---
title: "تفسير سورة الرعد - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/13/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/13/book/350"
surah_id: "13"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الرعد - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/13/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الرعد - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/13/book/350*.

Tafsir of Surah الرعد from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 13:1

> المر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ۗ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [13:1]

تقدم القول في فواتح السور وذكر التأويلات في ذلك إلا أن الذي يخص هذا الموضع من ذلك هو ما قال ابن عباس رضي الله عنه : إن هذه الحروف هي من قوله :**«أنا الله أعلم وأرى »**. ومن قال : إن حروف أوائل السور هي مثال لحروف المعجم - قال : الإشارة هنا ب  تلك  هي إلى حروف المعجم، ويصح - على هذا - أن يكون  الكتاب  يراد به القرآن، ويصح أن يراد به التوراة والإنجيل. و  المر  - على هذا - ابتداء، و  تلك  ابتداء ثان - و  آيات  خبر الثاني، والجملة خبر الأول - وعلى قول ابن عباس في  المر[(١)](#foonote-١)  يكون  تلك  ابتداء و  آيات  بدل منه، ويصح في  الكتاب  التأويلات اللذان تقدما. 
وقوله : والذي أنزل إليك من ربك الحق   الذي  رفع بالابتداء و  الحق  خبره - هذا على تأويل من يرى  المر  حروف المعجم، و  تلك آيات  ابتداء وخبر. وعلى قول ابن عباس يكون  الذي  عطفاً على  تلك  و  الحق  خبر  تلك . وإذا أريد ب  الكتاب  القرآن فالمراد ب  الذي أنزل  جميع الشريعة : ما تضمنه القرآن منها وما لم يتضمنه. ويصح في  الذي  أن يكون في موضع خفض عطفاً على الكتاب، فإن أردت مع ذلك ب  الكتاب  القرآن، كانت **«الواو »** عطف صفة على صفة لشيء واحد، كما تقول : جاءني الظريف والعاقل، وأنت تريد شخصاً واحداً[(٢)](#foonote-٢)، ومن ذلك قول الشاعر :\[ المتقارب \]
إلى الملك القرم وابن الهمام \*\*\*وليث الكتيبة في المزدحم
وإن أردت مع ذلك ب  الكتاب  التوراة والإنجيل، فذلك بيّن، فإن تأولت مع ذلك  المر  حروف المعجم - رفعت قوله : الحق  على إضمار مبتدأ تقديره : هو الحق، وإن تأولتها كما قال ابن عباس ف  الحق  خبر  تلك  ومن رفع  الحق  بإضمار ابتداء وقف على قوله : من ربك  وباقي الآية ظاهر بين إن شاء الله.

١ هذا في الأصل هو رأي الفراء، وأجازه الحوفي مع ابن عطية، وذكره أيضا الطبري في تفسيره، وقال :"ثم يبتديء الحق بمعنى: "ذلك الحق"، فيكون رفعه بمضمر من الكلام قد استغنى بدلالة الظاهر عليه منه"..
٢ القرم (بفتح القاف) : السيد المعظم، قيل له ذلك على التشبيه بالفحل الذي يترك من الركوب والعمل و يودع للفحلة. والكتيبة: الطائفة المحدودة من الجيش. والمزدحم: محل الازدحام، والشاهد هنا أن الواو عطفت صفات لشيء واحد، والشاعر يريد: إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة..

### الآية 13:2

> ﻿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [13:2]

وقوله تعالى : الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها  الآية، لما تضمن قوله : ولكن أكثر الناس لا يؤمنون  توبيخ الكفرة، عقب ذلك بذكر الله الذي ينبغي أن يوقن به، ويذكر الأدلة الداعية إلى الإيمان به. 
والضمير في قوله : ترونها  قالت فرقة : هو عائد على  السماوات . ف  ترونها  - على هذا - في موضع الحال، وقال جمهور الناس : لا عمد للسماوات البتة، وقالت فرقة : الضمير عائد على العمد، ف  ترونها  - على هذا - صفة للعمد، وقالت هذه الفرقة : للسماوات عمد غير مرئية - قاله مجاهد وقتادة - وقال ابن عباس : وما يدريك أنها بعمد لا ترى ؟ وحكى بعضهم : أن العمد جبل قاف المحيط بالأرض، والسماء عليها كالقبة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله ضعيف، والحق أن لا ****«عمد »**** جملة، إذ العمد يحتاج إلى العمد ويتسلسل الأمر، فلا بد من وقوفه على القدرة، وهذا هو الظاهر من قوله تعالى : ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه [(١)](#foonote-١) \[ الحج : ٦٥ \] ونحو هذا من الآيات، وقال إياس بن معاوية : السماء مقببة على الأرض مثل القبة. 
وفي مصحف أبيّ :**«ترونه »** بتذكير الضمير، و **«العمد »** : اسم جمع عمود، والباب في جمعه :****«عمد »**** - بضم الحروف الثلاثة كرسول ورسل، وشهاب وشهب وغيره، ومن هذه الكلمة قول النابغة :\[ البسيط \]
وخيس الجن إني قد أذنت لهم\*\*\*يبنون تدمر بالصفّاح والعمد[(٢)](#foonote-٢)
وقال الطبري :**«العَمد »** - بفتح العين - جمع عمود، كما جمع الأديم أدماً. 
قال القاضي أبو محمد : وليس كما قال، وفي كتاب سيبويه : إن الأدم اسم جمع، وكذلك نص اللغويون على العمد، ولكن أبا عبيدة ذكر الأمر غير متيقن فاتبعه الطبري. 
وقرأ يحيى بن وثاب **«بغير عُمُد »** بضم العين والميم. 
وقوله : ثم  هي - هنا - لعطف الجمل لا للترتيب، لأن الاستواء على العرش قبل **«رفع السماوات »**، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال :**«كان الله ولم يكن شيء قبله. وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض »**[(٣)](#foonote-٣). 
وقد تقدم القول في كلام الناس في **«الاستواء »**[(٤)](#foonote-٤)، واختصاره : أن أبا المعالي رجح أنه  استوى  بقهره وغلبته، وقال القاضي ابن الطيب وغيره : استوى  - في هذا الموضع - بمعنى استولى، والاستيلاء قد يكون دون قهر. فهذا فرق ما بين القولين، وقال سفيان : فعل فعلاً سماه استواء. وقال الفراء : استوى  - في هذا الموضع - كما تقول العرب : فعل زيد كذا ثم استوى إلى يكلمني، بمعنى أقبل وقصد. وحكي لي عن أبي الفضل بن النحوي أنه قال : العرش  - في هذا الموضع - مصدر عرش، مكانه أراد جميع المخلوقات، وذكر أبو منصور عن الخليل : أن العرش : الملك، وهذا يؤيد منزع أبي الفضل بن النحوي إذ قال : العرش مصدر، وهذا خلاف ما مشى عليه الناس من أن العرش هو أعظم المخلوقات وهو الشخص الذي كان على الماء والذي بين يديه الكرسي ؛ وأيضاً فينبغي النظر على أبي الفضل في معنى الاستواء قريباً مما هو على قول الجميع. وفي البخاري عن مجاهد أنه قال : المعنى : علا على العرش. 
قال القاضي أبو محمد : وكذلك هي عبارة الطبري[(٥)](#foonote-٥)، والنظر الصحيح يدفع هذه العبارة. 
وقوله : وسخر  تنبيه على القدرة، و  الشمس والقمر  في ضمن ذكرهما ذكر الكواكب - وكذلك قال : كل يجري  أي كل ما هو في معنى الشمس والقمر من التسخير، و  كل  لفظة تقتضي الإضافة ظاهرة أو مقدرة، و **«الأجل المسمى »** هو انقضاء الدنيا وفساد هذه البنية، وقيل : يريد بقوله : لأجل مسمى  الحدود التي لا تتحداها هذه المخلوقات أن تجري على رسوم معلومة[(٦)](#foonote-٦). 
وقوله : يدبر  بمعنى : يبرم - وينفذ - وعبر بالتدبير تقريباً لأفهام الناس، إذ التدبير إنما هو النظر في أدبار الأمور وعواقبها، وذلك من صفة البشر، و  الأمر  عام في جميع الأمور وما ينقضي في كل أوان في السماوات والأرضين وقال مجاهد : يدبر الأمر  معناه : يقضيه وحده. 
وقرأ الجمهور :**«يفصل »** وقرأ الحسن بنون العظمة، ورواها الخفاف وعبد الوهاب عن أبي عمرو وهبيرة عن حفص، قال المهدوي : ولم يختلف في  يدبر ، وقال أبو عمرو الداني : إن الحسن قرأ **«نفصل »** و **«ندبر »** بالنون فيهما، والنظر يقتضي أن قوله : يفصل  ليس على حد قوله : يدبر  من تعديد الآيات بل لما تعددت الآيات وفي جملتها يدبر الأمر، أخبر أنه يفصلها لعل الكفرة يوقنون بالبعث، و  الآيات  هنا إشارة إلى ما ذكر في الآية وبعدها.

