وهذا ضعيف. وقال الطبري :********«الأشد »******** لا واحد له من لفظه[(١)](#foonote-١)، وقال سيبويه :********«الأشد »******** جمع شدة نحو نعمة وأنعم، وقال الكسائي :**«أشد »** جمع شد نحو قد وأقد، وشد النهار : معظمه وحيث تستكمل نهاريته. 
وقوله : حكماً  يحتمل أن يريد الحكمة والنبوءة، وهذا على الأشد الأعلى، ويحتمل الحكمة والعلم دون النبوءة، وهذا أشبه إن كانت قصة المراودة بعد هذا. و  علماً  يريد تأويل الأحاديث وغير ذلك. ويحتمل أن يريد بقوله : حكماً  أي سلطاناً في الدنيا وحكماً بين الناس بالحق. وتدخل النبوة وتأويل الأحاديث وغير ذلك في قوله : وعلماً . 
 وكذلك نجزي المحسنين  ألفاظ فيها وعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يهولنك فعل الكفرة بك وعتوهم عليك فالله تعالى يصنع للمحسنين أجمل صنع.

١ قال الطبري أيضا: وهو جمع مثل الأضر والأسر، ويجب – في القياس أن يكون واحده: شد، كما أن واحد الأضر: ضر، وواحد الأسر: سر، كما قال الشاعر: 
 هل غير أن كثر الأسد وأهلكت حرب الملوك أكاثر الأموال
 **وقال حميد:**
 وقد أتى لو تعتب العواذل بعد الأشد أربع كوامــــل
 وفي (اللسان – شدد): "قال الأزهري: الأشد في كتاب الله تعالى في ثلاثة معان يقرب اختلافها، فأما قوله في قصة يوسف عليه السلام: ولما بلغ أشده فمعناه الإدراك والبلوغ، وحينئذ راودته امرأة العزيز عن نفسه، وكذلك قوله تعالى: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده قال الزجاج: معناه: احفظوا عليه ماله حتى يبلغ أشده، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله، وبلوغه أشده أن يؤنس منه الرشد مع أن يكون بالغا، وأما قوله تعالى في قصة موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه: ولما بلغ أشده واستوى فإنه قرن بلوغ الأشد بالاستواء، وهو أن يجمع أمره وقوته ويكتهل وينتهي شبابه، وأما قول الله تعالى في سورة (الأحقاف: حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة فهو أقصى نهاية بلوغ الأشد، وعند تمامها بعث محمد صلى الله عليه وسلم نبيا وقد اجتمعت حنكته وتمام عقله، فبلوغ الأشد محصور الأول محصور النهاية، غير محصور ما بين ذلك"..

### الآية 12:23

> ﻿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [12:23]

**«المراودة »** الملاطفة في السوق إلى غرض، وأكثر استعمال هذه اللفظة إنما هو في هذا المعنى الذي هو بين الرجال والنساء ؛ ويشبه أن يكون من راد يرود إذا تقدم لاختبار الأرض والمراعي، فكان المراود يختبر أبداً بأقواله وتلطفه حال المراود من الإجابة أو الامتناع. 
وفي مصحف وكذلك رويت عن الحسن[(١)](#foonote-١) : و  التي هو في بيتها  هي زليخا امرأة العزيز. وقوله  عن نفسه  كناية عن غرض المواقعة. وقوله : وغلقت  تضعيف مبالغة لا تعدية، وظاهر هذه النازلة أنها كانت قبل أن ينبأ عليه السلام. 
وقرأ ابن كثير وأهل مكة :**«هَيْتُ »** بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحاق وابن محيصن وأبو الأسود وعيسى بفتح الهاء وكسر التاء **«هَيتِ »**، وقرأ ابن مسعود والحسن والبصريون **«هَيْتَ »** بفتح الهاء والتاء وسكون الياء، ورويت عن ابن عباس وقتادة وأبي عمرو، قال أبو حاتم : لا يعرف أهل البصرة غيرها وهم أقل الناس غلواً في القراءة، قال الطبري : وقد رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافع وابن عامر **«هِيْتَ »** بكسر الهاء وسكون الياء وفتح التاء - وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي جعفر - وهذه الأربع بمعنى واحد، واختلف باختلاف اللغات فيها[(٢)](#foonote-٢)، ومعناه الدعاء أي تعال وأقبل على هذا الأمر، قال الحسن : معناها هلمَّ، ويحسن أن تتصل بها  لك  إذ حلت محل قولها : إقبالاً أو قرباً، فجرت مجرى سقياً لك ورعياً لك، ومن هذا قول الشاعر يخاطب علي بن أبي طالب :\[ مجزوء الكامل \]
أبلغ أمير المؤمنين\*\*\* أخا العراق إذا أتينا
أن العراق وأهله\*\*\* عنق إليك فهيت هيتا[(٣)](#foonote-٣)
ومن ذلك على اللغة الأخرى قول طرفة :\[ الخفيف \]
ليس قومي بالأبعدين إذا ما\*\*\* قال داع من العشيرة هيت[(٤)](#foonote-٤)
ومن ذلك أيضاً قول الشاعر :\[ الرجز \]
قد رابني أن الكرى قد أسكتا\*\*\* ولو غدا يعني بنا لهيتا[(٥)](#foonote-٥)
أسكت : دخل في سكوت، و **«هيت »** معناه : قال : هيت، كما قالوا : أقف إذا قال : أف أف، ومنه سبح وكبر ودعدع إذ قال : داع داع. 
والتاء على هذه اللغات كلها مبنية فهي في حال الرفع كقبل وبعد، وفي الكسر على الباب لالتقاء الساكنين، وفي حال النصب ككيف ونحوها ؛ قال أبو عبيدة : و  هيت  لا تثنى ولا تجمع، تقول العرب : هيت لك ، وهيت لكما، وهيت لكم. 
وقرأ هشام ابن عامر **«هِئتُ »**، بكسر الهاء والهمز، ضم التاء وهي قراءة علي بن أبي طالب، وأبي وائل، وأبي رجاء ويحيى، ورويت عن أبي عمرو، وهذا يحتمل أن يكون من هاء الرجل يهيء إذا أحسن هيئته - على مثال جاء يجيء[(٦)](#foonote-٦) - ويحتمل أن يكون بمعنى تهيأت، كما يقال : فئت وتفيأت بمعنى واحد، قال الله عز وجل :
 يتفيؤا ظلاله [(٧)](#foonote-٧) وقال : حتى تفيء إلى أمر الله [(٨)](#foonote-٨). 
وقرأ ابن أبي إسحاق - أيضاً - **«هِيْت »** بتسهيل الهمزة من هذه القراءة المتقدمة. وقرأ ابن عباس - أيضاً - **«هيت لك »**[(٩)](#foonote-٩). وقرأ الحلواني عن هشام **«هِئتِ »** بكسر الهاء والهمز وفتح التاء قال أبو علي : ظاهر أن هذه القراءة وهم، لأنه كان ينبغي أن تقول : هئتَ لي، وسياق الآيات يخالف هذا[(١٠)](#foonote-١٠). وحكى النحاس : أنه يقرأ **«هِيْتِ »** بكسر الهاء وسكون الياء وكسر التاء. و  معاذَ  نصب على المصدر ومعنى الكلام أعوذ بالله. 
ثم قال : إنه ربي  فيحتمل أن يعود الضمير في  إنه  على الله عز وجل، ويحتمل أن يريد العزيز سيده، أي فلا يصلح لي أن أخونه وقد أكرم مثواي وائتمنني، قال مجاهد، والسدي  ربي  معناه سيدي، وقاله ابن إسحاق. 
قال القاضي أبو محمد : وإذا حفظ الآدمي لإحسانه فهو عمل زاك، وأحرى أن يحفظ ربه. 
ويحتمل أن يكون الضمير للأمر والشأن، ثم يبتدىء  ربي أحسن مثواي . 
والضمير في قوله : إنه لا يفلح  مراد به الأمر والشأن فقط، وحكى بعض المفسرين : أن يوسف عليه الصلاة والسلام - لما قال : معاذ الله ثم دافع الأمر باحتجاج وملاينة، امتحنه الله تعالى بالهم بما هم به، ولو قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ودافع بعنف وتغيير - لم يهم بشيء من المكروه. 
وقرأ الجحدري **«مثواي »** وقرأها كذلك أبو طفيل وروي عن النبي عليه السلام :**«فمن تبع هداي »**[(١١)](#foonote-١١). 
١ في بعض النسخ بياض مكان "وقرعت الأبواب"، وفي إحدى النسخ سقطت كلمة "ابن مسعود"، وعلى ما خبرناه من منهج ابن عطية فإن قوله: "وفي مصحف ابن مسعود، إلى "عن الحسن" جاء قبل مكانه الطبيعي، فهو يشرح الجمل والألفاظ بترتيب ورودها في القرآن الكريم، وكان الطبيعي أن يذكر ذلك عند تفسير قوله تعالى: وغلقت الأبواب..
٢ يريد أن يقول: إن المعنى في هذه القراءات الأربع واحد وهو الدعاء إلى الإقبال، ولكن القراءات اختلفت باختلاف اللغات..
٣ البيتان في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة، وفي "المحتسب" لابن جني، والرواية فيهما بكسر همزة "إن" في أول البيت الثاني على القطع والاستئناف، أو على أن "أبلغ" بمعنى "قل"، ومعنى "عنق إليك" أنهم مائلون إليك متطلعون لك، ورواية (اللسان): "سلم إليك" بدلا من "عنق إليك"، قال أبو عبيدة: ولفظ "هيت" يكون أيضا للاثنين وللجميع من الذكر والأنثى سواء، إلا أن العدد فيما بعده، تقول: هيت لكما، هيت لكن، ونقل في (اللسان) عن ابن جني أن "هيت" في البيت بمعنى أسرع، قال: وفيه أربع لغات وذكرها كما أوردها ابن عطية هنا..
٤ البيت غير موجود في الديوان ولا فيما بين أيدينا من شعر طرفة، والشاهد فيه أن "'هيت" تبنى على الضم عند بعض العرب فتكون مثل قبل وبعد، والشاعر يمدح قومه بالإسراع إلى نجدة من يدعوهم إلى النجدة، إنهم يسرعون إلى الإجابة جماعات جماعات، وقد روى ابن جني في المحتسب بيتا آخر بعد هذا هو قوله:
 هم يجيبون: واهلم سراعا كالأبابيل لا يغادر بيت
 .
٥ البيت في التاج واللسان غير منسوب، قال في اللسان: "وهيت بالرجل وهوت به: صوت به وصاح، ودعاه فقال له: هيت هيت، قال: قد رابني... البيت". لكن الشطر الثاني فيه وفي التاج جاء بلفظ: "لو كان معنيا بها لهيتا". والكري هو الأجير، أو الذي يكريك دابته، وقد شرح ابن عطية "أسكت" و"هيت"، والمعنى: أثار ريبتي أن الأجير قد دخل في السكوت، ولو كان معنيا بالدواب لهيت عليها..
٦ قال: قال ابن جني: "وقالوا أيضا: هئت أهاء كخفت أخاف، هذا بمعنى خذ
 \*أفاطم هائي السيف غير مذمم\*
 .
٧ من الآية (٤٨) من سورة (النحل)..
٨ من (٩) من سورة (الحجرات)..
٩ علق ابن جني عليها في المحتسب بقوله: "وأما هيئت لك؛ ففعل صريح كهئت لك، كقولك: أصلحت لك، أي: فدونك وما انتظارك؟ واللام متعلقة بالفعل نفسه.
١٠ حجة أبي علي ومن وافقه أن الفعل عند فتح التاء يجعل التهيؤ من يوسف، ويوسف عليه السلام لم يتهيأ لها، فلا بد من ضم التاء، وقد رد صاحب النشر هذه الحجة بقوله: إن المعنى مع فتح التاء: تهيأ لي أمرك الآن، إذا لم يتيسر لها قبل ذلك أن تخلو إليه، أو المعنى: حسنت هيئتك لي، - على المعنيين- للبيان. والرواية ثابتة عن هشام. (روح المعاني)..
١١ من قوله تعالى في الآية (١٢٣) من سورة (طه): {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى..

### الآية 12:24

> ﻿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [12:24]

وقوله : ولقد همت به  الآية، لا شك أن ******«هم »****** زليخا كان في أن يواقعها يوسف، واختلف في ******«هم »****** يوسف عليه السلام، فقال الطبري : قالت فرقة : كان مثل **«همها »**، واختلفوا كيف يقع من مثل يوسف وهو نبي ؟ فقيل ذلك ليريه الله تعالى موقع العفو والكفاية، وقيل الحكمة في ذلك أن يكون مثالاً للمذنبين ليروا أن توبتهم ترجع بهم إلى عفو الله كما رجعت بمن هو خير منهم ولم يوبقه القرب من الذنب، وهذا كله على أن هم يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة إلى أن جلس بين رجلي زليخا وأخذ في حل ثيابه وتكته ونحو هذا، وهي قد استلقت له ؛ قاله ابن عباس وجماعة من السلف. 
وقالت فرقة في **«همه »** إنما كان بخطرات القلب التي لا يقدر البشر عن التحفظ منها، ونزع عند ذلك ولم يتجاوزه، فلا يبعد هذا على مثله عليه السلام، وفي الحديث :
**«إن من هم بسيئة ولم يعملها فله عشر حسنات »**[(١)](#foonote-١) وفي حديث آخر **«حسنة »**، فقد يدخل يوسف في هذا الصنف. 
وقالت فرقة : كان ******«هم »****** يوسف بضربها ونحو ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف البتة، والذي أقول في هذه الآية : إن كون يوسف نبياً في وقت هذه النازلة لم يصح ولا تظاهرت به رواية، وإذا كان ذلك فهو مؤمن قد أوتي حكماً وعلماً ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته، وأن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة ؛ وإن فرضناه نبياً في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو الخاطر، ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حل تكة ونحو ذلك، لأن العصمة مع النبوة، وما روي من أنه قيل له : تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء، فإنما معناه العدة بالنبوة فيما بعد، والهم بالشيء مرتبتان : فالواحدة الأولى تجوز عليه مع النبوة، والثانية الكبرى لا تقع إلا من غير نبي، لأن استصحاب خاطر المعصية والتلذذ به معصية تكتب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :**«إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفوسها مالم تنطق به أو تعمل »**[(٢)](#foonote-٢) معناه من الخواطر، وأما استصحاب الخاطر فمحال أن يكون مباحاً، فإن وقع فهو خطيئة من الخطايا لكنه ليس كمواقعة المعصية التي فيها الخاطر، ومما يؤيد أن استصحاب الخاطر معصية قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«إنه كان حريصاً على قتل صاحبه »**[(٣)](#foonote-٣). 
وقول الله تعالى : إن بعض الظن إثم [(٤)](#foonote-٤) وهذا منتزع من غير موضع من الشرع، والإجماع منعقد أن الهم بالمعصية واستصحاب التلذذ بها غير جائز ولا داخل في التجاوز. 
واختلف في ********«البرهان »******** الذي رأى يوسف، وقيل : نودي. واختلف فيما نودي به، فقيل ناداه جبريل : يا يوسف، تكون في ديوان الأنبياء. وتفعل فعل السفهاء ؟ وقيل : نودي : يا يوسف، لا تواقع المعصية فتكون كالطائر الذي عصى فتساقط ريشه فبقي ملقى - ناداه بذلك يعقوب -، وقيل غير هذا مما في معناه، وقيل : كان ********«البرهان »******** كتاباً رآه مكتوباً، فقيل : في جدار المجلس الذي كان فيه، وقيل : بين عيني زليخا، وقيل : في كف من الأرض خرجت دون جسد ؛ واختلف في المكتوب، فقيل : قوله تعالى : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت [(٥)](#foonote-٥)، وقيل : قوله تعالى : ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً [(٦)](#foonote-٦) وقيل غير هذا. وقيل : كان البرهان أن رأى يعقوب عليه السلام ممثلاً معه في البيت عاضاً على إبهامه وقيل : على شفته. وقيل بل انفرج السقف فرآه كذلك. وقيل : إن جبريل قال له : لئن واقعت المعصية لأمحونك من ديوان النبوة، وقيل : إن جبريل ركضه فخرجت شهوته على أنامله. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وقيل : بل كان ********«البرهان »******** فكرته في عذاب الله ووعيده على المعصية، وقيل : بل كان البرهان الذي اتعظ به أن زليخا قالت له : مكانك حتى أستر هذا الصنم - لصنم كان معها في البيت - فإني أستحيي منه أن يراني على هذه الحال ؛ وقامت إليه فسترته بثوب فاتعظ يوسف وقال : من يسترني أنا من الله القائم على كل شيء، وإذا كنت أنت تفعلين هذا لما لا يعقل فإن أولى أن أستحيي من الله. 
و ********«البرهان »******** في كلام العرب الشيء الذي يعطي القطع واليقين، كان مما يعلم ضرورة أم بخبر قطعي أو بقياس نظري، فهذه التي رويت فيما رآه يوسف براهين. 
و  أن  في قوله : لولا أن رأى  في موضع رفع، التقدير : لولا رؤيته برهان ربه، وهذه  لولا  التي يحذف معها الخبر، تقديره : لفعل أو لارتكب المعصية. وذهب قوم إلى أن الكلام تم في قوله : ولقد همت به  وأن جواب  لولا  في قوله : وهم بها  وأن المعنى : لولا أن رأى البرهان لهمَّ أي فلم يهم عليه السلام، وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف[(٧)](#foonote-٧). قال الزجّاج : ولو كان الكلام : ولهمَّ بها لولا، لكان بعيداً، فكيف مع سقوط اللام[(٨)](#foonote-٨) !. 
والكاف من قوله : كذلك  متعلقة بمضمر تقديره : جرت أفعالنا وأقدارنا  كذلك لنصرف [(٩)](#foonote-٩)، ويصح أن تكون الكاف في موضع رفع بتقدير : عصمتنا له كذلك لنصرف. 
وقرأ الجمهور **«لنصرف »** بالنون، وقرأ الأعمش **«ليصرف »** بالياء - على الحكاية عن الغائب[(١٠)](#foonote-١٠) -، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء **«المخلِصين »** بكسر اللام في كل القرآن، وكذلك  مخلصاً  في سورة مريم[(١١)](#foonote-١١). وقرأ نافع  مخلصاً  \[ الزمر : ٢-١١-١٤، مريم : ٥١ \] كذلك بكسر اللام، وقرأ سائر القرآن ****«المخلَصين »**** بفتح اللام، وقرأ حمزة والكسائي وجمهور من القراء ****«المخلَصين »**** بفتح اللام و **«مخلصاً »** كذلك في كل القرآن.

١ الحديث رواه البخاري في الرقاق، ومسلم في مواضع كثيرة، والترمذي في تفسير سورة الأعراف، والدارمي في الرقاق، والإمام أحمد في أكثر من موضع من مسنده، ولفظه كما في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل قال: (قال: إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة)..
٢ الحديث رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه الطبراني في الكبير عن عمران بن حصين، ورمز له الإمام السيوطي في الجامع الصغير بأنه صحيح..
٣ أخرجه الشيخان في الصحيحين، والإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والنسائي عن أبي بكرة، وأخرجه ابن ماجه عن أبي موسى، ونص الحديث كاملا: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه)..
٤ من الآية (١٢) من سورة (الحجرات)..
٥ من الآية (٣٣) من سورة (الرعد)..
٦ الآية (٣٢) من سورة (الإسراء)..
٧ قال أبو حيان في "البحر المحيط": "ليس كما ذكر، وهو موجود في لسان العرب، قال تعالى: إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين فقوله: إن كادت لتبدي به إما أن يتخرج على أنه الجواب، وإما أن يتخرج على ما نذهب إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير: لولا أن رطبنا على قلبها لكادت تبدي به.
 وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك لأنها أقوال متكاذبة، يناقض بعضها بعضا، مع كونها قادحة وبخاصة في المقطوع لهم بالعصمة، والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب لأنهم قدروا جواب "لولا" محذوفا ولا يدل عليه دليل لأنهم لم يقدروا لهم بها، ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط لأن ما قبل الشرط دليل، ولا يحذف شيء بدون دليل"..
٨ رد عليه أبو حيان أيضا في البحر بأنه كلام لا يصح الالتفات إليه، لأنه يوهم أن قول الله تعالى: وهم بها هو جواب "لولا"، ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب. وعلى تقدير أن يكون هو نفس الجواب فاللام ليست بلازمة، لأن جواب "لولا" يجوز أن يأتي – إذا كان بصيغة الماضي – باللام وبغير اللام، تقول: لولا زيد لأكرمتك، ولولا زيد أكرمتك، فمن ذهب إلى أن قوله تعالى: وهم بها هو نفس الجواب لم يبعد.
 ثم قال: "والذي أختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله، ولا نقول: إن جواب العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري، وأبو عباس المبرد، بل نقول: إن جواب "لولا" محذوف لدلالة ما قبله عليه كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: "أنت ظالم إن فعلت" فإنهم يقدرونه: إن فعلت فأنت ظالم، ولا يدل قوله: "أنت ظالم" على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجوب الفعل، وكذلك التقدير هنا: "لولا أن رأى برهان ربه لهم بها"، فكان موجد الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان، لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى لهم"..
٩ يرى الحوفي أن الكاف للتشبيه في موضع نصب، أي: أريناه البرهان كذلك، وقال أبو البقاء: الكاف في موضع رفع، والتقدير: الأمر كذلك، وقال أبو حيان: التقدير: مثل تلك الرؤية نرى براهيننا لنصرف، فالإشارة إلى الرؤية، والناصب للكاف ما دل عليه قوله: لولا أن رأى برهان ربه، و \[لنصرف\] متعلق بذلك الفعل الناصب للكاف.
 .
١٠ وهو عائد على الله تعالى..
١١ في قوله تعالى في الآية (٥١): واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا..

### الآية 12:25

> ﻿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [12:25]

وقوله تعالى : واستبقا الباب  الآية،  واستبقا  معناه سابق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب، هي لترده إلى نفسها وهو ليهرب عنها ؛ فقبضت في أعلى قميصه من خلفه، فتخرق القميص عند طوقه، ونزل التخريق إلى أسفل القميص. و **«القد »** : القطع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولاً، **«والقط »** يستعمل فيما كان عرضاً، وكذلك هي اللفظة في قول النابغة :
تقد السلوقي[(١)](#foonote-١)\*\*\* فإن قوله :**«وتوقد بالصفاح »** يقتضي أن القطع بالطول. و  ألفيا  : وجدا، و **«السيد »** الزوج، قاله زيد بن ثابت ومجاهد. فيروى أنهما وجدا العزيز ورجلاً من قرابة زليخا عند الباب الذي استبقا إليه قاله السدي. فلما رأت الفضيحة فزعت إلى مطالبة يوسف والبغي عليه، فأرت العزيز أن يوسف أرادها، وقالت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم  وتكلمت في الجزاء، أي أن الذنب ثابت متقرر. وهذه الآية تقتضي بعظم موقع السجن من النفوس لا سيما بذوي الأقدار، إذ قرن بأليم العذاب.

١ هذا جزء من بيت قاله من قصيدة يمدح بها عمرو بن الحارث، والبيت بتمامه:
 تقد السلوقي المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب
 والضمير في (تقد) يعود على السيوف المذكورة في الأبيات السابقة، والسلوقي صفة لموصوف محذوف تقديره: تقد الدرع السلوقي، وهو منسوب إلى (سلوق) بفتح السين، وهي بلدة على نهر دجلة بالعراق سميت باسم بانيها وهو سلوقس الرومي، وكانت تصنع في سلوق هذه دروع جيدة متقنة. و المضاعف نسجه، أي الذي كررت حلقاته حلقة فوق حلقة، وذلك يجعله أمتن فلا تقطعه السيوف، وسمى صنع الحديد نسجا على طريقة المجاز. والصفاح: صفايح البيض فوق الرأس وصفايح الذراعين، والصفاح بضم الصاد وشدها هي والفاء المفتوحة. والحباحب - بضم الحاء الأولى وكسر الثانية – شرارة تطير عند قدح الحديد بالحديد أو بالحجارة..

### الآية 12:26

> ﻿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [12:26]

قال نوف الشامي : كان يوسف عليه السلام لم يبن على كشف القصة، فلما بغت به غضب فقال الحق، فأخبره أنها هي راودته عن نفسه، فروي أن الشاهد كان الرجل ابن عمها، قال : انظر إلى القميص فإن كان قده من دبر فكذبت، أو من قبل فصدقت، قاله السدي. وقال ابن عباس : كان رجلاً من خاصة الملك، قاله مجاهد وغيره. وقيل : إن الشاهد كان طفلاً في المهد فتكلم بهذا، قاله أيضاً ابن عباس وأبو هريرة وابن جبير وهلال بن يساف والضحاك. 
قال القاضي أبو محمد : ومما يضعف هذا أن في صحيح البخاري ومسلم : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وابن السوداء الذي تمنت له أن يكون كالفاجر الجبار[(١)](#foonote-١)، فقال : لم يتكلم وأسقط صاحب يوسف منها، ومنها أن الصبي لو تكلم لكان الدليل نفس كلامه دون أن يحتاج إلى الاستدلال بالقميص. وأسند الطبري إلى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«تكلم في المهد أربعة »**، فذكر الثلاثة وزاد صاحب يوسف، وذكر الطبري عن ابن عباس : أن ابن ماشطة فرعون تكلم في المهد، فهم على هذا خمسة، وقال مجاهد - أيضاً - الشاهد القميص. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لأنه لا يوصف بأنه من الأهل. 
وقرأ جمهور الناس :**«من قبُلٍ »** و **«من دبُرٍ »** بضم الباءين وبالتنوين، وقرأ ابن يعمر والجارود بن أبي سبرة ونوح[(٢)](#foonote-٢) وابن أبي إسحاق **«من قُبُلُ »** و **«من دُبُرُ »** بثلاث ضمات من غير تنوين، قال أبو الفتح : هما غايتان بنيتا، كقوله تعالى : من قبل ومن بعد [(٣)](#foonote-٣) قال أبو حاتم : وهذا رديء في العربية جداً، وإنما يقع هذا البناء في الظروف، وقرأ الحسن **«من قبْلٍ »** و **«من دبْرٍ »** بإسكان الباءين والتنوين، ورويت عن أبي عمرو وروي عن نوح القاري أنه أسكن الباءين وضم الأواخر ولم ينون ورواها عن ابن أبي إسحاق عن يحيى بن يعمر. 
وسمي المتكلم بهذا الكلام  شاهد  من حيث دل على الشاهد ونفس الشاهد هو تخريق القميص.

١ ورواه أيضا الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة، ولفظه فيه: (لم يتكلم في المهد إلا عيسى، وشاهد يوسف، وصاحب جرير، وابن ماشطة فرعون) ذكر ذلك الإمام السيوطي في "الجامع الصغير"، وقال: حديث صحيح. وفي تفسير ابن كثير أن ابن عباس رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تكلم أربعة وهم صغار)، وذكر فيهم شاهد يوسف، وقد ذكر ذلك ابن عطية هنا..
٢ هو نوح القاري، من رواة الحروف المتصدرين بعد أبي عمرو بن العلاء..
٣ من الآية (٤) من سورة (الروم). ومعنى قول أبي الفتح شرحه بقوله في "المحتسب": كأنه يريد: وقدت قميصه من دبره وإن كان قميصه قد من قبله، فلما حذف المضاف إليه - وهي الهاء وهي مراده - صار المضاف غاية في نفسه بعد ما كان المضاف إليه غاية له، وهذا مفهوم في قوله تعالى:  من قبل ومن بعد، فبني هنا كما نبي هناك على الضم، ووكد البناء أن "قبل ودبر" "يكونان ظرفين". تأمل كلامه هذا فكأن فيه إجابة عن قول أبي حاتم بعده..

### الآية 12:27

> ﻿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [12:27]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦:قال نوف الشامي : كان يوسف عليه السلام لم يبن على كشف القصة، فلما بغت به غضب فقال الحق، فأخبره أنها هي راودته عن نفسه، فروي أن الشاهد كان الرجل ابن عمها، قال : انظر إلى القميص فإن كان قده من دبر فكذبت، أو من قبل فصدقت، قاله السدي. وقال ابن عباس : كان رجلاً من خاصة الملك، قاله مجاهد وغيره. وقيل : إن الشاهد كان طفلاً في المهد فتكلم بهذا، قاله أيضاً ابن عباس وأبو هريرة وابن جبير وهلال بن يساف والضحاك. 
قال القاضي أبو محمد : ومما يضعف هذا أن في صحيح البخاري ومسلم : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وابن السوداء الذي تمنت له أن يكون كالفاجر الجبار[(١)](#foonote-١)، فقال : لم يتكلم وأسقط صاحب يوسف منها، ومنها أن الصبي لو تكلم لكان الدليل نفس كلامه دون أن يحتاج إلى الاستدلال بالقميص. وأسند الطبري إلى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :****«تكلم في المهد أربعة »****، فذكر الثلاثة وزاد صاحب يوسف، وذكر الطبري عن ابن عباس : أن ابن ماشطة فرعون تكلم في المهد، فهم على هذا خمسة، وقال مجاهد - أيضاً - الشاهد القميص. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف لأنه لا يوصف بأنه من الأهل. 
وقرأ جمهور الناس :****«من قبُلٍ »**** و ****«من دبُرٍ »**** بضم الباءين وبالتنوين، وقرأ ابن يعمر والجارود بن أبي سبرة ونوح[(٢)](#foonote-٢) وابن أبي إسحاق ****«من قُبُلُ »**** و ****«من دُبُرُ »**** بثلاث ضمات من غير تنوين، قال أبو الفتح : هما غايتان بنيتا، كقوله تعالى : من قبل ومن بعد [(٣)](#foonote-٣) قال أبو حاتم : وهذا رديء في العربية جداً، وإنما يقع هذا البناء في الظروف، وقرأ الحسن ****«من قبْلٍ »**** و ****«من دبْرٍ »**** بإسكان الباءين والتنوين، ورويت عن أبي عمرو وروي عن نوح القاري أنه أسكن الباءين وضم الأواخر ولم ينون ورواها عن ابن أبي إسحاق عن يحيى بن يعمر. 
وسمي المتكلم بهذا الكلام  شاهد  من حيث دل على الشاهد ونفس الشاهد هو تخريق القميص. 
١ ورواه أيضا الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة، ولفظه فيه: (لم يتكلم في المهد إلا عيسى، وشاهد يوسف، وصاحب جرير، وابن ماشطة فرعون) ذكر ذلك الإمام السيوطي في "الجامع الصغير"، وقال: حديث صحيح. وفي تفسير ابن كثير أن ابن عباس رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تكلم أربعة وهم صغار)، وذكر فيهم شاهد يوسف، وقد ذكر ذلك ابن عطية هنا..
٢ هو نوح القاري، من رواة الحروف المتصدرين بعد أبي عمرو بن العلاء..
٣ من الآية (٤) من سورة (الروم). ومعنى قول أبي الفتح شرحه بقوله في "المحتسب": كأنه يريد: وقدت قميصه من دبره وإن كان قميصه قد من قبله، فلما حذف المضاف إليه - وهي الهاء وهي مراده - صار المضاف غاية في نفسه بعد ما كان المضاف إليه غاية له، وهذا مفهوم في قوله تعالى:  من قبل ومن بعد، فبني هنا كما نبي هناك على الضم، ووكد البناء أن "قبل ودبر" "يكونان ظرفين". تأمل كلامه هذا فكأن فيه إجابة عن قول أبي حاتم بعده..


---

### الآية 12:28

> ﻿فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [12:28]

وقرأت فرقة :**«فلما رأى قميصه عط من دبر »**. والضمير في  رأى  هو للعزيز، وهو القائل : إنه من كيدكن ، قاله الطبري وقيل : بل **«الشاهد »** قال ذلك، والضمير في  إنه  يريد مقالها المتقدم في الشكوى ب **«يوسف »**. 
ونزع بهذه الآية من يرى الحكم بالأمارة، من العلماء، فإنها معتمدهم[(٤)](#foonote-٤).

### الآية 12:29

> ﻿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ [12:29]

و  يوسف  في قوله : يوسف أعرض عن هذا  منادى، قاله ابن عباس، ناداه الشاهد، وهو الرجل الذي كان مع العزيز، و  أعرض عن هذا  معناه : عن الكلام به، أي اكتمل ولا تتحدث به ؛ ثم رجع إليها فقال : واستغفري لذنبك  أي استغفري زوجك وسيدك، وقال : من الخاطئين  ولم يقل : من الخاطئات لأن الخاطئين أعم، وهو من : خطىء يخطأ خطئاً وخطأ، ومنه قول الشاعر \[ أوس بن غلفاء \] :\[ الوافر \]
لعمرك إنما خطئي وصوبي\*\*\* عليّ وإنما أتلفت مالي[(١)](#foonote-١)
وينشد بيت أمية بن أبي الصلت :\[ الوافر \]
عبادك يخطئون وأنت رب\*\*\* بكفيك المنايا والحتوم[(٢)](#foonote-٢)

١ البيت لأوس بن غلفاء، قال ذلك (اللسان – صوب)، ورواه مع بيت قبله، قال: 
 ألا قالت أمامة يوم غــــــول تقطع بابن غلفاء الحبال
 دعيني إنما خطئي و صوبي علي وإن ما أهلكت مــال
 والصوب: الصواب/ و(إن ما) تكتب منفصلة، ومال بالرفع، والمعنى: وإن الذي أهلكته مال، ولا ضير في ذلك ما دام عرضي وافرا.
 .
٢ ي (اللسان) – في "خطي"، والرواية فيه: البيت 
 عبادك يخطئون وأنت رب كريم لا تليق بك الذموم ورواه أيضا في "حتم" ولفظه:
 حناني ربنا وله عنونــــــــا بكفيه المنايا والحتوم
 ورواه في "الصحاح" مثل رواية ابن عطية. والمنايا: جمع منية وهي الموت، والحتوم: جمع حتم بمعنى القضاء. وفي (اللسان) – في "ذمم" لأمية أيضا:
 سلامك ربنا في كل فجــــــــر بريئا ما تعنتك الذمـــــــوم
 .

