---
title: "تفسير سورة الرعد - بحر العلوم - أبو الليث السمرقندي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/13/book/324.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/13/book/324"
surah_id: "13"
book_id: "324"
book_name: "بحر العلوم"
author: "أبو الليث السمرقندي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الرعد - بحر العلوم - أبو الليث السمرقندي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/13/book/324)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الرعد - بحر العلوم - أبو الليث السمرقندي — https://quranpedia.net/surah/1/13/book/324*.

Tafsir of Surah الرعد from "بحر العلوم" by أبو الليث السمرقندي.

### الآية 13:1

> المر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [13:1]

قوله تعالى : المر  قال ابن عباس : أنا الله أعلم وأرى، ويقال : معناه أنا الله أرى ما تحت العرش إلى الثرى، وما بينهما. ويقال : أنا الله أعلم، وأرى ما لا يعلم الخلق، وما لا يرى. ويقال : أنا الله أعلم، وأرى ما يعملون، ويقولون. ويقال : هذا قسم أقسم الله به  تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ  قال قتادة : يعني : التي قبل القرآن. يعني : التوراة والإنجيل  وَالَّذِي  يعني : القرآن  أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ الْحَقُّ  يعني : الكتب التي قبل القرآن، والقرآن الذي أُنزل إليك، كله من الله تعالى، وهو الحق، والإيمان به واجب. وقال ابن عباس : تلك آيات الكتاب ، يعني : تلك آيات القرآن. ومعناه : هذه آيات الكتاب.  والذي أُنزل من ربك هو الحق  يعني : القرآن. ويقال : تلك آيات الكتاب  يعني : الأحكام، والحجج، والدلائل  والذي أنزل إليك  يعني : جبريل، ليقرأ عليك من ربك الحق. يعني : اتبعوه، واعملوا به.  وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ  يعني : أهل مكة  لاَ يُؤْمِنُونَ  يعني : لا يصدقون أنه من الله تعالى فلما ذكر أنهم لا يؤمنون بيّن في الدلائل التي توجب التصديق بالخالق.

### الآية 13:2

> ﻿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [13:2]

ثم قال تعالى : الله الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها  يعني : ليس لها عمد ترونها. وهذا قول الحسن وقتادة، رفعها الله تعالى بغير عمد وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، معناه : لها عمد، ولكن لا ترونها. يعني : أنتم ترونها بغير عمد في المشاهدة، ولكن لها عمد. وكلا التفسيرين معناهما واحد. لأن من قال : إن لها عمداً، ولكن لا ترونها، يقول : العمد هو قدرة الله تعالى التي تمسك السموات والأرض. 
 ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ  قال ابن عباس : كان فوق العرش حين خلق السموات والأرض، وقد ذكرناه من قبل  وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ  يعني : ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل، ذلك لبني آدم  كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُّسَمًّى  يقول : يسير إلى وقت معلوم لا يجاوزه، وللشمس والقمر منازل، كل واحد منهما يغرب في كل ليلة في منزل ويطلع في منزل، حتى ينتهي إلى أقصى منازله  يُدَبِّرُ الأمْرَ  يعني : يقضي القضاء، ويبعث الملائكة بالوحي، والتنزيل  يُفَصِّلُ الآيَاتِ  يقول : يبيّن العلامات في القرآن  لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ  يعني : تصدقون بالبعث.

### الآية 13:3

> ﻿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [13:3]

قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ  يعني : بسط الأرض من تحت الكعبة على الماء. وكانت تكفي بأهلها، كما تكفي السفينة، فأرساها الله بالجبال، وهو قوله تعالى  وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ  يعني : الجبال الثوابت من فوقها  وَأَنْهَاراً  يعني : خلق في الأرض أنهاراً  وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ  يعني : خلق فيها من ألوان الثمرات  جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ  يعني : خلق من كل شيء لونين من الثمار، حلواً وحامضاً. ومن الحيوان ذكراً وأنثى. 
 يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ  يعني : يعلو الليل على النهار، ويعلو النهار على الليل، واقتصر بذكر أحدهما، إذا كان في الكلام دليل عليه. قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية أبي بكر : يُغَشِّي  بنصب الغين، وتشديد الشين. وقرأ الباقون : بالجزم والتخفيف. 
ثم بيّن أن ما ذكر من هذه الأشياء، فيه برهان وعلامات لمن تفكر فيها فقال : إِنَّ فِي ذَلِكَ  يعني : فيما ذكر من صنعه  لآيَاتٍ  يعني : لعبرات  لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ  في اختلاف الليل والنهار، فيوحّدونه.

### الآية 13:4

> ﻿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [13:4]

ثم بيّن أن في الأرض علامات كثيرة، ودلائل كثيرة لوحدانيته، لمن له عقل سليم فقال تعالى : وَفِى الأرض قِطَعٌ متجاورات  يعني : بالقطع الأرض السبخة، والأرض العذبة.  متجاورات  يعني : ملتزقات، متدانيات، قريبة بعضها من بعض، فتكون أرض سبخة، وتكون إلى جنبها أرض طيبة جيدة. وقال قتادة : قِطَعٌ متجاورات  أي : قرى متجاورات. ويقال : العمران، والخراب، والقرى والمغاور.  وجنات مّنْ أعناب  يعني : الكروم  وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صنوان وَغَيْرُ صنوان  قرأ بعضهم : بضم الصاد. وقراءة العامة : بالكسر. وهما لغتان ومعناهما واحد. قال مجاهد وقتادة : الصنوان النخلة التي في أصلها نخلتان، وثلاث أصلهن واحدة. وقال الضحاك : يعني : النخل المتفرق والمجتمع ويقال  صنوان  النخلة التي بجنبها نخلات  وغير صنوان  يعني : المنفردة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«لاَ تُؤْذُونِي فِي العَبَّاسِ، فإِنَّهُ بَقِيةُ آبَائي، وإنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ »**. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص : وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صنوان  كلها بالضم على معنى الابتداء. وقرأ الباقون : كلها بالكسر على معنى النعت للجنات. ويقال : على وجه المجاورة. لأن الزرع لا يكون في الجنات. 
ثم قال : يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِى الأكل  يعني : الماء، والتراب واحد. وتكون الثمار مختلفة في ألوانها، وطعومها، لأنه لو كان ظهور الثمار بالماء والتراب، لوجب في القياس، أن لا تختلف الألوان والطعوم، ولا يقع التفاضل في الجنس الواحد إذا ثبت في مغرس واحد، وسقي بماء واحد، ولكنه صنع اللطيف الخبير. وقال مجاهد : هذا مثل لبني آدم، أصلهم من أب واحد، ومنهم صالح، ومنهم خبيث. 
ثم قال تعالى : إِنَّ فِى ذَلِكَ  يعني : فيما ذكر  لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  أنه من الله تعالى. قرأ حمزة والكسائي : يسقى  وَ  \*\*\*يُفَضَّلُ  بالياء وقرأ عاصم وابن عامر في إحدى الروايتين : صنوان يسقى  بالياء بلفظ التذكير،  وَنُفَضّلُ  بالنون. وقرأ الباقون : تُسْقَى  بالتاء  وَنُفَضّلُ  بالنون.