١ من الآية (٦٥) من سورة (الحج)..
٢ ويروى: وخيس، بمعنى: ذلل، وتدمر: بلد بالشام بناها سيدنا سليمان عليه السلام، والصفاح: حجارة عراض رقاق. والعمد: جمع عمود..
٣ أخرجه البخاري في كتاب (بدء الخلق)، والترمذي في التفسير، والإمام أحمد في مسنده (٢ – ٣١٢، ٥٠١) و (٤ـ٤٣١)، ولفظه كما جاء في البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، مرتين، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: أقبلوا البشرى يأهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض، فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها..
٤ عند تفسير قوله تعالى في الآية (٥٤) من سورة الأعراف: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش..
٥ في القرطبي :"وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: الرحمن على العرش استوى قال: علا، وقال الشاعر:
 فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى
 أي: علا وارتفع". وعلو الله تعالى عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته، أي: ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد..
٦ هذا رأي ابن عباس، نقل في القرطبي عنه قوله: "أراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهيان إليها لا يتجاوزانها"..

### الآية 13:3

> ﻿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ۖ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [13:3]

لما فرغت الآيات من ذكر السماوات، ذكرت آيات الأرض. 
وقوله : مد الأرض  يقتضي أنها بسيطة لا كرة - وهذا هو ظاهر الشريعة وقد تترتب لفظة المد والبسط مع التكوير والله أعلم. و **«الرواسي »** الجبال الثابتة، يقال : رسا يرسو، إذا ثبت، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
به خالدات ما يرمن وهامد\*\*\*وأشعث أرسته الوليدة بالفهر[(١)](#foonote-١)
و **«الزوج »** - في هذه الآية - الصنف والنوع، وليس بالزوج المعروف بالمتلازمين الفردين من الحيوان وغيره، ومنه قوله تعالى : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون [(٢)](#foonote-٢) \[ يس : ٣٦ \] ومثل هذه الآية : والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج [(٣)](#foonote-٣) \[ ق : ٧ \]. 
وهذه الآية تقتضي أن كل ثمرة فموجود منها نوعان، فإن اتفق أن يوجد في ثمرة أكثر من نوعين فغير ضار في معنى الآية. 
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم **«يغْشي »** بسكون الغين وتخفيف الشين، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم - في رواية أبي بكر - بفتح الغين وتشديد الشين، وكفى ذكر الواحد ذكر الآخر، وباقي الآية بين. 
قال القاضي أبو محمد : ويشبه أن الأزواج التي يراد بها الأنواع والأصناف والأجناس إنما سميت بذلك من حيث هي اثنان، اثنان، ويقال : إن في كل ثمرة ذكر وأنثى، وأشار إلى ذلك الفراء عند المهدوي، وحكى عنه غيره ما يقتضي أن المعنى تم في قوله : الثمرات  ثم ابتدأ أنه جعل في الأرض من كل ذكر وأنثى زوجين.

١ البيت للأحوص، ورواية (اللسان): "سوى خالدات " بدلا من "به خالدات"، وما يرمن : ما يطلبن، من قولك: رمت الشيء أرومه روما بمعنى أطلبه، والهامد: الساكن الذي لا يتحرك، والأرض الهامدة: التي لا نبات فيها، والأشعث: المتفرق، وأرسته: ثبتته، والفهر: الحجر قدر ما يدق به الجوز ونحوه، أو هو حجر يملأ الكف، وفي الحديث: (لما نزل تبت يدا أبي لهب وتب جاءت امرأته وفي يدها فهر، قال هو الحجر ملء (الكف)..
٢ من الآي (٣٦) من سورة (يس)..
٣ من الآية (٧) من سورة (ق)..

### الآية 13:4

> ﻿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [13:4]

وقوله تعالى : وفي الأرض قطع. . .  الآية، **«القطع »** : جمع قطعة وهي الأجزاء، وقيد منها في هذا المثال ما جاور وقرب بعضه من بعض، لأن اختلاف ذلك في الأكل أغرب[(١)](#foonote-١). 
وقرأ الجمهور **«وجناتٌ »** بالرفع، عطفاً على  قطع ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«وجناتٍ »** بالنصب بإضمار فعل، وقيل : هو عطف على  رواسي ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص - عن عاصم - **«وزرعٌ ونخيلٌ صنوانٌ وغيرُ »** بالرفع في الكل - عطفاً على  قطع  - وقرأ الباقون :**«وزرعٍ »** بالخفض في الكل - عطفاً على  أعناب  وجعل الجنة من الأعناب من رفع الزرع. 
و **«الجنة »** حقيقة إنما هي الأرض التي فيها الأعناب وفي ذلك تجوز ومنه قول الشاعر :\[ زهير بن أبي سلمى \] \[ البسيط \]