### الآية 12:30

> ﻿۞ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [12:30]

ذكر الفعل المسند إلى **«النسوة »** لتذكير اسم الجمع و  نسوة  جمع قلة لا واحد له من لفظه، وجمع التكثير نساء، و  نسوة  فعلة، وهو أحد الأبنية الأربعة التي هي لأدنى العدد، وقد نظمها القائل ببيت شعر :\[ البسيط \]
بأفعل وبأفعال وأفعلة\*\*\* وفعلة يعرف الأدنى من العدد[(١)](#foonote-١)
ويروى أن هؤلاء النسوة كن أربعاً : امرأة خبازة، وامرأة ساقية، وامرأة بوابة، وامرأة سجانة. و  العزيز  : الملك ومنه قول الشاعر :\[ الرمل \]
درة غاص عليها تاجر\*\*\* جلبت عند عزيز يوم طل[(٢)](#foonote-٢)
و ****«الفتى »**** الغلام، وعرفه في المملوك - وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي »**[(٣)](#foonote-٣)، ولكنه قد يقال في غير المملوك، ومنه  إذ قال موسى لفتاه [(٤)](#foonote-٤) وأصل ****«الفتى »**** في اللغة الشاب، ولكن لما كان جل الخدمة شباباً استعير لهم اسم الفتى. و  شغفها  معناه : بلغ حتى صار من قلبها موضع الشغاف، وهو على أكثر القول غلاف من أغشية القلب، وقيل :**«الشغاف »** : سويداء القلب، وقيل : الشغاف : داء يصل إلى القلب[(٥)](#foonote-٥). 
وقرأ أبو رجاء والأعرج وعلي بن أبي طالب والحسن بخلاف ويحيى بن يعمر وقتادة بخلاف وثابت وعوف ومجاهد وغيرهم :**«قد شغفها »** بالعين غير منقوطة، ولذلك وجهان :
أحدهما أنه علا بها كل مرقبة من الحب، وذهب بها كل مذهب، فهو مأخوذ - على هذا - من شعف الجبال وهي رؤوسها وأعاليها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن »**[(٦)](#foonote-٦). 
والوجه الآخر أن يكون الشعف لذة بحرقة يوجد من الجراحات والجرب ونحوها ومنه قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
أيقتلني وقد شعفت فؤادها\*\*\* كما شَعَفَ المهنوءةَ الرجلُ الطالي[(٧)](#foonote-٧)
والمشعوف في اللغة الذي أحرق الحب قلبه، ومنه قول الأعشى :
تعصي الوشاة وكان الحب آونة\*\*\* مما يزين للمشعوف ما صنعا[(٨)](#foonote-٨)
وروي عن ثابت البناني[(٩)](#foonote-٩) وأبي رجاء أنهما قرآ :**«قد شعِفعما »** بكسر العين غير منقوطة. قال أبو حاتم : المعروف فتح العين وهذا قد قرىء به. وقرأ ابن محيصن : قد شغفها  أدغم الدال في الشين. 
وروي أن مقالة هؤلاء النسوة إنما قصدن بها المكر بامرأة العزيز ليغضبنها حتى تعرض عليهن يوسف ليبين عذرها أو يحق لومها. وقد قال ابن زيد الشغف في الحب والشغف في البغض، وقال الشعبي : الشغف والمشغوف بالغين منقوطة في الحب والشغف : الجنونن والمشغوف : المجنون، وهذان القولان ضعيفان.

١ ومثل هذا القول ابن مالك في ألفيته المشهورة:
 أفعله أفعل ثم فعلــــــــه ثمت أفعال جمــــــوع قلة
 .
٢ هذا البيت لأبي دؤاد الإيادي، والمؤلف يستشهد به على أن العزيز بمعنى الملك، ولم نجد في كتب اللغة ما يؤيد ذلك، وفي المجاز متسع لاستعمال العزيز بمعنى الملك. وطل دمه: أهدر تستعمل مبنية للمعلوم ولكن استعمالها مبنية للمجهول أكثر وأشهر، يقال: طل وركز في وصفه على الصورة والإيقاع الموسيقي أكثر من تركيزه على اللفظة المباشرة. مات بعد امرئ القيس..
٣ أخرجه البخاري في العتق، ومسلم في الألفاظ، وأبو داود في الآداب، والإمام أحمد في أماكن كثيرة من مسنده، ولفظه كما في البخاري: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقل أحدكم أطعم ربك، وضىء ربك، اسق ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي)..
٤ من الآية (٦٠) من سورة (الكهف)..
٥ ويكون حينئذ بالضم على وزن (فعال) لأنه داء مثل: سعال وزكام، قال النابغة: 
 وقد حال هم دون ذلك والج مكان الشغاف تبتغيه الأصابع..
٦ أخرجه البخاري في الإيمان والفتن وغيرهما، وأبو داود في الفتن، والنسائي في الإيمان، وابن ماجه في الفتن، والموطأ في الاستئذان، والإمام أحمد في مسنده (٣-٦، ٣٠، ٤٣، ٥٧)..
٧ الرواية المشهورة "أيقتلني" بالياء، و "شغفت" بالغين المنقوطة، ومعناها: بلغ حبي شغاف قلبها، والمهنوءة: الناقة التي تطلى بالقطران لإصابتها بالجرب.
 ويروى البيت بالعين كما في اللسان، والمعنى: إحراق الحب للقلب مع لذة يجدها المحب، كما أن الناقة التي تطلى بالقطران علاجا لها من الجرب تجد لذة مع حرقة، وقبل البيت أبيات يتحدث فيها الشاعر عن محبوبته وبعلها، قال:
 وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ورضت فدلت صعبة أي إذلال
 فأصبحت معشوقا وأصبح بعلها عليه القتام سيء الظن والبــال
 إلى أن يقول: أيقتلني وقد أحرقت فؤادها بحبي حرقة تجد فيها كل اللذة والمتعة؟.
٨ ال الأعشى هذا البيت من قصيدته المشهورة التي يمدح بها هوزة بن علي الحنفي، والتي مطلعها: 
 بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعــــا واحتلت الغمر فالجدين فالفرعا
 و الرواية في الديوان بالغين المنقوطة..
٩ هو ثابت بن أسلم أبو محمد البناني المصري، وردت عنه الرواية في حروف القرآن الكريم، وتوفي سنة ١٢٧ (طبقات ابن الجزري ١-١٨٨)، ولم يشر ابن جني إلى القراءة بكسر العين، بل جعل قراءة ثابت البناني مثل قراءة الجماعة الكثيرة المذكورة قبله بفتح العين، وهذا هو معنى قول أبي حاتم: المعروف فتح العين، وقد قرى به..

### الآية 12:31

> ﻿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [12:31]

وقوله تعالى : فلما سمعت بمكرهن  الآية، إنما سمي قولهن مكراً من حيث أظهرن إنكار منكر وقصدن إثارة غيظها عليهن، وقيل : مكرهن  أنهن أفشين ذلك عنها وقد كانت أطلعتهن على ذلك واستكتمتهن إياه، وهذا لا يكون مكراً إلا بأن يظهرن لها خلاف ذلك ويقصدن بالإفشاء أذاها. 
ومعنى  أرسلت إليهن  أي ليحضرن، و  أعتدت  معناه : أعدت ويسرت، و  متكأ  ما يتكأ عليه من فرش ووسائد، وعبر بذلك عن مجلس أعد لكرامة، ومعلوم أن هذا النوع من الكرامات لا يخلو من الطعام والشراب، فلذلك فسر مجاهد وعكرمة **«المتكأ »** بالطعام ؛ قال ابن عباس : متكأ  معناه مجلساً، ذكره الزهراوي. وقال القتبي : يقال : اتكأنا عند فلان أي أكلنا. 
وقوله : وآتت كل واحدة منهن سكيناً  يقتضي أنه كان في جملة الطعام ما يقطع بالسكاكين، فقيل كان لحماً، وكانوا لا ينتهسون اللحم وإنما كانوا يأكلونه حزاً بالسكاكين ؛ وقيل : كان أترجاً[(١)](#foonote-١)، وقيل : كان زماورد[(٢)](#foonote-٢)، وهو من نحو الأترج موجود في تلك البلاد، وقيل : هو مصنوع من سكر ولوز وأخلاط. 
وقرأ ابن عباس ومجاهد والجحدري وابن عمر وقتادة والضحاك والكلبي وأبان بن تغلب **«تُكاً »** بضم الميم وتنوين الكاف. واختلف في معناه، فقيل : هو الأترنج، وقيل : هو اسم يعم ما يقطع بالسكين من الفواكه كالأترنج والتفاح وغيره، وأنشد الطبري :
نشرب الإثم بالصواع جهاراً\*\*\* وترى المتك بيننا مستعارا[(٣)](#foonote-٣)
وقرأ الجمهور :**«متَّكأ »** بشد التاء المفتوحة والهمز والقصر، وقرأ الزهري :**«متّكا »** مشدد التاء من غير همز - وهي قراءة أبي جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح، وقرأ الحسن **«متكاء »** بالمد على إشباع الحركة. 
و **«السكين »** تذكر وتؤنث، قاله الكسائي والفراء[(٤)](#foonote-٤)، ولم يعرف الأصمعي إلا التذكير. 
وقولها : اخرج  أمر ليوسف، وأطاعها بحسب الملك، وقال مكي والمهدوي : قيل : إن في الآية تقديماً وتأخيراً في القصص، وذلك أن قصة النسوة كانت قبل فضيحتها في القميص للسيد، وباشتهار الأمر للسيد انقطع ما بينها وبين يوسف. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا محتمل إلا أنه لا يلزم من ألفاظ الآية، بل يحتمل أن كانت قصة النساء بعد قصة القميص وذلك أن العزيز كان قليل الغيرة بل قومه أجمعين، ألا ترى أن الإنكار في وقت القميص إنما كان بأن قيل : إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم  \[ يوسف : ٢٨ \] وهذا يدل على قلة الغيرة، ثم سكن الأمر بأن قال : يوسف أعرض عن هذا  \[ يوسف : ٢٩ \] وأنت  استغفري  \[ يوسف : ٢٩ \] وهي لم تبق حينئذ إلا على إنكارها وإظهار الصحة، فلذلك تغوفل عنها بعد ذلك، لأن دليل القميص لم يكن قاطعاً وإنما كان أمارة ما ؛ هذا إن لم يكن المتكلم طفلاً. 
وقوله : أكبرنه  معناه : أعظمنه واستهولن جماله، هذا قول الجمهور، وقال عبد الصمد بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده : معناه : حضن، وأنشد بعض الناس حجة لهذا التأويل :\[ البسيط \]
يأتي النساء على أطهارهنّ ولا\*\*\* يأتي النساءَ إذا أكبرن إكبارا[(٥)](#foonote-٥)
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول ضعيف من معناه منكور، والبيت مصنوع مختلف - كذلك قال الطبري وغيره من المحققين، وليس عبد الصمد من رواة العلم رحمه الله. 
وقوله : وقطّعن أيديهن  أي كثرن الحز فيها بالسكاكين، وقال عكرمة :**«الأيدي »** هنا الأكمام، وقال مجاهد هي الجوارح، وقطعنها حتى ألقينها. 
قال القاضي أبو محمد : فظاهر هذا أنه بانت الأيدي، وذلك ضعيف من معناه، وذلك أن قطع العظم لا يكون إلا بشدة، ومحال أن يسهو أحد عنها، والقطع على المفصل لا يتهيأ إلا بتلطف لا بد أن يقصد، والذي يشبه أنهن حملن على أيديهن الحمل الذي كن يحملنه قبل المتك فكان ذلك حزاً، وهذا قول الجماعة. 
وضوعفت الطاء في  قطّعن  لكثرتهن وكثرة الحز فربما كان مراراً. 
وقرأ أبو عمرو وحده **«حاشى لله »** وقرأ أبيّ وابن مسعود **«حاشى الله »**، وقرأ سائر السبعة **«حاش لله، وفرقة »** حشا[(٦)](#foonote-٦) لله **«وهي لغة، وقرأ الحسن »** حاش لله[(٧)](#foonote-٧) **«بسكون الشين وهي ضعيفة وقرأ الحسن - أيضاً - »** حاش الإلاه **«محذوفاً من »** حاشى **«. فأما »** حاش «فهي حيث جرت حرف معناه الاستثناء، كذا قال سيبويه، وقد ينصب به، تقول : حاشى زيد وحاشى زيداً، قال المبرد : النصب أولى إذ قد صح أنها فعل بقولهم : حاش لزيد، والحرف لا يحذف منه. 
قال القاضي أبو محمد : يظهر من مجموع كلام سيبويه والمبرد أن الحرف يخفض به لا غير، وأن الفعل هو الذي ينصب به، فهذه اللفظة تستعمل فعلاً وحرفاً، وهي في بعض المواضع فعل وزنه فاعل، وذلك في قراءة من قرأ » حاشى لله[(٨)](#foonote-٨) «معناه مأخوذ من معنى الحرف، وهو إزالة الشيء عن معنى مقرون به، وهذا الفعل مأخوذ من الحشا أي هذا في حشى وهذا في حشى، ومن ذلك قول الشاعر :\[ المعطل الهذلي \]. 
يقول الذي يمسي إلى الحرز أهله\*\*\* بأي الحشى صار الخليط المباين[(٩)](#foonote-٩)
ومنه الحاشية كأنها مباينة لسائر ما هي له، ومن المواضع التي حاشى فيه فعل هذه الآية، يدل على ذلك دخولها على حرف الجر، والحروف لا تدخل بعضها على بعض، ويدل على ذلك حذف الياء منها في قراءة الباقين » حاش «على نحو حذفهم من لا أبال ولا أدر ولو تر، ولا يجوز الحذف من الحروف إلا إذا كان فيها تضعيف مثل : لعل، فيحذف، ويرجع عل، ويعترض في هذا الشرط بمنذ وفد حذف دون تضعيف فتأمله. 
قال القاضي أبو محمد : ومن ذلك في حديث خالد يوم مؤتة : فحاشى بالناس، فمعنى » حاشى لله **«أي حاش يوسف لطاعة الله أو لمكان من الله أو لترفيع الله له أن يرمي بما رميته به[(١٠)](#foonote-١٠)، أو يدعى[(١١)](#foonote-١١) إله مثله لأن تلك أفعال البشر، وهو ليس منهم إنما هو ملك - هكذا رتب أبو علي الفارسي معنى هذا الكلام، على هاتين القراءتين اللتين في السبع[(١٢)](#foonote-١٢) - وأما قراءة أبي بن كعب وابن مسعود، فعلى أن »** حاشى «حرف استثناء - كما قال الشاعر \[ ابن عطية \] :\[ الكامل \]
حاشى أبي ثوبان إنَّ به\*\*\* ضنّاً عن الملحاة والشتم[(١٣)](#foonote-١٣)
وتسكين الشين في إحدى قراءتي الحسن، ضعيف، جمع بين ساكنين، وقراءته الثانية محذوفة الألف من **«حاشى »**. 
قال القاضي أبو محمد : والتشبيه بالملك هو من قبيل التشبيه بالمستعظمات وإن كانت لا ترى. 
وقرأ أبو الحويرث الحنفي والحسن **«ما هذا بشر إن هذا إلا ملِك كريم »** بكسر اللام في **«ملِك »**، وعلى هذه القراءة فالكلام فصيح لما استعظمن حسن صورته قلن : ما هذا إلا مما يصلح أن يكون عبد بشراء، إن هذا مما يصلح أن يكون ملكاً كريماً. 
ونصب **«البشر »** من قوله : ما هذا بشراً  هو على لغة الحجاز شبهت  ما  بليس، وأما تميم فترفع، ولم يقرأ به[(١٤)](#foonote-١٤). 
وروي أن يوسف عليه السلام أعطي ثلث الحسن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه أعطي نصف الحسن، ففي بعض الأسانيد هو وأمه، وفي بعضها هو وسارة جدة أبيه[(١٥)](#foonote-١٥). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا على جهة التمثيل، أي لو كان الحسن مما يقسم لكان حسن يوسف يقع في نصفه، فالقصد أن يقع في نفس السامع عظم حسنه على نحو التشبيه برؤوس الشياطين وأنياب الأغوال[(١٦)](#foonote-١٦).

١ الأترج: شجر يعلو، ناعم الأغصان والورق والثمر، وثمره كالليمون الكبار، وهو ذهبي اللون، ذكي الرائحة، حامض الماء "مجمع اللغة العربية بالقاهرة"، نقلا عن (المعجم الوسيط)..
٢ الزماورد – هكذا ضبطه شارح اللسان نقلا عن القاموس، وقال: هو طعام من البيض واللحم معرب، وقيل: هو الرقاق الملفوف باللحم، وفي اللسان أيضا: "ابن سيدة: المتك: الأترج، قال الجوهري: وأصل المتك: الزماورد"..
٣ البيت في الطبري واللسان والقرطبي وغيرها، وهو غير منسوب، والإثم: الخمر، قاله بعضهم، واستشهد بقول الشاعر:
 شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول
 والصواع: إناء يشرب فيه، مذكر، وفي التنزيل قالوا نفقد صواع الملك وهو الإناء الذي كان الملك يشرب منه، وجهارا: علانية، والمتك: الأترج، وسميت الأترجة متكا لأنها تقطع، ومعنى \[مستعارا\]: نتعاوره بأيدينا نشتمه، قاله في اللسان.
 والرواية في اللسان: (المسك) بدلا من (المتك)..
٤ وأنشد الفراء: 
 فعيث في السنام غداة قـــر بسكين موثقة النصـــــــاب
 .
٥ البيت في (اللسان) و (الطبري) و (القرطبي) بلفظ "نأتي"، وبعض المفسرين مثل السدي وقتادة ومقاتل يقولون: أكبرن بمعنى حضن ويستشهدون بالبيت على أن هذا من كلام العرب المعروف، وبعض آخر ينكرون ذلك ومعهم اللغويون، قال أبو عبيدة: "ليس ذلك في كلام العرب، ولكن يجوز أن يكن حضن من شدة الإعظام كما تفزع المرأة فيسقط ولدها"، وقال الزجاج: "يقال : أكبرنه، ولا يقال: حضنه"، وقد قبل بعض اللغويين هذا المعنى، وفي (اللسان) عن أبي منصور الأزهري: "إن صحت هذه اللفظة في اللغة بمعنى "حضن" فلها مخرج حسن، وذلك أن المرأة أول ما تحيض فقد خرجت من حد الصغر إلى حد الكبر، فقيل لها: أكبرت أي حاضت، وروي عن أبي الهيثم أنه قال: سألت رجلا من طي، فقلت: يا أخا طيء ألك زوجة؟ قال: لا، والله ما تزوجت، وقد وعدت ابنة عم لي، قلت: و ما سنها؟ قال: قد أكبرت أو كبرت، قلت: ما أكبرت؟ قال: حاضت". إلا أن الهاء في قوله سبحانه: (أكبرنه) تنفي هذا المعنى، قال بعضهم: يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء الكناية، ورد بأن هذا خطأ، لأن هاء الوقف تسقط في الوصل، وأمثل منه قول ابن الأنباري: "إن الهاء كناية عن مصدر الفعل، أي: أكبرن إكبارا، بمعنى: حضن حيضا"..
٦ قال أبو حيان في "البحر المحيط": "على وزن رمى وبلام الجر". وقال: ومن الفرقة الأعمش..
٧ عبارة البحر: "وقرأ الحسن (حاشْ) بسكون الشين وصلا ووقفا بلام الجر. وعلق عليها ابن جني بقوله: وهذا ضعيف من موضعين: أحدهما التقاء الساكنين: الألف والشين، وليست الشين مدغمة، والآخر: إسكان الشين بعد حذف الألف..
٨ أصح القراءات في هذه الكلمة قراءاتان: الأولى قراءة الكوفيين: حاش لله بفتح الشين وحذف الياء، والثانية قراءة بعض البصريين: حاشى لله بإثبات الياء، قال ذلك الطبري. وعلى هذا يمكن فهم الكثير من كلام ابن عطية، فهو هنا يشير إلى قراءة البصريين..
٩ البيت للمعطل الهذلي، قال ذلك في التاج، وفي اللسان، والرواية فيهما:
 يقول الذي أمسى إلى الحزن أهله بأي الحشى أمسى الخليط المباين؟.
 ومعنى "الحشى": الناحية..
١٠ كأن الكلام موجه من النسوة لامرأة العزيز، فالمعنى: رفعه الله أن يرميه أحد بما رميته به يا زليخا..
١١ في بعض النسخ: أو "يذعن" من الإذعان، والمعنى على اللفظتين وارد ومناسب..
١٢ يريد قراءة بعض البصريين حاشى لله بإثبات الياء، وقراءة الكوفيين: 
 حاش لله بحذف الياء..
١٣ يروى "أبا" مكان أبي، والبيت في الحقيقة من بيتين، ركبوا فيه صدر بيت على عجز بيت آخر، قال ذلك في "البحر المحيط" والبيتان هما: 
 حاشى أبي ثوبان إن أبــــــا ثوبان ليس ببكمة فـدم
 عمرو بن عبد الله إن بــــه ضنا عن الملحة والشتم
 أراد بالبكمة: الأبكم، والفدم: العيي عن الكلام في ثقل فهم، والضن بالكسر والفتح: مصدر ضن، والملحاة: المنازعة والخصام. والبيت منسوب لسبرة بن عمرو الأسدي في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة، وفي "المفضليات" و "الأصمعيات" إلى الجميح، (وقيل: الجميع)، واسمه: منقذ بن الطماح الأسدي، ونسبه في (اللسان) إلى سبرة، والرواية فيه: (حاشى أبي مروان... ) والشاعر بمدح أبا ثوبان بأنه ليس عييا ولا غبيا، وهو يترفع عن الخصومة والنزاع..
١٤ قال الزمخشري: "ومن قرأ على سليقته من بني تميم قرأ (بشر) بالرفع، وهي قراءة ابن مسعود"..
١٥ أخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطي يوسف وأمه شطر الحسن)، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه قال: "قسم الله الحسن نصفين، فجعل ليوسف وسارة النصف، وقسم النصف الآخر بين سائر الناس" (الدر المنثور)..
١٦ معنى كلام ابن عطية أن الناس تشبه برءوس الشياطين وبأنياب الأغوال في مواقف التقبيح أو التهويل مع أنها لم تر الشياطين ولا الأغوال، وكذلك كان تشبيه يوسف بالملك في الحسن على سبيل الظن بأن صورة الملك أحسن، مع أن النسوة لم يرين الملك، وهذا مألوف ودارج عن الألسنة.
 .

### الآية 12:32

> ﻿قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ [12:32]

قال الطبري : المعنى : فهذا  الذي لمتنني فيه ، أي هذا الذي قطعتن أيديكن بسببه هو الذي جعلتنني ضالة في هواه، والضمير عائد على يوسف في  فيه  ويجوز أن تكون الإشارة إلى حب يوسف، والضمير عائد على الحب، فيكون ذلك إشارة إلى غائب على بابه. 
ثم أقرت امرأة العزيز للنسوة بالمراودة واستنامت إليهن في ذلك إذ قد علمت أنهن قد عذرنها، و  استعصم  معناه : طلب العصمة وتمسك وبها وعصاني، ثم جعلت تتوعده وهو يسمع بقولها : ولئن لم يفعل  إلى آخر الآية. 
واللام في قوله : ليسجنن  لام القسم، واللام الأولى[(١)](#foonote-١) هي المؤذنة بمجيء القسم، والنون هي الثقيلة والوقف عليها بشدها، و  ليكوناً  نونه هي النون الخفيفة، والوقف عليه بالألف، وهي مثل قوله : لنسفعاً [(٢)](#foonote-٢) \[ العلق : ١٥ \] ومثلها قول الأعشى :\[ الطويل \]
وصلّ على حين العشيات والضحى\*\*\* ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
أراد فاعبدن. 
وقرأت فرقة **«وليكونن »** بالنون الشديدة. و  الصاغرين  الأذلاء الذين لحقهم الصغار.

١ هي التي في قوله: \[ولئن\]..
٢ البيت للأعشى الأكبر ميمون بن قيس، والبيت كما رواه ابن عطية نقلا عن الطبري مركب من بيتين، وهما كما في الديوان: 
 وذا النصب المنصوب لا تنسكنـــه ولا تعبد الأوثان، والله فاعبدا
 وصل على حين العشيات والضحى ولا تحمد الشيطان، والله فاحمدا
 وهما من قصيدة له يمدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ومطلعها:
 ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وعادك ما عاد السليم المسهدا
 .

### الآية 12:33

> ﻿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [12:33]

وقوله تعالى : قال ربي السجن أحب إليّ ، وروي أنه لما توعدته امرأة العزيز قال له النسوة : أطع مولاتك، وافعل ما أمرتك به ؛ فلذلك قال : مما يدعونني إليه  قال نحوه الحسن ووزن **«يدعون »** في هذه الآية : يفعلن، بخلاف قولك : الرجال يدعون. 
وقرأ الجمهور **«السِّجن »** بكسر السين، وهو الاسم، وقرأ الزهري وابن هرمز ويعقوب وابن أبي إسحاق **«السَّجن »** بفتح السين وهي قراءة عثمان رضي الله عنه وطارق مولاه، وهو المصدر، وهو كقولك : الجزع والجزع. 
وقوله : وإلا تصرف  إلى آخر الآية، استسلام لله تعالى ورغبة إليه وتوكل عليه ؛ المعنى : وإن لم تنجني أنت هلكت، هذا مقتضى قرينة كلامه وحاله، والضمير في  إليه  عائد على الفاحشة المعنية بما في قوله  مما . و  أصب  مأخوذة من الصبوة، وهي أفعال الصبا، ومن ذلك قول الشاعر - أنشده الطبري - \[ الهزج \]
إلى هند صبا قلبي\*\*\* وهند مثلها يصبي[(١)](#foonote-١)
ومن ذلك قول دريد بن الصمة :\[ الطويل \]
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه\*\*\* فلما علاه قال للباطل ابعدِ[(٢)](#foonote-٢)
و  الجاهلين  هم الذين لا يراعون حدود الله تعالى ونواهيه[(٣)](#foonote-٣).

١ البيت لزيد بن ضبة، وهو من شواهد أبي عبيدة في "مجاز القرآن". وكذلك ذكره في (اللسان- صبا) قال: "يقال: صبا إلى اللهو صبا وصبوا وصبوة. قال زيد ابن ضبة: إلى هند... البيت"..
٢ قال دريد هذا البيت من قصيدة يرثي فيها أخاه ابن أمه، وهي أفضل شعره لما فيها من معان إنسانية، ولما فيها من شجو غنائي يغمر الأفكار والصور بغلالة رقيقة من الوجدان الحزين، يقول عن أخيه: إنه تعاطى اللهو واللعب في صباه، فلما اكتهل وظهر الشيب في رأسه ارعوى وأبعد الباطل عن فكره ونفسه، ومع أن القصيدة في رثاء صادق حزين فإن الشاعر بدأها بغزل رقيق قصير، قال:
 أرث جديث الحبل من أم معبد بعاقبة أم أخلفت كل موعد؟
 .
٣ وذلك لأنهم لا يعملون بما يعلمون، ومن لا جدوى لعلمه فهو ومن لا يعلم سواء، وقد يكون من الجهل بمعنى السفه، لأن الوقوع في مواقعة النساء والميل إليهن سفاهة..

### الآية 12:34

> ﻿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [12:34]

وقوله : فاستجاب له ربه  الآية، قول يوسف عليه السلام : رب السجن  إلى قوله : من الجاهلين  كلام يتضمن التشكي إلى الله عز وجل من حاله معهن، والدعاء إليه في كشف بلواه. فلذلك قال - بعد مقالة يوسف -  فاستجاب له ربه  أي أجابه إلى إرادته وصرف عنه كيدهن في أن حال بينه وبين المعصية، وقوله : السميع العليم  صفتان لائقتان بقوله : فاستجاب .

### الآية 12:35

> ﻿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ [12:35]

لما أبى يوسف المعصية، ويئست منه امرأة العزيز طالبته بأن قالت لزوجها : إن هذا الغلام العبراني قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر بحسب اختياره، وأنا محبوسة محجوبة، فإما أذنت لي فخرجت إلى الناس فاعتذرت وكذبته، وإما حبسته كما أنا محبوسة. فحينئذ بدا لهم سجنه. قال ابن عباس : فأمر به فحمل على حمار، وضرب بالطبل ونودي عليه في أسواق مصر إن يوسف العبراني أراد سيدته فهذا جزاؤه أن يسجن ؛ قال أبو صالح : ما ذكر ابن عباس هذا الحديث إلا بكى. 
و  بدا  معناه : ظهر، والفاعل ب  بدا  محذوف تقديره بدو - أو - رأي[(١)](#foonote-١). وجمع الضمير في  لهم  والساجن الملك وحده من حيث كان في الأمر تشاور. و  يسجننه  جملة دخلت عليها لام القسم. ولا يجوز أن يكون الفاعل ب  بدا  ل  يسجننه  لأن الفاعل لا يكون جملة بوجه، هذا صريح مذهب سيبويه. وقيل الفاعل  ليسجننه  وهو خطأ، وإنما هو مفسر للفاعل. 
و  الآيات  ذكر فيها أهل التفسير أنها قد القميص، قاله مجاهد وغيره، وخمش الوجه الذي كان مع قد القميص، قاله عكرمة، وحز النساء أيديهن، قاله السدي. 
قال القاضي أبو محمد : ومقصد الكلام إنما هو أنهم رأوا سجنه بعد بدو الآيات المبرئة له من التهمة، فهكذا يبين ظلمهم له وخمش الوجه وحز النساء أيديهن ليس فيهما تبرية ليوسف، ولا تتصور تبرية إلا في خبر القميص، فإن كان المتكلم طفلاً - على ما روي - فهي آية عظيمة، وإن كان رجلاً فهي آية فيها استدلال ما، والعادة أنه لا يعبر بآية إلا فيما ظهوره في غاية الوضوح، وقد تقع  الآيات  أيضاً على المبينات كانت في أي حد اتفق من الوضوح. 
ويحتمل أن يكون معنى قوله : من بعد ما رأوا الآيات  أي من بعد ما ظهر لهم من وجوه الأمر وقرائنه أن يوسف برىء، فلم يرد تعيين آية بل قرائن جميع القصة. 
و ****«الحين »**** في كلام العرب وفي هذه الآية الوقت من الزمن غير محدود يقع للقليل والكثير، وذلك بين موارده في القرآن ؛ وقال عكرمة ****«الحين »**** - هنا - يراد به سبعة أعوام، وقيل : بل يراد بذلك سنة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا بحسب ما كشف الغيب في سجن يوسف. 
وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يقرأ **«عتى حين »** بالعين - وهي لغة هذيل - فقال له : من أقرأك ؟ قال : ابن مسعود، فكتب عمر إلى ابن مسعود : إن الله أنزل القرآن عربياً بلغة قريش، فبها أقرىء الناس، ولا تقرئهم بلغة هذيل، وروي عن ابن عباس أنه قال : عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات :
 همّ  \[ يوسف : ٢٤ \] فسجن، وقال : اذكرني عند ربك  \[ يوسف : ٤٢ \]  فأنساه الشيطان ذكر ربه  \[ يوسف : ٤٢ \] فطول سجنه، وقال : إنكم لسارقون  \[ يوسف : ٧٠ \] فروجع : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل  \[ يوسف : ٧٧ \].

١ قال في "البحر": التقدير: بدا لهم هو، أي: رأي أو بداء، كما قال: 
 بدا لك من تلك القلوص بداء
 وقال القرطبي: وهو مصدر الفعل، وقد حذف لأن الفعل يدل عليه، كما قال الشاعر:
 و حق لمن أبو موسى أبوه يوفقه الذي نصب الجبالا
 أي: وحق الحق. فحذف..

### الآية 12:36

> ﻿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [12:36]

وقوله تعالى : ودخل معه السجن  الآية، المعنى : فسجنوه فدخل معه السجن غلامان سجنا أيضاً، وهذه **«مع »** تحتمل أن تكون باقتران وقت الدخول، وأن لا تكون بل دخلوا أفذاذاً[(١)](#foonote-١)، وروي أنهما كانا للملك الأعظم - الوليد بن الريان - أحدهما : خبازه، والآخر : ساقيه. 
و **«الفتى »** الشاب، وقد تقع اللفظة على المملوك وعلى الخادم الحر، ويحتمل أن يتصف هذان بجميع ذلك، واللفظة من ذوات الياء، وقولهم : الفتوة شاذ. وروي أن الملك اتهمهما بأن الخابز منهما أراد سمه، ووافقه على ذلك الساقي، فسجنهما، قاله السدي، فلما دخل يوسف السجن استمال الناس فيه بحسن حديثه وفضله ونبله، وكان يسلي حزينهم ويعود مريضهم ويسأل لفقيرهم ويندبهم إلى الخير، فأحبه الفتيان ولزماه، وأحبه صاحب السجن والقيم عليه، وقال له : كن في أي البيوت شئت فقال له يوسف : لا تحبني يرحمك الله، فلقد أدخلت علي المحبة مضرات : أحبتني عمتي فامتحنت لمحبتها، وأحبني أبي فامتحنت لمحبته لي، وأحبتني امرأة العزيز فامتحنت لمحبتها بما ترى، وكان يوسف عليه السلام قد قال لأهل السجن : إني أعبر الرؤيا وأجيد، فروي عن ابن مسعود أن الفتيين استعملا هاتين المنامتين ليجرباه ؛ وروى عم مجاهد أنهما رأيا ذلك حقيقة، فأرادا سؤاله، فقال أحدهما واسمه بنو، فيما روي[(٢)](#foonote-٢)، إني رأيت حبلة[(٣)](#foonote-٣) من كرم لها ثلاثة أغصان حسان، فيها عناقيد عنب حسان، فكنت أعصرها وأسقي الملك ؛ وقال الآخر، واسمه مجلث، كنت أرى أني أخرج من مطبخة الملك وعلى رأسي ثلاث سلال فيها خبز، والطير تأكل من أعلاه. 
وقوله  أعصر خمراً  قيل : إنه سمى العنب خمراً بالمآل، وقيل : هي لغة أزد عمان، يسمون العنب خمراً، وقال الأصمعي : حدثني المعتمر، قال : لقيت أعرابياً يحمل عنباً في وعاء فقلت : ما تحمل ؟ قال : خمراً، أراد العنب. 
وفي قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود **«إني أراني أعصر عنباً »**[(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : ويجوز أن يكون وصف الخمر بأنها معصورة، إذ العصر لها ومن أجلها وقوله  خبزاً  يروى أنه رأى ثريداً فوق رأسه، وفي مصحف ابن مسعود **«فوق رأسي ثريداً تأكل الطير منه »**. 
وقوله  إنا نراك من المحسنين  قال الجمهور : يريدان في العلم، وقال الضحاك وقتادة : المعنى : من المحسنين  في جريه مع أهل السجن وإجماله معهم، وقيل : إنه أراد إخباره أنهما يريان له إحساناً عليهما ويداً إذا تأول لهما ما رأياه، ونحا إليه ابن إسحاق.

١ أي: أفرادا، وهو جمع فذ..
٢ في تفسير الطبري أثبتت "نبو" بتقديم النون على الباء، وفي تفسير القرطبي "نبوه" بزيادة هاء..
٣ الحبلة بفتح الحاء والباء، وربما جاءت الباء ساكنة: القضيب من الكرم، والجمع حبل، وفي "النهاية": أم العنب، وفي الحديث: (لا تقولوا: العنب الكرم، ولكن قولوا: العنب الحبلة)..
٤ قال أبو الفتح ابن جني: "هذه القراءة هي مراد قراءة الجماعة: إني أراني أعصر خمرا، وذلك أن المعصور حينئذ هو العنب، فسماه خمرا لما يصير إليه من بعد حكاية لحاله المستأنفة، كقول الشاعرـ يريد أبا المهوش الأسدي، أو يزيد بن عمر بن الصعق ـ :
 إذا ما مات ميت من تميـــــــــم فسرك أن يعيش فجىء بزاد
 يريد: إذا مات حي فصار ميتا كان كذا، أو فليكن كذا.
 .