### الآية 13:5

> ﻿۞ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [13:5]

**ثم قال تعالى :**
 وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ  قال الكلبي : يعني : إن تعجب من تكذيب أهل مكة لك، وكفرهم بالله،  فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ  يقول : أعجب من ذلك قولهم.  أَءذَا كُنَّا تُرَابًا  وقال مقاتل : وَإِن تَعْجَبْ  مما أوحينا إليك من القرآن، تعجب. قولهم : أَءذَا كُنَّا تُرَابًا   أئنا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ  إكذاباً منهم بالبعث. قرأ الكسائي : أَءذَا  بهمزتين على وجه الاستفهام،  آيذا  بهمزة واحدة. وقرأ عاصم وحمزة كليهما : بهمزتين. وقرأ أبو عمرو : \*\*\*آيِذَا  بهمزة واحدة مع المد، وكذلك في قوله : وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا  بالمد. وقرأ ابن كثير : \*\*\*أَيِذَا  بالياء، وكذلك  وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا ، وقرأ ابن عامر  إيذا كُنَّا  بهمزة واحدة بغير استفهام،  أَيُّنَا  بالهمزة والمد. قال : لأنهم لم يشكوا في الموت، وإنما شكوا في البعث، فينبغي أن يكون الاستفهام في الثاني دون الأول. 
ثم قال تعالى : أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ  يعني : جحدوا بوحدانية الله تعالى  وَأُوْلَئِكَ الأغلال فِى أعناقهم  يعني : تغل أيمانهم على أعناقهم بالحديد في النار  وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون  أي : دائمون فيها، ولا يخرجون منها.

### الآية 13:6

> ﻿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [13:6]

قوله تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة  قال ابن عباس : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم العذاب، استهزاءً منهم بذلك، فنزل  وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة  يعني : بالعذاب قبل العافية  وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات  يعني : العقوبات، والنقمات قبل قريش فيمن هلك، وأصل المثلة : الشبه، وما يعتبر به، وجمعه المثلات  وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ  يقول : تجاوز  لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ  يعني : على شركهم إن تابوا. ويقال : بتأخير العذاب عنهم  وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب  لمن مات منهم على شركه.

### الآية 13:7

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۗ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [13:7]

قوله تعالى : وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيةٌ مّن رَّبّهِ  يعني : هلاّ أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم علامة من ربه لنبوته. 
قال الله تعالى : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ  يعني : مخوف، ومبلغ لهذه الأمة الرسالة  وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ  قال الكلبي : داعٍ يدعوهم إلى الضلالة، أو إلى الحق. وقال الضحاك : يعني : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ  وأنا الهادي. وقال سعيد بن جبير الهادي، هو الله. وقال عكرمة : محمد صلى الله عليه وسلم هو نذير، وهو الهادي. يعني : يدعوهم إلى الهدى.  وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ  وقال مجاهد : يعني : لكل قوم نبي. قرأ ابن كثير.  هَادِيَ  بالياء عند الوقف. وكذلك قوله : وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِىٍّ وَلاَ وَاقٍ  \[ الرعد : ٣٧ \] وقرأ الباقون : بغير ياء.

### الآية 13:8

> ﻿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [13:8]

قوله تعالى : الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى  ذكراً أو أُنثى، ويعلم ما في الأرحام سوياً أو غير سوي. 
ثم قال : وَمَا تَغِيضُ الأرحام  يعني : ما تنقص الأرحام من تسعة أشهر في الحمل  وَمَا تَزْدَادُ  يعني : على التسعة أشهر في ذلك الحمل  وَكُلُّ شَىْء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ  قال قتادة : رزقهم، وأجلهم، وقال ابن عباس. من الزيادة، والنقصان، والمكث في البطن، والخروج، كل ذلك بمقدار قدره الله تعالى، فلا يزيد على ذلك. وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى : وَمَا تَغِيضُ الأرحام  يعني : الحامل إن ترى الدم نقص من الولد، وإن لم تر الدم، يزيد في الولد. وروى أسباط عن السدي قال : إن المرأة إذا حملت، واحتبس حيضها، كان ذلك الدم رزقاً للولد. فإذا حاضت على ولدها، خرج وهو أصغر من الذي لم تحض عليه  وَمَا تَغِيضُ الأرحام  وهي الحيضة التي على الولد،  وَمَا تَزْدَادُ . فحين يستمسك الدم، فلا تحيض وهي حبلى. قال الفقيه : هذا الذي قال السدي. إن الحامل تحيض، إنما هو على سبيل المجاز، لأن دم الحامل لا يكون حيضاً. ولكن معناه : إذا سال منها الدم فيكون ذلك استحاضة. قال : حدثنا الخليل بن أحمد، قال : حدثنا ابن خزيمة. قال : حدثنا عليّ. قال : حدثنا إسماعيل، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه :**« مِفْتَاحُ الغَيبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ الله، لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأرْحَامُ أَحَدٌ إلاَّ الله، وَلاَ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أحَدٌ إلاَّ الله، ولاَ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحَدٌ إلاَّ الله، ولاَ تَدْرِي نَفْسٌ بأَيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلاَّ الله، ولاَ يَعْلَمُ أَحْدٌ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إلاَّ الله تعالى »**.

### الآية 13:9

> ﻿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [13:9]

ثم قال تعالى : عالم الغيب والشهادة  يعني : ما غاب عن العباد، وما شاهدوه. ويقال : عالم بما كان، وبما لم يكن. ويقال : عالم السر والعلانية  الكبير المتعال  يعني : هو أكبر وأعلى من أن تكون له صاحبة وولد.