كأن عيني في غربي مقتلة  من النواضح تسقي جنة سحقا[(٢)](#foonote-٢)أي نخيل جنة، إذ لا توصف بالسحق إلا النخل، ومن خفض **«الزرع »** ف **«الجنات »** من مجموع ذلك لا من الزرع وحده، لأنه لا يقال للمزرعة جنة إلا إذا خالطتها شجرات[(٣)](#foonote-٣). 
و  صنوان  جمع صنو، وهو الفرع يكون مع الآخر في أصل واحد، وربما كان أكثر من فرعين، قال البراء بن عازب : الصنوان : المجتمع، **«وغير الصنوان »** المتفرق فرداً فرداً، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«العم صنو الأب »**[(٤)](#foonote-٤) وروي أن عمر بن الخطاب أسرع إليه العباس في ملاحاة فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أردت يا رسول الله أن أقول يا رسول الله لعباس، فذكرت مكانك منه فسكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«يرحمك الله يا عمر العم صنو الأب »** وفي كتاب الزكاة من صحيح مسلم أنه قال :**«يا عمر أما شعرت أن العم صنو الأب »** وجمع الصنو صنوان[(٥)](#foonote-٥)، وهو جمع مكسر، قال أبو علي : وكسرة الصاد في الواحد ليست التي في الجمع، وهو جار مجرى فلك. وتقول : صنو وصنوان في الجمع بتنوين النون وإعرابه. 
وقرأ عاصم - في رواية القواس عن حفص - **«صُنوان »** بضم الصاد قال أبو علي : هو مثل ذئب وذؤبان. 
قال القاضي أبو محمد : وهي قراءة ابن مصرف وأبي عبد الرحمن السلمي، وهي لغة تميم وقيس، وكسر الصاد هي لغة أهل الحجاز، وقرأ الحسن وقتادة **«صَنوان »** بفتح الصاد وهو اسم جمع لا جمع ونظير هذه الللفظة : قنو وقنوان، وإنما نص على **«الصنوان »** في هذه الآية لأنها بمثابة التجاوز في القطع، تظهر فيه غرابة اختلاف الأكل. 
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي والحسن وأبو جعفر وأهل مكة :**«تسقى »** بالتاء، وأمال حمزة والكسائي القاف. وقرأ عاصم وابن عامر **«يسقى »** بالياء، على معنى يسقى ما ذكر. وقرأ الجمهور **«نفضل »** بالنون وقرأ حمزة والكسائي **«ويفضل »** بالياء، وقرأ ابن محيصن :**«يسقى بماء واحد، ويفضل »** بالياء فيهما، وقرأ يحيى بن يعمر وأبو حيوة **«ويفضَّل »** بالياء وفتح الضاد **«بعضُها »** بالرفع، قال أبو حاتم : وجدته كذلك في نقط يحيى بن يعمر في مصحفه - وهو أول من نقط المصاحف. 
و  الأكل  اسم ما يؤكل، بضم الهمزة، والأكل المصدر. 
وقرأت فرقة **«في الأُكُل »** بضم الهمزة والكاف، وقد تقدم هذا في البقرة[(٦)](#foonote-٦) وحكى الطبري عن غير واحد - ابن عباس وغيره -  قطع متجاورات  أي واحدة سبخة، وأخرى عذبة، ونحو هذا من القول، وقال قتادة المعنى : قرى متجاورات. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا وجه من العبرة كأنه قال : وفي الأرض قطع مختلفات بتخصيص الله لها بمعانٍ فهي **«تسقى بماء واحد »**، ولكن تختلف فيما تخرجه والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور إنما هو أنها من تربة واحدة ونوع واحد، وموضع العبرة في هذا أبين لأنها مع اتفاقها في التربة والماء، تفضل القدرة والإرادة بعض أكلها على بعض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن هذه الآية - فقال :
**«الدقل والفارسي[(٧)](#foonote-٧) والحلو والحامض[(٨)](#foonote-٨) »** وعلى المعنى الأول قال الحسن : هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم : كانت الأرض في يد الرحمن طينة واحدة فسطحها فصارت قطعاً متجاورة فينزل عليها ماء واحد من السماء - فتخرج هذه زهرة وثمرة، وتخرج هذه سبخة وملحاً وخبثاً، فكذلك الناس : خلقوا من آدم فنزلت عليهم من السماء تذكرة -فرقت قلوب وخشعت، وقست قلوب ولهت وجفت : قال الحسن : فوالله ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قال الله تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً [(٩)](#foonote-٩) \[ الإسراء : ٨٢ \]. 
والتفضيل في الأكل \[ يشمل \][(١٠)](#foonote-١٠) الأذواق والألوان والملمس وغير ذلك. 
١ قيل: في الكلام حذف، والمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات، كما قال تعالى: سرابيل تقيكم الحر أي: "وتقيكم البرد"، ثم حذف لعلم السامع، والمتجاورات: المدن وما كان عامرا، وغير المتجاورات: الصحارى وما كان غير عامر..
٢ البيت لزهير بن أبي سلمى، قال في (اللسان ـ جنن): "والجنة: البستان، ومنه الجنات، والعرب تسمي النخيل جنة، قال زهير: كأن عيني..."، والمقتل: المذلل المكدود بالعمل، يقال: ناقة مقتلة أي مذللة لعمل من الأعمال، وقد استشهد صاحب اللسان على هذا المعنى بالبيت نفسه في مادة (قتل)، و النواضح من الإبل: التي يستقى عليها، واحدها ناضح، ومنه ما جاء في حديث معاوية حين قال للأنصار وقد قعدوا عن تلقيه لما حج: ما فعلت نواضحكم؟ كأنه يقرعهم بذلك لأنهم كانوا أهل حرث وزع وسقي. والغرب: عرق في مجرى الدمع فلا ينقطع، وغربا العين: مقدمها ومؤخرها، يصور عينه في كثرة الدموع بعيون النواضح المذللة من الإبل التي تدور لتسقي جنة من النخيل العالي في السماء..
٣ قال في "فتح القدير" :"ذكر سبحانه الزرع بين الأعناب والنخيل لأنه يكون في الخارج كثيرا كذلك، ومثله في قوله سبحانه: جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا..
٤ أخرجه مسلم في الزكاة، وكذلك الدارمي، وأخرجه الترمذي في المناقب، والإمام أحمد في مسنده (١ـ٩٤، ٤ـ١٦٥)، ولفظه كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا، وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها، ثم قال: (يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟)..
٥ قال في (اللسان\_ صنا): "والاثنان صنوان، والجمع صنوان برفع النون"..
٦ عند تفسير قوله تعالى في الآية (٢٦٥): كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين..
٧ الدقل: رديء التمر، و الفارسي: نوع جيد من التمر ينسب إلى فارس..
٨ أخرجه الترمذي وحسنه، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه، (فتح القدير)..
٩ الآية (٨٢) من سورة (الإسراء)..
١٠ زيادة يحتاج إليها المعنى..

### الآية 13:5

> ﻿۞ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [13:5]

هذه آية توبيخ للكفرة أي **«وإن تعجب »** يا محمد من جهالتهم وإعراضهم عن الحق - فهم أهل لذلك، وعجب وغريب ومزر بهم ****«قولهم »**** : أنعود بعد كوننا **«تراباً »** - خلقاً جديداً - ويحتمل اللفظ منزعاً آخر أي وإن كنت تريد عجباً فلهم، فإن من أعجب العجب ****«قولهم »****[(١)](#foonote-١). 
واختلف القراء في قراءة قوله : أئذا كنا تراباً  فقرأ ابن كثير وأبو عمرو :**«أئذا كنا تراباً أئنا لفي خلق جديد »** جميعاً بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد. وقرأ نافع **«أئذا كنا »** مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ **«إنا لفي خلق جديد »** مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول عن الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة **«أئذا كنا تراباً أئنا »** بهمزتين فيهما. وقرأ ابن عامر **«إذا كنا »** مكسورة الألف من غير استفهام **«ءائنا »** يهمز ثم يمد ثم يهمز، فمن قرأ بالاستفهامين فذلك للتأكيد والتحفي والاهتبال بهذا التقدير، ومن استفهم في الأول فقط فإنما القصد بالاستفهام الموضع الثاني، و **«إذا ظرف له، و »** إذا «في موضع نصب بفعل مضمر، تقديره : انبعث أو نحشر إذا. ومن استفهم في الثاني فقط فهو بين، - ولا حول ولا قوة إلا بالله -. 
والإشارة ب  أولئك  إلى القوم القائلين : أئذا كنا تراباً  وتلك المقالة إنما هي تقرير مصمم على الجحد والإنكار للبعث، فلذلك حكم عليهم بالكفر. 
وقوله : وأولئك الأغلال  يحتمل معنيين :
أحدهما : الحقيقة وأنه أخبر عن كون  الأغلال في أعناقهم  في الآخرة فهي كقوله تعالى : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل [(٢)](#foonote-٢) \[ غافر : ٧١ \]. 
ويحتمل أن يكون مجازاً وأنه أخبر عن كونهم مغللين عن الإيمان، فهي إذن تجري مجرى الطبع والختم على القلوب، وهي كقوله تعالى : إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان، فهم مقمحون [(٣)](#foonote-٣) \[ يس : ٨ \] وباقي الآية بين. 
وقال بعض الناس  الأغلال  -هنا - عبارة عن الأعمال، أي أعمالهم الفاسدة في أعناقهم كالأغلال. 
قال القاضي أبو محمد : وتحرير هذا هو في التأويل الثاني الذي ذكرناه.