### الآية 12:37

> ﻿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [12:37]

روي عن السدي وابن إسحاق : أن يوسف عليه السلام لما علم شدة تعبير منامه رأى الخبز وأنها تؤذن بقتله، ذهب إلى غير ذلك من الحديث، عسى ألا يطالباه بالتعبير، فقال لهما - معلماً بعظيم علمه للتعبير- : إنه لا يجيئكما طعام في نومكما، تريان أنكما رزقتماه إلا أعلمتكما بتأويل ذلك الطعام، أي بما يؤول إليه أمره في اليقظة، قبل أن يظهر ذلك التأويل الذي أعلمكما به. فروي أنهما قالا : ومن أين لك ما تدعيه من العلم وأنت لست بكاهن ولا منجم ؟ فقال لهما : ذلكما مما علمني ربي  ثم نهض ينحي لهما على الكفر ويحسن لهما الإيمان بالله : فروي أنه قصد في ذلك وجهين : أحدهما : تنسيتهما أمر تعبير ما سألا عنه - إذ في ذلك النذارة بقتل أحدهما - والآخر : الطماعية في إيمانهما. ليأخذ المقتول بحظه من الإيمان وتسلم له آخرته. وقال ابن جريج : أراد يوسف عليه السلام : لا يأتيكما طعام  في اليقظة  ترزقانه إلا نبأتكما  منه بعلم وبما يؤول إليه أمركما  قبل أن يأتيكما  ذلك المآل. 
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا إنما أعلمهم[(١)](#foonote-١) بأن يعلم مغيبات لا تعلق لها برؤيا. وقصد بذلك أحد الوجهين المتقدمين. وهذا على ما روي من أنه نبىء في السجن، فإخباره كإخبار عيسى عليه السلام، وقال ابن جريج : كانت عادة ذلك الملك إذا أراد قتل أحد ممن في سجنه بعث إليه طعاماً يجعله علامة لقتله. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله لا يقتضيه اللفظ ولا ينهض به إسناد. 
وقوله : تركت  مع أنه لم يتشبث بها، جائز صحيح، وذلك أنه أخبر عن تجنبه من أول بالترك، وساق لفظة الترك استجلاباً لهما عسى أن يتوكأ الترك الحقيقي الذي هو بعد أخذ في الشيء، والقوم المتروكة ملتهم : الملك وأتباعه. وكرر قوله : هم  على جهة التأكيد، وحسن ذلك للفاصلة التي بينهما.

١ لعله أراد أن خطابه كان للفتيين وصاحب السجن وكل من فيه، ولذا عبر عنهم بضمير الجمع..

### الآية 12:38

> ﻿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [12:38]

وقوله : واتبعت  الآية، تمادٍ من يوسف عليه السلام في دعائهما إلى الملة الحنيفية، وزوال عن مواجهة - مجلث - لما تقتضيه رؤياه. 
وقرأ **«آبائي »** بالإسكان في الياء الأشهب العقيلي وأبو عمرو، وقرأ الجمهور **«آبائيَ »** بياء مفتوحة، قال أبو حاتم : هما حسنتان فاقرأ كيف شئت. وأما طرح الهمزة فلا يجوز، ولكن تخفيفها جيد ؛ فتصير ياء مكسورة بعد ياء ساكنة أو مفتوحة. 
وقوله : ذلك  إشارة إلى ملتهم وشرعهم، وكون ذلك فضلاً عليهم بين، إذ خصهم الله تعالى بذلك وجعلهم أنبياء. وكونه فضلاً على الناس هو إذ يدعون به إلى الدين ويساقون إلى النجاة من عذاب الله عز وجل. 
وقوله  من شيء  هي  من  الزائدة المؤكدة التي تكون مع الجحد. وقوله  لا يشكرون  يريد الشكر التام الذي فيه الإيمان.

### الآية 12:39

> ﻿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [12:39]

وصفه لهما ب  صاحبي السجن  هو : إما على أن نسبهما بصحبتهما للسجن من حيث سكناه - كما قال : أصحاب الجنة [(١)](#foonote-١)، و  أصحاب الجحيم [(٢)](#foonote-٢) ونحو هذا - وإما أن يريد صحبتهما له في السجن، فأضافهما إلى السجن بذلك، كأنه قال : يا صاحبيَّ في السجن، وهذا كما قيل في الكفار إن الأصنام شركاؤهم ؛ وعرضه عليهما بطول أمر الأوثان بأن وصفها **«بالتفرق »**[(٣)](#foonote-٣)، ووصف الله تعالى ب **«الوحدة »** و **«القهر »** تلطف حسن وأخذ بيسير الحجة قبل كثيرها الذي ربما نفرت منه طباع الجاهل وعاندته، وهكذا الوجه في محاجة الجهلة أن يؤخذ بدرجة يسيرة من الاحتجاج يقبلها، فإذا قبلها لزمته عنها درجة أخرى فوقها، ثم كذلك أبداً حتى يصل إلى الحق، وإن أخذ الجاهل بجميع المذهب الذي يساق إليه دفعة أباه للحين وعانده ؛ وقد ابتلي بأرباب متفرقين من يخدم أبناء الدنيا ويؤملهم.

١ من قوله تعالى في الآية (٤٤) من سورة (الأعراف): ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ـ وتكررت في قوله تعالى في الآية (٢٠) من سورة (الحشر): 
 لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون..
٢ من الآية (١١٩ من سورة البقرة)، وتكررت في الآيات (١٠، ٨٦ ـ المائدة) و (١١٣ ـ التوبة) و (٥١ ـ الحج) و (١٩ ـ الحديد)..
٣ بطول: مصدر الفعل (بطل)، والمعنى المراد أنه عرض على الفتيين بطلان أمر الأوثان بأن وصفها بالتفرق في قوله: أرباب متفرقون، وقد يضاف إلى التفرق دليلا على بطلان أمرها التعدد أيضا، فقد قال عنها \[أرباب\] بصيغة الجمع، و كذلك هذا الاستفهام الإنكاري أو التقريري إلى جانب ما وصف به الله سبحانه وتعالى من الوحدة والقهر إزاء تعددها وتفرقها. و (تلطف حسن ) هو جواب المبتدأ (عرضه)..

### الآية 12:40

> ﻿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [12:40]

وقوله : إلا أسماء  ذهب بعض المتكلمين إلى أنه أوقع في هذه الآية الأسماء على المسميات وعبر عنها بها إذ هي ذوات أسماء. 
قال القاضي أبو محمد : والاسم الذي هو ألف وسين وميم - قد يجري في اللغة مجرى النفس والذات والعين، فإن حملت الآية على ذلك صح المعنى، وليس الاسم - على هذا - بمنزلة التسمية التي هي رجل وحجر، وإن أريد بهذه الأسماء التي في الآية أسماء الأصنام التي هي بمنزلة اللات والعزى ونحو ذلك من تسميتها آلهة، فيحتمل أن يريد : إلا ذوات أسماء، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ؛ ويحتمل - وهو الراجح المختار إن شاء الله - أن يريد : ما تعبدون من دونه ألوهية ولا لكم تعلق بإله إلا بحسب أن سميتم أصنامكم آلهة، فليست عبادتكم لإله إلا باسم فقط لا بالحقيقة، وأما الحقيقة فهي وسائر الحجارة والخشب سواء، فإنما تعلقت عبادتكم بحسب الاسم الذي وضعتم، فذلك هو معبودكم إذا حصل أمركم ؛ فعبر عن هذا المعنى باللفظ المسرود في الآية، ومن هذه الآية وهم من قال - في قولنا : رجل وحجر - إن الاسم هو المسمى في كل حال، وقد بانت هذه المسألة في صدر التعليق. 
ومفعول **«سميتم »** الثاني محذوف، تقديره : آلهة، هذا على أن  الأسماء  يراد بها ذوات الأصنام، وأما على المعنى المختار - من أن عبادتهم إنما هي لمعان تعطيها الأسماء وليست موجودة في الأصنام - فقوله  سميتموها  بمنزلة وضعتموها، فالضمير للتسميات، ووكد الضمير ليعطف عليه. 
وال  سلطان  الحجة، وقوله : إن الحكم إلا الله  أي ليس لأصنامكم التي سميتموها آلهة من الحكم والأقدار والأرزاق شيء، أي فما بالها إذن ؟ ويحتمل أن يريد الرد على حكمهم في نصبهم آلهة دون الله تعالى وليس لهم تعدي أمر الله في أن لا يعبد غيره، و  القيم  معناه : المستقيم. 
و  أكثر الناس لا يعلمون  لجهالتهم وغلبة الكفر.

### الآية 12:41

> ﻿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [12:41]

ثم نادى  يا صاحبي السجن  ثانية لتجتمع أنفسهما لسماع الجواب، فروي أنه قال لنبو : أما أنت فتعود إلى مرتبتك وسقاية ربك، وقال لمجلث : أما أنت فتصلب، وذلك كله بعد ثلاث، فروي أنهما قالا له ما رأينا شيئاً وإنما تحالمنا لنجربك ؛ وروي أنه لم يقل ذلك إلا الذي حدثه بالصلب ؛ وقيل : كانا رأيا ثم أنكرا. 
وقرأت فرقة :**«يَسقي ربه »** من سقى، وقرأت فرقة من أسقى، وهما لمعنى واحد[(١)](#foonote-١) لغتان وقرأ عكرمة والجحدري :**«فيُسقَى ربه خمراً »** بضم الياء وفتح القاف أي ما يرويه[(٢)](#foonote-٢). 
وأخبرهما يوسف عليه السلام عن غيب علمه من قبل الله تعالى : إن الأمر قد قضي ووافق القدر.

١ وقد جمع بينهما لبيد في قوله:
 سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال.
 وفاعل (سقى) ضمير المطر، (ومجد) هي ابنة تيم بن غالب بن فهد، وهي أم كلاب وكليب بني ربيعة..
٢ قال ابن جني عن هذه القراءة: "هذا في الخير يضاهي في الشر قوله: (فيصلب)، لأن تلك نعمة وهي نقمة. (المحتسب)"..

### الآية 12:42

> ﻿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ [12:42]

وقوله : وقال للذي ظن أنه ناج  الآية. ****«الظن »**** هاهنا - بمعنى اليقين، لأن ما تقدم من قوله : قضي الأمر  يلزم ذلك، وهو يقين فيما لم يخرج بعد إلى الوجود : وقال قتادة :****«الظن »**** - هنا - على بابه لأن عبارة الرؤيا ظن. 
قال القاضي أبو محمد : وقول يوسف عليه السلام : قضي الأمر  دل على وحي ولا يترتب قول قتادة إلا بأن يكون معنى قوله  قضي الأمر  أي قضي كلامي وقلت ما عندي وتم، والله أعلم بما يكون بعد. 
وفي الآية تأويل آخر، وهو : أن يكون  ظن  مسنداً إلى الذي قيل له : إنه يسقي ربه خمراً، لأنه دخلته أبهة السرور بما بشر به وصار في رتبة من يؤمل حين ظن وغلب على معتقده أنه ناج : وذلك بخلاف ما نزل بالآخر المعرف بالصلب. 
ومعنى الآية : قال يوسف لساقي الملك حين علم أنه سيعود إلى حالته الأولى مع الملك : اذكرني  عند الملك، فيحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل أن يذكره بمظلمته وما امتحن به بغير حق، أو يذكره بهما. 
والضمير في  أنساه  قيل : هو عائد على يوسف عليه السلام[(١)](#foonote-١)، أي نسي في ذلك الوقت أن يشتكي إلى الله، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق، فروي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله عز وجل في ذلك، وطول سجنه عقوبة على ذلك، وقيل : أوحي إليه : يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً لأطيلن حبسك، وقيل : إن الضمير في  أنساه  عائد على الساقي - قاله ابن إسحاق - أي نسي ذكر يوسف عند ربه، فأضاف الذكر إلى ربه إذ هو عنده، و **«الرب »** على هذا التأويل - الملك[(٢)](#foonote-٢). 
و  بضع  في كلام العرب اختلف فيه، فالأكثر على أنه من الثلاثة إلى العشرة، قاله ابن عباس، وعلى هذا هو فقه مذهب مالك رحمه الله في الدعاوى والأيمان ؛ وقال أبو عبيدة :******«البضع »****** لا يبلغ العقد ولا نصف العقد، وإنما هو من الواحد إلى الأربعة، وقال الأخفش ******«البضع »****** من الواحد إلى العشرة، وقال قتادة :******«البضع »****** من الثلاثة إلى التسعة، ويقوي هذا ما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق في قصة خطره[(٣)](#foonote-٣) مع قريش في غلبة الروم لفارس
ث**«أما علمت أن البضع من الثلاث إلى التسع »**[(٤)](#foonote-٤) وقال مجاهد : من الثلاثة إلى السبعة، قال الفراء : ولا يذكر البضع إلا مع العشرات، لا يذكر مع مائة ولا مع ألف، والذي روي في هذه الآية أن يوسف عليه السلام سجن خمس سنين ثم نزلت له قصة الفتيين وعوقب على قوله  اذكرني عند ربك  بالبقاء في السجن سبع سنين، فكانت مدة سجنه اثنتي عشرة سنة، وقيل : عوقب ببقاء سنتين، وقال الحسن : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث »**، ثم بكى الحسن وقال : نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس[(٥)](#foonote-٥).

١ النسيان غير جائز على الأنبياء في أمور الشريعة، وأما في أمور الدنيا فهو جائز إذا أخبر الله عنهم، أما نحن فلا يجوز لنا أن نصفهم به، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، وقال: (نسي آدم فنسيت ذريته)، ذكر ذلك القرطبي..
٢ إطلاق الرب على السيد أو الملك معروف في اللغة، قال الأعشى:
 ربي كريم لا يكدر نعمة وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
ومعنى (تنوشد): نوشد ودعي، والمهارق: الصحف والواحدة مهرق، يقول: إذا سئل أعطى..
٣ الخطر بفتح الخاء والطاء: النصيب والرهان، وفي حديث عمر في قسمة وادي القرى: (وكان لعثمان فيه خطر، ولعبد الرحمن خطر) أي نصيب. (المعجم الوسيط). .
٤ قصة مراهنة أبي بكر رضي الله عنه لقريش على غلبة الروم مشهورة معروفة، إذا كان المسلمون يحبون غلبة الروم على فارس لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وكانت قريش لا تحب ذلك لأنهم وأهل فارس لا يؤمنون بكتاب ولا بالبعث، وقد جعل أبو بكر الأجل بينه وبينهم ست سنين على رواية، وثلاث سنين على رواية أخرى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اذهب فزائد في الخطر و مادد في الأجل)، وكان ذلك قبل تحريم الرهان، راجع صحيح الترمذي في تفسير أول سورة الروم..
٥ أخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله يوسف لولا  الحديث). (الدر المنثور)..

### الآية 12:43

> ﻿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [12:43]

المعنى : وقال الملك  الأعظم : إني أرى  يريد في منامه، وقد جاء ذلك مبيناً في قوله تعالى : إني أرى في المنام أني أذبحك [(١)](#foonote-١). وحكيت حال ماضية ف  أرى  وهو مستقبل من حيث يستقبل النظر في الرؤيا[(٢)](#foonote-٢).  سبع بقرات سمان  يروى أنه قال : رأيتها خارجة من نهر، وخرجت وراءها  سبع عجاف ، فرأيتها أكلت تلك السمان حتى حصلت في بطونها ورأى **«السنابل »** أيضاً كما ذكر، و **«العجاف »** التي بلغت غاية الهزال، ومنه قول الشاعر :\[ الكامل \]
ورجال مكة مسنتون عجاف[(٣)](#foonote-٣)\*\*\* ثم قال لجماعته وحاضريه : يا أيها الملأ أفتوني . 
قرأت فرقة بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بأن لفظت بألف **«أفتوني »** واواً. 
وقوله : للرؤيا  دخلت اللام لمعنى التأكيد والربط، وذلك أن المفعول إذا تقدم حسن في بعض الأفعال أن تدخل عليه لام، وإذا تأخر لم يحتج الفعل إلى ذلك. و **«عبارة الرؤيا »** مأخوذة من عبر النهر، وهو تجاوزه من شط إلى شط، فكأن عابر الرؤيا ينتهي إلى آخر تأويلها.

١ من الآية (١٠٢) من سورة (الصافات)، ومما يلفت النظر أن ابن عطية أحال على تفسير الرؤيا على آية الصافات هنا، وكان الأولى أن يحيل عندما ذكر له الفتيان ما رآه منهما..
٢ معنى ذلك أن (أرى) حكاية حال ماضية، ولذلك جاءت بلفظ المضارع الذي يدل على الاستقبال دون (رأيت) التي تدل على الزمن الماضي. وتأمل كيف جعل الله لرؤيا ليوسف في أول أمره مع أبيه وإخوته بلاء وشدة، ثم جعلها آخرا من هذا الملك بشرى ورحمة..
٣ البيت لابن الزبعرى، وهو بتمامه: 
 عمرو العلا شهم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف
 ومسنتون: أصابهم سنة وقحط وأجدبوا، وفي حديث أبي تميمة: (الله الذي إذا أسنت أنبت لك)، أي: إذا أجدبت أخصب لك. وعجاف: بلغوا غاية الهزال والضعف..

### الآية 12:44

> ﻿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ [12:44]

وقوله : قالوا : أضغاث أحلام  الآية، **«الضغث »** في كلام العرب أقل من الحزمة وأكثر من القبضة من النبات والعشب ونحوه، وربما كان ذلك من جنس واحد. وربما كان من أخلاط النبات، فمن ذلك قوله تعالى : وخذ بيدك ضغثاً [(١)](#foonote-١) وروي أنه أخذ عثكالاً من النخل[(٢)](#foonote-٢)، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل نحو هذا في حد أقامه على رجل زمن[(٣)](#foonote-٣)، ومن ذلك قول ابن مقبل :\[ الكامل \]
خود كأنَّ فراشها وضعت به\*\*\* أضغاث ريحان غداة شمال[(٤)](#foonote-٤)
ومن الأخلاط قول العرب في أمثالها : ضغث على إبالة[(٥)](#foonote-٥) فيشبه اختلاط الأحلام باختلاط الجملة من النبات، والمعنى أن هذا الذي رأيت أيها الملك اختلاط من الأحلام بسبب النوم، ولسنا من أهل العلم بذلك، أي بما هو مختلط ورديء ؛ فإنما نفوا عن أنفسهم عبر الأحلام لا عبر الرؤيا على الإطلاق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :**«الرؤيا من الله والحلم من الشيطان »**[(٦)](#foonote-٦). وقال للذي كان يرى رأسه يقطع ثم يرده فيرجع :**«إذا لعب الشيطان بأحدكم في النوم فلا يحدث بذلك »**[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : فالأحلام وحِدثان النفس ملغاة، والرؤيا هي التي تعبر ويلتمس علمها. 
والباء في قولهم  بعالمين  للتأكيد، وفي قولهم : بتأويل  للتعدية وهي متعلقة بقولهم  بعالمين . 
و  الأحلام  جمع حلم، يقال : حلَم الرجل - بفتح اللام - يحلم : إذا خيل إليه في منامه، والأحلام مما أثبتته الشريعة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«الرؤيا من الله وهي المبشرة والحلم المحزن من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليتفل على يساره ثلاث مرات وليقل : أعوذ بالله من شر ما رأيت، فإنها لا تضره »**[(٨)](#foonote-٨)
وما كان عن حديث النفس في اليقظة فإنه لا يلتفت إليه.

١ منت الآية (٤٤) من سورة (ص)..
٢ العثكال والعثكول: العذق أو الشمراخ وهو ما عليه البسر من عيدان الكباسة، وهو في النخل بمنزلة العنقود من الكرم..
٣ أخرجه ابن ماجه في الحدود، والإمام أحمد في مسنده (٥ـ ٢٢٢) ولفظه فيه عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: (كان بين أبياتنا إنسان مخدج ضعيف، لم يرع أهل الدار إلا وهو على أمة من إماء الدار يخبث بها، وكان مسلما، فرفع شأنه سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اضربوه حده، قالوا: يا رسول الله، إنه أضعف من ذلك، إن ضربناه مائة قتلناه، قال: فخذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة واحدة، وخلوا سبيله). والزمن: ذو الزمانة، أي مبتلى بالزمانة وهي العاهة والآفة..
٤ الخود: الفتاة الحسنة الخلق الشابة ما لم تصر نصفا، وقيل: الجارية الناعمة، والجمع: خودات وخود، والضغث: الحزمة من الحشيش، أو كل ما ملأ الكف من النبات المختلط، والشمال: الريح الباردة، يقول: إن رائحة فراشها بعد النوم كأنما وضعت فيه صنوف من الريحان تنشر رائحتها ريح الشمال اللطيفة..
٥ الضغث: قبضة من الحشيش أو النبات المختلط، والإبالة: الحزمة من الحطب، وبعضهم يقوله بالباء الخفيفة المفتوحة، وعليه: 
 لي كل يوم من ذؤاله ضغث يزيد على إباله
 ومعنى المثل: بلية على أخرى. (مجمع الأمثال ـ الميداني). وفي (المستقصى) للزمخشري: "يضرب لمن حملك مكروها ثم زادك عليه".
 .
٦ رواه البخاري في "التعبير" وفي "بدء الخلق"، وفي "الطب"، ورواه مسلم في "الرؤيا"، وأبو داود في "الأدب"، والترمذي في "الرؤيا"، وكذلك ابن ماجه والدارمي، ومالك في "الموطأ"، والإمام أحمد (٥ـ ٢٩٦، ٣٠٠، ٣٠٥، ٣١٠). ولفظه كما في البخاري (الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاث وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره، وإن الشيطان لا يتزيا بي).
 .
٧ رواه مسلم وابن ماجه عن جابر، ورمز له السيوطي بالصحة.(الجامع الصغير).
٨ راجع الهامش قبل السابق على هذا..

### الآية 12:45

> ﻿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ [12:45]

ولما سمع الساقي - الذي نجا - هذه المقالة من الملك ومراجعة أصحابه، تذكر يوسف وعلمه بتأويل الأحلام والرؤى، فقال مقالته في هذه الآية. 
و  ادكر  أصله ادتكر - افتعل - من الذكر، قلبت التاء دالاً وأدغم الأول في الثاني، ثم بدلت دالاً غير منقوطة لقوة الدال وجلدها، وبعض العرب يقول : اذكر ؛ وقرىء  فهل من مذكر [(٩)](#foonote-٩) بالنقط و  من مدكر  \[ القمر : ١٥، ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠، ٥١ \] على اللغتين ؛ وقرأ جمهور الناس :****«بعد أمة »****[(١٠)](#foonote-١٠) وهي المدة من الدهر، وقرأ ابن عباس وجماعة ****«بعد أمة »**** وهو النسيان، وقرأ مجاهد وشبل بن عزرة[(١١)](#foonote-١١) **«بعد أمه »** بسكون الميم وهو مصدر من أمه إذا نسي، وقرأ الأشهب العقيلي **«بعد إمة »** بكسر الهمزة، والإمة : النعمة والمعنى : بعد نعمة أنعمها الله على يوسف في تقريب إطلاقه وعزته. وبقوله : ادكر  يقوي قول من يقول : إن الضمير في  أنسانيه  \[ الكهف : ٦٣ \] عائد على الساقي، والأمر محتمل. 
وقرأ الجمهور :**«أنا أنبئكم »** وقرأ الحسن بن أبي الحسن :**«أنا آتيكم »**، وكذلك في مصحف أبي بن كعب. 
وقوله : فأرسلون  استئذان في المضي، فقيل : كان السجن في غير مدينة الملك - قاله ابن عباس - وقيل : كان فيها[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : ويرسم الناس اليوم سجن يوسف في موضع على النيل بينه وبين الفسطاط ثمانية أميال.

١ وفي الكلام حذف بعد \[فأرسلون\]، والتقدير: "فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال"، والصديق: بناء مبالغة مثل: السكير، والشريب، وكان الساقي قد صحب يوسف زمانا وخبره وعرف صدقه في غير ما أمر، كتأويل رؤياه ورؤيا صاحبه..

### الآية 12:46

> ﻿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [12:46]

المعنى : فجاء الرسول - وهو الساقي - إلى يوسف فقال له : يا يوسف  أيها الصديق  - وسماه صديقاً من حيث كان جرب صدقه في غير شيء - وهو بناء مبالغة من صدق، وسمي أبو بكر صديقاً من صدق غيره، إذ مع كل تصديق صدق، فالمصدق بالحقائق صادق أيضاً، وعلى هذا سمي المؤمنون صديقين في قوله تعالى : والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون [(١)](#foonote-١). 
ثم قال : أفتنا في سبع بقرات  أي فيمن رأى في منام سبع بقرات، وحكى النقاش حديثاً روى فيه : أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف في السجن وبشره بعطف الله تعالى عليه، وأخرجه من السجن وأنه قد أحدث للملك منامة جعلها سبباً لفرج يوسف. ويروى أن الملك كان يرى  سبع بقرات سمان  يخرجن من نهر، وتخرج وراءها  سبع عجاف ، فتأكل العجاف السمان، فكان يعجب كيف غلبتها وكيف وسعت السمان في بطون العجاف[(٢)](#foonote-٢)، وكان يرى  سبع سنبلات خضر  وقد التفت بها سبع يابسات، حتى كانت تغطي خضرتها فعجب أيضاً لذلك. 
وقوله : لعلهم يعلمون  أي تأويل هذه الرؤيا، فيزول هم الملك لذلك وهم الناس. وقيل : لعلهم يعلمون  مكانتك من العلم وكنه فضلك فيكون ذلك سبباً لتخلصك.

١ من الآية (١٩) من سورة (الحديد)..
٢ ويصح أن تضبط هكذا: وسعت السمان بطون العجاف، كما يقال: "هذا الإناء يسع عشرين كيلا، ويسعه عشرون كيلا. (المعجم الوسيط)..

### الآية 12:47

> ﻿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ [12:47]

وقوله تعالى : قال تزرعون  الآية، تضمن هذا الكلام من يوسف عليه السلام ثلاثة أنواع من القول :
أحدها : تعبير بالمعنى لا باللفظ. 
والثاني : عرض رأي وأمر به، وهو قوله : فذروه في سنبله . 
والثالث : الإعلام بالغيب في أمر العام الثامن، قاله قتادة. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل هذا ألا يكون غيباً، بل علم العبارة، أعطى انقطاع الجدب بعد سبع، ومعلوم أنه لا يقطعه إلا خصب شاف، كما أعطى أن النهر مثال للزمان. إذ هو أشبه شيء به فجاءت البقرات مثالاً للسنين. 
و  دأبا  معناه : ملازمة لعادتكم في الزراعة، ومنه قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
كدأبك من أم الحويرث قبلها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\*. البيت[(١)](#foonote-١)
وقرأ جمهور السبعة **«دأْباً »** بإسكان الهمزة، وقرأ عاصم وحده **«دأَباً »** بفتح الهمزة، وأبو عمرو يسهل الهمزة عند درج القراءة، وهما مثل : نهر ونهر. والناصب لقوله : دأباً   تزرعون ، عند أبي العباس المبرد، إذ في قوله  تزرعون  تدأبون، وهي عنده مثل قولهم : قعد القرفصاء، واشتمل الصماء[(٢)](#foonote-٢) ؛ وسيبويه يرى نصب هذا كله بفعل مضمر من لفظ المصدر يدل عليه هذا الظاهر، كأنه قال : تزرعون تدأبون دأباً. 
وقوله  فما حصدتم فذروه  هي إشارة برأي نبيل نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا بحيلة إبقائها في السنبل، فإن الحبة إذا بقيت في خبائها انحفظت والمعنى : اتركوا الزرع في السنبل إلا ما لا غنى عنه للأكل، فيجتمع الطعام هكذا ويتركب، ويؤكل الأقدم فالأقدم.

١ من معلقته المشهورة، والبيت بتمامه: هذا صدر بيت لامرئ القيس
 كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل
 ويروى: "كدينك"، أي: مثل عادتك وشأنك، وأم الحويرث هي أخت الحارث بن حصين ابن ضمضم من بني كلب، وقد تزوجت من حجر أبي امرئ القيس، ومأسل بفتح السين:
 جبل بعينه، وبكسر السين: ماء بعينه، والرواية هنا بالفتح..
٢ جاء في "الصحاح ـ شمل": "واشتمال الصماء: أن يجلل جسده كله بالكساء أو بالإزار"..

### الآية 12:48

> ﻿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ [12:48]

فإذا جاءت السنون الجدبة تقوت الناس الأقدم فالأقدم من ذلك المدخر، وادخروا أيضاً الشيء الذي يصاب في أعوام الجدب على قلته، وحملت الأعوام بعضها على بعض حتى يتخلص الناس، وإلى هذه السنين أشار النبي عليه السلام في دعائه على قريش :
**«اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف »**[(١)](#foonote-١)، فابتدأ ذلك بهم ونزلت سنة حصت كل شيء[(٢)](#foonote-٢) حتى دعا لهم النبي عليه السلام فارتفع ذلك عنهم ولم يتماد سبع سنين، وروي أن يوسف عليه السلام لما خرج ووصف هذا الترتيب للملك وأعجبه أمره، قال له الملك : قد أسندت إليك تولي هذا الأمر في الأطعمة هذه السنين المقبلة، فكان هذا أول ما ولي يوسف. 
وأسند الأكل في قوله : يأكلن  إلى السنين اتساعاً من حيث يؤكل فيها كما قال تعالى : والنهار مبصراً [(٣)](#foonote-٣) وكما قال : نهارك بطال وليلك قائم ؛ وهذا كثير في كلام العرب[(٤)](#foonote-٤). ويحتمل أن يسمى فعل الجدب وإيباس البلالات أكلاً، وفي الحديث :**«فأصابتهم سنة َحَّصت كل شيء »**[(٥)](#foonote-٥) ؛ وقال الأعرابي في السنة جمشت النجم، والتحبت اللحم، وأحجنت العظم[(٦)](#foonote-٦). 
و  تحصنون  معناه تحرزون وتخزنون، قاله ابن عباس، وهو مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ، ومنه تحصن النساء لأنه بمعنى التحرز[(٧)](#foonote-٧).

١ أخرجه البخاري في الدعوات، وفي الاستسقاء وغيرهما، والترمذي في التفسير، ولفظه كما جاء في باب الاستسقاء في البخاري عن مسروق قال: (كنا عند عبد الله، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارا قال: اللهم سبعا كسبع يوسف، فأخذتهم سنة َحَّصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد، إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، قال الله تعالى: فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين إلى قوله: عائدون\* يوم نبطش البطشة الكبرى} فالبطشة يوم بدر، وقد مضت الدخان والبطشة واللزام وآية الروم). .
٢ من قولهم، حص الشيء: حلقه، وحص الشيء: أذهبه. (المعجم الوسيط)..
٣ و (٨٦) من سورة (النمل) و (٦١) من سورة (غافر). تكررت في الآيات (٦٧) من سورة (يونس.
٤ هو من المجاز العقلي، وأمثلته كثيرة في كلام العرب كما يقول ابن عطية، ومنه قول الشاعر:
 نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم
 فقد أسند الشاعر السهو والغفلة إلى النهار، والنوم إلى الليل، وذلك لأن السهو والغفلة يقعان في النهار، والنوم يقع في الليل، ولهذه الملابسة الزمانية ساغ الإسناد إلى زمان الحدث، والعلاقة هي الزمانية..
٥ هذا جزء من الحديث السابق..
٦ يقال: جمش نبات الأرض: حصده، وجمش الشعر: حلقه، والنجم هو النبات. فالمعنى: السنة استأصلت النبات. ويقال: لحب لحم فلان: نحل، ويقال: حجن العود: لواه، فالمعنى أنها أذهبت اللحم وقوست العظم..
٧ ومنه قوله تعالى :ولا تكرهوا بناتكم على البغاء إن أردن تحصنا، من الآية (٣٣) من سورة (النور)..

### الآية 12:49

> ﻿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [12:49]

وقوله : يغاث  جائز أن يكون من الغيث، وهو قول ابن عباس ومجاهد وجمهور المفسرين، أي يمطرون، وجائز أن يكون من أغاثهم الله، أذا فرج عنهم، ومنه الغوث وهو الفرج. 
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم **«يَعصِرون »** بفتح الياء وكسر الصاد، وقرأ حمزة والكسائي ذلك بالتاء على المخاطبة، وقال جمهور المفسرين : هي من عصر النباتات كالزيتون والعنب والقصب والسمسم والفجل وجميع ما يعصر، ومصر بلد عصر لأشياء كثيرة ؛ وروي أنهم لم يعصروا شيئاً مدة الجدب، والحلب منه لأنه عصر للضروع. وقال أبو عبيدة وغيره : ذلك مأخوذ من العصرة والعصر[(١)](#foonote-١) وهو الملجأ ومنه قول أبي زبيد في عثمان رضي الله عنه :\[ الخفيف \]
صادياً يستغيث غير مغاث\*\*\* ولقد كان عصرة المنجود[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قول عدي بن زيد :\[ الرمل \]
لو بغير الماء حلقي شرق\*\*\* كنت كالغصّان بالماء اعتصاري[(٣)](#foonote-٣)
ومنه قول ابن مقبل «\[ البسيط \]
وصاحبي وهوه مستوهل زعل\*\*\* يحول بين حمار الوحش والعصر[(٤)](#foonote-٤)
ومنه قول لبيد :\[ الطويل \]
فبات وأسرى القوم آخر ليلهم\*\*\* وما كان وقافاً بغير معصر[(٥)](#foonote-٥)
أي بغير ملتجأ، فالآية على معنى ينجون بالعصرة. 
وقرأ الأعرج وعيسى وجعفر بن محمد » يُعصَرون **«بضم الياء وفتح الصاد، وهذا مأخوذ من العصرة، أي يؤتون بعصرة ؛ ويحتمل أن يكون من عصرات السحاب ماءها عليهم، قال ابن المستنير : معناها يمطرون، وحكى النقاش أنه قرىء »** يعصرون «وجعلها من عصر البلل ونحوه. ورد الطبري على من جعل اللفظة من العصرة رداً كثيراً بغير حجة[(٦)](#foonote-٦).