### الآية 13:10

> ﻿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [13:10]

قوله تعالى : سَوَاء مّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول  يعني : سواء عند الله من أسر القول  وَمَنْ جَهَرَ بِهِ  يعني : من أخفى العمل، وأعلن العمل  وَمَنْ هو مستخف بالليل  يعني : في ظلمة الليل  وَسَارِبٌ بالنهار  أي : منصرف في حوائجه. يقال : سَرَبَ يَسْرُبُ إذا انصرف، ومعناه المختفي، والظاهر عنده سواء. وقال مجاهد : المستخفي ؛ المختفي بالمعصية، والسارب يعني : الظاهر بالمعاصي

### الآية 13:11

> ﻿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [13:11]

لَهُ معقبات  قال ابن عباس : له حافظات  مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله  يعني : بأمر الله حتى ينتهوا به إلى المقادير. فإذا جاءت المقادير، خلوا بينه وبين المقادير، المعقبات يعني : الملائكة يعقب بعضهم بعضاً في الليل والنهار، إذا مضى فريق خلفه بعده فريق. وروي عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة،  لَهُ معقبات  قال : الملائكة يتعاقبون بالليل والنهار  يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله  يعني : بأمر الله. ويقال : للمؤمن طاعات وصدقات  يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله  أي : من عذاب الله عند الموت، وفي القبر، وفي يوم القيامة. 
ثم قال : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ  يعني : لا يبدل ما بقوم من النعمة التي أنعمها عليهم  حتى يُغَيّرُواْ  يقول : يبدلوا  مَا بِأَنفُسِهِمْ  بترك الشكر. قال مقاتل : إن الله لا يغير ما بقوم  بيعني : كفار مكة نظيرها في الأنفال.  ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ  \[ الأنفال : ٥٣ \]، إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، وأطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، فلم يعرفوها، فغيّر ما بهم، فجعل ذلك لأهل المدينة. قال أبو الليث رحمه الله : في الآية تنبيه لجميع الخلق، ليعرفوا نعمة الله عليهم، ويشكروه، لكيلا تزول عنهم النعم. 
ثم قال تعالى : وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ  يعني : إذا أراد بهم عذاباً أو هلاكاً فلا مردّ لقضائه  وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ  يعني : ليس لهم من عذابه ولي، ولا قريب يمنعهم، ولا ملجأ يلجؤون إليه.

### الآية 13:12

> ﻿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [13:12]

قوله تعالى : هُوَ الذى يُرِيكُمُ البرق خَوْفًا وَطَمَعًا  يعني : خوفاً للمسافر، وطمعاً للمقيم الحاضر، ويقال : خوفاً  لمن يخاف ضرر المطر،  وطمعاً  لمن يحتاج إلى المطر، لأن المطر يكون لبعض الأشياء ضرراً، ولبعضها رحمة. ثم قال : وَيُنْشِىء السحاب الثقال  يعني : يخلق السحاب الثقال من الماء.

### الآية 13:13

> ﻿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [13:13]

قوله تعالى : وَيُسَبّحُ الرعد بِحَمْدِهِ  يعني : بأمره. قال : عمر بن محمد. قال : حدثنا أبو بكر الواسطي. قال : حدثنا إبراهيم بن يوسف. قال : حدثنا وكيع عن عمرو بن أبي زائدة أنه قال : سمعت عكرمة يقول : الرعد ملك يزجر السحاب بصوته كالحادي بالإبل. وروى وكيع، عن المسعودي، عن سلمة بن كهيل، أنه سئل عن الرعد فقال : هو ملك يزجر السحاب. وسئل عن البرق : فقال هو في مخاريق بأيدي الملائكة. وسئل وهب بن منبه عن الرعد فقال : ثلاث ما أظن أحداً يعلمهن إلا الله عز وجل : الرعد، والبرق، والغيث، وما أدري من أين هن، وما هن. فقيل له : أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء  قال : نعم. ولا ندري أنزل من السماء أو من السحاب، ولقحت فيه أو يخلق في السحاب فيمطر. وسمى السحاب سماء. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرعد فقال :**« هُوَ مَلِكٌ فِي السَّمَاءِ، وَاسْمُهُ الرَّعْدُ، وَالصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ هوُ زَجْرُ السَّحَابِ، وَيُؤَلِّفُ بَعْضُهُ إِلى بَعْضٍ فَيَسُوقُهُ »**. ثم قال : والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ  يقول : يسبح الملائكة كلهم خائفين لله تعالى  وَيُرْسِلُ الصواعق  وهي نار من السماء لا دخان لها  فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء  من خلقه  وَهُمْ يجادلون فِى الله وَهُوَ شَدِيدُ المحال  قال ابن عباس هو الله تعالى،  شَدِيدُ المحال  يعني : شديد العقاب. ويقال : أصله في اللغة الحيلة. وقال قتادة : يعني : الحيلة، والقوة. ويقال : هو شديد القدرة، والعذاب. ويقال : المحال  في اللغة هو الشدة. ويقال بعضهم : هو كناية عن الذي يجادل، ويكون معناه  فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء   وَهُمْ يجادلون فِى الله  يعني : يصيبهم في حال جدالهم. وقال مجاهد : جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد أخبرني من أي شيء ربك أمن لؤلؤ هو ؟ فأرسل الله عليه صاعقة فقتلته، فنزل  وَهُمْ يجادلون فِى الله وَهُوَ شَدِيدُ المحال  يعني : شديد العداوة. وقال قتادة : دخل عامر بن الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أسلم على أن لك المدر، ولي الوبر. يعني : لك ولاية القرى، وليَ ولاية البوادي فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**« أَنْتَ مِنْ المُسْلِمِينَ لَكَ مَا لِلْمُسْلِمينَ، وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ »** ؟ قال عامر : لك الوبر، ولي المدر. فأجابه بمثل ذلك. قال عامر : ولي الأمر من بعدك. فأجابه بمثل ذلك. فغضب عامر وقال : لأملأنها عليك رجالاً ألفا رجل أشعر، وألفا أمرد، فخرج ولقي أربد بن قيس، فقال له ادخل على محمد وآلهه، وأنا أقتله فدخلا عليه، فجعل عامر يسأله ويقول : أخبرنا يا محمد عن إلهك، أمن ذهب هو أم من فضة ؟ فلما طال حديثه قاما وخرجا، فقال مالك لم تقتله ؟ قال : كلما أردت أن أقتله وجدتك بيني وبينه. 
فجاء جبريل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فدعا عليه، فأصابته صاعقة فقتلته. فنزل  وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يجادلون فِى الله وَهُوَ شَدِيدُ المحال .

### الآية 13:14

> ﻿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [13:14]

قوله تعالى : لَهُ دَعْوَةُ الحق  يعني : كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، يدعو الخلق إليها. ويقال معناه : له على العباد دعوة الحق أن يدعوه فيجيبهم  والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ  يعني : الأصنام والأوثان  لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْء  يقول : لا ينفعهم بشيء  إِلاَّ كباسط كَفَّيْهِ  يعني : كمادٍ يديه  إِلَى الماء لِيَبْلُغَ فَاهُ  والعرب تقول لمن طلب شيئاً لا يجده، هو كقابض الماء. يعني : كمن هو مشرف يدعو الماء بلسانه، ويشير إليه  وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ  يعني : فلا يناله أبداً. وقال مجاهد كالذي يشير بيده إلى الماء، فيدعوه بلسانه، فلا يجيبه أبداً. هذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك الذي عبد مع الله إلها آخر، أنه لا يجيبه الصنم، ولا ينفعه كمثل العطشان الذي ينظر إلى الماء من بعيد، ولا يقدر عليه  وَمَا دُعَاء الكافرين  يقول : ما عبادة أهل مكة  إِلاَّ فِى ضلال  يضل عنهم، إذا احتاجوا إليه في الآخرة.