١ قال العلماء: التعجب: تغير النفس بما تخفى أسبابه، وذلك في حق الله تعالى محال، فهو لا يتعجب ولا يجوز عليه التعجب، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون، وقيل: الآية في منكري الصانع، أي: إن تعجب من إنكارهم الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بد له من مغير فهو محل التعجب..
٢ من الآية (٧١) من سورة (غافر)..
٣ من الآية (٨) من سورة (يس)..

### الآية 13:6

> ﻿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [13:6]

وقوله تعالى : ويستعجلونك بالسيئة. . .  الآية، هذه آية تبين تخطيئهم في أن يتمنوا المصائب، ويطلبوا سقوط كسف من السماء أو حجارة تمطر عليهم[(١)](#foonote-١) ونحو هذا مع خلو ذلك في الأمم ونزوله بأناس كثير ؛ ولو كان ذلك لم ينزل قط لكانوا أعذر، و  المثلات  جمع مثلة، كسمرة وسمرات، وصدقة وصدقات. 
وقرأ الجمهور » المَثُلات **«بفتح الميم وضم الثاء، وقرأ مجاهد »** المَثَلات **«بفتح الميم والثاء، وذلك جمع مثلة[(٢)](#foonote-٢)، أي الأخذة الفذة بالعقوبة، وقرأ عيسى بن عمر »** المُثُلات **«بضم الميم والتاء، ورويت عن أبي عمرو ؛ وقرأ يحيى بن وثاب بضم الميم وسكون الثاء، وهاتان جمع مثلة[(٣)](#foonote-٣)، وقرأ طلحة بن مصرف »** المَثْلات «بفتح الميم وسكون الثاء. 
ثم رجّى عز وجل بقوله : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم  قال الطبري : معناه في الآخرة، وقال قوم : المعنى : إذا تابوا، و **«شديد العقاب »** إذا كفروا[(٤)](#foonote-٤). 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر من معنى **«المغفرة »** هنا إنما هو ستره في الدنيا وإمهاله للكفرة، ألا ترى التيسير في لفظ  مغفرة ، وأنها منكرة مقللة، وليس فيها مبالغة كما في قوله : وإني لغفار لمن تاب [(٥)](#foonote-٥) \[ طه : ٨٢ \] ونمط الآية يعطي هذا، ألا ترى حكمه عليهم بالنار، ثم قال : ويستعجلونك  فلما ظهر سوء فعلهم وجب في نفس السامع تعذيبهم، فأخبر بسيرته في الأمم وأنه يمهل مع ظلم الكفر، ولم يرد في الشرع أن الله تعالى يغفر ظلم العباد. 
ثم خوف بقوله : وإن ربك لشديد العقاب  قال ابن المسيب : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لولا عفو الله ومغفرته لما تمنى أحد عيشاً، ولولا عقابه لاتكل كل أحد »**[(٦)](#foonote-٦) وقال ابن عباس : ليس في القرآن أرجى من هذه الآية. 
و  المثلات  هي العقوبات المنكلات التي تجعل الإنسان مثلاً يتمثل به، ومنه التمثيل بالقتلى، ومنه المثلة بالعبيد.

١ كقولهم: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، قال قتادة: طلبوا العقوبة قبل العافية..
٢ اختلفت الأصول في ضبط قراءة مجاهد، ففي بعضها: "بضم الميم والثاء"، وفي بعضها "بفتح الميم والثاء"، وقد اخترنا ما أثبته أبو حيان في البحر، ويؤكد صحته أن ابن عطية نسب بعد ذلك قراءة ضم الميم والتاء إلى عيسى بن عمر، ولو كانت قراءة مجاهد كقراءة عيسى لما لجأ إلى هذا التفصيل..
٣ على وزن غرفة وغرفات، والثابت في كتب اللغة أن المثلات بضم الميم والثاء، وكذلك المثلات بفتح الميم وضم الثاء كلاهما جمع مثلة بالفتح والضم، وجمع مثلة بالضم والسكون..
٤ الجار والمجرور في قوله تعالى: على ظلمهم في محل نصب على الحال، أي: حال كونهم ظالمين، وفي الآية بشارة عظيمة لأن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائبا، ولهذا قيل إنها في عصاة الموحدين خاصة، وقيل: المراد بالمغفرة هنا تأخير العقاب إلى الآخرة ليطابق ما حكاه الله من استعجال الكفار للعقوبة، وكما تفيده الجملة المذكورة بعد جملة المغفرة وهي قوله تعالى: وإن ربك لشديد العقاب بمعنى أنه يعاقب العصاة من الكافرين عقابا شديدا..
٥ من الآية (٨٢) من سورة (طه)..
٦ أخرجه ابن جرير عن ابن عباس، ذكر ذلك في (الدر المنثور)، وقال في فتح القدير: "أخرجه ابن أبي جرير، وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب"، ولفظه فيهما: (لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد عيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد)..

### الآية 13:7

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۗ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [13:7]

وقوله تعالى : ويقول الذين كفروا  الآية، هذه آية غض من اقتراحاتهم المتشططة التي لم يجر الله به عادة إلا للأمم التي حتم بعذابها واستئصالها، و **«الآية »** هنا يراد بها الأشياء التي سمتها قريش كالملك والكنز وغير ذلك، ثم أخبره الله تعالى بأنه  منذر  وهذا الخبر قصد هو بلفظه، والناس أجمعون بمعناه. 
واختلف المتأولون في قوله : ولكل قوم هاد  فقال عكرمة وأبو الضحى : المراد بالهادي محمد عليه السلام، و  هادٍ  عطف على  منذر  كأنه قال : إنما أنت  منذر  و  هادٍ  لكل قوم. فيكون هذا المعنى يجري مع قوله عليه السلام :**«بعثت للأسود والأحمر »**[(١)](#foonote-١) و  هادٍ  - على هذا - في هذه الآية بمعنى داعٍ إلى طريق الهدى. وقال مجاهد وابن زيد : المعنى : إنما أنت **«منذر »** ولكل أمة سلفت **«هادٍ »** أي نبي يدعوهم. 
قال القاضي أبو محمد : والمقصد : فليس أمرك يا محمد ببدع ولا منكر، وهذا يشبه غرض الآية. 
وقالت فرقة :****«الهادي »**** في هذه الآية الله عز وجل، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير، و  هادٍ  - على هذا - معناه مخترع للرشاد. 
قال القاضي أبو محمد : والألفاظ تطلق بهذا المعنى، ويعرف أن الله تعالى هو الهادي من غير هذا الموضع. 
وقالت فرقة ****«الهادي »**** : علي بن أبي طالب، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن عباس - أنه قرأ هذه الآية وعلي حاضر، فأومأ بيده إلى منكب علي وقال :**«أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي »**[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : والذي يشبهه - إن صح هذا - أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل علياً رضي الله عنه مثالاً من علماء الأمة وهداتها إلى الدين، كأنه قال : أنت يا علي وصنفك، فيدخل في هذا أبو بكر وعمر وعثمان وسائر علماء الصحابة، ثم كذلك من كل عصر، فيكون المعنى - على هذا - إنما أنت يا محمد ولكل قوم في القديم والحديث رعاة وهداة إلى الخير. 
قال القاضي أبو محمد : والقولان الأولان أرجح ما تأول في الآية.

١ أخرجه أبو داود في السير، والإمام مسلم في المساجد، والإمام أحمد في مسنده في مواضع متعددة، ولفظه كما في مسند الإمام أحمد (١ ـ ٣٠١): (أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقولهن فخرا، بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئا)..
٢ أخرجه ابن جرير، وابن مردية، وأبو نعيم في المعرفة، والديلمي، وابن عساكر، وابن النجار. (الدر المنثور). ويظهر من كلام ابن عطية أنه يشك في صحة هذا الحديث، أو على الأقل أنه يؤوله بما وضحه في كلامه..