١ بضم العين وسكون الصاد فيهما، يقال: جاء ولكن لم يجيء لعصر، أي: لم يجيء حين المجيء..
٢ البيت لأبي زبيد الطائي، والصادي: الشديد العطش، والجمع: صداة. ومعنى (كان عصرة المنجود): كان ملجأ المكروب. قال في (اللسان): "العصر بالتحريك، والعصر والعصرة: الملجأ والمنجاة، وعصر الشيء واعتصر به: لجأ إليه، وقد قيل في قوله تعالى فيه يغاث الناس وفيه يعصرون: إنه من هذا، أي: ينجون من البلاء ويعتصمون بالخصب". وقد قيل: إن أبا زبيد قال البيت في رثاء ابن أخته الذي مات عطشا في طريق مكة وليس في عثمان رضي الله عنه..
٣ قال عدي بن زيد هذا البيت من قصيدة أنفذها إلى النعمان يذكره بطول عهده بالسجن ويرجوه العفو عنه، والاعتصار: أن يغص الإنسان بالطعام فيعتصر بالماء، وهو أن يشربه قليلا قليلا. ويقول: لو أني شرقت بغير الماء لكان في الماء نجاتي وإليه التجائي، فكيف أفعل وقد شرقت به؟ وأنت مائي، ولو كنت سجنت بأمر غيرك للجأت إليك فكيف وأنت ساجني؟.
٤ صاحبه هنا هو فرسه، والفرس الوهوه والوهواه هو النشيط الحديد الذي يكاد يفلت من كل شيء من شدة حرصه على السبق ومن نزقه، والوهوه أيضا الذي يردد صوته في جزع، والمستوهل: الفزع النشيط/ والزعل: النشيط، والعصر: الملجأ، يصف فرسه بالنشاط والسرعة ويقول: إذا طارد فريسة بادرها ومنعها من أن تلجأ إلى ملجئها الذي تحتمي به، أو حال بينها وبين النجاة..
٥ استشهد صاحب (اللسان) بالشطر الثاني من البيت، والرواية فيه: "وما كان وقافا بدار معصر"، وذكر صاحب التاج البيت كاملا، والرواية فيه كرواية (اللسان). والبيت في الديوان من قصيدة قالها لبيد يذكر من فقد من قومه ومن سادات العرب، ويتأمل في سطوة الموت وضعف الإنسان أمامه، ومطلع هذه القصيدة:
 أعاذل قومي فاعذلي الآن أو ذري فلست وإن أقصرت عني بمقصر
 والمعصر بفتح الصاد المشددة: الملجأ والحرز، وقد نقل ابن عطية البيت عن الطبري بلفظ (بغير) وإلا فرواية الديوان هي (بدار) كما رواها التاج واللسان، والضمير في (بات) يعود على قيس بن جزء كما ذكر في الأبيات السابقة..
٦ قال الطبري: "ذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين"..

### الآية 12:50

> ﻿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ [12:50]

في تضاعيف هذه الآية محذوفات يعطيها ظاهر الكلام ويدل عليها، والمعنى هنا : فرجع الرسول إلى الملأ والملك فقص عليهم مقالة يوسف، فرأى الملك وحاضروه نبل التعبير وحسن الرأي وتضمن الغيب في أمر العام الثامن، مع ما وصفه به الرسول من الصدق في المنامة المتقدمة، فعظم يوسف في نفس الملك،  وقال ائتوني به ، فلما وصل الرسول في إخراجه إليه، وقال : إن الملك قد أمر بأن تخرج، قال له : ارجع إلى ربك  - أي الملك - وقل له : ما بال النسوة  ومقصد يوسف عليه السلام إنما كان - وقل له : يستقصي عن ذنبي وينظر في أمري، هل سجنت بحق أو بظلم. فرسم قصته بطرف منها إذا وقع النظر عليه بان الأمر كله. ونكب عن ذكر امرأة العزيز حسن عشرة ورعاية لذمام ملك العزيز له. 
وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو حيوة **«النُّسوة »** بضم النون، وقرأ الباقون **«النِّسوة »** بكسر النون. وهما لغتان في تكسير نساء الذي هو اسم جمع لا واحد له من لفظة. وقرأت فرقة **«اللايي »** بالياء، وقرأ فرقة **«اللاتي »** بالتاء وكلاهما جمع التي. 
وكان هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناة وصبراً وطلباً لبراءة الساحة، وذلك أنه فيما روي خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحاً، فيراه الناس بتلك العين أبداً، ويقولون : هذا الذي راود امرأة مولاه، فأراد يوسف عليه السلام أن تبين براءته وتتحقق منزلته من العفة والخير، وحينئذ يخرج للأخطاء والمنزلة ؛ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«يرحم الله أخي يوسف، لقد كان صابراً حليماً، ولو لبثت في السجن لبثه لأجبت الداعي ولم ألتمس العذر حينئذ »**[(١)](#foonote-١)، وروي نحو هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك في كتاب التفسير من صحيح البخاري، وليس لابن القاسم في الديوان غيره. 
وهنا اعتراض ينبغي أن ينفصل عنه، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما ذكر هذا الكلام على جهة المدح ليوسف، فما باله هو، يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره، فالوجه في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ لنفسه وجهاً آخر من الرأي له جهة أيضاً من الجودة، أي لو كنت أنا لبادرت بالخروج ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك ؛ وذلك أن هذه القصص والنوازل إنما هي معرضة ليقتدي الناس بها يوم القيامة، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الناس على الأحزم من الأمور، وذلك أن المتعمق في مثل هذه النازلة التارك فرصة الخروج من مثل ذلك السجن، ربما تنتج له من ذلك البقاء في سجنه، وانصرفت نفس مخرجه عنه، وإن كان يوسف عليه السلام أمن من ذلك بعلمه من الله فغيره من الناس لا يأمن ذلك ؛ فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم ومدح، وما فعله يوسف عليه السلام صبر عظيم وجلد. 
وقوله  إن ربي بكيدهن عليم  يحتمل أن يريد بالرب الله عز وجل، وفي الآية وعيد - على هذا - وتهديد، ويحتمل أن يريد بالرب العزيز مولاه، ففي ذلك استشهاد به وتقريع له. 
والضمير في  كيدهن  ل  النسوة  المذكورات لا للجنس لأنها حالة توقيف على ذنب.

١ أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يرحم الله يوسف، إن كان لذا أناة حليما، لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إلي لخرجت سريعا)، (الدر المنثور). وفي لفظ لأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيدهن إن ربي بكيدهن عليم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر)، (تفسير ابن كثير)، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: (يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبث في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي، ونحن أحق من إبراهيم إذ قال له: أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي. (نقله القرطبي وابن كثير)..

### الآية 12:51

> ﻿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ۚ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ۚ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [12:51]

المعنى : فجمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، وقال لهن : ما خطبكن\*\*\*  الآية، أي : أي شيء كانت قصتكن ؟ فهو استدعاء منه أن يعلمنه القصة فجاوب النساء بجواب جيد، تظهر منه براءة أنفسهن جملة وأعطين يوسف بعض براءة، وذلك أن الملك لما قرر لهن أنهن راودنه قلن - جواباً عن ذلك -  حاش لله  وقد يحتمل - على بعد - أن يكون قولهن  حاش لله  في جهة يوسف عليه السلام، وقولهن : ما علمنا عليه من سوء  ليس بإبراء تام، وإنما كان الإبراء التام وصف القصة على وجهها حتى يتقرر الخطأ في إحدى الجهتين، ولو قلن : ما علمن عليه إلا خيراً لكان أدخل في التبرية. وقد بوب البخاري على هذه الألفاظ على أنها تزكية، وأدخل قول أسامة بن زيد في حديث الإفك : أهلك ولا نعلم إلا خيراً. 
قال القاضي أبو محمد : وأما مالك رحمه الله فلا يقنع بهذا في تزكية الشاهد، لأنه ليس بإثبات العدالة. 
قال بعض المفسرين فلما سمعت زوجة العزيز مقالتهن وحيدتهن عن الوقوع في الخزي حضرتها نية وتحقيق[(١)](#foonote-١)، فقالت : الآن حصحص الحق . و  حصحص  معناه : تبين بعد خفائه، كذا قال الخليل وغيره[(٢)](#foonote-٢) وقيل : هو مأخوذ من الحصة، أي بانت حصته من حصة الباطل. ثم أقرت على نفسها بالمراودة والتزمت الذنب وأبرأت يوسف البراءة التامة.

١ خافت بعد إقرارهن ببراءة يوسف أن يشهدن عليها إن أنكرت فحضرتها نية الاعتراف، وكان ذلك لطفا من الله بيوسف..
٢ لأصله: حصص، فقيل: حصحص، كما قيل: كبكبوا في كببوا، وكفكفوا في كففوا، وأصل الحص استئصال الشيء: حص شعره إذا حلقه، قال أبو قيس بن الأسلت: 
 قد حصت البيضة رأسي فما أطعم نوما غير تهجاع
 ويقال: سنة حصاء أي جرداء لا خير فيها، قال جرير:
 يأوي إليكم بلا من ولا جحد من ساقه السنة الحصاء والذيب
 وفي الحديث: (فأصابتهم سنة َحَّصت كل شيء)، أي: أتت على كل شيء..

### الآية 12:52

> ﻿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [12:52]

ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ( ٥٢ ) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ٥٣ )
قالت جماعة من أهل التأويل : هذه المقالة هي من يوسف عليه السلام، وذلك : ليعلم  العزيز سيدي  أني لم أخنه  في أهله وهو غائب، وليعلم أيضاً أن الله تعالى  لا يهدي  كيد خائن ولا يرشد سعيه. 
قال القاضي أبو محمد : والهدى للكيد مستعار، بمعنى لا يكلمه ولا يمضيه على طريق إصابة، ورب كيد مهدي إذا كان من تقي في مصلحة. 
واختلفت هذه الجماعة فقال ابن جريج : هذه المقالة من يوسف هي متصلة بقوله للرسول : إن ربي بكيدهن عليم  \[ يوسف : ٥٠ \]، وفي الكلام تقديم وتأخير، فالإشارة بقوله : ذلك  - على هذا التأويل - هي إلى بقائه في السجن والتماسه البراءة أي هذا ليعلم سيدي أني لم أخنه. 
وقال بعضهم : إنما قال يوسف هذه المقالة حين قالت امرأة العزيز كلامها، إلى قولها : وإنه لمن الصادقين  \[ يوسف : ٥١ \] فالإشارة - على هذا - إلى إقرارها، وصنع الله تعالى فيه، وهذا يضعف، لأنه يقتضي حضوره مع النسوة عند الملك، وبعد هذا يقول الملك : ائتوني به  \[ يوسف : ٥٤ \]. 
وقالت فرقة من أهل التأويل : هذه الآية من قول امرأة العزيز، وكلامها متصل، أي قولي هذا وإقراري ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته بأن أكذب عليه أو أرميه بذنب هو بريء منه ؛ والتقدير - على هذا التأويل توبتي وإقراري ليعلم أني لم أخنه وأن الله لا يهدي. . 
وعلى أن الكلام من يوسف يجيء التقدير : وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين.

### الآية 12:53

> ﻿۞ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [12:53]

وقوله تعالى : وما أبرىء نفسي  الآية، هذه أيضاً مختلف فيها هل هي من كلام يوسف أم من كلام المرأة، حسب التي قبلها :
فمن قال من كلام يوسف روى في ذلك : عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما قال يوسف : أني لم أخنه بالغيب  قال له جبريل : ولا حين هممت وحللت سراويلك[(١)](#foonote-١)، وقال نحوه ابن عباس وابن جبير وعكرمة والضحاك. وروي أن المرأة قالت له ذلك، قاله السدي، وروي أن يوسف تذكر من تلقائه ما كان هم به فقال : وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ، قاله ابن عباس أيضاً. 
ومن قال : إن المرأة قالت  وما أبرىء نفسي  فوجه كلامها الاعتذار عن وقوعها فيما يقع فيه البشر من الشهوات، كأنها قالت : وما هذا ببدع ولا ذلك نكير على البشر فأبرئ أنا منه نفسي، والنفوس أمارات بالسوء مائلة إليه. 
و  أمارة  بناء مبالغة، و  ما  في قوله : إلا ما رحم  مصدرية، هذا قول الجمهور فيها، وهو على هذا. استثناء منقطع، أي إلا رحمة ربي[(٢)](#foonote-٢)، ويجوز أن تكون بمعنى ****«من »****، هذا على أن تكون النفس يراد بها النفوس إذ النفس تجري صفة لمن يعقل كالعين والسمع، كذا قال أبو علي، فتقدير الآية : إلا النفوس التي يرحمها الله. 
قال القاضي أبو محمد : وإذن النفس اسم جنس، فصح أن تقع  ما  مكان ****«من »**** إذ هي كذلك في صفات من يعقل وفي أجناسه، وهو نص في كلام المبرد، وهو - عندي - معنى كلام سيبويه، وهو مذهب أبي علي - ذكره في البغداديات. 
ويجوز أن تكون  ما  ظرفية، المعنى : أن النفس لأمارة بالسوء إلا مدة رحمة الله العبد وذهابه عن اشتهاء المعاصي. 
ثم ترجى في آخر الآية بقوله : إن ربي غفور رحيم .

١ أخرج الحاكم في تاريخه، وابن مردويه، والديلمي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، قال: لما قالها يوسف عليه السلام، قال له جبريل عليه السلام: يا يوسف اذكر همك، قال: وما أبرىء نفسي..
٢ قال الفراء في "معاني القرآن": ومثله: إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها، ومثله في سورة يس: فلا صريخ ولا هم ينقدون إلا رحمة منا، إنما هو – والله أعلم ـ إلا أن يرحموا، و"أن" تضارع "ما" إذا كانتا في معنى مصدر.
 وقال أبو حيان في "البحر المحيط": والظاهر أن إلا ما رحم ربي استثناء متصل من قوله: لأمارة بالسوء لأنه أراد الجنس بقوله: إن النفس، فكأنه قال: إلا النفس التي رحمها ربي فلا تأمر بالسوء، فيكون استثناء من الضمير المستكن في: أمارة..

### الآية 12:54

> ﻿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ [12:54]

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ( ٥٤ ) } المعنى أن الملك لما تبينت له براءة يوسف مما نسب إليه، وتحقق في القصة أمانته، وفهم أيضاً صبره وجلده، عظمت منزلته عنده وتيقن حسن خلاله فقال : ائتوني به أستخلصه لنفسي . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا الذي أمّ يوسف عليه السلام بتثبته في السجن أن يرتقي إلى أعلى المنازل، فتأمل أن الملك قال أولاً - حين تحقق علمه -  ائتوني به  \[ يوسف : ٥٠ \] فقط، فلما فعل يوسف ما فعل، فظهرت أمانته وصبره وعلو همته وجودة نظره قال : ائتوني به أستخلصه لنفسي ، فلما جاءه وكلمه قال : إنك اليوم لدينا مكين أمين  فدل ذلك على أنه رأى من كلامه وحسن منطقه ما صدق به الخبر أو أربى عليه، إذ المرء مخبوء تحت لسانه ؛ ثم لما زاول الأعمال مشى القدمية[(١)](#foonote-١) حتى ولاه خطة العزيز. 
و  أمين  من الأمانة، وقالت فرقة هو بمعنى آمن. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، لأنه يخرج من نمط الكلام وينحط إكرام يوسف كثيراً ويروى أن الملك لما أدنى يوسف قال له : إني أشاركك في كل شيء إلا أني أحب أن لا تشركني في أهلي وأن لا يأكل معي عبدي، فقال له يوسف : أتأنف أن آكل معك ؟ أنا أحق أن آنف، أنا ابن إبراهيم الخليل، وابن إسحاق الذبيح[(٢)](#foonote-٢)، وابن يعقوب الصديق. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا الحديث بعد وضعف، وقد قال ابن ميسرة : إنما جرى هذا في أول أمره، كان يأكل مع العزيز، فلما جرت قصة المرأة قالت للعزيز : أتدع هذا يواكلك ؟ فقال له : اذهب فكل مع العبيد ؛ فأنف وقال ما تقدم. 
أما إن الظاهر من قصته وقت محاورة الملك أنه كان على عبودية، وإلا كان اللائق به أن ينتحي بنفسه عن عمل الكافر، لأن القوم كانوا أهل أوثان ومحاورة يوسف لصاحبي السجن تقضي بذلك. 
وسمى الله تعالى فرعون مصر ملكاً إذ هي حكاية اسم مضى حكمه وتصرم زمنه، ولو كان حياً لكان حكماً له إذا قيل لكافر : ملك أو أمير، ولهذا كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل فقال :**«عظيم الروم »**، ولم يقل : ملكاً ولا أميراً، لأن ذلك حكم، والحق أن يسلم ويسلموا. وأما كونه عظيمهم فتلك صفة لا تفارقه كيفما تقلب، ولو كتب له النبي عليه السلام : أمير الروم، لتمسك بتلك الحجة على نحو تمسك زياد في قوله : شهد - والله - لي أبو الحسن.

١ أي: تقدم في الشرف والفضل، ولم يتأخر عن غيره في الإفضال على الناس. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إن ابن أبي العاص مشى القدمية، وإن ابن الزبير لوى ذنبه". (عن اللسان)..
٢ المعروف والثابت أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، ولعل هذا هو الذي جعل المؤلف يقول: "وفي هذا الحديث بعد وضعف"..

### الآية 12:55

> ﻿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [12:55]

وقوله تعالى : اجعلني على خزائن الأرض  الآية، فهم يوسف عليه السلام من الملك أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره في الملك، فألقى يده في الفصل الذي تمكنه فيه المعدلة ويترتب له الإحسان إلى من يجب ووضع الحق على أهله وعند أهله. 
قال بعض أهل التأويل : في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فصل ما لا يعارض فيه، فيصلح منه ما شاء ؛ وأما إن كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز له ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وطلبة يوسف للعمل إنما هي حسبة منه عليه السلام لرغبته في أن يقع العدل، ونحو هذا هو دخول أبي بكر الصديق في الخلافة مع نهيه المستشير من الأنصار عن أن يتأمر على اثنين\*\*\* الحديث بكماله. فجائز للفاضل أن يعمل وأن يطلب العمل إذا رأى ألا عوض منه[(١)](#foonote-١)، وجائز أيضاً للمرء أن يثني على نفسه بالحق إذا جهل أمره[(٢)](#foonote-٢). 
و  خزائن  لفظ عام لجميع ما تختزنه المملكة من طعام ومال وغيره. و  حفيظ عليم  صفتان تعم[(٣)](#foonote-٣) وجوه التثقيف والحيطة لا خلل معهما لعامل. وقد خصص الناس بهاتين الصفتين أشياء، مثل قولهم :****«حفيظ »**** بالحساب ****«عليم »**** بالألسن، وقول بعضهم :****«حفيظ »**** لما استودعتني، ****«عليم »**** بسني الجوع، وهذا كله تخصيص لا وجه له، وإنما أراد باتصافه أن يعرف الملك بالوجه الذي به يستحق الكون على خزائن الأرض فاتصف بأنه يحفظ المجبي من كل جهة تحتاج إلى الحفظ. ويعلم التناول أجمع. وروي عن مالك بن أنس أنه قال : مصر خزانة الأرض، واحتج بهذه الآية. 
وقوله  خزائن الأرض  يريد أرض مصر إذ لم تكن مملكة فرعون إلا بها فقط، ويؤكد أن تسمى خزانة الأرض نصبتها في بلاد الأرض وتوسطها، فمنها ينقل الناس إلى أقطار الأرض وهي محل كل جالب.

١ وأيضا فإن يوسف سأل الولاية بالحفظ والعلم فقال: إني حفيظ عليم، ولم يطلبها بالحسب ولا بالنسب، ولم يقل: "إني حسيب نسيب". ومع ذلك فقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخر ذلك عن سنة)..
٢ قال الماوردي: "وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات، ولكنه مخصوص فيما اقترن بوصله، أو تعلق بظاهر من مكسب، وممنوع فيما سواه"..
٣ هكذا في جميع النسخ المخطوطة..

### الآية 12:56

> ﻿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [12:56]

وقوله تعالى : وكذلك مكنا ليوسف  الآية، الإشارة بذلك إلى ما تقدم من جميل صنع الله به كهذه الفعال المنصوصة، درجناه في الرتب ونقلناه فمكنا له في الأرض. 
قال القاضي أبو محمد : فروي أن العزيز مات في تلك الليالي، وقال ابن إسحاق : بل عزله الملك ثم مات أطفير، فولاه الملك مكانه وزوجه زوجته، فلما دخلت عليه عروساً قال لها : أليس هذا خيراً مما كنت أردت ؟ فقالت له : أيها الصديق كنت في غاية الجمال، وكنت شابة عذراء، وكان زوجي لا يطأ، فغلبتني نفسي في حبك، فدخل يوسف بها فوجدها بكراً، وولدت له ولدين. وروي أن الملك عزل العزيز، وولاه موضعه، ثم عظم ملك يوسف وتغلب على حال الملك أجمع، قال مجاهد : وأسلم الملك آخر أمره، ودرس أمر العزيز وذهبت دنياه، ومات وافتقرت زوجته، وزمنت وشاخت، فلما كان في بعض الأيام. لقيت يوسف في طريق، والجنود حوله ووراءه، وعلى رأسه بنود عليها مكتوب  هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله، وما أنا من المشركين [(١)](#foonote-١) \[ يوسف : ١٠٨ \] فصاحت به وقالت : سبحان من أعز العبيد بالطاعة، وأذل الأرباب بالمعصية، فعرفها، وقالت له : تعطف عليَّ وارزقني شيئاً فدعاها وكلمها، وأشفق لحالها، ودعا الله تعالى، فرد عليها جمالها وتزوجها. 
قال القاضي أبو محمد : وروي في نحو هذا من القصص ما لا يوقف على صحته، ويطول الكلام بسوقه. وقرأ الجمهور : حيث يشاء  على الإخبار عن يوسف ؛ وقرأ ابن كثير وحده  حيث نشاء  بالنون على ضمير المتكلم. أي حيث يشاء الله من تصرف يوسف على اختلاف تصرفه، وحكى أبو حاتم هذه القراءة عن الحسن وشيبة ونافع وأبي جعفر بخلاف عن الثلاثة المدنيين ؛ وقال أبو علي : إما أن يكون تقدير هذه القراءة : حيث يشاء من المحاريب والمتعبدات وأحوال الطاعات، فهي قرب يريدها الله ويشاؤها ؛ وإما أن يكون معناها : حيث يشاء يوسف، لكن أضاف الله عز وجل المشيئة التي ليوسف إليه من حيث هو عبد من عبيده، وكانت مشيئته بقدرة الله تعالى وقوته كما قال : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [(٢)](#foonote-٢) \[ الأنفال : ١٧ \]. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله من أبي علي نزعة اعتزالية، وتحفظ من أن أفعال العباد من فاعلين، فتأمله. 
واللام في قوله : مكنا ليوسف  يجوز أن تكون على حد التي في قوله  ردف لكم [(٣)](#foonote-٣) \[ النمل : ٧٢ \] و  للرؤيا تعبرون [(٤)](#foonote-٤) \[ يوسف : ٤٣ \]. وقوله : يتبوأ  في موضع نصب على الحال، و  حيث يشاء  نصب على الظرف أو على المفعول به، كما قال الشماخ : حيث تكوى النواحز[(٥)](#foonote-٥). وباقي الآية بين.

١ الآية (١٠٨) من سورة (يوسف)..
٢ من الآية (١٧) من سورة (الأنفال)..
٣ من قوله تعالى في الآية (٧٢) من سورة (النمل): قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون..
٤ من الآية (٤٣) من سورة (يوسف)..
٥ هذا جزء من بيت، وهو بتمامه: 
 وجلاها عن ذي الأراكة عامر أخو الحضر يرمي حيث تكوى النواحز
 ذو الأراكة: موضع من اليمامة لبني عجل مشهور بكثرة نخيله، وجلاها: أخرجها وأبعدها، وعامر أخو الحضر: قانص مشهور، والحضر: سرعة جري الفرس، ومثله الإحضار، ولكن الحضر هو الاسم، والإحضار هو المصدر، وعامر هذا كان سريع العدو حتى قيل عنه: أخو الحضر، والنواحز: الإبل التي بها نحاز، والنحاز داء يأخذ الدواب والإبل في رئاتها فتسعل سعالا شديدا، ودواؤها هو الكي في جنوبها أو أصول أعناقها، وقد روى: النحائز، والحزاحز والجزائز..

### الآية 12:57

> ﻿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [12:57]

ولما تقدم في هذه الآية الإحسان من العبد، والجري على طريق الحق لا يضيع عند الله ولا بد من حسن عاقبته في الدنيا، عقب ذلك بأن حال الآخرة أحمد وأحرى أن تجعل غرضاً ومقصداً، وهذا هو الذي ينتزع من الآية بحسب المقيدين بالإيمان والتقوى من الناس وفيها مع ذلك إشارة إلى أن حاله من الآخرة خير من حاله العظيمة في الدنيا.

### الآية 12:58

> ﻿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [12:58]

وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( ٥٨ ) }
قال السدي وغيره : سبب مجيئهم أن المجاعة التي أنذر بها يوسف أصابت البلاد التي كان بها يعقوب، وروي أنه كان في العربات من أرض فلسطين بغور الشام. وقيل : كان بالأدلاج من ناحية الشعب[(١)](#foonote-١)، وكان صاحب بادية له إبل وشاء، فأصابهم الجوع، وكان أهل مصر قد استعدوا وادخروا من السنين الخصيبة، فكان الناس يمتارون من عند يوسف، وهو في رتبة العزيز المتقدم، وكان لا يعطي الوارد أكثر من حمل بعير، يسوي بين الناس، فلما ورد إخوته عرفهم يوسف ولم يعرفوه هم، لبعد العهد وتغير سنه، ولم يقع لهم - بسبب ملكه ولسانه القبطي - ظن عليه ؛ وروي في بعض القصص : أنه لما عرفهم أراد أن يخبروه بجميع أمرهم، فباحثهم بأن قال لهم - بترجمان - أظنكم جواسيس، فاحتاجوا - حينئذ - إلى التعريف بأنفسهم فقالوا : نحن أبناء رجل صديق، وكنا اثني عشر، ذهب واحد منا في البرية، وبقي أصغرنا عند أبينا، وجئنا نحن للميرة، وسقنا بعير الباقي منا، وكانوا عشرة، ولهم أحد عشرة بعيراً ؛ فقال لهم يوسف : ولم تخلف أخوكم ؟ قالوا : لمحبة أبينا فيه، قال : فأتوني بهذا الأخ حتى أعلم حقيقة قولكم وأرى لِمَ أحبه أبوكم أكثر منكم إن كنتم صادقين ؟ وروي في القصص أنهم وردوا مصر، واستأذنوا على العزيز وانتسبوا في الاستئذان، فعرفهم، وأمر بإنزالهم، وأدخلهم في ثاني يوم على هيئة عظيمة لملكه وأهبة شنيعة ؛ وروي أنه كان متلثماً أبداً ستراً لجماله، وأنه كان يأخذ الصواع فينقره، ويفهم من طنينه صدق ما يحدث به أو كذبه ؛ فسئلوا عن أخبارهم، فكلما صدقوا قال لهم يوسف : صدقتم، فلما قالوا : وكان لنا أخ أكله الذئب، طن يوسف الصاع وقال : كذبتم، ثم تغير لهم، وقال : أراكم جواسيس، وكلفهم سوق الأخ الباقي ليظهر صدقهم في ذلك، في قصص طويل جاءت الإشارة إليه في القرآن وجيزة.

١ اختلف النسخ في كلمتي (العربات) و (الأدلاج)، واخترنا ما يتفق مع كتب التفسير المحققة..

### الآية 12:59

> ﻿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [12:59]

و ****«الجهاز »**** ما يحتاج إليه المسافر من زاد ومتاع وكل ما يحمل، وكذلك جهاز العروس وجهاز الميت. 
وقول يوسف عليه السلام : ألا ترون أني أوفى الكيل  الآية، يرغبهم في نفسهم آخراً، ويؤنسهم ويستميلهم. و  المنزلين  يعني المضيفين في قطره ووقته، و ****«الجهاز »**** - المشار إليه - الطعام الذي كان حمله لهم.

### الآية 12:60

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ [12:60]

ثم توعدهم إن لم يجيئوا بالأخ بأنه لا كيل لهم عنده في المستأنف، وأمرهم ألا يقربوا له بلداً ولا طاعة، و  لا تقربون  نهي لفظاً ومعنى، ويجوز أن يكون لفظه الخبر ومعناه النهي، وتحذف إحدى النونين كما قرىء  فبم تبشرونِ [(١)](#foonote-١) \[ الحجر : ٥٤ \] - بكسر النون - وهذا خبر لا غير. وخلط النحاس في هذا الموضع ؛ وقال مالك رحمه الله : هذه الآية وما يليها تقتضي أن كيل الطعام على البائع، وكذلك هي الرواية في التولية والشركة : أنها بمنزلة البيع، والرواية في القرض : أن الكيل على المستقرض. 
وروي أنه حبس منهم شمعون رهينة حتى يجيئوه ببنيامين، - قاله السدي - وروي : أنه لم يحبس منهم أحداً. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«كان يوسف يلقي حصاة في إناء فضة مخوص بالذهب فيطن فيقول لهم : إن هذا الإناء يخبرني أن لكم أباً شيخاً »**. 
قال القاضي أبو محمد : كأنها حيلة وإيهام لهم، وروي : أن ذلك الإناء به كان يكيل الطعام إظهاراً لعزته بحسب غلائه في تلك المدة، وروي : أن يوسف استوفى في تلك السنين أموال الناس، ثم أملاكهم، فمن هناك ليس لأحد في أرض مصر ومزارعها ملك. وظاهر كل ما فعله يوسف معهم أنه بوحي وأمر وإلا فكان بر يعقوب يقتضي أن يبادر إليه ويستدعيه، لكن الله تعالى أعلمه بما يصنع ليكمل أجر يعقوب ومحنته وتتفسر الرؤيا الأولى.

### الآية 12:61

> ﻿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ [12:61]

قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ( ٦١ ) }
تقدم معنى **«المراودة »** أي سنفائل[(١)](#foonote-١) أباه في أن يتركه يأتي معنا إليك، ثم شددوا هذه المقالة بأن التزموها له في قولهم : وإنا لفاعلون ، وأراد يوسف عليه السلام المبالغة في استمالتهم بأن رد مال كل واحد منهم في رحله بين طعامه، وأمر بذلك فتيانه.

١ فاءله: لعب معه لعبة الفئال، وهي أن يخبىء فريق شيئا في التراب ثم يقسمه قسمين، ويسأل الفريق الآخر: في أيهما يكون الشيء؟.

### الآية 12:62

> ﻿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [12:62]

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر :**«لفتيته »** وقرأ حمزة والكسائي :**«لفتيانه »**، واختلف عن عاصم، ففتيان للكثرة - على مراعاة المأمورين - وفتية للقلة - على مراعاة المتناولين وهم الخدمة[(١)](#foonote-١) - ويكون هذا الوصف للحر والعبد. وفي مصحف ابن مسعود :**«وقال لفتيانه »** وهو يكايلهم. 
وقوله  لعلهم يعرفونها  يريد : لعلهم يعرفون لها يداً، أو تكرمة يرون حقها، فيرغبون فينا، فلعلهم يرجعون حينئذ وأما مير البضاعة فلا يقال فيه : لعل، وقيل : قصد يوسف برد البضاعة أن يتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فيرجعوا لدفع الثمن، وهذا ضعيف من وجوه، وسرورهم بالبضاعة وقولهم : هذه بضاعتنا ردت إلينا  \[ يوسف : ٦٥ \] يكشف أن يوسف لم يقصد هذا وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم، فيرغبهم في نفسه كالذي كان ؛ وخص البضاعة بعينها - دون أن يعطيهم غيرها من الأموال - لأنها أوقع في نفوسهم، إذ يعرفون حلها، وماله هو إنما كان عندهم مالاً مجهول الحال، غايته أن يستجاز على نحو استجازتهم قبول الميرة ؛ ويظهر أن ما فعل يوسف من صلتهم، وجبرهم في تلك الشدة كان واجباً عليه، إذ هو ملك عدل وهم أهل إيمان ونبوة ؛ وقيل : علم عدم البضاعة والدراهم عند أبيه، فرد البضاعة إليهم لئلا يمنعهم العدم من الانصراف إليه ؛ وقيل : جعلها توطئة لجعل السقاية في رحل أخيه بعد ذلك، ليبين أنه لم يسرق لمن يتأمل القصة. 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر من القصة أنه إنما أراد الاستئلاف وصلة الرحم.

١ في صيغة الكثرة يكون مثل "غلمان" و "صبيان"، وفي صيغة القلة يكون مثل "غلمة" و " صبية"، فإن قيل: وزن "فتى" فعل، و"فعل" لا يجمع على "فعلة"، قيل: لما وافق "غلمانا" في الجمع الكثير فقيل فيه "فتيان" جمعوا بينهما في القليل فقيل "فتية" ليوافقوا بينهما. قاله ابن خالويه في كتابه: "الحجة في القراءات السبع"..

### الآية 12:63

> ﻿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [12:63]

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر :**«نكتل »** بالنون على مراعاة  منع منا  ويقويه : ونمير أهلنا ونزداد  \[ يوسف : ٦٥ \] وقرأ حمزة والكسائي :**«يكتل »** بالياء، أي يكتل بنيامين كما اكتلنا نحن. 
وأصل  نكتل ، وزنه نفتعل[(١)](#foonote-١). وقوله  منع منا  ظاهره أنهم أشاروا إلى قوله : فلا كيل لكم عندي  \[ يوسف : ٦٠ \] فهو خوف في المستأنف[(٢)](#foonote-٢) ؛ وقيل : أشاروا إلى بعير بنيامين - الذي لم يمتر - والأول أرجح. ثم تضمنوا له حفظه وحيطته.

١ فاستثقلوا الكسرة على الياء فحذفت الكسرة، فانقلبت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها، فالتقى ساكنان فحذفت لالتقاء الساكنين..
٢ في بعض النسخ: "فهو خوف من المستأنف"، وكان خوفهم من المنع في المستأنف حقيقة لأنهم قد كيل لهم بالفعل وجاءوا أباهم بالميرة، لكن لما أنذروا بالمنع قالوا: (منع)..

### الآية 12:64

> ﻿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [12:64]

قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( ٦٤ ) 
قوله  هل  توقيف وتقرير، وتألم يعقوب عليه السلام من فرقة بنيامين، ولم يصرح بمنعهم من حمله لما رأى في ذلك من المصلحة، لكنه أعلمهم بقلة طمأنينته إليهم. وأنه يخاف عليه من كيدهم، ولكن ظاهر أمرهم أنهم كانوا نبئوا وانتقلت حالهم، فلم يخف كمثل ما خاف على يوسف من قبل، لكن أعلم بأن في نفسه شيئاً، ثم استسلم لله تعالى، بخلاف عبارته في قصة يوسف. 
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم - في رواية أبي بكر - **«خير حفظاً »** وقرأ حمزة والكسائي وحفص - عن عاصم - **«خير حافظاً »** ونصب ذلك - في القراءتين - على التمييز. وقال الزجاج : يجوز أن ينصب ****«حافظاً »**** على الحال، وضعف ذلك أبو علي الفارسي، لأنها حال لا بد للكلام والمعنى منها، وذلك بخلاف شرط الحال، وإنما المعنى أن حافظ الله خير حافظكم. ومن قرأ **«حفظاً »** فهو مع قولهم : ونحفظ أخانا . ومن قرأ ****«حافظاً »**** فهو مع قولهم  وإنا له لحافظون [(١)](#foonote-١) \[ يوسف : ٦٣ \] فاستسلم يعقوب عليه السلام لله وتوكل عليه. قال أبو عمرو الداني : قرأ ابن مسعود :**«فالله خير حافظ وهو خير الحافظين »**. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا بعد. 
١ قال ابن خالويه: "كان الأصل الإضافة، فلما حذفت خلفها التنوين، فإن قيل: فما الفرق بين قولهم: "زيد أفره عبد" بالخفض، و "زيد أفره عبدا" بالنصب؟ فقل: إذا خفضوا فالفاره هو العبد ومحته في ذاته، وإذا نصبوا فالعبد غير زيد، ومعناه: زيد أفرهكم عبدا أو أفره عبدا من غيره، فهذا فرقان بين". (الحجة ١٩٧)..