### الآية 13:15

> ﻿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۩ [13:15]

قوله تعالى : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى السموات والأرض  من الخلق  طَوْعًا وَكَرْهًا  قال قتادة : أما المؤمن فيسجد لله طائعاً، وأما الكافر فيسجد. كرهاً ويقال : أهل الإخلاص يسجدون لله طائعين، وأهل النفاق يسجدون له كرهاً، ويقال : من ولد في الإسلام يسجد  طوعاً ، ومن سبي من دار الحرب يسجد  كرهاً . ويقال : يَسْجُدُ \* لِلَّهِ  يعني : يخضع له من في السموات والأرض، ولا يقدر أحد أن يغير نفسه عن خلقته  وظلالهم  يعني : تسجد ظلالهم، وسجود الظل دورانه. ويقال : ظل المؤمن يسجد معه، وظل الكافر يسجد لله تعالى إذا سجد الكافر للصنم.  بالغدو والآصال  يعني : أول النهار، وآخره، وقال أهل اللغة : الأصيل ما بين العصر إلى المغرب، وجمعه أُصُل والآصال جمع الجمع.

### الآية 13:16

> ﻿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [13:16]

قوله تعالى : قُلْ مَن رَّبُّ السموات والأرض  يعني : قل يا محمد لأهل مكة من خالق السموات والأرض ؟ فإن أجابوك وإلا ف  قُلِ الله . 
ثم قال : قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء  يعني : أفعبدتم غيره  لاَ يَمْلِكُونَ لانْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير  أي : كما لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. ويقال : الأعمى  الجاهل الذي لا يتفكر، ولا يرغب في الحق، والبصير العالم الذي يتفكر، ويرغب في الحق. 
 أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات والنور  أي : كما لا تستوي الظلمات والنور، فكذلك لا يستوي الإيمان والكفر. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر  يَسْتَوِى  بلفظ التذكير بالياء. وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن تأنيثه ليس بحقيقي، فيجوز أن يذكر ويؤنث، ولأن الفعل مقدم على الاسم. 
ثم قال : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء  يعني : بل جعلوا لله شركاء من الأصنام. ويقال : معناه أجعلوا لله شركاء، والميم صلة. ثم قال : خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ  يعني : هل خلق الأوثان خلقاً كما خلق الله فاشتبه عليهم خلق الله تعالى من خلق غيره، فلما ضرب الله مثلاً لآلهتهم سكتوا. 
قال الله تعالى : قُلِ الله خالق كُلّ شَىْء  قل يا محمد الله عز وجل خالق جميع الموجودين  وَهُوَ الواحد القهار  يعني : الذي لا شريك له، القاهر لخلقه، القادر عليهم.

### الآية 13:17

> ﻿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ [13:17]

ثم ضرب الله تعالى مثلاً للحق والباطل، لأن العرب كانت عادتهم أنهم يوضحون الكلام بالمثل، وقد أنزل الله تعالى القرآن بلغة العرب، فأوضح لهم الحق من الباطل بالمثل فقال : أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء  يعني : المطر  فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا  يعني : سال في الوادي الكبير بقدره، وفي الوادي الصغير بقدره، فشبه القرآن بالمطر، وشبه القلوب بالأودية، وشبه الهدى بالسيل  فاحتمل السيل زَبَدًا رَّابِيًا  يعني : عالياً على الماء. 
فشبه الزبد بالباطل يعني : احتملته القلوب على قدر أهوائها باطلاً كبيراً. فكما أن السيل يجمع كل قدر، كذلك الأهواء تحتمل الباطل، وكما أن الزبد لا وزن له، فكذلك الباطل لا ثواب له. فذلك قوله : فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاء  يعني : يذهب كما جاء. ويقال : جُفَاء  أي سريعاً. وقال مقاتل : جُفَاء  أي يابساً، فلا ينتفع به، ويقذفه السيل. وقال القتبي : الجفاء ما رمى به الوادي في جنباته. ويقال : جفأت القدر بزبدها إذا ألقيته عنها  وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِى الأرض  يعني : يبقى الماء الصافي. فكذلك الإيمان واليقين ينتفع به أهله في الآخرة، كما ينتفع بالماء الصافي في الدنيا. والباطل، لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة. 
ثم ضرب مثلاً آخر بالذهب والفضة، فقال تعالى : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النار  من الذهب والفضة  ابتغاء حِلْيَةٍ  يعني : النحاس  حِلْيَةٍ  تلبسونها. يخرج منها الخبث، ويبقى الذهب والفضة خالصاً. 
ثم ضرب مثلاً آخر فقال : أَوْ متاع زَبَدٌ مّثْلُهُ  يعني : النحاس، والحديد، والصفر يزول عنها الخبث، ويبقى الصفر والحديد خالصاً، فيتخذ منها المتاع. فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد، كما يضمحل هذا الزبد، ويبقى خالص الماء، وخالص الذهب، والفضة، والحديد، والصفر، فكذلك يضمحل الباطل عن أهله. وكما يمكث الماء في الأرض، ويخرج نباتها، وكما يبقى خالص الذهب والفضة حين يدخلان النار، فكذلك يبقى الحق، وثوابه لصاحبه. وقال القتبي في قوله : فاحتمل السيل زَبَدًا رَّابِيًا  قال : هذا مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل. يقول : الباطل وإن ظهر على في بعض الأحوال وعلا فلان فإن الله سيمحقه، ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله، مثل مطر سال في الأودية بقدرها  فاحتمل السيل زَبَدًا رَّابِيًا  أي : عالياً على الماء كما يعلو الباطل تارة على الحق. ومن جواهر الأرض التي تدخل الكير، توقدون عليها، بمعنى الذهب والفضة للحلية.  أَوْ متاع  يعني : الشبه، والحديد، والآنك، يكون للآنية له خبث يعلوها مثل زبد الماء. فأما الزبد، فيذهب جفاء يتعلق بأصول الشجر، وكنبات الوادي، وكذلك خبث الفلز يعني : الجوهر يقذفه، فهذا مثل الباطل. وأما ما ينفع الناس، وينبت المرعى، فيمكث في الأرض. فكذلك الصفر من الفلز يبقى صالحاً فهو مثل الحق. 
ثم قال : كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل  على وجه التقديم والتأخير. يعني : هكذا يضرب الله المثل للحق والباطل. ويقال : معناه هكذا يبيّن الحق من الباطل  فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِى الأرض  على معنى التقديم والتأخير، وقد ذكرناه من قبل  كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال  يعني : يبيّن الله الأشباه، ويوضح الطريق، ويقيم الحجة.