### الآية 13:8

> ﻿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [13:8]

لما تقدم تعجب الكفار واستبعادهم البعث من القبور - قص في هذه الآيات المثل المنبهة على قدرة الله تعالى القاضية بتجويز البعث :
فمن ذلك هذه الواحدة من الخمس التي هي من مفاتيح الغيب، وهي أن الله تعالى انفرد بمعرفة ما تحمل به الإناث، من الأجنة من كل نوع من الحيوان ؛ وهذه البدأة[(١)](#foonote-١) تبين أنه لا تتعذر على القادر عليها الإعادة. 
و  ما  في قوله : ما تحمل  يصح أن تكون بمعنى الذي، مفعولة  يعلم  ويصح أن تكون مصدرية، مفعولة أيضاً ب  يعلم ، ويصح أن تكون استفهاماً في موضع رفع بالابتداء، والخبر : تحمل  وفي هذا الوجه ضعف[(٢)](#foonote-٢). 
وفي مصحف أبي بن كعب :**«ما تحمل كل أنثى وما تضع »**. 
وقوله : وما تغيض الأرحام  معناه : ما تنقص، وذلك أنه من معنى قوله : وغيض الماء [(٣)](#foonote-٣) \[ هود : ٤٤ \] وهو بمعنى النضوب فهي - هاهنا - بمعنى زوال شيء عن الرحم وذهابه، فلما قابله قوله : وما تزداد  فسر بمعنى النقصان : ثم اختلف المتأولون في صورة الزيادة والنقصان : فقال مجاهد **«غيض الرحم »** أن يهرق دماً على الحمل، وإذا كان ذلك ضعف الولد في البطن وشحب، فإذا أكملت الحامل تسعة أشهر لم تضع وبقي الولد في بطنها زيادة من الزمن يكمل فيها من جسمه وصحته ما نقص بمهراقة الدم، فهذا هو معنى قوله : وما تغيض الأرحام وما تزداد  وجمهور المتأولين على أن غيض الرحم الدم على الحمل. 
وذهب بعض الناس إلى أن غيضه هو نضوب الدم فيه وامتساكه بعد عادة إرساله بالحيض، فيكون قوله : وما تزداد  - بعد ذلك - جارياً مجرى  تغيض  على غير مقابلة، بل غيض الرحم هو بمعنى الزيادة فيه. 
وقال الضحاك : غيض الرحم أن تسقط المرأة الولد، والزيادة أن تضعه لمدة كاملة تاماً في خلقه. 
وقال قتادة : الغيض : السقط، والزيادة : البقاء بعد تسعة أشهر. 
وقوله : وكل شيء عنده بمقدار  لفظ عام في كل ما يدخله التقدير.

١ البدء والبدأة والبدأة والبديئة والبداءة والبداءة كلها بمعنى واحد وهو فعل الشيء أول، وبالنسبة لله تعالى يكون المعنى: هو الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداء من غير سابق مثال. (اللسان)..
٢ إذا كانت \[ما\] اسم موصول كان العائد عليها في صلاتها محذوفا، ويكون \[تغيض\] متعديا، وإذا كانت مصدرية كان كل من \[تغيض\] و\[تزداد\] لازما، وثابت عن العرب سماع تعديتهما ولزومهما، وعلى الإعراب الثالث الذي ضعفه ابن عطية تكون الجملة الاستفهامية في موضع المفعول. و \[تحمل\] هنا بمعنى حمل البطن وليست بمعنى الحمل على الظهر..
٣ من الآية (٤٤) من سورة (هود)..

### الآية 13:9

> ﻿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [13:9]

و  الغيب  : ما غاب عن الإدراكات، و  الشهادة  : ما شهود من الأمور، ووضع المصادر موضع الأشياء التي كل واحد منها لا بد أن يتصف بإحدى الحالتين. 
وقوله : الكبير  صفة تعظيم على الإطلاق، و **«المتعالي »** من العلو. 
واختلفت القراءة في الوقف على **«المتعال »** : فأثبت ابن كثير وأبو عمرو - في بعض ما روي عنه - الياء في الوصل والوقف، ولم يثبتها الباقون في وصل ولا وقف. وإثباتها هو الوجه والباب. واستسهل سيبويه حذفها في الفواصل - كهذه الآية - قياساً على القوافي في الشعر، ويقبح حذفها في غير فاصلة ولا شعر، ولكن وجهه أنه لما كان التنوين يعاقب الألف واللام أبداً، وكانت هذه الياء تحذف مع التنوين، حسن أن تحذف مع معاقبة. 
قال القاضي أبو محمد : ويتصل بهذه الآية فقد يحسن ذكره. فمن ذلك اختلاف الفقهاء في الدم الذي تراه الحامل، فذهب مالك رحمه الله وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وجماعة، إلى أنه حيض. وقالت فرقة عظيمة : ليس حيض، ولو كان حيضاً لما صح استبراء الأمة بحيض وهو إجماع. وروي عن مالك - في كتاب محمد - ما يقتضي أنه ليس بحيض، ومن ذلك أن الأمة مجمعة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وذلك منتزع من قوله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً [(١)](#foonote-١) \[ الأحقاف : ١٥ \] مع قوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين [(٢)](#foonote-٢) \[ البقرة : ٢٣٣ \]. 
وهذه الستة أشهر هي بالأهلة - كسائر أشهر الشريعة - ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك - وأظنه في كتاب ابن حارث - أنه إن نقص من الأشهر الستة ثلاثة أيام، فإن الولد يلحق لعلة نقص الشهور وزيادتها واختلف في أكثر الحمل فقيل تسعة أشهر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف. 
وقالت عائشة وجماعة من العلماء أكثره حولان، وقالت فرقة : ثلاثة أعوام وفي المدونة : أربعة أعوام وخمسة أعوام. وقال ابن شهاب وغيره : سبعة أعوام، ويروى أن ابن عجلان ولدت امرأته لسبعة أعوام، وروي أن الضحاك بن مزاحم بقي حولين - قال : وولدت وقد نبتت ثناياي، وروي أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر.

١ من الآية (١٥) من سورة (الأحقاف)..
٢ من الآية (٢٣٣) من سورة (البقرة)..

### الآية 13:10

> ﻿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [13:10]