### الآية 12:65

> ﻿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ۖ هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ [12:65]

وقوله : فتحوا متاعهم  سمى المشدود المربوط بحملته متاعاً، فلذلك حسن الفتح فيه، قرأ جمهور الناس :**«رُدت »** بضم الراء، على اللغة الفاشية عن العرب، وتليها لغة من يشم، وتليها لغة من يكسر. وقرأ علقمة ويحيى بن وثاب ****«رِدت »**** بكسر الراء على لغة من يكسر - وهي في بني ضبة -، قال أبو الفتح : وأما المعتل - نحو قيل وبيع - فالفاشي فيه الكسر، ثم الإشمام، ثم الضم، فيقولون : قول وبوع، وأنشد ثعلب :\[ الرجز \]
. . . . . . . . وقول لا أهل له ولا مال[(١)](#foonote-١)\*\*\* قال الزجاج : من قرأ :****«رِدت »**** بكسر الراء - جعلها منقولة من الدال - كما فعل في قيل وبيع - لتدل على أن أصل الدال الكسرة. 
وقوله  ما نبغي  يحتمل أن تكون  ما  استفهاماً، قاله قتادة. و  نبغي  من البغية، أي ما نطلب بعد هذه التكرمة ؟ هذا مالنا رد إلينا مع ميرتنا. قال الزجّاج : ويحتمل أن تكون  ما  نافية، أي ما بقي لنا ما نطلب، ويحتمل أيضاً أن تكون نافية، و  نبغي  من البغي، أي ما تعدينا فكذبنا على هذا الملك ولا في وصف إجماله وإكرامه هذه البضاعة مردودة. 
وقرأ أبو حيوة **«ما تبغي »** - بالتاء، على مخاطبة يعقوب، وهي بمعنى : ما تريد وما تطلب ؟ قال المهدوي : وروتها عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأت فرقة :**«ونَمير »** بفتح النون - من مار يمير : إذا جلب الخير، ومن ذلك قول الشاعر :\[ الوافر \]
بعثتك مائراً فمكثت حولاً\*\*\* متى يأتي غياثك من تغيث[(٢)](#foonote-٢)
وقرأت عائشة رضي الله عنها :**«ونُمير »** بضم النون - وهي من قراءة أبي عبد الرحمن السلمي - وعلى هذا يقال : مار وأمار بمعنى\*\*\*. ؟
وقولهم : ونزداد كيل بعير  يريدون بعير أخيهم إذ كان يوسف إنما حمل لهم عشرة أبعرة ولم يحمل الحادي عشر لغيب صاحبه : وقال مجاهد : كيل بعير  أراد كيل حمار. قال : وبعض العرب يقول للحمار بعير. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا شاذ. 
وقولهم : ذلك كيل يسير  تقرير بغير ألف، أي أذلك كيل يسير في مثل هذا العام فيهمل أمره ؟ وقيل : معناه : يسير  على يوسف أن يعطيه. وقال الحسن البصري : وقد كان يوسف وعدهم أن يزيدهم حمل بعير بغير ثمن ؛ وقال السدي : معنى  ذلك كيل يسير  أي سريع لا نحبس فيه ولا نمطل. 
قال القاضي أبو محمد : فكأنهم أنسوه على هذا بقرب الأوبة.

١ هذا عجز بيت، أورده في (اللسان – قول)، و (المنصف ١ـ ٢٥٠)، و (المحتسب ١ـ ٣٤٥)، وهو بتمامه: 
 وابتذلت غضبي وأم الرحـــال وقول لا أهل له ولا مال
 وفي (اللسان): "وابتدأت" بدلا من و "ابتدلت". وقال ابن جني في "المحتسب": "وأظنه عن أحمد بن يحيى"..
٢ يقال: مار أولاده وأهله يميرهم ميرا فهو مائر، فالمائر: اسم فاعل، والميرة: الطعام يأتي به الإنسان، وهم يمتارون لأنفسهم، ويميرون غيرهم، والميار: جالب الميرة، والميار: جمع مائر..

### الآية 12:66

> ﻿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [12:66]

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ }
أراد يعقوب عليه السلام أن يتوثق منهم. و **«الموثق »** - مفعل - من الوثاقة. فلما عاهدوه أشهد الله بينه وبينهم بقوله : الله على ما نقول وكيل  و **«الوكيل »** القيم الحافظ الضامن. 
وقرأ ابن كثير **«تؤتوني »** بياء في الوصل والوقف، وروي عن نافع أنه وصل بياء ووقف دونها. والباقون تركوا الياء في الوجهين.

### الآية 12:67

> ﻿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [12:67]

وقوله : لا تدخلوا من باب واحد  قيل : خشي عليهم العين لكونهم أحد عشر لرجل واحد، وكانوا أهل جمال وبسطة. قال ابن عباس والضحاك وقتادة وغيره : والعين حق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر »**[(١)](#foonote-١)، وفي تعوذه عليه السلام :**«أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة وكل عين لامة »**[(٢)](#foonote-٢) وقيل : خشي أن يستراب بهم لقول يوسف قبل : أنتم جواسيس ويضعف هذا ظهورهم قبل بمصر. وقيل : طمع بافتراقهم أن يستمعوا أو يتطلعوا خبر يوسف - وهذا ضعيف يرده : وما أغني عنكم من الله من شيء  فإن ذلك لا يتركب على هذا المقصد. 
وقوله : إلا أن يحاط بكم  لفظ عام لجميع وجوه الغلبة والقسر والمعنى تعمكم الغلبة من جميع الجهات حتى لا تكون لكم حيلة ولا وجه تخلص. وقال مجاهد : المعنى : إلا أن تهلكوا جميعاً. وقال قتادة : إلا ألا تطيقوا ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا يرجحه لفظ الآية. وانظر أن يعقوب عليه السلام قد توثق في هذه القصة، وأشهد الله تعالى، ووصى بنيه، وأخبر بعد ذلك بتوكله، فهذا توكل مع تسبب، وهو توكل جميع المؤمنين إلا من شط في رفض السعي وقنع بماء وبقل البرية ونحوه، فتلك غاية التوكل وعليها بعض الأنبياء عليهم السلام، والشارعون منهم مثبتون سنن التسبب الجائز، وما تجاوز ذلك من الإلقاء باليد مختلف في جوازه، وقد فضله بعض المجيزين له، ولا أقول بذلك، وباقي الآية بين.

### الآية 12:68

> ﻿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ۚ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [12:68]

وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( ٦٨ ) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ٦٩ )
روي أنه لما ودعوا أباهم قال لهم : بلغوا ملك مصر سلامي وقولوا له : إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك ويشكر صنيعك معنا. وفي كتاب أبي منصور المهراني : أنه خاطبه بكتاب قرىء على يوسف فبكى. 
وقوله : ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها  بمثابة قولهم : لم يكن في ذلك دفع قدر الله بل كان أرباً ليعقوب قضاه. وطيباً لنفسه تمسك به وأمر بحبسه. فجواب  لما  في معنى قوله : ما كان يغني عنهم من الله من شيء [(١)](#foonote-١) و  إلا حاجة  استثناء ليس من الأول. وال  حاجة  هي أن يكون طيب النفس بدخولهم من أبواب متفرقة خوف العين. قال مجاهد :**«الحاجة »** : خيفة العين، وقاله ابن إسحاق، وفي عبارتهما تجوز : ونظير هذا الفعل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سد كوة في قبر بحجر وقال :**«إن هذا لا يغني شيئاً ولكنه تطيب لنفس الحي »**[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : وقوله - عندي -  ما كان يغني عنهم من الله من شيء  معناه : ما رد عنهم قدراً، لأنه لو قضي أن تصيبهم عين لأصابتهم مفترقين أو مجتمعين، وإنما طمع يعقوب أن تصادف وصيته قدر السلامة فوصى وقضى بذلك حاجته في نفسه في أن يتنعم برجائه، أن تصادف القدر في سلامتهم. 
ثم أثنى الله عز وجل على يعقوب بأنه لقن ما علمه الله من هذا المعنى، واندرج غير ذلك في العموم وقال إن أكثر الناس ليس كذلك، وقيل : معناه : إنه لعامل بما علمناه - قاله قتادة - وقال سفيان : من لا يعمل لا يكون عالماً. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا لا يعطيه اللفظ، اما انه صحيح في نفسه يرجحه المعنى وما تقتضيه منزلة يعقوب عليه السلام. 
قال أبو حاتم : قرأ الأعمش  لذو علم لما علمناه . ويحتمل أن يكون جواب  لما  في هذه الآية محذوفاً مقدراً، ثم يخبر عن دخولهم أنه  ما كان يغني. . .  الآية.

١ قال أبو حيان في البحر: "وفيه حجة لمن زعم أن \[لما\] حرف وجوب لوجوب لا ظرف زمان بمعنى (حين)، إذ لو كانت ظرف زمان ما جاز أن تكون معمولة لما بعد (ما) النافية، لا يجوز: "حين قام زيد ما قام عمرو"، ويجوز: "لما قام زيد ما قام عمرو"، فدل ذلك على أن \[لما\] حرف يترتب جوابه على ما بعده..
٢ أخرجه الترمذي في كتاب الطب..

### الآية 12:69

> ﻿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [12:69]

وقوله تعالى : ولما دخلوا على يوسف  الآية. المعنى أنه لما دخل إخوة يوسف عليه ورأى أخاه شكر ذلك لهم - على ما روي - وضم إليه أخاه وآواه إلى نفسه. ومن هذه الكلمة المأوى. وكان بنيامين شقيق يوسف فآواه. وصورة ذلك - على ما روي عن ابن إسحاق وغيره - أن يوسف عليه السلام أمر صاحب ضيافته أن ينزلهم رجلين رجلين، فبقي يامين وحده، فقال يوسف : أنا أنزل هذا مع نفسي، ففعل وبات عنده ؛ وقال له : إني أنا أخوك  واختلف المتأولون في هذا اللفظ فقال ابن إسحاق وغيره : أخبره بأنه أخوه حقيقة واستكتمه، وقال له : لا تبال بكل ما تراه من المكروه في تحيلي في أخذك منهم. وعلى هذا التأويل يحتمل أن يشير بقوله : بما كانوا يعملون  إلى ما يعمله فتيان يوسف، من أمر السقاية ونحو ذلك[(١)](#foonote-١) ؛ ويحتمل أن يشير إلى ما عمله الإخوة قديماً. وقال وهب بن منبه : إنما أخبره أنه أخوه في الود مقام أخيه الذاهب، ولم يكشف إليه الأمر بل تركه تجوز عليه الحيلة كسائر إخوته. و  تبتئس  - تفتعل - من البؤس، أي لا تحزن ولا تهتم، وهكذا عبر المفسرون.

١ اعترض أبو حيان في البحر على كلام ابن عطية، قال: "ولا يحتمل ذلك، لأنه لو كان التركيب "بما يعملون " بغير "كانوا" لأمكن على بعده، لأن الكلام إنما هو مع إخوة يوسف، وأما ذكر فتيانه فبعيد جدا، لأنهم لم يتقدم لهم ذكر إلا في قوله: وقال لفتيانه، وقد حال بينهما قصص، واتسق الكلام مع الإخوة اتساقا لا ينبغي أن يعدل فيه عن ضمير عائد إليهم، وإن ذلك إشارة إلى ما كان يلقى منهم قديما من الأذى"..

### الآية 12:70

> ﻿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [12:70]

فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ }
هذا من الكيد الذي يسره الله ليوسف عليه السلام، وذلك أنه كان في دين يعقوب أن يستعبد السارق، وكان في دين مصر أن يضرب ويضعف عليه الغرم، فعلم يوسف أن إخوته - لثقتهم ببراءة ساحتهم - سيدعون في السرقة إلى حكمهم ؛ فتحيل لذلك، واستسهل الأمر - على ما فيه من رمي أبرياء بالسرقة وإدخال الهم على يعقوب عليه السلام، وعليهم - لما علم في ذلك من الصلاح في الأجل، وبوحي لا محالة وإرادة من الله محنتهم بذلك، - هذا تأويل قوم، ويقويه. قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف  \[ يوسف : ٧٦ \] وقيل : إنما أوحي إلى يوسف أن يجعل السقاية فقط، ثم إن حافظها فقدها، فنادى على ما ظهر إليه - ورجحه الطبري ؛ وتفتيش الأوعية يرد عليه. وقيل : إنهم لما كانوا قد باعوا يوسف استجاز أن يقال لهم هذا، وإنه عوقب على ذلك بأن قالوا :**«فقد سرق أخ له من قبل »** وقوله : جعل  أي بأمره خدمته وفتيانه. 
وقرأ ابن مسعود **«وجعل »** بزيادة واو.  السقاية  : الإناء الذي به يشرب الملك وبه كان يكيل الطعام للناس، هكذا نص جمهور المفسرين ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك وابن زيد. 
قال القاضي أبو محمد : وفي كتب من حرر أمرها أنها شكل له رأسان ويصل بينهما مقبض تمسك الأيدي فيه فيكال الطعام بالرأس الواحد ويشرب بالرأس الثاني أو بهما. فيشبه أن تكون لشرب أضياف الملك وفي أطعمته الجميلة التي يحتاج فيها إلى عظيم الأواني. 
وقال سعيد بن جبير : ال  الصواع  مثل المكوك الفارسي، وكان إناء يوسف الذي يشرب فيه، وكان إلى الطول ما هو، قال : وحدثني ابن عباس أنه كان للعباس مثله يشرب به في الجاهلية. 
قال القاضي أبو محمد : وقال ابن جبير - أيضاً - ****«الصواع»**** : المكوك الفارسي الذي تلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم. وروي أنها كانت من فضة - وهذا قول الجمهور - وروي أنها كانت من ذهب قال الزجاج : وقال : كان من مسك. 
قال القاضي أبو محمد : وقد روي هذا بفتح الميم، وقيل : كان يشبه الطاس، وقيل : من نحاس - قاله ابن عباس أيضاً - ولعزة الطعام في تلك الأعوام قصر كيلها على ذلك الإناء. وكان هذا الجعل بغير علم بن يامين - قاله السدي، وهو الظاهر. 
فلما فصلت العير بأوفارها وخرجت من مصر - فيما روي وقالت فرقة بل قبل الخروج من مصر - أمر بهم فحبسوا. و  أذن مؤذن  و **«مخاطبة العير »** تجوز، والمراد أربابها، وإنما المراد : أيتها القافلة أو الرفقة، وقال مجاهد : كانت دوابهم حميراً، ووصفهم بالسرقة من حيث سرق في الظاهر أحدهم، وهذا كما تقول : بنو فلان قتلوا فلاناً، وإنما قتله أحدهم.

### الآية 12:71

> ﻿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ [12:71]

فلما سمع إخوة يوسف هذه المقالة أقبلوا عليهم وساءهم أن يرموا بهذه المنقبة، وقالوا : ماذا تفقدون  ليقع التفتيش فتظهر براءتهم، ولم يلوذوا بالإنكار من أول، بل سألوا إكمال الدعوى عسى أن يكون فيها ما تبطل به، فلا يحتاج إلى خصام. 
وقرأ أبو عبد الرحمن :**«تُفقدون »** بضم التاء، وضعفها أبو حاتم.

### الآية 12:72

> ﻿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [12:72]

وقال سعيد بن جبير : ال  الصواع  مثل المكوك الفارسي، وكان إناء يوسف الذي يشرب فيه، وكان إلى الطول ما هو، قال : وحدثني ابن عباس أنه كان للعباس مثله يشرب به في الجاهلية. 
قال القاضي أبو محمد : وقال ابن جبير - أيضاً - ****«الصواع»**** : المكوك الفارسي الذي تلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم. وروي أنها كانت من فضة - وهذا قول الجمهور - وروي أنها كانت من ذهب قال الزجاج : وقال : كان من مسك. 
قال القاضي أبو محمد : وقد روي هذا بفتح الميم، وقيل : كان يشبه الطاس، وقيل : من نحاس - قاله ابن عباس أيضاً - ولعزة الطعام في تلك الأعوام قصر كيلها على ذلك الإناء. وكان هذا الجعل بغير علم بن يامين - قاله السدي، وهو الظاهر. 
 قالوا نفقد صواع الملك  : وهو المكيال وهو السقاية رسمه أولاً بإحدى جهتيه وآخراً بالثانية. 
وقرأ جمهور الناس ****«صُواع »**** بضم الصاد وبألف، وقرأ أبو حيوة :**«صِواع »** بكسر الصاد وبألف، وقرأ أبو هريرة ومجاهد **«صاع الملك »** بفتح الصاد دون واو، وقرأ عبد الله بن عوف :****«صُواع »**** بضم الصاد، وقرأ أبو رجاء **«صوْع »**[(١)](#foonote-١) وهذه لغة في المكيال - قاله أبو الفتح وغيره - وتؤنث هذه الأسماء وتذكر. وقال أبو عبيد يؤنث الصاع من حيث سمي سقاية، ويذكر من حيث هو صاع. وقرأ يحيى بن يعمر :**«صوغ »** بالغين منقوطة - وهذا على أنه الشيء المصوغ للملك على ما روي أنه كان من ذهب أو من فضة، فهو مصدر سمي به، ورويت هذه القراءة عن أبي رجاء. قال أبو حاتم : وقرأ سعيد بن جبير والحسن **«صُواغ »** بضم الصاد وألف وغين معجمة. 
وقوله : ولمن جاء به حمل بعير ، أي لمن دل على سارقه وفضحه وجبر الصواع على الملك[(٢)](#foonote-٢) - وهذا جعل[(٣)](#foonote-٣) - وقوله : وأنا به زعيم  حمالة[(٤)](#foonote-٤)، وذلك أنه لما كان الطعام لا يوجد إلا عند الملك فهم من المؤذن أنه إنما جعل عن غيره، فلخوفه ألا يوثق بهذه الجعالة - إذ هي عن الغير - تحمل هو بذلك. قال مجاهد : ال  زعيم  هو المؤذن الذي قال : أيتها العير  و **«الزعيم »** : الضامن - في كلام العرب - ويسمى الرئيس زعيماً، لأنه يتضمن حوائج الناس.

١ أي بفتح الصاد وسكون الواو، والعبارة في إحدى النسخ: "وقرأ أبو رجاء كذلك إلا أنه فتح الصاد"، وهي أدق..
٢ جبر: رد، يقال: جبر الله مصيبة فلان، أي رد عليه ما ذهب منه، أو عوضه عنه..
٣ الجعل والجعالة: ما يجعل على العمل من أجر أو رشوة. وبمعناهما أيضا الجعال بكسر الجيم..
٤ الحمالة والحمال: الدية أو الغرامة يحملها قوم عن قوم..

### الآية 12:73

> ﻿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ [12:73]

وقوله : قالوا : تالله  الآية، روي : أن إخوة يوسف كانوا ردوا البضاعة الموجودة في الرحال وتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فلذلك قالوا : لقد علمتم  أي لقد علمتم منا التحري ؛ وروي أنهم كانوا قد اشتهروا في مصر بصلاح وتعفف، وكانوا يجعلون الأكمة[(١)](#foonote-١) في أفواه إبلهم لئلا تنال زرع الناس، فلذلك قالوا : لقد علمتم ما جئنا لفساد وما نحن أهل سرقة. 
والتاء في  تالله  بدل من واو - كما أبدلت في تراث وفي التورية وفي التخمة[(٢)](#foonote-٢) - ولا تدخل التاء في القسم إلا في المكتوبة من بين أسماء الله تعالى، لا في غير ذلك - لا تقول : تالرحمن ولا تالرحيم -[(٣)](#foonote-٣).

١ الأكمة: جمع كمام، وهو الغطاء الذي يجعل على العناقيد والكبائس إلى حين صرامها. (اللسان ـ كمم)..
٢ هذا قول أكثر النحويين، وخالف السهلي في ذلك فزعم أنها أصل وليست بدلا من واو، وقال أبو حيان: "وهو الصحيح". 
 .
٣ قال أبو حيان في "البحر": "حكي عن العرب دخولها على "الرب" و "الرحمن" و "حياتك"، قالوا: "ترب الكعبة- وتالرحمن- وتحياتك". وابن عطية يطلق في أحيان كثيرة لفظ "المكتوبة" على اسم الجلالة "الله". 
 .

### الآية 12:74

> ﻿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ [12:74]

وقوله تعالى : قالوا : فما جزاؤه  الآية، قال فتيان يوسف : فما جزاء السارق  إن كنتم كاذبين  في قولكم : وما كنا سارقين

### الآية 12:75

> ﻿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [12:75]

فقال إخوة يوسف : جزاء السارق والحكم الذي تتضمنه هذه الألفاظ  من وجد في رحله فهو جزاؤه  ف  جزاؤه  الأول مبتدأ و  من  والجملة خبر قوله : جزاؤه  الأول، والضمير في  قالوا جزاؤه  للسارق[(١)](#foonote-١)، ويصح أن تكون  من  خبراً عائدا على  من  ويكون قوله : فهو جزاؤه  زياد بيان وتأكيد. 
وليس هذا الموضع - عندي - من مواضع إبراز الضمير على ما ذهب إليه بعض المفسرين، ويحتمل أن يكون التقدير : جزاؤه استرقاق من وجد في رحله، ثم يؤكد بقوله  فهو جزاؤه [(٢)](#foonote-٢) وقولهم هذا قول من لم يسترب بنفسه، لأنهم التزموا إرغام من وجد في رحله، وهذا أكثر من موجب شرعهم، إذ حق شرعهم أن لا يؤخذ إلا من صحت سرقته، وأمر بنيامين في السقاية كان محتملاً. لكنهم التزموا أن من وجد في رحله فهو مأخوذ على أنه سارق. وقولهم  كذلك نجزي الظالمين ، أي هذه سنتنا وديننا في أهل السرقة : أن يتملك السارق كما تملك هو الشيء المسروق. 
قال القاضي أبو محمد : وحكى بعض الناس : أن هذا الحكم كان في أول الإسلام ثم نسخ بالقطع، وهذا ضعيف، ما كان قط فيما علمت، وحكى الزهراوي عن السدي : أن حكمهم إنما كان أن يستخدم السارق على قدر سرقته وهذا يضعفه رجوع الصواع فكان ينبغي ألا يؤخذ بنيامين إذ لم يبق فيما يخدم.

١ من رأي صاحب "البحر المحيط" أن هذا الإعراب لا يصح لخلو جملة الجواب من رابط يربطها بالمبتدأ..
٢ ذكر ابن عطية هنا إعرابين آخرين للجملة. الأول في قوله: "ويصح أن يكون \[من\] خبرا على أن المعنى: جزاء السارق من وجد في رحله، والضمير في \[رحله\] عائد على \[من\]، وقوله: فهو جزاؤه زيادة بيان وتأكيد. والثاني هو قوله: ويحتمل أن يكون التقدير: جزاؤه استرقاق من وجد في رحله... الخ. وقد علق أبو حيان على الإعراب الثاني بقوله: "وهذا القول هو الذي قبله غير أنه أبرز المضاف المحذوف في قوله: (استرقاق من وجد في رحله)، وفيما قبله لابد من تقديره، لأن الذات لا تكون خبرا عن المصدر، فالتقدير في الذي قبله: جزاؤه أخذ من وجد في رحله، أو استرقاق من وجد في رحله، فهذا لابد منه على هذا الإعراب". ومعنى هذا أن القولين قول واحد. وفي رأي أبي حيان أن هذا الوجه الأخير في الإعراب هو أحسن الوجوه وأبعدها من التكلف.
 .

### الآية 12:76

> ﻿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [12:76]

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ( ٧٦ )
بدؤه - أيضاً - من أوعيتهم تمكين للحيلة وإبعاد لظهور أنها حيلة. 
وقرأ جمهور الناس **«وِعاء »** بكسر الواو، وقرأ الحسن **«وُعاء »** بضمها، وقرأ ابن جبير **«أعاء »** بهمزة بدل الواو، وذلك شائع في الواو المكسورة، وهو أكثر في المضمومة، وقد جاء من المفتوحة : أحد في وحد. 
وأضاف الله تعالى إلى ضميره لما أخرج القدر الذي أباح به ليوسف أخذ أخيه مخرج ما هو في اعتياد الناس كيد، وقال السدي والضحاك : كدنا  معناه : صنعنا. 
و  دين الملك  فسره ابن عباس بسلطانه، وفسره قتادة بالقضاء والحكم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا متقارب، والاستثناء في هذه الآية حكاية حال، التقدير : إلا ان شاء الله ما وقع من هذه الحيلة ؛ ويحتمل أن يقدر أنه تسنن لما قرر النفي. 
وقرأ الجمهور **«نرفع »** على ضمير المعظم و **«نشاء »** كذلك، وقرأ الحسن وعيسى ويعقوب بالياء، أي الله تعالى : وقرأ عمرو ونافع وأهل المدينة **«درجاتِ من »** بإضافة الدرجات إلى  من ، وقرأ عاصم وابن محيصن **«درجاتٍ من »** بتنوين الدرجات، وقرأ الجمهور، **«وفوق كل ذي علم »**. وقرأ ابن مسعود **«وفوق كل ذي عالم »** والمعنى أن البشر في العلم درجات، فكل عالم فلا بد من أعلم منه، فإما من البشر وإما الله عز وجل. وأما على قراءة ابن مسعود فقيل : ذي  زائدة، وقيل :**«عالم »** مصدر كالباطل[(١)](#foonote-١). 
وروي أن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل فلم يجد فيه شيئاً استغفر الله عز وجل تائباً من فعله ذلك، وظاهر كلام قتادة وغيره، أن المستغفر كان يوسف لأنه كان يفتشهم يعلم أين الصواع، حتى فرغ منهم وانتهى إلى رحل بنيامين فقال : ما أظن هذا الفتى رضي بهذا، ولا أخذ شيئاً، فقال له إخوته، والله لا تبرح حتى تفتشه فهو أطيب لنفسك ونفوسنا، ففتش فأخرج السقاية - وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤذن إنما سرقه برأيه[(٢)](#foonote-٢)، فإنما يقال جميع ذلك كان بأمر الله تعالى[(٣)](#foonote-٣)، ويقوي ذلك قوله : كدنا ، وكيف لا يكون برأي يوسف وهو مضطر في محاولته إلى أن يلزمهم حكم السرقة له أخذ أخيه. 
والضمير في قوله : استخرجها  عائد على  السقاية  \[ يوسف : ٧٠ \]، ويحتمل أن يعود على السرقة. 
وروي أن إخوة يوسف لما رأوا ذلك قالوا : يا بنيامين بن راحيل قبحك الله ولدت أمك أخوين لصَّين، كيف سرقت هذه السقاية ؟ فرفع يديه إلى السماء وقال : والله ما فعلت، فقالوا له : فمن وضعها في رحلك قال : الذي وضع البضاعة في رحالكم. 
وما ذكرناه من المعنى في قوله : وفوق كل ذي علم عليم  هو قول الحسن وقتادة، وقد روي عن ابن عباس، وروي أيضاً عنه رضي الله عنه : أنه حدث يوماً بحديث عجيب فتعجب منه رجل ممن حضر، وقال : الحمد لله  وفوق كل ذي علم عليم ، وقال ابن عباس : بئس ما قلت، إنما العليم لله وهو فوق كل ذي علم. 
قال القاضي أبو محمد : فبين هذا وبين قول الحسن فرق.

١ قال ابن جني في المحتسب: هو مصدر كالفالج والباطل، فكأنه قال: "وفوق كل ذي علم عليم". وأما على تقدير زيادة \[ذي\] فيصبح المعنى: "وفوق كل ذي علم عليم"، وهناك وجه ثالث في تبيين قراءة ابن مسعود ذكره ابن جني أيضا، وهو أن تكون من باب إضافة المسمى إلى الاسم، والمعنى: "وفوق كل شخص يسمى عالما عليم"، وقد كثر عن العرب إضافة المسمى إلى اسمه، فمن ذلك قول الكميت.
 إليكم ذوي آل النبي تطلعت نوازع من نفسي ظماء وألبب
 والنوازع هي من الحنين والميل إلى الشيء، وألبب: جمع لب وهو العقل، و المعنى في البيت: 
 إليكم يا آل النبي، يا من تسمون بهذا الاسم، وعليه قول الأعشى:
 فكذبها بما قالت فصبحهم ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا أي: كذبوا زرقاء اليمامة فصبحهم الجيش الذي يقال له: آل حسان، والشرع: جمع شرعة وهي الحبالة التي يصيد بها الصائد..
٢ أي: نسبهم المؤذن إلى السرقة برأيه هو..
٣ قد يستغنى عن \[إما\] الثانية بذكر ما يغني عنها نحو قول المثقب العبدي:
 فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثي من سميني
 وإلا فاطرحني واتخذني عدوا أتقيك وتتقيني
 وقد يستغني عن الأولى لفظا كقول النمر بن تولب:
 سقته الرواعد من صيف وإن من خريف فلن يعدها
 **ومن قول ذي الرمة (ونسب للفرزدق):**
 تلم بدار قد تقادم عهدها وإما بأموات ألم خيالها
 أي: إما بدار وإما بأمواتـ ويمكن أن يكون ابن عطية على هذا الثاني، أي: حذف إما الأولى، وتقدير الكلام: "إما هذا، وإما أن يقال... الخ"..

### الآية 12:77

> ﻿۞ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ [12:77]

قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ( ٧٧ )
الضمير في  قالوا  لإخوة يوسف، والأخ الذي أشاروا إليه هو يوسف، ونكروه تحقيراً للأمر، إذ كان مما لا علم للحاضرين به، ثم ألصقوه ببنيامين، إذ كان شقيقه، ويحتمل قولهم : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل  تأويلين :
أحدهما : أنهم حققوا السرقة في جانب بنيامين ويوسف عليهما السلام، بحسب ظاهر الحكم، فكأنهم قالوا : إن كان قد سرق فغير بدع من ابني راحيل، لأن أخاه يوسف كان قد سرق. فهذا من الإخوة إنحاء على ابني راحيل : يوسف وبنيامين. 
والوجه الآخر الذي يحتمله لفظهم يتضمن أن السرقة في جانب يوسف وبنيامين - مظنونة - كأنهم قالوا : إن كان هذا الذي رمى به بنيامين حقاً في نفسه فالذي رمى به يوسف قبل حق إذاً، وكأن قصة يوسف والظن به قوي عندهم بما ظهر في جهة وبنيامين. 
وقال بعض المفسرين : التقدير : فقد قيل عن يوسف إنه سرق، ونحو هذا من الأقوال التي لا ينطبق معناها على لفظ الآية. 
وهذه الأقوال منهم عليهم السلام إنما كانت بحسب الظاهر وموجب الحكم في النازلتين، فلم يقعوا في غيبة ليوسف، وإنما قصدوا الإخبار بأمر جرى ليزول بعض المعرة عنهم، ويختص بها هذان الشقيقان. 
وأما ما روي في سرقة يوسف فثلاثة وجوه : الجمهور منها على أن عمته كانت ربته، فلما شب أراد يعقوب أخذه منها، فولعت به وأشفقت من فراقه، فأخذت منطقة إسحاق - وكانت متوارثة عندهم - فنطقته بها من تحت ثيابه، ثم صاحت وقالت : إني قد فقدت المنطقة ويوسف قد خرج بها، ففتشت فوجدت عنده، فاسترقَّته - حسبما كان في شرعهم - وبقي عندها حتى ماتت فصار عند أبيه. 
وقال إدريس عن أبيه : إنما أكل بنو يعقوب طعاماً فأخذ يوسف عرقاً[(١)](#foonote-١) فخبأه فرموه لذلك بالسرقة، وقال سعيد بن جبير وقتادة : إنما أمرته أمه أن يسرق صنماً لأبيها، فسرقه وكسره، وكان ذلك - منها ومنه - تغييراً للمنكر، فرموه لذلك بالسرقة، وفي كتاب الزجاج : أنه كان صنم ذهب[(٢)](#foonote-٢). 
والضمير في قوله : فأسرها  عائد يراد به الحزة التي حدثت في نفس يعقوب من قوله، والكلام يتضمنها، وهذا كما تضمن الكلام الضمير الذي في قول حاتم :
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى\*\*\* إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر[(٣)](#foonote-٣)
وهذا كقوله تعالى : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم [(٤)](#foonote-٤) \[ النحل : ١١٠ \] فهي مراد بها الحالة المتحصلة من هذه الأفعال. 
وقال قوم : أسر المجازاة، وقال قوم : أسر الحجة. وما قدمناه أليق. وقرأ ابن أبي عبلة :**«فأسره يوسف »** بضمير تذكير. 
وقوله : أنتم شر مكاناً  الآية، الظاهر منه أنه قالها إفصاحاً فكأنه أسر لهم كراهية مقالتهم ثم تجهمهم بقوله : أنتم شر مكاناً  أي لسوء أفعالكم، والله يعلم إن كان ما وصفتموه حقاً، وفي اللفظ إشارة إلى تكذيبهم، ومما يقوي هذا عندي أنهم تركوا الشفاعة بأنفسهم وعدلوا إلى الشفاعة بالشيخ صلى الله عليه وسلم. 
وقالت فرقة - وهو ظاهر كلام ابن عباس - لم يقل يوسف هذا الكلام إلا في نفسه - وإنما هو تفسير للذي أسر في نفسه، أي هذه المقالة هي التي أسر، فكأن المراد في نفسه : أنتم\*\*\*
وذكر الطبري هنا قصصاً اختصاره : أنه لما استخرجت السقاية من رحل بنيامين قال إخوته : يا بني راحيل ألا يزال البلاء ينالنا من جهتكم ؟ فقال بنيامين : بل بنو راحيل ينالهم البلاء منكم : ذهبتم بأخي فأهلكتموه، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم. فقالوا : لا تذكر الدراهم لئلا نؤخذ بها. ثم دخلوا على يوسف فأخذ الصواع فنقره فطن، فقال : إنه يخبر أنكم ذهبتم بأخ لكم فبعتموه، فسجد بنيامين وقال : أيها العزيز سل صواعك هذا يخبرك بالحق. 
قال القاضي أبو محمد : ونحو هذا من القصص الذي آثرنا اختصاره. وروي أن روبيل غضب ووقف شعره حتى خرج من ثيابه، فأمر بنياً له، فمسه، فسكن غضبه، فقال روبيل : لقد مسني أحد من ولد يعقوب، ثم إنهم تشاوروا في محاربة يوسف - وكانوا أهل قوة لا يدانون في ذلك - فلما أحس يوسف بذلك قام إلى روبيل فلببه وصرعه، فرأوا من قوته ما استعظموه عند ذلك وقالوا : يا أيها العزيز\*\*\*  \[ يوسف : ٨٨ \].