### الآية 13:18

> ﻿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [13:18]

ثم قال : لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى  يعني : للذين أجابوا ربهم بالطاعات في الدنيا، لهم الجنة في الآخرة. ثم قال : والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ  يعني : لم يجيبوه، ولم يطيعوه في الدنيا  لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الارض جَمِيعاً  يوم القيامة  وَمِثْلَهُ مَعَهُ  يعني : وضعفه معه  لاَفْتَدَوْاْ بِهِ  يقول : لفادوا به أنفسهم من العذاب، ولو فادوا به لا يقبل منهم  أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوء الحساب  يعني : شديد العقاب. ويقال : المناقشة في الحساب. وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال : أتدرون ما سوء الحساب ؟ قالوا لا. قال هو الذنب يحاسب عليه العبد ثم لا يغفر له. وعن الحسن أنه سئل عن سوء الحساب، وقال : يؤخذ العبد بذنوبه كلها فلا يغفر له منها ذنب. 
ثم قال : وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ  أي : مصيرهم ومرجعهم إلى جهنم  وَبِئْسَ المهاد  يعني : الفراش من النار ويقال بئس موضع القرار في النار.

### الآية 13:19

> ﻿۞ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [13:19]

قوله تعالى : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الحق  يعني : يعلم أن القرآن الذي أنزل من الله تعالى هو الحق  كَمَنْ هُوَ أعمى  يعني : كمن هو لا يعلم. ويقال : أَفَمَن يَعْلَمُ  أن ما ذكر من المثل حق كمن لا يعلم. وهذا كقوله : إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين  \[ البقرة : ٢٦ \] يعني : المثل. ويقال : أفمن يعلم  أفمن يرغب في الحق حتى يعلم أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق  كَمَنْ هُوَ أعمى  يعني : كمن لا يرغب فيه  إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الألباب  يعني : يتعظ بما أنزل إليك من القرآن ذوو العقول من الناس، وهم المؤمنون.

### الآية 13:20

> ﻿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [13:20]

ثم وصفهم فقال : الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله  يعني : العهد الذي بينهم وبين الله تعالى والعهد الذي بينهم وبين الناس  وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق  يعني : الميثاق الذي أخذ عليهم. يوم الميثاق. ويقال : يعني : أهل الكتاب، الميثاق الذي أخذ عليهم في كتابهم.

### الآية 13:21

> ﻿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [13:21]

قوله : والذين يَصِلُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ  يعني : يصلون الأرحام، ولا يقطعونها، وقال : يعني : الإيمان بجميع الأنبياء  وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ  يعني : يمتنعون عما نهاهم الله تعالى عنه، والخشية من الله، الامتناع عن المحرمات والمعاصي  وَيَخَافُونَ سُوء الحِسَابِ  يعني : شدته

### الآية 13:22

> ﻿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [13:22]

وَالَّذِينَ صَبَرُواْ  يعني : صبروا عن المعاصي، وصبروا عن أداء الفرائض، وصبروا على المصائب والشدائد، وصبروا على أذى الكفار والمنافقين  ابتغاء وَجْهِ رَبّهِمْ  يعني : صبروا على طلب مرضاة الله تعالى  وأقاموا الصلاة  يعني : أتموها بركوعها، وسجودها في مواقيتها  وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ  يعني : من الأموال  سِرّا وَعَلاَنِيَةً  يعني : يتصدقون في الأحوال كلها ظاهراً، وباطناً. ويقال : مرة يتصدقون سراً مخافة الرياء، ومرة يتصدقون علانية لكي يقتدى بهم. ويقال : يتصدقون صدقة التطوع في السر، وزكاة الفريضة علانية 
 وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة  يقول : يدفعون بالكلام الحسن السيئة. يعني : الكلام القبيح. فهذا كله صفة ذوي الألباب، وهم الذين استجابوا لربهم. 
ثم بيّن ثوابهم، ومرجعهم في الآخرة فقال : أُوْلَئِكَ لَهُمْ عقبى الدار  يعني : لهم الجنة، وهم المهاجرون، والأنصار، ومن كان في مثل حالهم إلى يوم القيامة

### الآية 13:23

> ﻿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [13:23]

فقال تعالى : جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ  يعني : ومن آمن، وأطاع الله تعالى  مِنْ ءابَائِهِمْ وأزواجهم وذرياتهم  يدخلون أيضاً جنات عدن وهذا كقوله : والذين ءَامَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بإيمان أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ ألتناهم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ  \[ الطور : ٢١ \]  والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ  ويسلمون عليهم

### الآية 13:24

> ﻿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [13:24]

ويقولون : سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ  على أمر الله تعالى وطاعته  فَنِعْمَ عقبى الدار  يعني : نعم العاقبة الجنة. 
فقد بيّن حال الذين استجابوا لربهم، والذين يعلمون أن الذي أنزل إليك هو الحق.

### الآية 13:25

> ﻿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [13:25]

ثم بيّن حال الذين لم يستجيبوا له، وهم الذين ينقضون الميثاق، فقال تعالى : والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه  يعني : من بعد تأكيده، وتغليظه، يعني : بعد إقرارهم بالتوحيد يوم الميثاق  وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ  يعني : الأرحام. ويقال : الإيمان بالنبيّين  وَيُفْسِدُونَ فِى الارض  بالدعاء إلى عِبادة غير الله تعالى  أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللعنة  يعني : يلعنهم في الدنيا والآخرة  وَلَهُمْ سُوء الدار  يعني : سوء المرجع. ويقال : لهم اللعنة. يعني : هم مطرودون من رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة،  وَلَهُمْ سُوء الدار  يعني : عذاب النار في الآخرة.

### الآية 13:26

> ﻿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ [13:26]

قوله تعالى : الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء  يعني : يوسع الرزق لمن يشاء من عباده،  وَيَقْدِرُ  يعني : يقتر في الرزق. يعني : يختار للغني الغنى، وللفقير الفقر، لأنه يعلم أن صلاحه فيه. وروي عن ابن عباس أنه قال : إن الله تعالى خلق الخلق، وهو بهم عليم. فجعل الغنى لبعضهم صلاحاً، وجعل الفقر لبعضهم صلاحاً، فذلك الخيار للفريقين وقال الحسن البصري : ما أحد من الناس يبسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه، وما أمسكها الله تعالى عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه. 
ثم قال تعالى : وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا  يقول : استأثروا الدنيا على الآخرة  وَمَا الحياة الدنيا فِى الآخرة إِلاَّ متاع  يعني : الدنيا بمنزلة الأواني التي لا تبقى مثل السكرجة، والزجاجة، وأشباه كل ذلك التي يتمتع بها ثم تذهب، فكذلك هذه الدنيا تذهب وتفنى. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**« مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ كَمَثَلِ مَاء يَجْعَلُ أَحَدُكُم أصْبُعَهُ فِي اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجعُ »**. وقال مجاهد : إِلاَّ متاع  أي : قليل ذاهب، وهكذا قال مقاتل.