وقوله تعالى : سواء منكم  الآية : سواء  مصدر وهو يطلب بعده شيئين يتماثلان. ورفعه على خبر الابتداء الذي هو **«من »** والمصدر لا يكون خبراً إلا بإضمار كما قالت الخنساء :\[ البسيط \] :
\*\*\* فإنما هي إقبال وإدبار[(١)](#foonote-١)
أي ذات إقبال وإدبار. فقالت فرقة هنا : المعنى : ذو سواء، وقال الزجاج كثر استعمال سواء في كلام العرب حتى جرى مجرى اسم الفاعل فلا يحتاج إلى إضمار. 
قال القاضي أبو محمد : هو عندي كعدل وزور وضيف. 
وقالت فرقة : المعنى : مستوٍ منكم، فلا يحتاج إلى إضمار. 
قال القاضي أبو محمد : وضعف هذا سيبويه بأنه ابتداء بنكرة[(٢)](#foonote-٢). 
ومعنى هذه الآية : معتدل منكم في إحاطة الله تعالى وعلمه من أسر قوله فهمس به في نفسه،  ومن جهر به  فأسمع، لا يخفى على الله تعالى شيء. 
وقوله تعالى : ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار  معناه : من هو بالليل في غاية الاختفاء، ومن هو متصرف بالنهار ذاهب لوجهه، سواء في علم الله تعالى وإحاطته بهما. وذهب ابن عباس ومجاهد إلى معنى مقتضاه : أن **«المستخفي والسارب »** هو رجل واحد مريب بالليل، ويظهر بالنهار البراءة في التصرف مع الناس. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا قسم واحد جعل الليل نهار راحته، والمعنى : هذا والذي أمره كله واحد بريء من الرب سواء في اطلاع الله تعالى على الكل، ويؤيد هذا التأويل عطف السارب دون تكرار  من  ولا يأتي حذفها إلا في الشعر و ****«السارب »**** - في اللغة - المتصرف كيف شاء، ومن ذلك قول الشاعر :\[ الأخنس بن شهاب الثعلبي \] \[ الطويل \]
أرى كل قوم كاربوا قيد محلهم. . . ونحن حللنا قيده فهو سارب[(٣)](#foonote-٣)
أي متصرف غير مدفوع عن جهة، هذا رجل يفتخر بعزة قومه، ومن ذلك قول الآخر :\[ قيس بن الخطيم \] \[ الكامل \]
إني سربت وكنت غير سروب \*\*\*وتقرب الأحلام غير قريب[(٤)](#foonote-٤)
وتحتمل الآية أن تتضمن ثلاثة أصناف : فالذي يسر طرف، والذي يجهر طرف مضاد للأول، والثالث : متوسط متلون : يعصي بالليل مستخفياً، ويظهر البراءة بالنهار. و  القول  في الآية يطرد معناه في الأعمال. 
وقال قطرب - فيما حكى الزجاج -  مستخف  معناه : الظاهر من قولهم خفيت الشيء إذا أظهرته. 
قال القاضي أبو محمد : قال امرؤ القيس :\[ الطويل \]

خفاهن من أنفاقهن كأنما  خفاهن ودق من عشي مجلّب[(٥)](#foonote-٥)قال : و  سارب  معناه : متوار في سرب. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا القول - وإن كان تعلقه باللغة بيناً- فضعيف، لأن اقتران الليل ب **«المستخفي »**، والنهار ب ****«السارب »**** - يرد على هذا القول. 
١ هذا عجز بيت قالته الخنساء ضمن أبيات في تصوير حيرتها وقلقها وآلامها لفقد أخيها، وشبهت نفسها بناقة فقدت وليدها فهي في حنين وشوق، وكلما نسيت عادت فتذكرت ورجعت إلى آلامها وحيرتها، والبيت بتمامه مع بيت آخر قبله:
 فما عجول على َبِّو تطيف به لها حنينان إصغار وإكبار
 ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وإدبار
 والبو هو الُحوار الصغير، والإصغار: الحنين إذا خفضته، والإكبار: الحنين إذا رفعته، ورتعت: رعت في خصب وسعة..
٢ علق أبو حيان في "البحر المحيط" على ذلك فقال: "وهو لا يصح، بل يجوز أن يكون \[سواء\] مبتدأ لأنه موصوف بقوله: \[منكم\] ومن المعطوف الخبر، وكذا أعرب سيبويه قول العرب: "سواء عليه الخير والشر"..
٣ هذا البيت للأخنس بن شهاب التغلبي، ورواه اللسان:
 وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده فهو سارب
 وقد روى صاحب اللسان عن الأصمعي قوله: "هذا مثل، يريد أن الناس أقاموا في موضع واحد لا يجترئون على النقلة إلى غيره، وقاربوا قيد فحلهم، أي: حبسوا فحلهم عن أن يتقدم فتتبعه إبلهم خوفا أن يغار عليها، ونحن أعزاء نقتري الأرض، نذهب فيها حيث نشاء، فنحن قد خلعنا قيد فحلنا ليذهب حيث شاء، فحيثما نزع إلى غيث تبعناه"..
٤ الشاعر هو قيس بن الخطيم، وقد نقل صاحب اللسان عن ابن دريد قوله: "سربت" بباء موحدة، لقوله: (وكنت غير سروب)، ومن رواه سريت بالياء باثنتين فمعناه: كيف سريت ليلا وأنت لا تسربين نهارا؟"..
٥ البيت في وصف فرس، والأنفاق جمع نفق، وهو سرب في الأرض إلى موضع آخر، واستعاره امرؤ القيس لحجرة الفئران، والودق: المطر، والغيث المجلب: المصوت، ويروى المحلب بالحاء المهملة، وفي رواية اللسان: "ودق من سحاب مركب". ورواية ابن عطية هي الثابتة في شعر امرىء القيس..

### الآية 13:11

> ﻿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [13:11]