١ العرق بفتح العين: اللحم المطبوخ، وقيل: عظم أخذ جل لحمه..
٢ وقيل: إن يوسف كان يسرق من طعام المائدة للمساكين، حكاه ابن عيسى. وقال الحسن: إنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه..
٣ البيت في (اللسان ـ حشرج)، وقد تمثلت به أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين دخلت على أبيها عند موته، والرواية (اللسان): أماوي ما يغني... وحاتم فيه يخاطب زوجه ماوية، والحشرجة: تردد صوت النفس، وهو الغرغرة في الصدر عند الموت، والشاهد فيه أن الضمير في (حشرجت) ليس له مرجع مذكور في الكلام..
٤ الآية (١١٠) من سورة (النحل)..

### الآية 12:78

> ﻿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [12:78]

قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( ٧٨ }
خاطبوه باسم  العزيز  إذ كان في تلك الخطة بعزل الأول أو موته[(١)](#foonote-١) - على ما روي في ذلك - وقولهم : فخذ أحدنا مكانه  يحتمل أن يكون مجازاً وهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر ليسترقّ بدل من أحكمت السنة رقه، وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله : اقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك تبالغ في استنزاله، وعلى هذا يتجه قول يوسف  معاذ الله  لأنه تعوذ من غير جائز، ويحتمل أن يكون قولهم  فخذ أحدنا مكانه  حقيقة، وبعيد عليهم - وهم أنبياء - أن يريدوا استرقاق حر، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة، أي خذ أحدنا حتى ينصرف إليك صاحبك، ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه، ويعرف يعقوب جلية الأمر، فمنع يوسف عليه السلام من ذلك، إذ الحمالة في الحدود ونحوها لمعنى إحضار المضمون فقط جائزة مع التراضي غير لازمة إذا أبى الطالب، وأما الحمالة في مثل ذلك - على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة - فلا يجوز ذلك إجماعاً. وفي الواضحة : إن الحمالة بالوجه فقط في جميع الحدود جائزة إلا في النفس. 
وقولهم : إنا نراك من المحسنين ، يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوه من إحسانه في جميع أفعاله - معهم ومع غيرهم - ويحتمل أن يريدوا : إنا نرى لك إحساناً علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا - وهذا تأويل ابن إسحاق.

١ يريد أنه في تلك اللحظة كان هو العزيز بعد عزل الأول وهو قطفير، أو موته..

### الآية 12:79

> ﻿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ [12:79]

و  معاذ  نصب على المصدر، ولا يجوز إظهار الفعل معه، والظلم في قوله : الظالمون  على حقيقته، إذ هو وضع الشيء في غير موضعه، وذكر الطبري أنه روي أن يوسف أيأسهم بلفظه هذا، قال لهم : إذا أتيتم أباكم فاقرأوا عليه السلام، وقولوا له : إن ملك مصر يدعو لك ألا تموت حتى ترى ولدك يوسف، ليعلم أن في أرض مصر صديقين مثله.

### الآية 12:80

> ﻿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [12:80]

وقوله : فلما استيأسوا منه  الآية، يقال : يئس واستيأس بمعنى واحد، كما يقال : سخر واستسخر، ومنه قوله تعالى : يستسخرون [(١)](#foonote-١) \[ الصافات : ١٤ \] وكما يقال : عجب واستعجب، ومنه قول أوس بن حجر :\[ الطويل \]
ومستعجب مما يرى من أناتنا\*\*\* ولو زبنته الحرب لم يترمرم[(٢)](#foonote-٢)
ومنه نوك واستنوك[(٣)](#foonote-٣) - وعلى هذا يجيء قول الشاعر في بعض التأويلات : واستنوكت وللشباب نوك[(٤)](#foonote-٤). وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير :**«استأيسوا »**[(٥)](#foonote-٥) و **«لا تأيسوا »**[(٦)](#foonote-٦) و **«لا يأيس »**[(٧)](#foonote-٧) و **«حتى استأيس الرسل »**[(٨)](#foonote-٨) أصله استأيسوا - استفعلوا - ومن أيس - على قلب الفعل من يئس إلى أيس، وليس هذا كجذب وجبذ بل هذان أصلان والأول قلب، دل على ذلك أن المصدر من يئس وأيس واحد، وهو اليأس، ولجذب وجبذ مصدران[(٩)](#foonote-٩). 
وقوله : خلصوا نجياً  معناه انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضاً، والنجي لفظ يوصف به من له نجوى واحداً أو جماعة أو مؤنثاً أو مذكراً، فهو مثل عدو وعدل، وجمعه أنجية، قال لبيد :
وشهدت أنجية الأفاقة عالياً\*\*\* كعبي وأرداف الملوك شهود[(١٠)](#foonote-١٠)
و  كبيرهم  قال مجاهد : هو شمعون لأنه كان كبيرهم رأياً وتدبيراً وعلماً - وإن كان روبيل أسنهم - وقال قتادة : هو روبيل لأنه أسنهم، وهذا أظهر ورجحه الطبري. وقال السدي : معنى الآية : وقال كبيرهم في العلم، وذكرهم أخوهم الميثاق في قوله يعقوب  لتأتنني به إلا أن يحاط بكم  \[ يوسف : ٦٦ \]. 
وقوله : ما فرطتم  يصح أن تكون  ما  صلة في الكلام لا موضع لها من الإعراب. ويصح أن تكون في موضع رفع بالابتداء والخبر قوله : في يوسف  - كذا قال أبو علي - ولا يجوز أن يكون قوله : من قبل  متعلقاً ب  فرطتم . 
قال القاضي أبو محمد : وإنما تكون - على هذا - مصدرية، التقدير : من قبل تفريطكم في يوسف واقع أو مستقر، وبهذا المقدر يتعلق قوله : من قبل . ويصح أن يكون في موضع نصب عطفاً، على أن التقدير : وتعلموا تفريطكم أو تعلموا الذي فرطتم، فيصح - على هذا الوجه - أن يكون بمعنى الذي ويصح أن تكون مصدرية[(١١)](#foonote-١١). 
وقوله تعالى : فلن أبرح الأرض  أراد أرض القطر والموضع الذي ناله فيه المكروه المؤدي إلى سخط أبيه، والمقصد بهذا اللفظ التحريج على نفسه والتزام التضييق، كأنه سجن نفسه في ذلك القطر ليبلي عذراً[(١٢)](#foonote-١٢). 
وقوله : أو يحكم الله لي  لفظ عام بجميع ما يمكن أن يرده من القدر كالموت أو النصرة وبلوغ الأمل وغير ذلك، وقال أبو صالح : أو يحكم الله لي بالسيف. ونصب  يحكم  بالعطف على  يأذن ، ويجوز أن تكون  أو  في هذا الموضع بمعنى إلا أن، كما تقول : لألزمنك أو تقضيني حقي، فتنصب على هذا  يحكم  ب  أو . 
وروي أنهم لما وصلوا إلى يعقوب بكى وقال : يا بني ما تذهبون عني مرة إلا نقصتم : ذهبتم فنقصتم يوسف، ثم ذهبتم فنقصتم شمعون حيث ارتهن، ثم ذهبتم فنقصتم بنيامين وروبيل.

١ من قوله تعالى في الآية (١٤) من سورة (الصافات): وإذا رأوا آية يستسخرون..
٢ قال في (اللسان ـ عجب): "الاستعجاب: شدة التعجب"، والأناة: الحلم والوقار، وزبنته الحرب: دفعت به و أذهبته، على التشبيه للحرب بالناقة التي تزبن وليدها أي تدفعه عنها، ومعنى "لم يترمرم": لم يرد جوابا، قال الجوهري: ترمرم إذا حرك فاه بالكلام، واستشهد ببيت أوس هذا. وأوس في بيته هذا يمضي على طريقته التي التزمها في القصيدة كلها من الاعتزاز بشعره وبصفات الحلم والفروسية عنده..
٣ نوك: حمق، واستنوك: صار أنوك، ويقال: استنوك فلانا: استحمقه. (المعجم الوسيط)..
٤ البيت بتمامه في (اللسان- نوك)، قال: "الأنوك: الأحمق، وجمعه النوكى، ويقال في الشعر: قوم نوك، وقوم نوكى ونوك أيضا على القياس، مثل أهوج وهوج، قال الراجز:
 تضحك مني شيخة ضحوك واستنوكت وللشباب نوك"..
٥ أي بتقديم الهمزة على الياء، فتكون الياء هي عين الفعل، ثم خفف الهمزة. وكذلك في الآيات المشار إليها بعدها..
٦ من الآية (٨٧) من السورة (يوسف)..
٧ من نفس الآية السابقة..
٨ من الآية (١١٠) من هذه السورة (يوسف)..
٩ قال الإمام ابن خالويه في كتاب "الحجة في القراءات السبع": "وقد قرىء بتخفيف الهمزة، فالحجة لمن خففها وجعل الياء فاء الفعل أنه يجعلها ياء مشددة، لأنه أدغم الفاء لسكونها في العين وحركها بحركتها، والحجة لمن خففها والهمزة فاء الفعل أنه يجعلها ألفا خفيفة للفتحة قبلها" اهـ. قال القرطبي: "والأصل قراءة الجماعة، لأن المصدر ما جاء إلا على تقديم الياء ـ يأساـ والإياس ليس بمصدر أيس، بل هو مصدر: أسته أوسا وإياسا، أي أعطيته". (القرطبي ٩ – ٢٤١)..
١٠ استشهد بهذا البيت أبو عبيدة في "مجاز القرآن"، واللسان في "أفق"، والأفاقة: منتصرا مشهورا أمري، والأرداف: جمع ردف وهو الذي يجلس عن يمين الملك، فإذا شرب ا لملك شرب بعده، وإذا غزا ناب عنه حتى يرجع، وله المرباع إذا أغارت كتيبة الملك، ويوم الأفاقة هو اليوم الذي انتصر فيه على الربيع بن زياد، ولبيد يسميه بأسماء متعددة، فهو يوم الغيط، والرجل، والفاثور، هذا وقد قال أبو عبيدة في تعليقه على البيت: "والنجي يقع لفظه قالها لبيد يذكر طول عمره وسأمه من الحياة، ويتحدث عن مآثره، ومنها بيته المشهور:
 ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس: كيف لبيد؟
 .
١١ قال أبو حيان في "البحر" بعد أن اعترض على الإعرابات التي ذكرها ابن عطية هنا: وأفضل الآراء أن تكون \[ما\] زائدة..
١٢ أي: ليقدم أو يؤدي عذرا..

### الآية 12:81

> ﻿ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ [12:81]

ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ( ٨١ ) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ( ٨٢ ) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( ٨٣ )
الأمر بالرجوع قيل : هو من قول كبيرهم، وقيل : بل هو من قول يوسف لهم، والأول أظهر. 
وقرأ الجمهور **«سرقَ »** على تحقيق السرقة على بنيامين، بحسب ظاهر الأمر. وقرأ ابن عباس وأبو رزين **«سُرِّق »** بضم السين وكسر الراء وتشديدها[(١)](#foonote-١)، وكأن هذه القراءة فيها لهم تحر، ولم يقطعوا عليه بسرقة، وإنما أرادوا جعله سارقاً بما ظهر من الحال - ورويت هذه القراءة عن الكسائي - وقرأ الضحاك :**«إن ابنك سارقٌ »** بالألف وتنوين القاف، ثم تحروا بعد - على القراءتين - في قولهم  وما شهدنا إلا بما علمنا  أي وقولنا لك : إن ابنك سرق  إنما هي شهادة عندك بما علمناه من ظاهر ما جرى، والعلم في الغيب إلى الله، ليس في ذلك حفظنا، هذا قول ابن إسحاق، وقال ابن زيد : قولهم : ما شهدنا إلا بما علمنا  أرادوا به : وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترقّ في شرعك إلا بما علمنا من ذلك،  وما كنا للغيب حافظين  أن السرقة تخرج من رحل أحدنا، بل حسبنا أن ذلك لا يكون البتة، فشهدنا عنده حين سألنا بعلمنا. 
وقرأ الحسن **«وما شهدنا عليه إلا بما علمنا »** بزيادة **«عليه »**. 
ويحتمل قوله : وما كنا للغيب حافظين  أي حين واثقناك، إنما قصدنا ألا يقع منا نحن في جهته شيء يكرهه، ولم نعلم الغيب في أنه سيأتي هو بما يوجب رقه. 
وروي أن معنى قولهم : للغيب  أي الليل، الغيب : الليل - بلغة حمير - فكأنهم قالوا : وما شهدنا عندك إلا بما علمناه من ظاهر حاله، وما كنا بالليل حافظين لما يقع من سرقته هو أو التدليس عليه.

١ أي: نسب إلى السرقة ورمي بها، مثل: خونته وفسقته وفجرته إذا نسبته إلى هذه الحلال، وقال الزجاج: سرق يحتمل معنيين: أحدهما: علم منه السرق، والآخر: اتهم بالسرق. قال الجوهري: والسرق والسرقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق، والمصدر: سرق يسرق سرقا بالفتح..

### الآية 12:82

> ﻿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [12:82]

ثم استشهدوا بأهل القرية التي كانوا فيها - وهي مصر، قاله ابن عباس وغيره، وهذا مجاز، والمراد أهلها، وكذلك قوله : والعير ، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح، وحكى أبو المعالي في التلخيص عن بعض المتكلمين أنه قال : هذا من الحذف وليس من المجاز، قال : وإنما المجاز لفظة تستعار لغير ما هي له. 
قال القاضي أبو محمد : وحذف المضاف هو عين المجاز وعظمه - هذا مذهب سيبويه وغيره من أهل النظر - وليس كل حذف مجازاً، ورجح أبو المعالي - في هذه الآية - أنه مجاز، وحكى أنه قول الجمهور أو نحو هذا. 
وقالت فرقة : بل أحالوه على سؤال الجمادات والبهائم حقيقة، ومن حيث هو نبي فلا يبعد أن تخبره بالحقيقة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن جوز فبعيد، والأول أقوى، وهنا كلام مقدر يقتضيه الظاهر، تقديره : فلما قالوا هذه المقالة لأبيهم قال : بل سولت ، وهذا على أن يتصل كلام كبيرهم إلى هنا، ومن يرى أن كلام كبيرهم تم في قوله : إن ابنك سرق ، فإنه يجعل الكلام هنالك تقديره : فلما رجعوا قالوا : إن ابنك سرق  الآية.

### الآية 12:83

> ﻿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [12:83]

والظاهر أن قوله : بل سولت لكم أنفسكم أمراً . إنما هو ظن سيء بهم، كما كان في قصة يوسف قبل، فاتفق أن صدق ظنه هناك، ولم يتحقق هنا، و  سولت  معناه : زينت وخيلت وجعلت سولاً، والسول ما يتمناه الإنسان ويحرص عليه. [(١)](#foonote-١)
وقوله : فصبر جميل  إما ابتداء وخبره أمثل أو أولى، وحسن الابتداء بالنكرة من حيث وصفت. وإما خبر ابتداء تقديره، فأمري أو شأني، أو صبري صبر جميل ؛ وهذا أليق بالنكرة أن تكون خبراً، ومعنى وصفه بالجمال : أنه ليس فيه شكوى إلى بشر ولا ضجر بقضاء الله تعالى[(٢)](#foonote-٢). ثم ترجى عليه السلام من الله أن يجبرهم عليه وهم يوسف وبنيامين وروبيل الذي لم يبرح الأرض، ورجاؤه هذا من جهات : إحداها : الرؤيا التي رأى يوسف فكان يعقوب ينتظرها. 
والثانية : حسن ظنه بالله تعالى في كل حال. 
والثالثة : ما أخبروه به عن ملك مصر أنه يدعو له برؤية ابنه فوقع له - من هنا - تحسس ورجاء. 
والوصف **«بالعلم والإحكام »** لائق بما يرجوه من لقاء بنيه، وفيها تسليم لحكمة الله تعالى في جميع ما جرى عليه.

١ أصل السول مهموز عند العرب، استثقلوا ضغطة الهمزة فيه فتكلموا به على تخفيف الهمز، قال الراعي فيه فلم يهمزه:
 اختارك الناس إذا رثت خلائقهم واعتل من كان يرجى عنده السول
 والدليل على أن أصل (السول) همز قوله تعالى: قد أوتيت سؤلك يا موسى، أي: أعطيت أمنيتك التي سألتها..
٢ روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من بت لم يصبر)، وروي عن الحسن رضي الله عنه: "ما من جرعتين يتجرعهما العبد أحب إلى الله من جرعة مصيبة يتجرعها العبد بحسن صبر وحسن عزاء، وجرعة غيظ يتجرعها العبد بحلم وعفو"..

### الآية 12:84

> ﻿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [12:84]

وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( ٨٤ ) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ( ٨٥ ) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ٨٦ )
المعنى : أنه لما ساء ظنه بهم ولم يصدق قولهم بل استراب به،  تولى عنهم  أي زال بوجهه عنهم وجعل يتفجع ويتأسف، قال الحسن : خصت هذه الأمة بالاسترجاع[(١)](#foonote-١) ألا ترى إلى قول يعقوب : يا أسفي . 
قال القاضي أبو محمد : والمراد :**«يا أسفي »**. لكن هذه لغة من يرد ياء الإضافة ألفاً نحو : يا غلاماً ويا أبتا، ونادى الأسف على معنى احضر فهذا من أوقاتك. وقيل : قوله : يا أسفى  على جهة الندبة، وحذف الهاء التي هي في الندبة علامة المبالغة في الحزن تجلداً منه عليه السلام، إذ كان قد ارتبط إلى الصبر الجميل، وقيل : قوله : يا أسفى  نداء فيه استغاثة[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : ولا يبعد أن يجتمع الاسترجاع و  يا أسفى  لهذه الأمة وليعقوب عليه السلام. 
 وابيضت عيناه  أي من ملازمة البكاء الذي هو ثمرة الحزن، وروي **«أن يعقوب عليه السلام حَزِنَ حُزْنَ سبعين ثكلى وأعطي أجر مائة شهيد وما ساء ظنه بالله قط »**، رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم[(٣)](#foonote-٣). 
وقرأ ابن عباس ومجاهد **«من الحَزَن »** بفتح الحاء والزاي، وقرأ قتادة بضمهما وقرأ الجمهور بضم الحاء وسكون الزاي. 
 وهو كظيم  بمعنى كاظم، كما قال  والكاظمين الغيظ [(٤)](#foonote-٤) \[ آل عمران : ١٣٤ \]، ووصف يعقوب بذلك لأنه لم يشك إلى أحد، وإنما كان يكمد في نفسه ويمسك همه في صدره، وكان يكظمه أي يرده إلى قلبه ولا يرسله بالشكوى والغضب والفجر. وقال ناس : كظيم  بمعنى : مكظوم. 
قال القاضي أبو محمد : وقد وصف الله تعالى يونس عليه السلام بمكظوم في قوله  إذ نادى وهو مكظوم [(٥)](#foonote-٥) \[ القلم : ٤٨ \] وهذا إنما يتجه على تقدير أنه مليء بحزنه، فكأنه كظم بثه في صدره، وجري كظيم على باب كاظم أبين. وفسر ناس **«الكظيم »** بالمكروب وبالمكمود - وذلك كله متقارب - وقال منذر بن سعيد : الأسف إذا كان من جهة من هو أقل من الإنسان فهو غضب، ومنه قول الله تعالى : فلما آسفونا انتقمنا منهم [(٦)](#foonote-٦) \[ الزخرف : ٥٥ \] ومنه قول الرجل الذي ذهبت لخادمه الشاة من الغنم : فأسفت فلطمتها ؛ وإذا كان من جهة لا يطيقها فهو حزن وهم. 
قال القاضي أبو محمد : وتحرير هذا المنزع : أن الأسف يقال في الغضب ويقال في الحزن، وكل واحد من هذين يحزر حاله التي يقال عليها،

١ يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والاسترجاع هو قولنا عند المصيبة: "إنا لله وإنا إليه راجعون"..
٢ قال الزمخشري: "والتجانس بين لفظتي "الأسف ويوسف" مما يقع مطبوعا غير مستعمل فيملح، ونحوه: اثقلتم إلى الأرض أرضيتم و وهم ينهون عنه وينـأون عنه و  يحسبون أنهم يحسنون صنعا و من سبأ بنبأ يقين". اهـ. وهذا ما يسمى تجنيس التصريف، وهو أن تنفرد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف وتتفق معها في بقية الحروف..
٣ أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ليث بن أبي سليم رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف عليه السلام في السجن فعرفه، فقال له :(أيها الملك الكريم على ربه، هل لك علم بيعقوب؟ قال: نعم، قال: ما فعل؟ قال: ابيضت عيناه من الحزن عليك، قال: فماذا بلغ من حزنه؟ قال: حزن سبعين مثكلة، قال: هل له على ذلك من أجر؟ قال: نعم، أجر مائة شهيد). (الدر المنثور)..
٤ من الآية (١٣٤) من سورة (آل عمران)..
٥ من الآية (٤٨) من سورة (القلم)..
٦ من الآية (٥٥) من سورة (الزخرف)..

### الآية 12:85

> ﻿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ [12:85]

وقوله تعالى : قالوا تالله تفتأ  الآية، المعنى تالله لا تفتأ فتحذف لا في هذه الموضع من القسم لدلالة الكلام عليها فمن ذلك قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
فقلت يمين الله أبرح قاعداً\*\*\* ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي[(١)](#foonote-١)
**ومنه قول الآخر :**
تالله يبقى على الأيام ذو حيد\*\*\* بمشمخر به الظيان والآس[(٢)](#foonote-٢)
أراد لا يبرح ولا يبقى، وقال الزجاجي[(٣)](#foonote-٣) : وقد تحذف أيضاً ما في هذا الموضع. 
قال القاضي أبو محمد : وخطأه بعض النحويين، ومن المواضع التي حذفت فيها لا ويدل عليها الكلام قول الشاعر :\[ الطويل \]
فلا وأبي دهماء زالت عزيزة\*\*\* على قومها ما قبل الزَّنْدَ قادِحُ[(٤)](#foonote-٤)
وقوله ما قبل الزند قادح يوجب أن المحذوف **«لا »**، وليست **«ما »**، وفتىء بمنزلة زال وبرح في المعنى والعمل، تقول : والله لا فتئت قاعداً كما تقول : لا زلت ولا برحت، ومنه قول أوس بن حجر :\[ الطويل \]
فما فتئت حتى كأن غبارها\*\*\* سرادق يوم ذي رياح يرفَّع
و ********«الحرض »******** : الذي قد نهكه الهرم أو الحب أو الحزن إلى حال فساد الأعضاء والبدن والحس، وعلى هذا المعنى قراءة الجمهور **«حَرَضاً »** بفتح الراء والحاء\*\*\* وقرأ الحسن بن أبي الحسن بضمهما، وقرأت فرقة **«حُرْضاً »** بضم الحاء وسكون الراء. وهذا كله المصدر يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والجمع بلفظ واحد، كعدل وعدو، وقيل في قراءة الحسن : انه يراد : فتات الأشنان أي بالياً متفتتاً، ويقال من هذا المعنى الذي هو شن الهم والهرم : رجل حارض، ويثنى هذا البناء ويجمع ويؤنث ويذكر، ومن هذا المعنى قول الشاعر :\[ البسيط \]
إني امرؤ لجَّ بي حبٌّ فأحرضني\*\*\* حتى بليت وحتى شفني السقم[(٥)](#foonote-٥)
وقد سمع من العرب : رجل محرض، قال الشاعر - وهو امرؤ القيس :\[ الطويل \]
أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضاً\*\*\* كإحراضِ بكر في الديار مريض[(٦)](#foonote-٦)
و ********«الحرض »******** - بالجملة - الذي فسد ودنا موته، قال مجاهد :********«الحرض »******** : ما دون الموت[(٧)](#foonote-٧)، قال قتادة :********«الحرض »******** : البالي الهرم، وقال نحو الضحاك والحسن، وقال ابن إسحاق : حرضاً  معناه فاسد لا عقل له ؛ فكأنهم قالوا على جهة التعنيف له : أنت لا تزال تذكر يوسف إلى حال القرب من الهلاك أو إلى الهلاك.

١ البيت من قصيدة ا امرئ القيس الوجدانية يقول في مطلعها: "ألا عم صباحا أيها الطلل البالي"، وفي البيت الذي قبله تقول له الحبيبة: "سباك الله إنك فاضحي " فيجيبها: لن أبرح مكاني حتى لو أدركوني وقطعوا أوصالي. وهذا مما يؤكد شدة هيامه ووجده بها إلى درجة التفاخر والشجاعة التي هي خط القصيدة. و "يمين الله" تكون بالرفع على أنه مبتدأ خبره مضمر تقديره: يمين الله لازمني، وتكون بالنصب على إضمار فعل، مثل فعل العرب: "أمانة الله"، و "أبرح" معناه: "لا أبرح" بحذف (لا) لدلالة المعنى عليها، وذلك لأن الفعل بعد القسم غير مؤكد، ولو كان الكلام إثباتا لوجب توكيد الفعل بالنون فيقول: "أبرحن"، والأوصال: جمع وصل بالكسر، وهو كل عضو ينفصل من آخر.
 .
٢ البيت في "الصحاح"، وقد نسبه إلى الهذلي، وقال محققه: هو مالك بن خالد الخناعي، و "وحيد" بكسر الحاء وفتح الياء جمع " حيدة" على وزن بدرة وبدر، قال في الصحاح: والحيدة: كل نتوء في قرن الوعل والجبل، والحيد: حرف شاخص يخرج من الجبل. والظيان والآس: نوعان من الأزهار والرياحين التي تنبث في الجبال، والمشمخر: الجبل العالي المرتفع في السماء، والشاهد في البيت حذف حرف النفي (لا) لأن المعنى يدل عليه، والتقدير كما قال ابن عطية: "لا يبقى على الأيام"..
٣ هو عبد الرحمن بن إسحق النهاوندي الزجاجي، أبو القاسم، شيخ العربية في عصره، ولد في نهاوند، ونشأ في بغداد، وتوفي في طبرية، وله من الكتب المطبوعة: " الجمل الكبرى " و "الإيضاح الكافي"، وله من الكتب التي لا تزال مخطوطة: "الزاهر" في اللغة. وكانت وفاته سنة ٣٣٧ هـ، ٩٤٩م. (الأعلام، بغية الوعاة، وفيات الأعيان)..
٤ البيت مجهول القائل، وقد ذكره البغدادي في خزانة الأدب الكبرى شاهدا على أنه قد فصل بالجار والمجرور أعني الجملة القسمية "وأبي الدهماء" بين (لا) النافية و (زال). وذكره ابن هشام في الجملة الاعتراضية شاهدا على أنها تكون بين حرف النفي ومنفية. وقال الفراء في معاني القرآن: "إن (لا) قد تضمر مع الأيمان لأنها إذا كانت خبرا لا يضمر فيها (لا)، لم تكن إلا بلام، ألا ترى أنك تقول: والله لآتينك، ولا يجوز أن تقول: والله القيس: فقلت يمين الله أبرح... البيت، وأنشد بعضهم: فلا وأبي دهماء زالت عزيزة... البيت ". ودهماء: اسم امرأة، والشاعر يقسم بوالدها، و جملة (لا زالت عزيزة ) جواب القسم، وقد روى البيت: (مادام للزند قادح).
 .
٥ البيت للعرجي عبد الله بن عمر بن عبد الله، ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن شاهدا على أن معنى أحرضني هو: أذابني، وذكره في اللسان شاهدا على أن أحرض بمعنى: أفسد، وقال: إن معنى "شفني السقم": أذابني..
٦ الآذواد: جمع ذود، وهو الثلاثة إلى العشرة من الإبل، وقد ذكره في اللسان دليلا على أن المحرض هو الهالك مرضا، الذي لاحي فيرجى ولا ميت فيوءس منه، والبكر: الفتي من الإبل، وجمعه: أبكر وبكار، يقول: إن المرء مهما كان صاحب مال يصيبه المرض الذي لا رجاء بعده تماما كالبكر القوي من الإبل حين يصبح في الديار مريضا..
٧ ومن ذلك قول الشاعر: 
 سرى همي فأمرضني وقدما زادني مرضا
 كذاك الحب قبل اليو م مما يورث الحرضا..

### الآية 12:86

> ﻿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [12:86]

فأجابهم يعقوب عليه السلام رادّاً عليهم : أي أني لست ممن يجزع ويضجر فيستحق التعنيف، وإنما أشكو إلى الله، ولا تعنيف في ذلك. و **********«البث »********** ما في صدر الإنسان مما هو معتزم أنه يبثه وينشره، وأكثر ما يستعمل **********«البث »********** في المكروه، وقال أبو عبيدة وغيره :**********«البث »**********[(١)](#foonote-١) أشد الحزن، وقد يستعمل **********«البث »********** في المخفي على الجملة ومنه قول المرأة في حديث أم زرع : ولا يولج الكف ليعلم **********«البث »**********، ومنه قولهم : أبثك حديثي[(٢)](#foonote-٢). 
وقرأ عيسى :**«وحَزَني »** بفتح الحاء والزاي. 
وحكى الطبري بسند : أن يعقوب دخل على فرعون وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فقال له فرعون : ما بلغ بك هذا يا إبراهيم ؟ فقالوا : إنه يعقوب، فقال : ما بلغ بك هذا يا يعقوب ؟ قال له : طول الزمان وكثرة الأحزان، فأوحى الله إليه : يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي ؟ فقال : يا رب خطيئة فاغفرها لي، وأسند الطبري إلى الحسن قال : كان بين خروج يوسف عن يعقوب إلى دخول يعقوب على يوسف ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ولم يزل يبكي حتى كف بصره، وما في الأرض يومئذ أكرم على الله من يعقوب. وقوله : وأعلم من الله ما لا تعلمون  يحتمل أنه أشار إلى حسن ظنه بالله وجميل عادة الله عنده، ويحتمل أنه أشار إلى الرؤيا المنتظرة أو إلى ما وقع في نفسه عن قول ملك مصر : إني أدعو له برؤية ابنه قبل الموت، وهذا هو حسن الظن الذي قدمناه.

١ رواه البخاري في "كتاب النكاح" باب "حسن المعاشرة"، وهو عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا.... فقالت الأولى... الحديث، وفيه: (قالت السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف ليعلم البث). وفي آخره: (قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت لك كأبي زرع لأم زرع)، وكانت أم زرع أكرمهن على زوجها..
٢ حقيقة البث في اللغة ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة التي لا يتهيأ له أن يخفيها، وهو من: بثته أي فرقته، فسميت المصيبة بثا مجازا، قال ذو الرمة: 
 وقفت على ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
 وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره و ملاعبه..

### الآية 12:87

> ﻿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [12:87]

يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ( ٨٧ ) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ( ٨٨ )
المعنى : اذهبوا  إلى الأرض التي جئتم منها وتركتم أخويكم بنيامين وروبيل،  فتحسسوا ، أي استقصوا ونقروا، والتحسس : طلب الشيء بالحواس من البصر والسمع، ويستعمل في الخير والشر، فمن استعماله في الخير هذه الآية، وفي الشر نهي النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ولا تحسسوا[(١)](#foonote-١). 
وقوله : من يوسف  يتعلق بمحذوف يعمل فيه  تحسسوا  التقدير : فتحسسوا نبأ أو حقيقة من أمر يوسف. لكن يحذف ما يدل ظاهر القول عليه إيجازاً. 
وقرأت فرقة :**«تيأسوا »** وقرأت فرقة **«تأيسوا »** على ما تقدم[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ الأعرج **«تِئسوا »** بكسر التاء. 
وخص يوسف وبنيامين بالذكر لأن روبيل إنما بقي مختاراً. وهذان قد منعا الأوبة. 
و **«الروح »** : الرحمة. ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين. إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى. 
وقرأ الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز[(٣)](#foonote-٣) **«من رُوح الله »** بضم الراء. وكأن معنى هذه القراءة لا تأيسوا من حي معه روح الله الذي وهبه، فإن من بقي بوحه فيرجى، ومن هذا قول الشاعر :\[ الطويل \]
وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع[(٤)](#foonote-٤)\*\*\* 
**ومن هذا قول عبيد :**
وكل ذي غيبة يؤوب\*\*\* وغائب الموت لا يؤوب[(٥)](#foonote-٥)
ويظهر من حديث الذي قال : إذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في البحر والبر في يوم راح. فلئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من الناس، إنه يئس من روح الله، وليس الأمر كذلك، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث فغفر الله له يقتضي أنه مات مؤمناً إذ لا يغفر الله لكافر، فبقي أن يتأول الحديث، إما على أن قدر بمعنى ضيق وناقش الحساب، فذلك معنى بين، وإما أن تكون من القدرة، ويقع خطأ في أن ظن في أن الاجتماع بعد السحق والتذرية محال لا يوصف الله تعالى بالقدرة عليه فغلط في أن جعل الجائز محالاً، ولا يلزمه بهذا كفر. قال النقاش : وقرأ ابن مسعود **«من فضل »** وقرأ أبي بن كعب :**«من رحمة الله »**.

١ جاء هذا في حديث رواه مسلم في كتاب البر، وفيه (ولا تدابروا ولا تحسسوا)..
٢ عند تفسير قوله تعالى في الآية (٨٠) من هذه السورة: فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا..
٣ هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أبو حفص الأموي، أمير المؤمنين رضي الله عنه، وردت الرواية عنه في حروف القرآن، ومناقبه كثيرة، عرف بالصلاح والتقوى، وحكم بالعدل، وأعاد سيرة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، توفي في رجب سنة ١٠١ هـ..
٤ المعنى: لا أمل ولا رجاء فيمن مات، أما من بقيت فيه الروح فإنه يظل موضع الأمل والرجاء. هذا وقد قال ابن جني تعليقا على هذه القراءة: ينبغي أن تكون من الروح الذي من الله، ويعني به روح ابن آدم، وقد أضيف نحو ذلك إلى الله، قال لنا أبو علي في قولهم:
 إذا رضيت علي بنو قشير لعمر الله أعجبني رضاها
 أي: "وحق العمر الذي وهبه الله لي". والبيت للقحيف العقيلي يمدح حكيم بن المسيب القرشي..
٥ البيت لعبيد بن الأبرص من قصيدته المشهورة التي مطلعها: 
 أقفر من أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب
 **وقبل هذا البيت يقول عبيد:** 
 فكل ذي نعمة مخلوس وكل ذي أمل مكذوب
 وكل ذي إبل موروث وكل ذي سلب مسلوب.