### الآية 13:27

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [13:27]

قوله تعالى : وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلا  يعني : هلاَّ  وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ من ربه  يعني : علامة لنبوته  قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء  من عباده من الهدى يعني : إذا لم يرغب فيه  وَيَهْدِى إِلَيْهِ  يرشد إلى دينه  مَنْ أَنَابَ  يعني : من رجع إلى الحق. ويقال : رجع عن الشرك.

### الآية 13:28

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [13:28]

ثم قال تعالى : الذين أمنوا  هذا مقرون بالأولى. يعني : ويهدي الَّذِينَ آمَنُوا  وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ  يعني : تسكن وترضى قلوبهم  بِذِكْرِ الله  يعني : إذا ذكروا الله تعالى بوحدانيته، آمنوا به، غير شاكين. وقال الكلبي : يعني : وتسكن، وترضى قلوبهم لمن يحلف لهم بالله  أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب  يعني : ترضى وتسكن قلوب المؤمنين

### الآية 13:29

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [13:29]

الذين آمنواْ  يعني : صدقوا بالله، وبمحمد، وبالقرآن،  وَعَمِلُواْ الصالحات  يعني : الطاعات  طوبى لَهُمْ  يعني : غبطة لهم. قال مجاهد : طوبى لَهُمْ  يعني : الجنة. ويقال : شجرة في الجنة. قال الفقيه : حدثنا محمد بن الفضل. قال : حدثنا محمد بن جعفر. قال : حدثنا إبراهيم بن يوسف. قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي اليسر، عن مغيث بن سمي في قوله تعالى  طوبى لَهُمْ  قال : طوبى شجرة في الجنة ساقها من ذهب، الورقة منها تغطي الدنيا، ليس في الجنة منزل إلا وفيه غصن من أغصانها. وقال أبو هريرة،  طوبى  شجرة في الجنة. وقال قتادة : هي كلمة عربية، يقول الرجل : طوبى لك إذا أصبت خيراً. وقال عكرمة : طوبى لَهُمْ  أي : نعمّا لهم. ويقال : طوبى لَهُمْ  أي : خير لهم. 
ثم قال تعالى : وَحُسْنُ مَئَابٍ  يعني : حسن المرجع في الآخرة.

### الآية 13:30

> ﻿كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [13:30]

قوله تعالى : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ  يقول : هكذا بعثناك في أمة كما بعثنا إلى من كان قبلك من الرجال في الأمم الخالية  قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا  يعني : قد مضت من قبل قومك  أُمَمٌ لّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ  يعني : أرسلناك لتقرأ عليهم  الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  من القرآن  وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن  يعني : يجحدون، ويكذبون، وذلك أن عبد الله بن أمية المخزومي وأصحابه، قالوا : ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب. 
قال الله تعالى : قُلْ هُوَ رَبّى  يعني : قل يا محمد : الرحمن الذي تكفرون به، هو الله ربي الذي  لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ  يعني : فوضت أمري إليه  وَإِلَيْهِ مَتَابِ  يعني : وإليه أتوب وأرجع.

### الآية 13:31

> ﻿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [13:31]

قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال  وذلك أن عبد الله بن أمية وغيره من كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : سيرت لنا جبال مكة ذهباً وفضة، حتى نعلم أنك صادق في مقالتك، أو قرب أسفارنا كما فعل سليمان بن داود بريحه، أو كلم موتانا كما فعل عيسى ابن مريم بدعائه، فنزل  وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال  عن أماكنها  أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الارض  غدوها شهر، ورواحها شهر  أَوْ كُلّمَ بِهِ الموتى  فلم يذكر جوابه، لأن في الكلام دليلاً عليه. يعني : لو فعلنا بقرآن قبل قرآن محمد صلى الله عليه وسلم، لفعلنا ذلك بقرآن محمد صلى الله عليه وسلم. ويقال : لو فعل أحد من الأنبياء ما تسألوني، لفعلت لكم. ولكن الأمر إلى الله تعالى، إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، فذلك قوله تعالى : بَل للَّهِ الأمر جَمِيعًا  ويقال : معناه ولو أن قرآناً سيرت به الجبال عن أماكنها، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، لم يؤمنوا به. 
وهذا كقوله : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ  \[ الأنعام : ١١١ \] الآية إلى قوله : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ  \[ الأنعام : ١١١ \]  بَل للَّهِ الأمر جَمِيعًا  إن شاء هدى من كان أهلاً لذلك، وإن شاء لم يهد من لم يكن أهلاً لذلك. 
قوله تعالى : أفلم ييأس الذين آمنوا  قال الحسن وقتادة : أفلم يعلم. وقال الفراء : لم أجد في العربية مثل هذا. ويقال : معناه أفلم يتبيّن للذين آمنوا، وهو بلسان النخع. ويقال : هو من الإياس. ومعناه : أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بأنهم لا يؤمنون  أَن لَّوْ يَشَاء الله لَهَدَى الناس جَمِيعًا  يعني : إنهم لم يكونوا أهلاً لذلك، فلم يهدهم. وروى ابن أبان بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ  أَفَلَمْ \* يَتَبَيَّنَ  فقيل له : أفلم ييأس الذين آمنوا  فقال : إني لأَرى الكاتب كتبها وهو ناعس. وروي في خبر آخر أن نافع بن الأزرق، سأل ابن عباس عن قوله : أفلم ييأس  قال : أفلم يعلم. قال : وهل تعرف العرب ذلك. قال ابن عباس : نعم أما سمعت قول مالك بن عوف وهو يقول :
قد يئس الأقوام أني أنا ابنه. . . وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا
ثم قال : وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ  يعني : أهل مكة  تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ  يعني : نكبة وشدة. 
ويقال : القارعة داهية تقرع. ويقال : لكل مهلكة قارعة. ويقال : نازلة تنزل لأمر شديد. فالمراد هنا سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتيهم، وتصيبهم من ذلك شدة  أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ  يعني : تنزل أنت يا محمد بجماعة أصحابك قريباً من دارهم، يعني : من مكة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سار بجنوده حتى أتى عسفان، ثم بعث مائتي راكب حتى انتهوا قريباً من مكة، ثم قال : حتى يَأْتِىَ وَعْدُ الله  يعني : فتح مكة. قالوا : هذه الآية مدنية. 
ثم قال : إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد  أي : بفتح مكة على النبي صلى الله عليه وسلم.

### الآية 13:32

> ﻿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [13:32]

قوله تعالى : وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ  كما استهزأ بك قومك  فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ  يعني : أمهلتهم بعد الاستهزاء، ولم أعاقبهم  ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ  بالعذاب عند المعصية بالتكذيب، فأهلكتهم  فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ  يعني : فكيف رأيت إنكاري وتعبيري عليهم بالعذاب. لم ير النبي صلى الله عليه وسلم عقوبتهم إلا أنه علم بحقيقته فكان رأي عيانٍ.