اختلف المتأولون في غير عود الضمير من  له  : فقالت فرقة : هو عائد على اسم الله عز وجل المتقدم ذكره، و **********«المعقبات »********** - على هذا الملائكة الحفظة على العباد أعمالهم، والحفظة لهم أيضاً - قاله الحسن، وروى فيه عثمان بن عفان حديثاً[(١)](#foonote-١) عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول مجاهد والنخعي - والضمير على هذا في قوله : يديه  وما بعده من الضمائر عائد على العبد المذكور في قوله : من هو مستخف  \[ الرعد : ١٠ \] و  من أمر الله  يحتمل أن يكون صفة ل  معقبات  ويحتمل أن يكون المعنى : يحفظونه من كل ما جرى القدر باندفاعه، فإذا جاء المقدور الواقع أسلم المرء إليه. 
وقال ابن عباس أيضاً[(٢)](#foonote-٢) : الضمير في  له  عائد على المذكور في قوله  من هو مستخف بالليل  \[ الرعد : ١٠ \] وكذلك باقي الضمائر التي في الآية، قالوا[(٣)](#foonote-٣) : و  معقبات  - على هذا - حرس الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه[(٤)](#foonote-٤)، قالوا : والآية - على هذا - في الرؤساء الكافرين، واختار هذا القول الطبري، وهو قول عكرمة وجماعة، قال عكرمة : هي المواكب خلفه وأمامه. 
قال القاضي أبو محمد : ويصح على التأويل الأول الذي قبل هذا أن يكون الضمير في  له  للعبد المؤمن على معنى جعل الله له. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل عندي أقوى[(٥)](#foonote-٥)، لأن غرض الآية إنما هو التنبيه على قدرة الله تعالى، فذكر استواء  من هو مستخف  \[ الرعد : ١٠ \] ومن هو  سارب  \[ الرعد : ١٠ \] وأن  له معقبات  من الله تحفظه في كل حال، ثم ذكر أن الله تعالى لا يغير هذه الحالة من الحفظ للعبد حتى يغير ما بنفسه. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى كلا التأويلين ليست الضمائر لمعين من البشر. 
وقال عبد الرحمن بن زيد : الآية في النبي عليه السلام، ونزلت في حفظ الله له من أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل في القصة التي ستأتي بعد هذا في ذكر الصواعق. 
قال القاضي أبو محمد : وهذه الآية وإن كانت بألفاظها تنطبق على معنى القصة فيضعف القول : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتقدم له ذكر فيعود الضمير في  له  عليه. 
و **********«المعقبات »********** : الجماعات التي يعقب بعضها بعضاً، فعلى التأويل الأول هي الملائكة، وينظر هذا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة المغرب والصبح »**[(٦)](#foonote-٦)، وعلى التأويل الثاني : هي الحرس والوزعة الذين للملوك. 
و  معقبات  جمع معقبة وهي الجماعة التي تأتي بعد الأخرى، والتعقيب - بالجملة - أن تكون حال تعقبها حال أخرى من نوعها، وقد تكون من غير النوع، ومنه معاقبة الركوب ومعاقبة الجاني ومعقب عقبة القدر والمعاقبة في الأزواج، ومنه قول سلامة بن جندل :\[ البسيط \]
وكرّنا الخيل في آثارهم رجعاً\*\*\*كسر السنابك من بدء وتعقيب[(٧)](#foonote-٧)
وقرأ عبيد الله بن زياد على المنبر :**«له معاقيب »** قال أبو الفتح : هو تكسير معقب. 
قال القاضي أبو محمد : بسكون العين وكسر القاف كمطعم ومطاعيم، ومقدم ومقاديم. 
وهي قراءة أبي البرهسم - فكأن معقباً جمع على معاقبة ثم جعلت الياء في معاقيب عوضاً من الهاء المحذوفة في معاقبة، والمعقبة ليست جمع معقب - كما ذكر ذلك الطبري وشبه ذلك برجل ورجال ورجالات، وليس الأمر كما ذكر لأن تلك كجمل وجمالات، ومعقبة ومعقبات إنما هي كضاربة وضاربات[(٨)](#foonote-٨). 
وفي قراءة أبيّ بن كعب **«من بين يديه ورقيب من خلفه »**، وقرأ ابن عباس :**«ورقباء من خلفه »**، وذكر عنه أبو حاتم أنه قرأ :**«معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله »**. 
وقوله : يحفظونه  يحتمل معنيين :
أحدهما : أن يكون بمعنى يحرسونه، ويذبون عنه : فالضمير محمول ليحفظ. 
والمعنى الثاني أن يكون بمعنى حفظ الأقوال وتحصيلها، ففي اللفظة حينئذ حذف مضاف تقديره : يحفظون أعماله، ويكون هذا حينئذ من باب  واسأل القرية [(٩)](#foonote-٩) \[ يوسف : ٨٢ \] وهذا قول ابن جريج. 
وقوله : من أمر الله  من جعل  يحفظونه  بمعنى يحرسونه كان معنى قوله : من أمر الله  يراد به **********«المعقبات »**********، فيكون في الآية تقديم وتأخير، أي **«له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه »** قال أبو الفتح : ف  من أمر الله  في موضع رفع لأنه صفة لمرفوع وهي **********«المعقبات »**********. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل هذا التأويل في قوله : من أمر الله  مع التأويل الأول في  يحفظونه . 
ومن تأول الضمير في  له  عائد على العبد، وجعل **********«المعقبات »********** الحرس، وجعل الآية في رؤساء الكافرين - جعل قوله  من أمر الله  بمعنى يحفظونه بزعمه من قدر الله، ويدفعونه في ظنه، عنه، ذلك لجهالته بالله تعالى. 
قال القاضي أبو محمد : وبهذا التأويل جعلها المتأول في الكافرين. قال أبو الفتح : ف  من أمر الله  على هذا في موضع نصب، كقولك حفظت زيداً من الأسد، فمن الأسد معمول لحفظت وقال قتادة : معنى  من أمر الله  : بأمر الله، أي يحفظونه مما أمر الله، وهذا تحكم في التأويل، وقال قوم : المعنى الحفظ من أمر الله، وقد تقدم نحو هذا. 
وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وعكرمة وجعفر بن محمد :**«يحفظونه بأمر الله »**[(١٠)](#foonote-١٠). 
ثم أخبر تعالى أنه لا يغير ما بقوم - بأن يعذبهم ويمتحنهم معاقباً - حتى يقع منهم تكسب للمعاصي وتغيير ما أمروا به من طاعة. 
وهذا موضع تأمل لأنه يداخل هذا الخبر ما قررت الشريعة من أخذ العامة بذنوب الخاصة، ومنه قوله تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [(١١)](#foonote-١١) \[ الأنفال : ٢٥ \] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم - وقد قيل له : يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون ؟ - قال :**«نعم إذا كثر الخبث »**[(١٢)](#foonote-١٢) إلى أشياء كثيرة من هذا. 
فقوله تعالى في هذه الآية : لا يغير ما بقوم حتى يغيروا  معناه حتى يقع تغيير إما منهم وإما من الناظر إليهم أو ممن هو منهم بسبب، كما غير الله تعالى بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة. 
فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير، وثم أيضاً مصائب يريد الله بها أجر المصائب فتلك ليست تغييراً. 
ثم أخبر تعالى أنه  إذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له  ولا حفظ منه، وهذا جرى في طريقة التنبيه على قدرة الله تعالى وإحاطته، والسوء والخير بمنزلة واحدة في أنهما إذا أرادهما الله بعبد لم يردا، لكنه خص السوء بالذكر ليكون في الآية تخويف، واختلف القراء في - وال - فأماله بعضهم ولم يمله بعضهم، والوالي الذي يلي أمر الإنسان كالولي هما من الولاية كعليم وعالم من العلم.

١ الحديث رواه ابن جرير الطبري عن كنانة العدوي، قال: دخل عثمان بن عفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله، أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ قال: ملك على يمينك على حسناتك، وهو أمير على الذي على الشمال، فإذا عملت حسنة كتبت عشرا، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: أكتب؟ قال: لا، لعله يستغفر الله ويتوب، فإذا قال ثلاثا قال: نعم، اكتب أراحنا الله منه، فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله، وأقل استحياءه منا، يقول الله: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وملكان من بين يديك و من خلفك، يقول الله: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد، وملك قائم على فيك لا يدع الحية تدخل في فيك، وملكان على عينك، فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي، ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي، وإبليس بالنهار وولده بالليل)..
٢ قال: (أيضا) لأن ابن عباس روى عنه القول الأول، ورويت عنه أقوال أخرى كثيرة..
٣ يريد أصحاب هذا القول، وقد أشار بعد ذلك إلى أن منهم عكرمة وجماعة..
٤ الجلاوزة: الشرطة، والمفرد: جلوز وجلواز (المعجم الوسيط)..
٥ في بعض النسخ: "وغير هذا التأويل عندي أقوى"..
٦ أخرجه البخاري في المواقيت والتوحيد، ومسلم في المساجد، والنسائي في الصلاة، و مالك في الموطـأ في السفر، وأحمد في مسنده (٢ – ٢٥٧، ٣١٢، ٤٨٦). ولفظه كما في صحيح مسلم: (عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون)..
٧ قال سلامة بن جندان هذا البيت من قصيدة يرثي فيها شبابه، يفخر بنفسه وبقومه، ويذكر بعض المواقع ويعدد الأسلحة ويصف القتال، والرواية: "وكرنا خيلنا أدراجها..."، والأدراج: الطرق، ويقال: رجع على أدراجه بمعنى: رجع إلى المواضع التي جاء منها، ومعنى:**« ُكس السنابك»** أن السنابك تحاتت وأكلتها الطريق لطولها، والسنابك جمع سنبك وهو مقدم الحافر، والتعقيب: الرجوع. والشاعر جاهلي مقل وإسمه: سلامة بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تميم، وهو من الفرسان المعدودين، وتتمثل في شعره خشونة الصحراء..
٨ قال أبو حيان في "البحر " "وينبغي أن يتأول كلام الطبري على أنه أراد بقوله: "جمع معقب" أنه أطلق من حيث الاستعمال على جمع "معقب" وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث "معقب"، وصار مثل "الواردة" للجماعة الذين يردون وإن كان أصله أن يطلق على مؤنث "وارد"، وتشبيه الطبري ذلك برجل ورجال ورجالات من حيث المعنى لا من حيث صناعة النحويين، فبين أن "معقبة" من حيث أريد به الجمع كرجال من حيث وضع للجمع، وأن "معقبات" من حيث استعمل جمعا " لمعقبة" المستعمل للجمع كرجالات الذي هو جمع رجال". (البحر المحيط ٥ـ٣٧٢)..
٩ من الآية (٨٢) من سورة (يوسف)..
١٠ تعليق ابن عطية على قول قتادة بأنه تحكم في التأويل علق عليه أبو حيان في "البحر" فقال: "وليس بتحكم وورود (من) للسبب ثابت من لسان العرب، تقول: كسوته من عري وعن عري، ويكون معنى (من) و معنى (الباء) سواء كأنه قيل: يحفظونه بأمر الله وبإذنه، فحفظهم إياه متسبب عن أمر الله لهم بذلك"..
١١ من الآية (٢٥) من سورة (الأنفال)..
١٢ أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه في الفتن، والإمام أحمد في مسنده (٦ـ٤٢٨)، ومالك في الموطأ، ولفظه كما في صحيح مسلم: عن زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من نومه وهو يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)، وعقد سفيان بيده عشرة ـ سفيان راوي الحديث ـ قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث)، وكلمة "الخبث" يمكن ضبطها بفتح الحاء والباء، ويمكن ضبطها بضم الحاء وسكون الباء ويكون معناها: الفسق والفجور..