### الآية 12:88

> ﻿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ [12:88]

وقوله تعالى : فلما دخلوا عليه  الآية، في هذا الموضع اختصار محذوفات يعطيها الظاهر، وهي : أنهم نفذوا من الشام إلى مصر ووصلوها والضمير في  عليه  عائد على يوسف، و  الضر  أرادوا به المسغبة التي كانوا بسبيلها وأمر أخيهم الذي أهم أباهم وغم جميعهم، و **«البضاعة »** القطعة من المال يقصد بها شراء شيء، ولزمها عرف الفقه فيما لا حظ لحاملها من الربح، وال  مزجاة  معناها المدفوعة المتحيل لها، ومنه إزجاء السحاب، ومنه إزجاء الإبل كما قال الشاعر :
على زواحف تزجى مخها رير[(١)](#foonote-١)\*\*\* وكما قال النابغة :\[ البسيط \]
وهبت الريح من تلقاء ذي أزل\*\*\* تزجى مع الليل من صرّادها صرما[(٢)](#foonote-٢)
وقال الأعشى :\[ الكامل \]
الواهب المائة الهجان وعبدها\*\*\* عوذاً تزجي خلفها أطفالها[(٣)](#foonote-٣)
**وقال الآخر :**
بحاجة غير مزجاة من الحاج[(٤)](#foonote-٤)\*\*\* وقال حاتم :
ليبكِ على ملحان ضيف مدفع\*\*\* وأرملة تزجي مع الليل أرملا[(٥)](#foonote-٥)
فجملة هذا أن من يسوق شيئاً ويتلطف في تسييره فقد أزجاه فإذا كانت الدراهم مدفوعة نازلة القدر تحتاج أن يعتذر معها ويشفع لها فهي مزجاة، فقيل : كان ذلك لأنها كانت زيوفاً[(٦)](#foonote-٦) - قاله ابن عباس - وقال الحسن : كانت قليلة، وقيل : كانت ناقصة - قاله ابن جبير - وقيل : كانت بضاعتهم عروضاً، فلذلك قالوا هذا. 
واختلف في تلك العروض : ما كانت ؟ فقيل : كانت السمن والصوف - قاله عبد الله بن الحارث - وقال علي بن أبي طالب : كانت قديد وحش - ذكره النقاش - وقال أبو صالح وزيد بن أسلم : كانت الصنوبر والحبة الخضراء. 
قال القاضي أبو محمد : وهي الفستق[(٧)](#foonote-٧). 
وقيل : كانت المقل[(٨)](#foonote-٨)، وقيل : كانت القطن، وقيل : كانت الحبال والأعدال والأقتاب[(٩)](#foonote-٩). 
وحكى مكي أن مالكاً رحمه الله قال : المزجاة : الجائزة. 
قال القاضي أبو محمد : ولا أعرف لهذا وجهاً، والمعنى يأباه. ويحتمل أن صحف على مالك وأن لفظه بالحاء غير منقوطة وبالراء[(١٠)](#foonote-١٠). واستند مالك رحمه الله في أن الكيل على البائع إلى هذه الآية، وذلك ظاهر منها وليس بنص. 
وقولهم : وتصدق علينا  معناه بما بين الدراهم الجياد وهذه المزجاة، قاله السدي وغيره. وقيل : كانت الصدقة غير محرمة على أولئك الأنبياء وإنما حرمت على محمد، قاله سفيان بن عيينة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، يرده حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله :**«نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة »**[(١١)](#foonote-١١). 
وقالت فرقة : كانت الصدقة عليهم محرمة ولكن قالوا هذا تجوزاً واستعطافاً منهم في المبايعة، كما تقول لمن تساومه في سلعة : هبني من ثمنها كذا وخذ كذا، فلم تقصد أن يهبك، وإنما حسنت له الانفعال[(١٢)](#foonote-١٢) حتى يرجع معك إلى سومك، وقال ابن جريج : إنما خصوا بقولهم  وتصدق علينا  أمر أخيهم بنيامين، أي أوف لنا الكيل في المبايعة وتصدق علينا بصرف أخينا إلى أبيه. 
وقولهم : إن الله يجزي المتصدقين  قال النقاش : يقال : هو من المعاريض[(١٣)](#foonote-١٣) التي هي مندوحة عن الكذب، وذلك أنهم كانوا يعتقدونه ملكاً كافراً على غير دينهم، ولو قالوا : إن الله يجزيك بصدقتك في الآخرة، كذبوا، فقالوا له لفظاً يوهمه أنهم أرادوه وهم يصح لهم إخراجه منه بالتأويل.

١ قال في (الصحاح): "الفراء: مخ رير ورير أي فاسد ذاهب من الهزال، وأنشد: 
 والساق مني باديات الرير
 أي: أنا ظاهر الهزال، لأنه رق عظمه ودق جلده فظهر مخه". وتزجى: تساق وتدفع إلى السير..
٢ البيت من قصيدة مطلعها: 
 بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما واحتلت الشرع فالأجزاع من إضما
 وأرل بضم الهمزة والراء: جبل بأرض غطفان، قال ابن قتيبة: إذا كانت الريح شمالا أتت من عرضه، وتزجي: تسوق، وصررها بضم الصاد: غيم لا مطر فيه، فهو يحجب الشمس ولا يمطر، والصرم: جمع صرمة وهي قطع السحاب، وأصلها: القطعة من الإبل. والبيت شاهد على أن الإزجاء هو السرق بالدفع..
٣ البيت لأعشى بني ثعلبة ميمون بن قيس، وهو في قصيدة يمدح بها قيس بن معديكرب، ومطلعها: 
 رحلت سمية غدوة أجمالها غضبي عليك فما تقول بدالها
 والهجان: جمع هجين وهو الأبيض الكريم من الإبل، والعوذ: الحديثان النتاج، يمدحه بالكرم فيقول: إنه يهب المائة من كرام الإبل وعبدها، وأطفالها تتبعها وتسعى خلفها.
 .
٤ ذكره في (اللسان ـ زجا) شاهدا على أن معنى "مزجاة": قليلة يسيرة، قال: "وقال ثعلب: بضاعة مزجاة: فيها إغماض لم يتم صلاحها، وقيل: يسيرة قليلة، وأنشد: وحاجة... البيت"، ثم أورد كثيرا من الآراء في معنى (مزجاة)..
٥ البيت في (اللسان – رمل)، وقد أنشده ابن بري شاهدا على أن الأرمل هي المرأة لا زوج لها، ونقل عن ابن جني قوله: "قلما يستعمل الأرمل في المذكر إلا في التشبيه والمغالطة، قال جرير: 
 كل الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر؟
 وابن عطية يستشهد بالبيت على أن معنى تزجي: تسوق وتدفع..
٦ يقال: زافت النقود زيفا وزيوفا وزيوفة: ظهر فيها غش ورداءة، (المعجم الوسيط)..
٧ في إحدى النسخ: "وهي القسمور"، ولا ندري ما هو..
٨ هو بضم الميم وسكون القاف: حمل الدوم، والدوم يشبه النخل. .
٩ الأعدل : الأحمال المتساوية من المتاع، يقال: عدل الأمتعة: جعلها أعدالا متساوية لتحمل. والأقتاب: جمع قتب وهو الرحل الصغير على سنام البعير.
 .
١٠ فتكون: الحائرة، من الحيرة..
١١ روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم تمرا من تمر الصدقة والحسن بن علي في حجره، فلما فرغ حمله النبي صلى الله عليه وسلم على عاتقه، فسال لعابه على النبي صلى الله عليه وسلم، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه تمر في فيه، فأدخل النبي صلى الله عليه وسلم يده فانتزعها منه، ثم قال: (أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد؟)، وهذا الحديث يقوي رأي سفيان ابن عيينة..
١٢ لنص الذي نقله "البحر" عن ابن عطية هو: إنما حسنت له الأفعال حتى يرجع ـ الخ وهو أقرب وأشبه بالصواب من كلمة "الأفعال"..
١٣ المعاريض: جمع معراض، من التعريض وهو خلاف التصريح من القول، وفي الحديث الشريف: (إن في المعاريض لمندوحة في الكذب)..

### الآية 12:89

> ﻿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ [12:89]

قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ( ٨٩ ) }
روي أن يوسف عليه السلام لما قال إخوته  مسنا وأهلنا الضر  \[ يوسف : ٨٨ \] واستعطفوه - رق ورحمهم، قال ابن إسحاق : وارفض[(١)](#foonote-١) دمعه باكياً فشرع في كشف أمره إليهم، فيروى أنه حسر قناعه وقال لهم : هل علمتم  الآية. 
وقوله : فعلتم بيوسف وأخيه  يريد من التفريق بينهما في الصغر والتمرس بهما وإذاية[(٢)](#foonote-٢) بنيامين. بعد مغيب يوسف. فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، ولم يشر إلى قصة بنيامين الآخرة لأنهم لم يفعلوا هم فيها شيئاً، ونسبهم إما إلى جهل المعصية، وإما إلى جهل الشباب وقلة الحنكة، فلما خاطبهم هذه المخاطبة - ويشبه أن يكون قد اقترن بها من هيئته وبشره وتبسمه ما دلهم - تنبهوا ووقع لهم من الظن القوي أنه يوسف، فخاطبوه مستفهمين استفهام مقرر.

١ ارفض الدمع وترفض: نزل وسال، وفي حديث البراق: (أنه اسصعب علي ـ النبي صلى الله عليه وسلم ـ ثم ارفض عرقا)..
٢ المعروف في اللغة هو: آذاه يؤذيه فأذي هو أذى وأذاة وأذية، وأما إذاية فغير فصيحة وإن وردت في القاموس. (ويامين) هو (بنيامين)..

### الآية 12:90

> ﻿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [12:90]

وقرأت فرقة **«أأنك يوسف »** بتحقيق الهمزتين، وقرأت فرقة بإدخال ألف بين همزتين وتحقيقهما **«أإنك »**، وقرأت فرقة بتسهيل الثانية ******«إنك »******، وقرأ ابن محيصن وقتادة وابن كثير ******«إنك »****** على الخبر وتأكيده وقرأ أبي بن كعب **«أأنك أو أنت يوسف »** قال أبو الفتح : ينبغي أن يكون هذا على حذف خبر **«إن »** كأنه قال : أئنك لغير يوسف أو أنت يوسف[(١)](#foonote-١) ؟ وحكى أبو عمرو الداني : أن في قراءة أبي بن كعب :**«أو أنت يوسف »** وتأولت فرقة ممن قرأ ******«إنك »****** إنها استفهام بإسقاط حرف الاستفهام، فأجابهم يوسف كاشفاً أمره قال : أنا يوسف وهذا أخي [(٢)](#foonote-٢) وقال مجاهد : أراد  من يتق  في ترك المعصية ويصبر في السجن. وقال إبراهيم النخعي : المعنى : من يتق  الزنى ويصبر على العزوبة. 
قال القاضي أبو محمد : ومقصد اللفظ إنما هو العموم في العظائم، وإنما قال هذان ما خصصا، لأنها[(٣)](#foonote-٣) كانت من نوازله، ولو فرضنا نزول غيرها به لاتقى وصبر. 
وقرأ الجمهور **«من يتق ويصبر »** وقرأ ابن كثير وحده :**«ومن يتق ويصبر »** بإثبات الياء، واختلف في وجه ذلك، فقيل : قدر الياء متحركة وجعل الجزم في حذف الحركة، وهذا كما قال الشاعر :\[ الوافر \]
ألم يأتيك والأنباء تنمي\*\*\* بما لاقت لبون بني زياد[(٤)](#foonote-٤)
قال أبو علي : وهذا مما لا نحمله عليه، لأنه يجيء في الشعر لا في الكلام، وقيل :****«من »**** بمعنى الذي و **«يتقي »** فعل مرفوع، و ****«يصبر »**** عطف على المعنى لأن ****«من »**** وإن كانت بمعنى الذي ففيها معنى الشرط، ونحوه قوله تعالى : فأصدق وأكن [(٥)](#foonote-٥) \[ المنافقون : ١٠ \] وقيل : أراد ****«يصبر »**** بالرفع لكنه سكن الراء تخفيفاً، كما قرأ أبو عمرو : ويأمركم [(٦)](#foonote-٦) \[ البقرة : ٦٧ \] بإسكان الراء.

١ قال أبو الفتح: "فكأنه قال: بل أنت يوسف، وقد جاء حذف خبر إن كما قال الأعشى:
 إن محلا وإن مرتحلا وإن في السفر إذ مضى مهلا
 أراد: إن لنا محلا، وإن لنا مرتحلا، فحذف الخبر، والكوفيون لا يجيزون حذف الخبر إلا إذا كان الاسم نكرة"..
٢ يظهر أن نقصا حدث في الكلام هنا، ويستدل عليه بالعبارة بعده، ولهذا رجعت إلى البحر فوجدت النص الآتي: "ثم ذكر سبب من الله عليه هو بالتقوى والصبر، والأحسن ألا تخص التقوى بحالة ولا الصبر، وقال مجاهد...."..
٣ الضمير في (لأنها) يعود على النوازل التي نزلت بيوسف، مثل فتنة الزنى، والصبر على العزوبة، ودخول السجن، وغيرها..
٤ البيت لقيس بن زهير، من أبيات تجدها مع قصتها "شرح الشواهد " للسيوطي ١١٣. وتنمي: تسير وتنشر حتى تبلغ، واللبون: جماعة الإبل ذات اللبن، والبيت في سيبويه ٢ـ٥٩، والخزانة ٣ـ٥٣٤، وسر صناعة الإعراب ٨٨. والشاهد فيه هو إثبات الياء في الفعل (يأتي) بعد (لم)، وللعلماء في ذلك آراء ذكر منها ابن عطية اثنين، ويضاف إليهما ما قيل من أن الفعل مجزوم بحذف الياء التي هي لام الكلمة، وهذه الياء الموجودة إشباع.
 .
٥ من الآية (١٠) من سورة (المنافقون)..
٦ من قوله تعالى في الآية (٢٦٨) من سورة (البقرة): الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء..

### الآية 12:91

> ﻿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ [12:91]

وقوله تعالى : قالوا : تالله لقد آثرك الله علينا  الآية، هذا منهم استنزال ليوسف وإقرار بالذنب في ضمنه استغفار منه. 
و  آثرك  لفظ يعم جميع التفضيل وأنواع العطايا، والأصل فيها همزتان وخففت الثانية، ولا يجوز تحقيقها، والمصدر إيثار، و  خاطئين  من خطىء يخطأ، وهو المتعمد للخطأ، والمخطىء من أخطأ، وهو الذي قصد الصواب فلم يوفق إليه، ومن ذلك قول الشاعر - وهو أمية بن الأسكر - \[ الوافر \]
وإن مهاجرَينِ تكتفاه\*\*\* لعمرُ الله قد خطئا وخابا[(١)](#foonote-١)

١ البيت لأمية بن الأسكر، ويقال: هو الأشكر بالشين، وهو من الشعراء المخضرمين، أدراك الإسلام وأسلم، والبيت من شعر له في ابنه كلاب، وكان ابنه قد لقي طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام فسألهما: أي الأعمال أفضل في الإسلام؟ فقالا له: الجهاد، فذهب إلى عمر رضي الله عنه وطلب إليه أن يلحقه بالجيش ففعل، وكان أبوه قد كبر وضعف، فلما طالت غيبة كلاب على أبيه قال هذا الشعر، وقد استشهد أبو عبيدة بهذا البيت في "مجاز القرآن" عند تفسير قوله تعالى: إنه كان حوبا كبيرا، أي إثما، وذلك أن الرواية في البيت و(حابا) بالحاء المهملة لا بالخاء كما هي مثبتة في الأصول هنا، ثم عاد أبو عبيدة واستشهد بالبيت عند تفسير قوله تعالى: وإن كنا لخاطئين وقال: "خطئت وأخطأت واحد، قال امرؤ القيس: (يا لهف هند إذ خطئن كاهلا)، أي أخطأن، وقال أمية بن الأسكر: (وإن مهاجرين... البيت)"..

### الآية 12:92

> ﻿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [12:92]

وقوله : لا تثريب عليكم  عفو جميل، وقال عكرمة : أوحى الله إلى يوسف : بعفوك على إخوتك رفعت لك ذكرك ؛ وفي الحديث : أن أبا سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية لما وردا مهاجرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرض عنهما لقبح فعلهما معه قبل، فشق ذلك عليهما وأتيا أبا بكر فكلفاه الشفاعة، فأبى، وأتيا عمر فكذلك، فذهب أبو سفيان بن الحارث إلى ابن عمه علي، وذهب عبد الله إلى أخته أم سلمة، فقال علي رضي الله عنه : الرأي أن تلقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحفل فتصيحان به : تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين  فإنه لا يرضى أن يكون دون أحد من الأنبياء فلا بد لذلك أن يقول : لا تثريب عليكما، ففعلا ذلك، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تثريب عليكم  الآية[(١)](#foonote-١). 
والتثريب : اللوم والعقوبة وما جرى معهما من سوء معتقد ونحوه، وقد عبر بعض الناس عن التثريب بالتعيير، ومنه قول النبي عليه السلام :**«إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثرب »**[(٢)](#foonote-٢)، أي لا يعير، أخرجه الشيخان في الحدود. 
ووقف بعض القرأة  عليكم  وابتدأ  اليوم يغفر الله لكم  ووقف أكثرهم : اليوم  وابتدأ  يغفر الله لكم  على جهة الدعاء - وهو تأويل ابن إسحاق والطبري، وهو الصحيح - و  اليوم  ظرف، فعلى هذا فالعامل فيه ما يتعلق به  عليكم  تقديره : لا تثريب ثابت أو مستقر عليكم اليوم. وهذا الوقف أرجح في المعنى، لأن الآخر فيه حكم على مغفرة الله، اللهم إلا أن يكون ذلك بوحي.

١ ذكر صاحب "الإصابة " هذا الخبر قائلا: "إن عليا علم أبا سفيان بن الحارث لما جاء ليسلم أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم من جهة وجهه فيقول: "تالله لقد آثرك الله علينا"، وذكره أيضا الرازي في تفسيره..
٢ أخرجه البخاري في الحدود والبيوع، ومسلم في الحدود، وكذلك أبو داود، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢-٢٤٩، ٤٩٤). ولفظه كما في البخاري عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر)..

### الآية 12:93

> ﻿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [12:93]

اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ( ٩٣ ) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ( ٩٤ ) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ( ٩٥ )
حكمه بعد الأمر إلقاء القميص على وجه أبيه بأن أباه يأتي بصيراً ويزول عماه دليل على أن هذا كله بوحي وإعلام من الله. قال النقاش : وروي أن هذا القميص كان لإبراهيم كساه الله إياه حين خرج من النار وكان من ثياب الجنة. وكان بعد لإسحاق ثم ليعقوب ثم كان دفعه ليوسف فكان عنده في حفاظ من قصب. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر أنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد، وهكذا تبين الغرابة في أن وجد ريحه من بعد، ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة ولوجده كل أحد. 
وأما **«أهلهم »** فروي : أنهم كانوا ثمانين نسمة، وقيل ستة وسبعين نفساً بين رجال ونساء - وفي هذا العدد دخلوا مصر ثم خرج منها أعقابهم مع موسى في ستمائة ألف. وذكر الطبري عن السدي أنه لما كشف أمره لإخوته سألهم عن أبيهم : ما حاله ؟ فقالوا : ذهب بصره من البكاء. فحينئذ قال لهم : اذهبوا بقميصي  الآية.

### الآية 12:94

> ﻿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ [12:94]

وقوله تعالى : ولما فصلت العير  الآية، معناه : فصلت العير من مصر متوجهة إلى موضع يعقوب، حسبما اختلف فيه، فقيل : كان على مقربة من بيت المقدس، وقيل كان بالجزيرة والأول أصح لأن آثارهم وقبورهم حتى الآن هناك. 
وروي أن يعقوب وجد  ريح يوسف  وبينه وبين القميص مسيرة ثمانية أيام، قاله ابن عباس، وقال : هاجت ريح فحملت عرفه ؛ وروي : أنه كان بينهما ثمانون فرسخاً - قاله الحسن - وابن جريج قال : وقد كان فارقه قبل ذلك سبعاً وسبعين سنة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قريب من الأول. 
وروي : أنه كان بينهما مسيرة ثلاثين يوماً، قاله الحسن بن أبي الحسن، وروي عن أبي أيوب الهوزني : أن الريح استأذنت في أن توصل عرف يوسف إلى يعقوب، فأذن لها في ذلك. وكانت مخاطبة يعقوب هذه لحاضريه، فروي : أنهم كانوا حفدته، وقيل : كانوا بعض بنيه، وقيل : كانوا قرابته. 
و  تفندون  معناه : تردون رأيي وتدفعون في صدري، وهذا هو التفنيد في اللغة، ومن ذلك قول الشاعر :\[ البسيط \]
يا عاذليّ دعا لومي وتفنيدي\*\*\* فليس ما فات من أمري بمردود[(١)](#foonote-١)
ويقال : أفند الدهر فلاناً : إذا أفسده. 
قال ابن مقبل :\[ الطويل \]
دع الدهر يفعل ما أراد فإنه\*\*\* إذا كلف الإفناد بالناس أفندا[(٢)](#foonote-٢)
ومما يعطي أن الفند الفساد في الجملة قول النابغة :\[ البسيط \]
إلا سليمان إذ قال الإله له\*\*\* قم في البرية فاحددها عن الفند[(٣)](#foonote-٣)
وقال منذر بن سعيد : يقال : شيخ مفند : أي قد فسد رأيه، ولا يقال : عجوز. 
قال القاضي أبو محمد : والتفنيد يقع إما لجهل المفند، وإما لهوى غلبه، وإما لكذبه، وإما لضعفه وعجزه لذهاب عقله وهرمه، فلهذا فسّر الناس التفنيد في هذه الآية بهذه المعاني ومنه قوله عليه السلام أو هرماً مفنداً[(٤)](#foonote-٤). 
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : معناه تسفهون، وقال ابن عباس - أيضاً - تجهلون، وقال ابن جبير وعطاء : معناه : تكذبون[(٥)](#foonote-٥)، وقال ابن إسحاق : معناه : تضعفون، وقال ابن زيد ومجاهد : معناه : تقولون : ذهب عقلك، وقال الحسن : معناه : تهرمون. 
والذي يشبه أن تفنيدهم ليعقوب إنما كان لأنهم كانوا يعتقدون أن هواه قد غلبه في جانب يوسف[(٦)](#foonote-٦). قال الطبري : أصل التفنيد الإفساد.

١ البيت لهانئ بن شكيم العدوي، والرواية في الطبري يا صاحبي، وكذلك رواه القرطبي، وقد استشهد به أبو عبيدة في "مجاز القرآن" دليلا على أن معنى \[تفندون\] هو تسفهون وتعجزون، وفي روايته: (ما فات من أمر)، يقول الشاعر: لا داعي للوم وتسفيه الرأي فقد مضى ما مضى ولا سبيل إلى الرجوع فيه..
٢ الخطاب في البيت لخليله، وقد ذكرهما قبل البيت، ولهذا فالرواية (دعا)، ولفظ البيت كما في الديوان: 
 دعا الدهر يفعل ما أراد فإنه إذا كلف الإفساد بالناس أفسدا
 وعلى هذا فلا شاهد فيه. ومعنى أفند: أوقع في الفند، وهو الخرف وإنكار العقل من الهرم والمرض..
٣ البيت من قصيدته المشهورة التي يمدح النعمان بن المنذر، ويعتذر إليه مما بلغه عنه في أمر المتجردة، وهو هنا يشبه النعمان بسيدنا سليمان عليه السلام في عظم الملك، وقبل هذا البيت يقول النابغة: 
 ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ولا أحاشي من الأقوام من أحد
 .
٤ هذا جزء من حديث رواه الترمذي في الزهد، وقد ورد التفنيد في أحاديث كثيرة، روى شمر في حديث واثلة بن الأسقع أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أتزعمون أنني من آخركم وفاة؟ ألا إني من أولكم وفاة. تتبعوني أفنادا يهلك بعضكم بعضا)، والمعنى تتبعونني ذوي فند، أي: عجز وكفر للنعمة..
٥ ومنه قول الشاعر: 
 هل في افتخار الكريم من أود؟ أم هل لقول الصدق من فند؟
 والأود: العوج، والفند هنا الكذب..
٦ فهو إذا من فساد العقل، وعليه قول الشاعر: 
 يا عاذلي دعا الملام وأقصر طال الهوى وأطلتما التفنيدا
 .

### الآية 12:95

> ﻿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ [12:95]

وقولهم : لفي ضلالك  يريدون في انتكافك وتحيرك[(١)](#foonote-١)، وليس هو بالضلال الذي هو في العرف ضد الرشاد، لأن ذلك من الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به، وقد تأول بعض الناس على ذلك، ولهذا قال قتادة رحمه الله : قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله عليه السلام، وقال ابن عباس : المعنى : لفي خطئك. 
قال القاضي أبو محمد : وكان حزن يعقوب قد تجدد بقصة بنيامين، فلذلك يقال له : ذو الحزنين.

١ الانتكاف هو الخروج من أمر إلى أمر، ففيه معنى الحيرة، وفي بعض النسخ: "ائتلافك" بمعنى: استمالتك..

### الآية 12:96

> ﻿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [12:96]

فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ٩٦ ) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ( ٩٧ ) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( ٩٨ ) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ ( ٩٩ )
روي عن ابن عباس : أن  البشير  كان يهوذا لأنه كان جاء بقميص الدم. 
قال القاضي أبو محمد : حدثني أبي رضي الله عنه قال : سمعت الواعظ أبا الفضل بن الجوهري على المنبر بمصر يقول : إن يوسف عليه السلام لما قال : اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي  \[ يوسف : ٩٣ \] قال يهوذا لإخوته : قد علمتم أني ذهبت إليه بقميص الَّترحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة ؛ فتركوه وذلك. وقال هذا المعنى السدي. و  ارتد  معناه : رجع هو، يقال : ارتد الرجل ورده غيره، و  بصيرا  معناه : مبصراً، ثم وقفهم على قوله : إني أعلم من الله ما لا تعلمون  وهذا - والله أعلم - هو انتظاره لتأويل الرؤيا - ويحتمل أن يشير إلى حسن ظنه بالله تعالى فقط. 
وروي : أنه قال للبشير : على أي دين تركت يوسف ؟ قال : على الإسلام قال : الحمد لله، الآن كملت النعمة. 
وفي مصحف ابن مسعود :**«فلما أن جاء البشير من بين يدي العير »**، وحكى الطبري عن بعض النحويين أنه قال : أن  في قوله : فلما أن جاء البشير  زائدة، والعرب تزيدها أحياناً في الكلام بعد لما وبعد حتى فقط، تقول : لما جئت كان كذا، ولما أن جئت، وكذلك تقول : ما قام زيد حتى قمت، وحتى أن قمت.

### الآية 12:97

> ﻿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ [12:97]

وقوله : قالوا : يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا  الآية، روي أن يوسف عليه السلام لما غفر لإخوته، وتحققوا أيضاً أن يعقوب يغفر لهم، قال بعضهم لبعض : ما يغني عنا هذا إن لم يغفر الله لنا ؟ ! فطلبوا - حينئذ - من يعقوب أن يطلب لهم المغفرة من الله تعالى، واعترفوا بالخطأ،

### الآية 12:98

> ﻿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [12:98]

فقال لهم يعقوب : سوف أستغفر ، فقالت فرقة : َسَّوَفُهم إلى السحر، وروي عن محارب بن دثار أنه قال : كان عم لي يأتي المسجد فسمع إنساناً يقول : اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت، وهذا سحر فاغفر لي، فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسئل عبد الله بن مسعود عن ذلك، فقال : إن يعقوب عليه السلام أخر بنيه إلى السحر، ويقوي هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«ينزل ربنا كل ليلة إذا كان الثلث الآخر إلى سماء الدنيا فيقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ »** الحديث[(١)](#foonote-١) ويقويه قوله تعالى : والمستغفرين بالأسحار [(٢)](#foonote-٢) \[ آل عمران : ١٧ \]. وقالت فرقة : إنما سوفهم يعقوب إلى قيام الليل، وقالت فرقة - منهم سعيد بن جبير - سوفهم يعقوب إلى الليالي البيض، فان الدعاء فيهن يستجاب وقيل : إنما أخرهم إلى ليلة الجمعة، وروى ابن عباس هذا التأويل عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال :**«أخرهم يعقوب حتى تأتي له الجمعة »**[(٣)](#foonote-٣). 
ثم رجاهم يعقوب عليه السلام بقوله : إنه هو الغفور الرحيم .

١ أخرجه البخاري في التهجد، ومسلم في المسافرين، وأبو داود في السنة، والترمذي في الصلاة، وفي الدعوات، وابن ماجه في الإقامة، والدارمي في الصلاة، والموطأ في القرآن، والإمام أحمد في مسنده (٢ـ٢٦٤، ٢٦٧، ٢٨٢، ٤١٩، ٤٨٧، ٥٠٤)..
٢ من الآية (١٧) من سورة (آل عمران)..
٣ أخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (في قصة قول أخي يعقوب لبنيه): سوف أستغفر لكم ربي يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة. (الدر المنثور)..

### الآية 12:99

> ﻿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [12:99]

وقوله : فلما دخلوا  الآية، ها هنا محذوفات يدل عليها الظاهر، وهي : فرحل يعقوب بأهله أجمعين وساروا حتى بلغوا يوسف، فلما دخلوا عليه. 
و  آوى  معناه : ضم وأظهر الحماية بهما[(١)](#foonote-١)، وفي الحديث :**«أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله »**[(٢)](#foonote-٢) وقيل : أراد **«بالأبوين »** : أباه وأمه - قاله ابن إسحاق والحسن - وقال بعضهم : أباه وجدته - أم أمه - حكاه الزهراوي - وقيل : أباه وخالته، لأن أمه قد كانت ماتت - قاله السدي -. 
قال القاضي أبو محمد : والأول أظهر - بحسب اللفظ - إلا لو ثبت بسند أن أمه قد كانت ماتت. 
وفي مصحف ابن مسعود :**«آوى إليه أبويه وإخوته »**. وقوله : ادخلوا مصر  معناه : تمكنوا واسكنوا واستقروا، لأنهم قد كانوا دخلوا عليه، وقيل : بل قال لهم ذلك في الطريق حين تلقاهم - قاله السدي وهذا الاستثناء هو الذي ندب القرآن إليه، أن يقوله الإنسان في جميع ما ينفذه بقوله في المستقبل، وقال ابن جريج : هذا مؤخر في اللفظ وهو متصل في المعنى بقوله : سوف أستغفر لكم . 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا التأويل ضعف.

١ في بعض النسخ: "وأظهر الحفاية بهما" بكسر الحاء وبالياء المهملة، وهي صحيحة مثل الحفاوة بالواو مع فتح الحاء وكسرها، يقال: حفي بالرجل حفاوة وحفاوة وحفاية، وتحفى به واحتفى: بلغ في إكرامه. (عن اللسان – حفا)..
٢ الحديث في البخاري، في باب "من قعد حيث ينتهي به المجلس" من كتاب العلم، ولفظه في البخاري عن أبي واقد الليثي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال: فوقفا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض الله عنه). هذا وقد أخرجه البخاري أيضا في الصلاة، ومسلم في السلام، والترمذي في الاستئذان، ومالك في الموطأ (في السلام)، وأحمد (٥ـ٢١٩)..

### الآية 12:100

> ﻿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [12:100]

و  العرش  : سرير الملك، وكل ما عرش فهو عريش وعرش، وخصصت اللغة العرش لسرير الملك، و  خروا  معناه : تصوبوا إلى الأرض، واختلف في هذا السجود، فقيل : كان كالمعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل : بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه مما كان سيرة تحياتهم للملوك في ذلك الزمان، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود - على أي هيئة كان - فإنما كان تحية لا عبادة. قال قتادة : هذه كانت تحية الملوك عندهم. وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. وقال الحسن : الضمير في  له  لله عز وجل. 
قال القاضي أبو محمد : ورد على هذا القول[(١)](#foonote-١). 
وحكى الطبري : أن يعقوب لما بلغ مصر في جملته كلم يوسف فرعون في تلقيه فخرج إليه وخرج الملوك معه فلما دنا يوسف من يعقوب وكان يعقوب يمشي متوكئاً على يهوذا - قال : فنظر يعقوب إلى الخيل والناس فقال : يا يهوذا، هذا فرعون مصر، قال : لا هو ابنك، قال : فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف يبدأ بالسلام، فمنعه يعقوب من ذلك وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل، فقال : السلام عليك يا مذهب الأحزان. 
قال القاضي أبو محمد : ونحو هذا من القصص، وفي هذا الوقت قال يوسف ليعقوب : إن فرعون قد أحسن إلينا فادخل عليه شاكراً، فدخل عليه، فقال فرعون : يا شيخ ما مصيرك إلى ما أرى ؟ قال : تتابع البلاء عليّ. قال : فما زالت قدمه حتى نزل الوحي : يا يعقوب، أتشكوني إلى من لا يضرك ولا ينفعك ؟ قال : يا رب ذنب فاغفره. وقال أبو عمرو الشيباني : تقدم يوسف يعقوب في المشي في بعض تلك المواطن فهبط جبريل فقال له : أتتقدم أباك ؟ إن عقوبتك لذلك ألا يخرج من نسلك نبي. 
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( ١٠٠ )
المعنى : قال يوسف ليعقوب : هذا السجود الذي كان منكم، هو ما آلت إليه رؤياي قديماً في الأحد عشر كوكباً وفي الشمس والقمر. 
وقوله : قد جعلها ربي حقاً  ابتداء تعديد نعم الله تعالى عليه، وقوله : وقد أحسن بي ، أي أوقع وناط إحسانه بي. فهذا منحى في وصول الإحسان بالباء، وقد يقال : أحسن إليَّ، وأحسن فيّ، ومنه قول عبد الله بن أبي ابن سلول : يا محمد أحسن في مواليّ ؛ وهذه المناحي مختلفة المعنى، وأليقها بيوسف قوله : بي  لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد هو الغاية التي صار إليها[(٢)](#foonote-٢). 
وذكر يوسف عليه السلام إخراجه من السجن، وترك إخراجه من الجب لوجهين. 
أحدهما : أن في ذكر إخراجه من الجب تجديد فعل إخوته وخزيهم بذلك وتقليع نفوسهم وتحريك تلك الغوائل وتخبيث النفوس[(٣)](#foonote-٣). 
والوجه الآخر : أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك فالنعمة هنا أوضح[(٤)](#foonote-٤). 
وقوله : وجاء بكم من البدو  يعم جمع الشمل والتنقل من الشقاوة إلى النعمة بسكنى الحاضرة، وكان منزل يعقوب عليه السلام بأطراف الشام في بادية فلسطين وكان رب إبل وغنم وبادية[(٥)](#foonote-٥). 
و  نزغ  معناه : فعل فعلاً أفسد به، ومنه قول النبي عليه السلام :**«لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده »**[(٦)](#foonote-٦). 
وإنما ذكر يوسف هذا القدر من أمر إخوته ليبين حسن موقع النعم، لأن النعمة إذا جاءت إثر شدة وبلاء فهي أحسن موقعاً. 
وقوله : لما يشاء  أي من الأمور أن يفعله، واختلف الناس في كم كان بين رؤيا يوسف وبين ظهورها : فقالت فرقة أربعون سنة - هذا قول سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد، وقال عبد الله بن شداد : ذلك آخر ما تبطىء الرؤيا - وقالت فرقة - منهم الحسن وجسر بن فرقد وفضيل بن عياض - ثمانون سنة. وقال ابن إسحاق : ثمانية عشر، وقيل : اثنان وعشرون قاله النقاش - وقيل : ثلاثون، وقيل : خمس وثلاثون - قاله قتادة - وقال السدي وابن جبير : ستة وثلاثون سنة. وقيل : إن يوسف عليه السلام عمر مائة وعشرين سنة. وقيل : إن يعقوب بقي عند يوسف نيفاً على عشرين سنة ثم توفي صلى الله عليه وسلم. 
قال القاضي أبو محمد : ولا وجه في ترك تعريف يوسف أباه بحاله منذ خرج من السجن إلى العز إلا الوحي من الله تعالى لما أراد أن يمتحن به يعقوب وبنيه، وأراد من صورة جمعهم - لا إله إلا هو - وقال النقاش : كان ذلك الوحي في الجب، وهو قوله تعالى : وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون  \[ يوسف : ١٥ \] وهذا محتمل. 
ومما روي في أخبار يعقوب عليه السلام : قال الحسن : إنه لما ورده البشير لم يجد عنده شيئاً يثيبه به فقال له : والله ما أصبت عندنا شيئاً، وما خبرنا منذ سبه ليال، ولكن هون الله عليك سكرات الموت. 
ومن أخباره : أنه لما اشتد بلاؤه وقال : يا رب أعميت بصري وغيبت عني يوسف، أفما ترحمني ؟ فأوحى الله إليه : سوف أرحمك وأرد عليك ولدك وبصرك، وما عاقبتك بذلك إلا أنك طبخت في منزلك حملاً فشمه جار لك ولم تساهمه بشيء، فكان يعقوب بعد يدعوه إلى غدائه وعشائه. وحكى الطبري : أنه لما اجتمع شمله كلفه بنوه أن يدعو الله لهم حتى يأتي الوحي بأن الله قد غفر لهم. قال : فكان يعقوب يصلي ويوسف وراءه وهم وراء يوسف، ويدعو لهم فلبث كذلك عشرين سنة ثم جاءه الوحي : إني قد غفرت لهم وأعطيتهم مواثيق النبوة بعدك. ومن أخباره : أنه لما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يدفنه بالشام، فلما مات نفخ فيه المر وحمله إلى الشام، ثم مات يوسف فدفن بمصر، فلما خرج موسى - بعد ذلك - من أرض مصر احتمل عظام يوسف حتى دفنها بالشام مع آبائه.