### الآية 13:33

> ﻿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [13:33]

قوله تعالى : أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  يقول : هو الله القائم على كل نفس، برة وفاجرة، بالرزق لهم، والدفع عنهم، وجوابه مضمر. يعني : كمن هو ليس بقائم على ذرة، وهذا كقوله : فَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ  \[ النحل : ١٧ \] ثم قال : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء  يعني : قالوا، ووصفوا لله شريكاً. وقال مقاتل : وَجَعَلُواْ الله شُرَكَاء  يقول : أنا القائم على كل نفس بأرزاقهم، وأطعمتهم، كالذين يصفون أن لي شريكاً. معناه : لا تكون عبادة الله بعبادة غيره  قُلْ سَمُّوهُمْ  يعني : قل يا محمد سموا هؤلاء الشركاء. يعني : سموا دلائلهم، وبراهينهم، وحججهم. ويقال : سموا منفعتهم، وقدرتهم. 
ثم قال  أَمْ تُنَبّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى الارض  يعني : تخبرونه بما علم أنه لا يكون. ويقال : معناه أتشركون معه جاهلاً لا يعلم ما في الأرض. ويقال : معناه أتخبرون الله بشيء لا يعلم من آلهتكم. يعني : يعلم الله أنه ليس لها في الأرض قدرة  أَم بظاهر مّنَ القول  يعني : أتقولون قولاً بلا برهان، ولا حجة. ويقال : بباطل من القول. يعني : إن قلتم إن لها قدرة لقلتم باطلاً. وقال قتادة الظاهر من القول الباطل، وكذلك قال مجاهد. 
ثم قال : بَلْ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ  يقول : ولكن زين للذين كفروا من أهل مكة كفرهم، وقولهم الشرك  وَصُدُّواْ عَنِ السبيل  قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمر،  وَصُدُّواْ عَنِ السبيل  بنصب الصاد. يعني : إن الكافرين صدوا الناس عن السبيل. يعني : عن دين الله الإسلام. وقرأ الباقون : وَصُدُّواْ  بضم الصاد على فعل ما لم يسم فاعله. مثل قوله : أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَناً فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ  \[ فاطر : ٨ \]. 
ثم قال : وَمَن يُضْلِلِ الله  يعني : من يخذل عن دينه الإسلام، ولا يوفقه  فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  يعني : ما له من مرشد إلى دينه غير الله تعالى.

### الآية 13:34

> ﻿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [13:34]

قوله تعالى : لَّهُمْ عَذَابٌ فِى الحياة الدنيا  يعني : لهم في الدنيا الشدائد، والأمراض. ويقال : وعند الموت. ويقال : القتل على أيدي المسلمين، والغلبة عليهم  وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ  يعني : أشدّ  وَمَا لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ  يعني : ملجأ يلجؤون إليه فيمنعهم من عذاب الله تعالى.

### الآية 13:35

> ﻿۞ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ۖ وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ [13:35]

قوله تعالى : مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون  قال بعضهم : المثل هنا أراد به الصفة، ولم يرد به التشبيه، لأنه قد ذكر من قبل حديث الجنة، وهو قوله تعالى : لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الارض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أولئك لَهُمْ سواء الحساب وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المهاد  \[ الرعد : ١٨ \] وقال بعد ذلك : جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَائِهِمْ وأزواجهم وَذُرِّيَّاتِهِمْ والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ  \[ الرعد : ٢٣ \] ثم بيّن ههنا صفة الجنة. فقال : مَّثَلُ الجنة  يعني : صفة الجنة  التى وُعِدَ المتقون ، الذين يتقون الشرك والفواحش. روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقرأ  مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون  يعني : صفاتها وأحاديثها  تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار أُكُلُهَا دَائِمٌ  يعني : نعيمها لا ينقطع عنهم أبداً  وِظِلُّهَا  يقول : وهكذا ظلها دائم أبداً، ليس فيها شمس. وقال بعضهم : أراد به التشبيه، لأن الله عرفنا أمور نعيم الجنة، التي لم نراها، ولم نشاهدها بما شاهدنا من أمور الدنيا، ومعناه : مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون  جنة تجري من تحتها الأنهار. 
ثم قال : تِلْكَ عقبى الذين اتقوا  يعني : تلك الجنة، جزاء الذين اتقوا الشرك، والفواحش  وَّعُقْبَى الكافرين النار  يعني : مصيرهم، وجزاؤهم النار.

### الآية 13:36

> ﻿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ۚ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ [13:36]

ثم قال تعالى : والذين ءاتيناهم الكتاب  أي : التوراة  يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ  وهم مؤمنو أهل الكتاب، يعجبون بذكر الرحمن  وَمِنَ الأحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ  يعني : أهل مكة ينكرون ذكر الرحمن، ويقولون : ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، يعنون : مسيلمة الكذاب. ويقال : وَمِنَ الأحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ  يعني : ومِن أهل الكتاب من ينكر ما كان فيه نسخ شرائعهم  قُلْ  يا محمد  إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله  يعني : أمرت أن أقيم على التوحيد  وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ  شيئاً. 
ثم قال : إِلَيْهِ أَدْعُو  يقول : أدعو الخلق إلى توحيده  وَإِلَيْهِ مَآبِ  يعني : المرجع في الآخرة.

### الآية 13:37

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ [13:37]

ثم قال  وكذلك أنزلناه  يعني : القرآن  حُكْمًا  يعني : القرآن حكماً على الكتب كلها. ويقال : محكماً  عَرَبِيّاً  يعني : القرآن بلغة العرب 
 وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم  قال الكلبي : يعني : لئن صليت إلى قبلتهم يعني : نحو بيت المقدس  بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم  يعني : من بعد ما أتاك العلم بأن قبلتك نحو الكعبة. ويقال : وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم  يعني : أهل مكة فيما يدعونك إلى دين آبائك بعد ما ظهر لك أن الإسلام هو الحق  مَا لَكَ مِنَ الله  يعني : من عذابه  مِن وَلِىّ  ينفعك  وَلاَ وَاقٍ  يقيك من عذاب الله، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمُراد به أصحابه.

### الآية 13:38

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [13:38]

قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ  وذلك أن اليهود عَيَّروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : لو كان هذا نبيّاً كما يزعم، لشغلته النبوة عن تزوج النساء. فنزل  وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ  يا محمد  وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً  قال الكلبي : كان لسليمان بن داود عليه السلام ثلاثمائة امرأة مهرية، وتسعمائة سرية، وكان لداود مائة امرأة. 
ثم قال : وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ  يعني : ليس ينبغي لرسول  أن يأتي بآية  إلى قومه  إِلاَّ بِإِذْنِ الله  يعني : بأمر الله تعالى. ويقال : معناه ما كان يقدر أحد أن يأتي بآية من الآيات إلا بإذن الله  لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ  أي : لكل أجل من آجال العباد كتاب مكتوب، لا يزاد عليه، ولا ينقص منه، ويقال : لكل أجل وقت قد كتب. وقال الفراء : هذا مقدم ومؤخر أي : لكل كتاب أجل مثل قوله : جَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ  \[ ق : ١٩ \] أي : سكرة الحق بالموت، وكذلك قال ابن عباس.