١ هذا خطأ، والهاء راجعة إلى يوسف لقوله تعالى في أول السورة: رأيتهم لي ساجدين. قال النقاش.
٢ الأصل في (أحسن) أن يتعدى ب (إلى)، قال تعالى: وأحسن كما أحسن الله إليك، وقد يتعدى بالباء كقوله تعالى: وبالوالدين إحسانا، وكذلك (أساء)، يقال: أساء إليه، وبه، قال الشاعر:
 أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت
 وقد يكون (أحسن) ضمن معنى (لطف) فعدي بالباء.
 .
٣ لمعنى يقول بعض الصوفية: "ذكر الجفا في وقت الصفا جفا". وفي هذا.
٤ وقيل: ذكر إخراجه من السجن دون الجب لأن دخوله في السجن كان باختياره بقوله: رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وكان ا لجب بإرادة الله، وقيل لأنه كان في السجن مع العصاة واللصوص، أما في الجب فكان مع الله، وقيل: لأن المنة في الخروج من السجن كانت أكثر، لأنه دخله بسبب أمرهم به، فكان الكرب فيه أكثر، أما الجب فقد ألقي فيه بدون ذنب، ولهذا كان كربه فيه أخف..
٥ وهو الموضع الذي عناه جميل بثينة بقوله: يقال: إن يعقوب خرج إلى مكان يسمى (بدا)
 وأنت التي حببت شغبا إلى بدا إلي، وأوطاني بلاد سواهما
 وليعقوب بهذا الموضع مسجد تحت جبل هناك. (ذكر ذلك القرطبي وأبو حيان في البحر المحيط)..
٦ أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: من حمل علينا السلاح فليس منا، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار)، فالرواية هنا بالياء في (يشير) وهي على النفي المراد به النهي، وهي أيضا بالعين المهملة في (ينزع)، والمعنى: يرمي به في يده ويحقق ضربته، ومن رواه (ينزغ) بالمعجمة فمعناه الإغراء، أي: يزين له الشيطان تحقيق الضربة. والرواية في (مسلم) بالعين المهملة. (راجع شرح النووي)..

### الآية 12:101

> ﻿۞ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [12:101]

رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( ١٠١ ) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ( ١٠٢ )
قرأ ابن مسعود **«آتيتن »** و **«علمتن »** بحذف الياء على التخفيف[(١)](#foonote-١)، وقرأ ابن ذر **«رب آتيتني »** بغير **«قد »**. 
وذكر كثير من المفسرين : أن يوسف عليه السلام لما عدد في هذه الآية نعم الله عنده تشوق إلى لقاء ربه ولقاء الجلة وصالحي سلفه وغيرهم من المؤمنين، ورأى أن الدنيا كلها قليلة فتمنى الموت في قوله : توفني مسلماً وألحقني بالصالحين  وقال ابن عباس :**«لم يتمن الموت نبي غير يوسف »**، وذكر المهدوي تأويلاً آخر - وهو الأقوى عندي - أن ليس في الآية تمني موت - وإنما عدد يوسف عليه السلام نعم الله عنده ثم دعا أن يتم عليه النعم في باقي عمره أي  توفني  - إذا حان أجلي - على الإسلام، واجعل لحاقي بالصالحين، وإنما تمنى الموافاة على الإسلام لا الموت. وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«لا يتمنينَّ أحدكم الموت لضرّ نزل به »** الحديث بكماله[(٢)](#foonote-٢). وروي عنه عليه السلام أنه قال في بعض دعائه :**«وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون »**[(٣)](#foonote-٣)، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال : اللهم قد رقّ عظمي وانتشرت وعييت فتوفني غير مقصر ولا عاجز. 
قال القاضي أبو محمد : فيشبه أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : لضر نزل به - إنما يريد ضرر الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك ويبقى تمني الموت مخافة فساد الدين مباحاً، ويدلك على هذا قول النبي عليه السلام :**«يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول : يا ليتني مكانه، ليس به الدين لكن ما يرى من البلاء والفتن »**[(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : فقوله : ليس به الدين - يقتضي إباحة ذلك أن لو كان عن الدين وإنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حالة الناس كيف تكون. 
وقوله : آتيتني من الملك  قيل : من  للتبعيض وقيل : لبيان الجنس ؛ وكذلك في قوله : من تأويل الأحاديث  المراد بقوله : الأحاديث  الأحلام، وقيل : قصص الأنبياء والأمم. 
وقوله : فاطر  منادى، وقوله  أنت وليي  أي القائم بأمري الكفيل بنصرتي ورحمتي.

١ وهذا وارد في كلام العرب، ومنه قول الأعشى: 
 فهل يمنعني ارتيادي البلا د من حذر الموت أن يأتين؟
 .
٢ أخرجه البخاري في أكثر من كتاب، وكذلك أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وأحمد، ولفظة كما جاء في مسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنيا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي)..
٣ أخرجه الترمذي في التفسير، والإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في مسنده (٥ـ٢٤٣)، وهو حديث طويل، جاء في أوله أن معاذ بن جبل قال: احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا فثوب بالصلاة وصلى وتجوز في صلاته، فلما سلم قال: (كما أنتم على مصافكم)، ثم أقبل علينا فقال: (إن سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني أقمت من الليل فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، قال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري يا رب، فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري، فتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: و ما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات، والجلوس في المساجد بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء عند الكريهات، قال: وما الدرجات؟ إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها حق فادرسوها وتعلموها)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب الفتن باب خروج النار، وفيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة)... إلى أن قال: (وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا....) الحديث..

### الآية 12:102

> ﻿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۖ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [12:102]

وقوله تعالى : ذلك من أنباء الغيب  الآية،  ذلك  إشارة إلى ما تقدم من قصة يوسف، وهذه الآية تعريض لقريش وتنبيه على آية صدق محمد، وفي ضمن ذلك الطعن على مكذبيه. 
والضمير في  لديهم  عائد إلى إخوة يوسف، وكذلك الضمائر إلى آخر الآية، و  أجمعوا  معناه : عزموا وجزموا، و  الأمر  هنا هو إلقاء يوسف في الجب، و **«المكر »** هو أن تدبر على الإنسان تدبيراً يضره ويؤذيه والخديعة هي أن تفعل بإنسان وتقول له ما يوجب أن يفعل هو فعلاً فيه عليه ضرر. وحكى الطبري عن أبي عمران الجوني أنه قال : والله ما قص الله نبأهم ليعيرهم بذلك، إنهم لأنبياء من أهل الجنة، ولكن قص الله علينا نبأهم لئلا يقنط عبده.

### الآية 12:103

> ﻿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [12:103]

وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( ١٠٣ ) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ( ١٠٤ ) }
هاتان الآيتان[(١)](#foonote-١) تدلان أن الآية التي قبلهما فيها تعريض لقريش ومعاصري محمد عليه السلام، كأنه قال : فإخبارك بالغيوب دليل قائم على نبوتك، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون وإن كنت أنت حريصاً على إيمانهم، أي يؤمن من شاء الله. وقوله : ولو حرصت  اعتراض فصيح.

١ يريد قوله تعالى: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (١٠٣)، وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (١٠٤)..

### الآية 12:104

> ﻿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [12:104]

وقوله : وما تسألهم  الآية، توبيخ للكفرة وإقامة الحجة عليهم، أي ما أسفههم في أن تدعوهم إلى الله دون أن تبغي منهم أجراً فيقول قائل : بسبب الأجر يدعوهم. 
وقرأ مبشر بن عبيد[(١)](#foonote-١) :**«وما نسألهم »** بالنون. 
ثم ابتدأ الله تعالى الإخبار عن كتابه العزيزأنه ذكر وموعظة لجميع العالم - نفعنا الله به ووفر حظنا منه بعزته -.

١ في "البحر المحيط": "وقرأ بشر بن عبيد. وفي بعض الأصول: ميسر..

### الآية 12:105

> ﻿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ [12:105]

وقرأت الجماعة **«وكأيّن »** بهمز الألف وشد الياء، قال سيبويه : هي كاف التشبيه اتصلت بأي، ومعناها معنى كم في التكثير. وقرأ ابن كثير **«وكائن »** بمد الألف وهمز الياء، وهو من اسم الفاعل من كان، فهو كائن ولكن معناه معنى كم أيضاً[(١)](#foonote-١). وقد تقدم استعاب القراءات في هذه الكلمة في قوله : وكأين من نبي قتل [(٢)](#foonote-٢) \[ آل عمران : ١٤٦ \]. 
وال  الآية  هنا : المخلوقات المنصوبة للاعتبار والحوادث الدالة على الله سبحانه في مصنوعاته، ومعنى  يمرون عليها  الآية - أي إذا جاء منها ما يحس أو يعلم في الجملة لم يتعظ الكافر به، ولا تأمله ولا أعتبر به بحسب شهواته وعمهه[(٣)](#foonote-٣)، فهو لذلك كالمعرض، ونحو هذا المعنى قول الشاعر :\[ الطويل \]
تمر الصبا صفحاً بساكن ذي الغضا\*\*\* ويصدع قلبي أن يهب هبوبها[(٤)](#foonote-٤)
وقرأ السدي **«والأرضَ »** بالنصب بإضمار فعل، والوقف - على هذا - في  السماوات  وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد **«والأرضُ »** بالرفع على الابتداء، والخبر قوله : يمرون  وعلى القراءة بخفض **«الأرضِ »** ف  يمرون  نعت الآية. وفي مصحف عبد الله :**«والأرض يمشون عليها »**.

١ قال أبو حيان: "وهذا شيء يروى عن يونس، وهو قول مرجوح في النحو"، ثم ذكر أن المشهور عندهم هو رأي سيبويه..
٢ من الآية (١٤٦) من سورة (آل عمران)..
٣ العمه: التحير والتردد بحيث لا يدري أين يتوجه، وهو في البصيرة كالأعمى في البصر..
٤ الصبا: ريح معروفة تقابل الدبور، قال في الصحاح: "مهبها المستوى أن تهب في موضع مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار". وفي اللسان: "لقيه صفاحا أي استقبله بصفح وجهه"، وصفح الوجه وصفحه: عرضه، فكأنه يصف الصبا بأنها تمر على صفحة وجهه دون أن تؤثر فيه، لكنها تشق قلبه شقا لأنها تذكره الأحبة، والشاهد في البيت أن المرور يكون بدون أثر، ولا تترتب عليه نتيجة..

### الآية 12:106

> ﻿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [12:106]

وقوله : وما يؤمن أكثرهم  الآية، قال ابن عباس : هي في أهل الكتاب الذين يؤمنون بالله ثم يشركون من حيث كفروا بنبيه، أو من حيث قالوا عزير ابن الله، والمسيح ابن الله. وقال عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد هي في كفار العرب، وإيمانهم هو إقرارهم بالخالق والرازق والمميت، فسماه إيماناً وإن أعقبه إشراكهم بالأوثان والأصنام -فهذا الإيمان لغوي فقط من حيث هو تصديقها. وقيل : هذه الآية نزلت بسبب قول قريش في الطواف والتلبية : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع أحدهم يقول : لبيك لا شريك لك، يقول له : قط قط، أي قف هنا ولا تزد : إلا شريك هو لك.

### الآية 12:107

> ﻿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [12:107]

وال  غاشية  ما يغشي ويغطي ويغم، وقرأ أبو حفص مبشر بن عبد الله :**«يأتيهم الساعة بغتة »** بالياء، و  بغتة  معناه : فجأة، وذلك أصعب، وهذه الآية من قوله : وكأين  وإن كانت في الكفار -بحكم ما قبلها - فإن العصاة يأخذون من ألفاظها بحظ، ويكون الإيمان حقيقة والشرك لغوياً كالرياء، فقد قال عليه السلام :
**«الرياء : الشرك الأصغر »**[(١)](#foonote-١).

١ أخرج الإمام أحمد في مسنده (٥ـ٤٢٨) عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز و جل لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟)..

### الآية 12:108

> ﻿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [12:108]

وقوله تعالى : قل هذه سبيلي  الآية، إشارة إلى دعوة الإسلام والشريعة بأسرها. قال ابن زيد : المعنى : هذا أمري وسنتي ومنهاجي. 
وقرأ ابن مسعود :**«قل هذا سبيلي »** **«والسبيل »** : المسلك، وتؤنث وتذكر، وكذلك الطريق[(١)](#foonote-١)، و  بصيرة  : اسم لمعتقد الإنسان في الأمر من الحق واليقين، و ****«البصيرة »**** أيضاً في كلام العرب : الطريقة في الدم، وفي الحديث المشهور :**«تنظر في النصل فلا ترى بصيرة »**[(٢)](#foonote-٢)، وبها فسر بعض الناس قول الأشعر الجعفي :
راحوا بصائرهم على أكتافهم\*\*\* وبصيرتي يعدو بها عتد وأي[(٣)](#foonote-٣)
يصف قوماً باعوا دم وليهم فكأن دمه حصلت منه طرائق على أكتفاهم إذ هم موسومون عند الناس ببيع ذلك الدم. 
قال القاضي أبو محمد : ويجوز أن تكون ****«البصيرة »**** في بيت الأشعر على المعتقد الحق، أي جعلوا اعتقادهم طلب النار وبصيرتهم في ذلك وراء ظهورهم، كما تقول : طرح فلان أمري وراء ظهره. 
وقوله : أنا ومن اتبعني  يحتمل أن يكون تأكيداً للضمير في  ادعوا  ويحتمل أن تكون الآية كلها أمارة بالمعروف داعية إلى الله الكفرة به والعصاة. 
و  سبحان الله  تنزيه لله، أي وقل : سبحان الله، وقل متبرئاً من الشرك. وروي أن هذه الآية : قل هذه سبيلي  إلى آخرها كانت مرقومة على رايات يوسف عليه السلام.

١ في إعراب أدعوا إلى الله على بصيرة آراء كثيرة، أشهرها أن مفعول \[أدعو\] محذوف تقديره: أدعو الناس، و على بصيرة متعلق بالفعل \[أدعو\]، و (أنا) توكيد للضمير المستكن في \[أدعو\] و \[من\] معطوف على \[أنا\]، والمعنى: أدعو إليها أنا ومن اتبعني، ويجوز أن يكون على بصيرة حالا من ضمير \[أدعو\] فيتعلق بمحذوف، و \[أنا\] فاعلا بالجار والمجرور النائب عن ذلك المحذوف، و \[من\] معطوف على \[أنا\]..
٢ أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة، وأحمد في (٣ـ٥)، ولفظه فيه عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته، يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، هم شر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين من الحق، قال: فضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم مثلا، أو قال قولا: الرجل يرمي الرمية، أو قال: الغرض، فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، قال: قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يأهل العراق..
٣ قال في اللسان: "البصيرة: مقدار الدرهم من الدم، وقيل: البصيرة من الدم: ما لم يسل، وقيل: هو الدفعة منه، وقيل: البصيرة: دم البصيرة: دم البكر، قال: راحوا بصائرهم... البيت. ويعني بالبصائر دم أبيهم، يقول: تركوا دم أبيهم خلفهم ولم يثأروا به وطلبته أنا، قال في الصحاح: وأنا طلبت ثأري، وكان أبو عبيدة يقول: البصيرة في هذا البيت: الترس أو الدرس، وكان يرويه: حملوا بصائرهم، وقال ابن الأعرابي: راحوا بصائرهم يعني ثقل دمائهم على أكتافهم لم يثأروا بها". ا هـ. مادة بصر.
 هذا وعتد: معد مهيأ يقصد نفسه، يقال: فرس عتد: معد للجري، و (أي) استفهام للتهويل والتعظيم.
 .

### الآية 12:109

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [12:109]

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( ١٠٩ ) حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( ١١٠ )
هذه الآية تتضمن الرد على مستغربي إرسال الرسل من البشر كالطائفة التي قالت : أبعث الله بشراً رسولاً[(١)](#foonote-١)، وكالطائفة التي اقترحت ملكاً وغيرهما. 
وقرأ الجمهور :**«يوحَى إليهم »** بالياء وفتح الحاء، وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر، وقرأ في رواية حفص :**«نوحِي »** بالنون وكسر الحاء وهي قراءة أبي عبد الرحمن وطلحة. 
و  القرى  : المدن، وخصصها دون القوم المنتوين[(٢)](#foonote-٢) - أهل العمود - فإنهم في كل أمة أهل جفاء وجهالة مفرطة، قال ابن زيد : أهل القرى  أعلم وأحلم من أهل العمود. 
قال القاضي أبو محمد : فإنهم قليل نبلهم ولم ينشىء الله فيهم رسولاً قط. وقال الحسن : لم يبعث الله رسولاً قط من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن. 
قال القاضي أبو محمد : والتبدي مكروه إلا في الفتن وحين يفر بالدين، كقوله عليه السلام **«يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً »** الحديث[(٣)](#foonote-٣). وفي ذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع[(٤)](#foonote-٤) وقد قال صلى الله عليه وسلم :**«لا تعرب في الإسلام »**[(٥)](#foonote-٥) وقال : من **«بدا جفا »**[(٦)](#foonote-٦) وروى عنه معاذ بن جبل أنه قال :**«الشيطان ذيب الإنسان كذيب الغنم يأخذ الشاة القاصية فإياكم والشعاب وعليكم بالمساجد والجماعات والعامة »**[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : ويعترض هذا ببدو يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين أحدهما : أن ذلك البدو لم يكن في أهل عمود بل هو بتقر في منازل وربوع. 
والثاني : أنه إنما جعله بدواً بالإضافة إلى مصر كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى الحواضر. 
ثم أحالهم على الاعتبار في الأمم السالفة في أقطار الأرض التي كذبت رسلها فحاق بها عذاب الله، ثم حض على الآخرة والاستعداد لها والاتقاء من الموبقات فيها، ثم وقفهم موبخاً بقوله : أفلا تعقلون . 
وقوله : ولدار الآخرة  زيادة في وصف إنعامه على المؤمنين، أي عذب الكفار ونجى المؤمنين، ولدار الآخرة أحسن لهم. 
وأما إضافة **«الدار »** إلى  الآخرة  فقال الفراء : هي إضافة الشيء إلى نفسه كما قال الشاعر :\[ الوافر \]
فإنك لو حللت ديار عبس\*\*\* عرفت الذل عرفان اليقين[(٨)](#foonote-٨)
وفي رواية :**«فلو أقوت عليك ديار »** إلخ. 
وكما يقال : مسجد الجامع، ونحو هذا، وقال البصريون : هذه على حذف مضاف تقديره : ولدار الحياة الآخرة أو المدة الآخرة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه الأسماء التي هي للأجناس كمسجد وثوب وحق وجبل ونحو ذلك - إذا نطق بها الناطق لم يدر ما يريد بها، فتضاف إلى معرف مخصص للمعنى المقصود فقد تضاف إلى جنس آخر كقولك : جبل أحد، وقد تضاف إلى صفة كقولك : مسجد الجامع وحق اليقين، وقد تضاف إلى اسم خاص كقولك جبل أحد ونحوه. 
وقرأ الحسن والأعمش والأعرج وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وعلقمة **«يعقلون »** بالياء، واختلف عن الأعمش. قال أبو حاتم : قراءة العامة :**«أفلا تعقلون »** بالتاء من فوق[(٩)](#foonote-٩).

١ من الآية (٩٤) من سورة (الإسراء)..
٢ انتوى: انتقل من مكان إلى آخر، وفي حديث المرأة البدوية التي توفي عنها زوجها: (إنها تنتوي حيث انتوى أهلها)، قال في النهاية: أي : تنتقل وتتحول، يريد البدو الرحل..
٣ أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب: "من الدين الفرار من الفتن"، ولفظه كاملا عن أبي سعيد الخدري أنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن(..
٤ أخرج البخاري في كتاب الفتن، باب "التعرب في الفتنة" عن سلمة بن الأكوع (أنه دخل على الحجاج فقال: يا بن الأكوع، ارتددت على عقبيك، تعربت؟ قال: لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو)، وعن يزيد بن أبي عبيد قال: لما قتل عثمان بن عفان خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة، وتزوج هناك امرأة وولدت له أولادا، فلم يزل بها حتى أقبل قبل أن يموت بليال فنزل المدينة)..
٥ الذي وجدناه في "النهاية" ما نصه: (ثلاث من الكبائر منها التعرب بعد الهجرة...) ثم فسر معنى "التعرب" بقوله: هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا.
٦ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢ـ٣٧١، ٤٤٠، ٤ـ٢٩٧)، ولفظه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، و ما ازداد عبد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا)..
٧ أخرجه الإمام أحمد عن معاذ رضي الله عنه، ولفظه كما في "الجامع الصغير": (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد). ورمز له الإمام السيوطي بأنه حديث حسن..
٨ هذا واحد من بيتين رواهما الفراء عن بعضهم في "معاني القرآن"، وهما:
 أتمدح فقعسا وتذم عبســـــا؟ ألا لله أمك من هجيـــــــن
 ولو أقوت عليك ديار عبس عرفت الذل عرفان اليقين
 ثم قال: أضاف الدار إلى الآخرة، وهي الآخرة، وقد تضيف العرب الشيء إلى نفسه، كقوله: إن هذا لهو حق اليقين، و جميع الأيام إلى أنفسها لاختلاف لفظها، وكذلك شهر ربيع، والعرب تقوله في كلامها، ثم أنشد البيتين عن بعضهم..
٩ قال في "البحر المحيط": "وقرأ الحسن،" وعلقمة، والأعرج، وعاصم، وابن عامر، ونافع بالتاء على خطاب هذه الأمة تحذيرا لهم مما وقع فيه أولئك فيصيبهم ما أصابهم ". تأمل الاختلاف بين الذي قاله ابن عطية والذي قاله أبو حيان..

### الآية 12:110

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [12:110]

ويتضمن قوله تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم  أن الرسل الذين بعثهم الله من أهل القرى دعوا أممهم فلم يؤمنوا بهم حتى نزلت بهم المثلات، صاروا في حيز من يعتبر بعاقبته، فلهذا المضمن حسن أن تدخل  حتى  في قوله : حتى إذا استيأس الرسل [(١)](#foonote-١). 
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والحسن وعائشة - بخلاف - وعيسى وقتادة ومحمد بن كعب والأعرج وأبو رجاء وابن أبي مليكة **«كُذّبوا »** بتشديد الذال وضم الكاف، وقرأ الباقون ****«كُذِبوا »**** بضم الكاف وكسر الذال[(٢)](#foonote-٢) وتخفيفها - وهي قراءة علي بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وطلحة والأعمش وابن جبير ومسروق والضحاك وإبراهيم وأبي جعفر، ورواها شيبة بن نصاح عن القاسم عن عائشة - وقرأ مجاهد والضحاك وابن عباس وعبد الله بن الحارث - بخلاف عنهم - **«كَذَبوا »** بفتح الكاف والذال، فأما الأولى فتحتمل أن يكون الظن بمعنى اليقين، ويكون الضمير في  ظنوا  وفي  كذبوا  للرسل، ويكون المكذبون مشركي من أرسل إليه ؛ المعنى : وتيقن الرسل أن المشركين كذبوهم وهموا على ذلك وأن الانحراف عنه ويحتمل أن يكون الظن على بابه، والضميران للرسل، والمكذبون مؤمنو من أرسل إليه، أي مما طالت المواعيد حسب الرسل أن المؤمنين أولاً قد كذبوهم وارتابوا بقولهم. 
وأما القراءة الثانية - وهي ضم الكاف وكسر الذال وتخفيفها - فيحتمل أن يكون المعنى - حتى إذا استيأس الرسل من النصر أو من إيمان قومهم - على اختلاف تأويل المفسرين في ذلك - وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من النبوءة، أو فيما توعدوهم به من العذاب - لما طال الإمهال واتصلت العافية - فلما كان المرسل إليهم - على هذا التأويل - مكذبين - بني الفعل للمفعول في قوله :****«كُذِبوا »**** - هذا مشهور قول ابن عباس وابن جبير - وأسند الطبري : أن مسلم بن يسار قال لسعيد بن جبير : يا أبا عبد الله، آية بلغت مني كل مبلغ : حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا  فهذا هو أن تظن الرسل أنهم قد كذبوا مخففة. فقال له ابن جبير : يا أبا عبد الرحمن ؛ إنما يئس الرسل من قومهم أن يجيبوهم، وظن قومهم أن الرسل كذبتهم، فحينئذ جاء النصر. فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه وقال : فرجت عني فرج الله عنك. 
قال القاضي أبو محمد : فرضي الله عنهم كيف كان خلقهم في العلم[(٣)](#foonote-٣). وقال بهذا التأويل - في هذه القراءة - ابن مسعود ومجاهد، ورجح أبو علي الفارسي هذا التأويل، وقال : إن رد الضمير في  ظنوا  وفي ****«كذبوا »**** على المرسل إليهم - وإن كان لم يتقدم لهم ذكر صريح - جائز لوجهين. 
أحدهما : أن ذكر الرسل يقتضي ذكر مرسل إليه. 
والآخر : أن ذكرهم قد أشير إليه في قوله : عاقبة الذين ، وتحتمل هذه القراءة أيضاً أن يكون الضمير في  ظنوا  وفي  كذبوا  عائد على الرسل، والمعنى : كذبهم من أخبرهم عن الله، والظن على بابه - وحكى هذا التأويل قوم من أهل العلم - والرسل بشر فضعفوا وساء ظنهم - قاله ابن عباس وابن مسعود أيضاً وابن جبير - وقال : ألم يكونوا بشراً ؟ وقال ابن مسعود لمن سأله عن هذا هو الذي نكره. وردت هذا التأويل عائشة أم المؤمنين وجماعة من أهل العلم، وأعظموا أن توصف الرسل بهذا. وقال أبو علي الفارسي : هذا غير جائز على الرسل. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم ؟
وأما القراءة الثالثة - وهي فتح الكاف والذال - فالضمير في  ظنوا  للمرسل إليهم، والضمير في ****«كذبوا »**** للرسل، ويحتمل أن يكون الضميران للرسل، أي ظن الرسل أنهم قد كذبوا من حيث نقلوا الكذب وإن كانوا لم يتعمدوه، فيرجع هذا التأويل إلى المعنى المردود الذي تقدم ذكره. 
وقوله : جاءهم نصرنا  أي بتعذيب أممهم الكافرة، ثم وصف حال مجيء العذاب في أنه ينجي الرسل وأتباعهم، وهم الذين شاء رحمتهم، ويحل بأسه بالمجرمين الكفرة. 
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي **«فنُنْجي »** - بنونين - من أنجى. وقرأ الحسن :**«فننَجي »** - النون الثانية مفتوحة، وهو من نجى ينجّي. وقرأ أبو عمرو أيضاً وقتادة **«فنجّي »** - بنون واحدة وشد الجيم وسكون الياء - فقالت فرقة : إنها كالأولى أدغمت النون الثانية في الجيم ؛ ومنع بعضهم أن يكون هذا موضع إدغام لتنافر النون والجيم في الصفات لا في المخارج، وقال : إنما حذفت النون في الكتاب لا في اللفظ وقد حكيت هذه القراءة عن الكسائي ونافع. وقرأ عاصم وابن عامر **«فنجيَ »** بفتح الياء على وزن فعل. وقرأت فرقة **«فننجيَ »** - بنونين وفتح الياء - رواها هبيرة عن حفص عن عاصم - وهي غلط من هبيرة[(٤)](#foonote-٤). وقرأ ابن محيصن ومجاهد **«فنجى »** - فعل ماض بتخفيف الجيم وهي قراءة نصر بن عاصم والحسن بن أبي الحسن وابن السميفع وأبي حيوة، قال أبو عمرو الداني : وقرأت لابن محيصن **«فنجّى »** - بشد الجيم - على معنى فنجى النصر. 
و **«البأس »** : العذاب. وقرأ أبو حيوة **«من يشاء »** - بالياء - وجاء الإخبار عن هلاك الكافرين، بقوله : ولا يرد بأسنا\*\*\*  الآية - إذ في هذه الألفاظ وعيد بين، وتهديد لمعاصري محمد عليه السلام. وقرأ الحسن **«بأسه »**، بالهاء.

١ قال أبو حيان في البحر بعد أن نقل الكلام ابن عطية هذا: "ولم يتحصل لنا من كلامه شيء يكون ما بعد (حتى) غاية له، لأنه علق الغاية بما ادعى أنه فهم ذلك من قوله تعالى: أفلم يسيروا الآية". وقال القرطبي: "المعنى: و ما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالا لم نعاقب أممهم بالعقاب حتى إذا استيأس الرسل"..
٢ أي الذال الخفيفة.
٣ هكذا في جميع النسخ الأصلية "كانت" بتاء التأنيث..
٤ عقب على ذلك أبو حيان في البحر بقوله: "وليست غلطا، ولها وجه في العربية، وهو أن الشرط والجزاء يجوز أن يأتي بعدهما المضارع منصوبا بإضمار (أن) بعد الفاء، كقراءة من قرأ: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر بنصب (يغفر) بإضمار (أن) بعد الفاء، ولا فرق بين أن تكون أداة الشرط جازمة أو غير جازمة". (٥ـ٣٥٥)..

### الآية 12:111

> ﻿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [12:111]

لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( ١١١ )
الضمير في  قصصهم  عام ليوسف وأبويه وإخوته وسائر الرسل الذين ذكروا على الجملة، ولما كان ذلك كله في القرآن قال عنه  ما كان حديثاً يفترى [(١)](#foonote-١) فإذا تأملت قصة يوسف ظهر أن في غرائبها وامتحان الله فيها لقوم في مواضع، ولطفه لقوم في مواضع، وإحسانه لقوم في مواضع، معتبراً لمن له لب وأجاد النظر، حتى يعلم أن كل أمر من عند الله وإليه. 
وقوله : ما كان  صيغة منع، وقرينه الحال تقتضي أن البرهان يقوم على أن ذلك لا يفترى، وذلك بأدلة النبوءة وأدلة الإعجاز، و **«الحديث »** - هنا - واحد الأحاديث، وليس للذي هو خلاف القديم ها هنا مدخل. 
ونصب  تصديقَ  إما على إضمار معنى كان، وإما على أن تكون  لكن  بمعنى لكن المشددة. 
وقرأ عيسى الثقفي[(٢)](#foonote-٢) **«تصديقُ »** بالرفع، وكذلك كل ما عطف عليه، وهذا على حذف المبتدأ، التقدير : هو تصديق[(٣)](#foonote-٣). وقال أبو حاتم : النصب على تقدير : ولكن كان، والرفع على : ولكن هو. وينشد بيت ذي الرمة بالوجهين :
وما كان مالي من تراث ورثته\*\*\* ولا دية كانت ولا كسي مأثم
ولكن عطاءُ الله من كل رحلة\*\*\* إلى كل محجوب السرادق خضرم[(٤)](#foonote-٤)
رفع عطاء الله، والنصب أجود. 
و  الذي بين يديه  هو التوراة والإنجيل، والضمير في  يديه  عائد على القرآن، وهم اسم كان. وقوله : كل شيء  يعني من العقائد والأحكام والحلال والحرام. وباقي الآية بين.

١ وقيل: إن اسم كان ضمير يعود على "القصص"، أي: ما كان القصص حديثا مختلقا، بل هو حديث صدق ناطق بالحكمة جاء به من لم يقرأ الكتب، ولا تتلمذ لأحد، ولا خالط العلماء، فمحال أن يفتري هذه القصة بحيث تطابق ما ورد في التوراة من غير تفاوت..
٢ ذكر صاحب "اللوامح" أنها قراءة حمران بن أعين، وعيسى الكوفي، ونقل ذلك صاحب البحر المحيط..
٣ قال أبو الفتح في "المحتسب": ويجوز على هذا الرفع في قوله تعالى: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين، أي: ولكن هو رسول الله..
٤ المأثم: مصدر أثم بمعنى وقع في الإثم. والسرادق: واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار، وكل بيت من كرسف (قطن) فهو سرادق، قال رؤبة: "سرادق الخضرم وهو الكثير الماء. يقول: إن ما عندي من مال هو عطاء هذا الممدوح الكثير العطاء، ولم يكن ميراثا ورثته، ولا دية انتفعت بها، ولا كسبا أخذته من حرام. والشاهد فيه هو أن كلمة (عطاء) تكون بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف، وتكون بالنصب على تقدير كان، قال ابن عطية: والنصب أجود. ومثل هذا البيت قول لوط بن عبيد العائي اللص:
 وإني بحمد الله لا مال مسلـــم أخذت ولا معطي اليمين محالف
 ولكن عطاء الله من مال فاجر قصي المحل معور للمقارف..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/12.md)
- [كل تفاسير سورة يوسف
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/12.md)
- [ترجمات سورة يوسف
](https://quranpedia.net/translations/12.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/12/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