### الآية 13:39

> ﻿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [13:39]

قوله تعالى : يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ  روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن قريشاً، لما نزلت هذه الآية  وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ  \[ الرعد : ٣٨ \] قالوا : ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر. فنزلت هذه الآية تخويفاً، ووعيداً لهم. فإنّا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما نشاء، فيمحو الله ما يشاء، ويثبت ما يشاء من أرزاق العباد، ومصايبهم، وما يعطيهم، وما يقسم لهم. وروى وكيع عن الأعمش، عن أبي وائل أنه كان يقول في دعائه : اللَّهم إن كنت كتبتنا سعداء، فأثبتنا. وإن كنت كتبتنا أشقياء، فامحنا واكتبنا سعداء. فإنك تمحو ما تشاء، وتثبت ما تشاء، وعندك أم الكتاب. 
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال  يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ  إلا الشقاوة، والسعادة، والموت، والحياة. وروى منصور عن مجاهد أنه قال : إلا الشقاوة، والسعادة، لا يتغيران. ويقال : يَمْحُو الله مَا يَشَاء  من أعمال بني آدم. ما كتب الحفظة ما ليس فيه جزاء خير ولا شر 
 وَيُثَبّتْ  ما فيه جزاء خير أو شر. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن الحفظة إذا رفعت ديوان العبد، فإن كان في أوله وآخره خير، يمحو الله ما بينهما من السيئات، وإن لم يكن في أوله وآخره حسنات، يثبت ما فيه من السيئات. وقال مقاتل : يَمْحُو الله  يعني : ينسخ الله ما يشاء من القرآن، ويثبت، ويقر المحكم الناسخ ما يشاء فلا ينسخه. ويقال : يَمْحُو الله ما يشاء  يعني : المعرفة عن ما يشاء  وَيُثَبّتْ  في قلب من يشاء. وهو مثل قول  وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ  \[ الرعد : ٢٧ \] ويقال : يقضي على العبد البلاء، فيدعو العبد، فيزول عنه. كما روي في الخبر **«الدُّعَاءُ يَرُدُّ البَلاَءَ »**. 
ثم قال : وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب  يعني : أصل الكتاب، وجملته، وهو اللوح المحفوظ كتب فيه كل شيء قبل أن يخلقهم.

### الآية 13:40

> ﻿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [13:40]

قوله تعالى : وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ  من العذاب، والزلازل، والمصايب، في الدنيا إذ كذبوك، وأنت حي  أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ  يقول : أو نميتك قبل أن نرينك  فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ  بالرسالة  وَعَلَيْنَا الحساب  يعني : الجزاء.

### الآية 13:41

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [13:41]

ثم قال : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الارض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا  يعني : نفتحها من نواحيها. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**« هُوَ ذَهَابُ العُلَمَاءِ »**. وقال ابن عباس : ذهاب فقهائها، وخيار أهلها. وعن ابن مسعود نحوه. وقال الضحاك : أو لم ير المشركون أنا ننقصها من أطرافها يعني : يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ما حولهم من أراضيهم، وقراهم، وأموالهم، أفهم الغالبون ؟ يعني : أو لا يرون أنهم المغلوبون، والمنتقصون، وعن عكرمة. أنه قال : الأرض لا تنقص، ولكن تنقص الثمار، وينقص الناس. وعن عطاء أنه قال : هو موت فقهائها، وخيارها. وقال السدي : يعني : ينقص أهلها من أطرافها، ولم تهلك قرية إلا من أطرافها. يعني : تخرب قبل، ثم يتبعها الخراب.  والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ  يقول : لا راد لحكمه، ولا مغير له، ولا مرد لما حكم لمحمد صلى الله عليه وسلم النصرة والغنيمة  وَهُوَ سَرِيعُ الحساب  إذا حاسب فحسابه سريع.

### الآية 13:42

> ﻿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ۗ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [13:42]

قوله تعالى : وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ  يعني : صنع الذين من قبلهم، كصنيع أهل مكة بمحمد صلى الله عليه وسلم  فَلِلَّهِ المكر جَمِيعًا  يعني : يجازيهم جزاء مكرهم، وينصر أنبياءه، ويبطل مكر الكافرين. ثم قال : يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ  برّة وفاجرة  وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار  يعني : الجنة.

### الآية 13:43

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [13:43]

قوله تعالى : وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً  يعني : كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وسائر اليهود. ويقال : يعني : أهل مكة  قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ  يقول : كفى الله شاهداً بيني وبينكم على مقالتكم  وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب  يعني : ومن آمن من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام، وأصحابه  شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ  لأنهم وجدوا نعته، وصفته، في كتبهم. 
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم،  يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ  بجزم الثاء والتخفيف. وقرأ الباقون : بنصب الثاء، وتشديد الباء  وَيُثَبّتْ  ومعناهما واحد. 
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو،  وَسَيَعْلَمْ \*\*\* الكافر  بلفظ الواحد، وهو اسم جنس، فيقع على الواحد، وعلى الجماعة. وقرأ الباقون  الكفار  بلفظ الجماعة. وقال أبو عبيدة : رأيت في مصحف الإمام  وَسَيَعْلَمُ الكفار  بلفظ الجماعة. وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ  وَمَنْ عِندَهُ  بالكسر. يعني : القرآن من عند الله تعالى. وروي عنه أيضاً : وَسَيَعْلَمْ \*\*\* الكافرون . وقرأ أبي بن كعب : وَسَيَعْلَمْ الذين \*\*\* كَفَرُواْ . وقال عبد الله بن مسعود : هذه السورة مكية، وعبد الله بن سلام أسلم بعد ذلك بمدة، فكيف يجوز أن يكون المراد به عبد الله بن سلام، وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قرأ : بالكسر، وقرأ بعضهم  وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب  بضم العين، وكسر اللام، على معنى فعل ما لم يسم فاعله. وروى عن ابن عباس أنه كان يقول : هذه السورة مدنية، وكان يقرأ  وَمَنْ عِندَهُ  بالنصب.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/13.md)
- [كل تفاسير سورة الرعد
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/13.md)
- [ترجمات سورة الرعد
](https://quranpedia.net/translations/13.md)
- [صفحة الكتاب: بحر العلوم](https://quranpedia.net/book/324.md)
- [المؤلف: أبو الليث السمرقندي](https://quranpedia.net/person/4160.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/13/book/324) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