### الآية 13:12

> ﻿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [13:12]

وقوله تعالى : هو الذي يريكم  الآية، هذه آية تنبيه على القدرة، و  البرق  روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مخراق بيد ملك يزجر به السحاب[(١)](#foonote-١)، وهذا أصح ما روي فيه، وروي عن بعض العلماء أنه قال : البرق : اصطكاك الأجرام، وهذا عندي مردود، وقال أبو الجلد : البرق - في هذه الآية - الماء، وذكره مكي عن ابن عباس. 
قال القاضي أبو محمد : ومعنى هذا القول : أنه لما كان داعية الماء، وكان خوف المسافرين من الماء وطمع المقيمين فيه عبر - في هذا القول - عنه بالماء. 
وقوله : خوفاً وطمعاً  - من رأى ذلك في الماء فهو على ما تقدم، والظاهر أن الخوف إنما هو من صواعق البرق - والطمع في المطر الذي يكون معه، وهو قول الحسن، و  السحاب  جمع سحابة، ولذلك جمع الصفة - و  الثقال  معناه : بحمل الماء، وبذلك فسر قتادة ومجاهد، والعرب تصفها بذلك، ومنه قول قيس بن الخطيم :\[ المتقارب \]. 
فما روضة من رياض القطا\*\*\*كأن المصابيح حواذنُها
بأحسن منها ولا مزنة\*\*\*دلوح تكشف أدجانُها[(٢)](#foonote-٢)
والدلوح : المثقلة.

١ الذي وجدناه في المراجع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك عن "الرعد" وصوته، وقد أخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: والله على ما نقول وكيل، قال: هاتوا، قالوا: أخبرنا عن علامة النبي، قال: تنام عينه ولا ينام قلبه، قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر، قال: يلتقي الماءان فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت، قالوا: أخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه، فقال: كان يشتكي عرق النسا فلم يجد شيئا يلائمه إلا ألبان كذا وكذاـ يعنى الإبل ـ فحرم لحومها، قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب بيده مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله، قالوا: فماذا الصوت الذي نسمع؟ قال: صوته، قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة وهو أن نتابعك إن أخبرتنا، إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل، قالوا: جبريل ذلك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والمطر لكان، فأنزل الله: قل من كان عدوا لجبريل إلى آخر الآية. راجع : الدر المنثور، وفتح القدير، ومسند الإمام أحمد (١ـ٢٧٤)، أما النص الذي ذكره ابن عطية وفيه لفظ البرق فقد أخرجه أبو الشيخ عن مجاهد، ذكر ذلك في الدر المنثور..
٢ قيس بن الحطيم بن عدي بن حارثة الغطريف، كان شاعر الأوس وبينه وبين حسان ابن ثابت منافسات، قدم مكة فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وتلا عليه القرآن، فقال: إني لاسمع قولا عجبا فدعني أنظر في أمري هذه السنة وأعود، فمات قبل الحول، وهو في شعره يجري مجرى الجاهليين. والقطا: جمع قطاة، وهو نوع من اليمام يؤثر الحياة في الصحراء، ويتخذ أفحوصة في الأرض، ويطير في جماعات، ويقطع مسافات شاسعة، وبيضه مرقط. والمزن: السحاب يحمل الماء والواحدة مزنة، والأدجان جمع دجن، وهو ظل الغيم في اليوم المطير حين يكسو الأرض، وقد قال قيس بن الخطيم البيتين من قصيدة ظل يرد بها على حسان حين تعرض لأخت قيس في إحدى قصائده..

### الآية 13:13

> ﻿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [13:13]

و  الرعد  ملك يزجر  السحاب  بصوته، وصوته - هذا المسموع - تسبيح - و  الرعد  اسم الملك : وقيل :******«الرعد »****** اسم صوت الملك وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سمع ******«الرعد »****** قال :
**«اللهم لا تهلكنا بغضبك ولا تقتلنا بعذابك وعافنا قبل ذلك »**[(٣)](#foonote-٣) وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره : أنهم كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا : سبحان من سبحت له وروي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع ******«الرعد »****** قال :**«سبحان من سبح الرعد بحمده[(٤)](#foonote-٤) »** وقال ابن أبي زكرياء : من قال - إذا سمع الرعد - سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة. 
وقيل في الرعد أيضاً إنه ريح تختنق بين السحاب - روي ذلك عن ابن عباس في غير ما ديوان. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا عندي فيه نظر، لأنها نزعات الطبيعيين وغيرهم. 
وروي أيضاً عن ابن عباس : أن الملك إذا غضب وزجر السحاب اصطدمت من خوفه فيكون البرق، وتحتكّ فتكون الصواعق. 
وقوله : ويرسل الصواعق  الآية - قيل : إنه أدخلها في التنبيه على القدرة بغير سبب ساق ذلك. وقال ابن جريج : كان سبب نزولها قصة أربد أخي لبيد بن ربيعة لأمِّة وعامر بن الطفيل، وكان من أمرهما - فيما روي - أنهما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه إلى أن يجعل الأمر بعده إلى عامر بن الطفيل ويدخلا في دينه - فأبى، فقال عامر : فتكون أنت على أهل الوبر[(١)](#foonote-١)، وأنا على أهل المدر - فأبى، فقال له عامر : فماذا تعطيني ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :**«أعطيك أعنة الخيل، فإنك رجل فارس »** ؛ فقال له عامر : والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً حتى آخذك ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«يأبى الله ذلك وأبناء قيلة »**[(٢)](#foonote-٢) ؛ فخرجا من عنده، فقال أحدهما لصاحبه : لو قتلناه ما انتطح فيه عنزان، فتآمر في الرجوع لذلك، فقال عامر لأربد : أنا أشغله لك بالحديث واضربه أنت بالسيف ؛ فجعل عامر يحدثه وأربد لا يصنع شيئاً ؛ فلما انصرفا قال له عامر : والله يا أربد لا خفتك أبداً ولقد كنت أخافك قبل هذا، فقال له أربد : والله لقد أردت إخراج السيف فما قدرت على ذلك، ولقد كنت أراك بيني وبينه أفأضربك ؟ فمضيا للحشد على النبي صلى الله عليه وسلم فأصابت أربد صاعقة فقتلته، ففي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخوه :
أخشى على أربد الحتوف ولا\*\*\*أرهب نوء السماك والأسد
فجعني الرعد والصواعق بال\*\*\* فارس يوم الكريهة النجد[(٣)](#foonote-٣)
فنزلت الآية في ذلك. 
وروي عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه أن جباراً من جبابرة العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم فقال : أخبروني عن إله محمد أمن لؤلؤ هو أو من ذهب ؟ فنزلت عليه صاعقة ونزلت الآية فيه[(٤)](#foonote-٤). 
وقال مجاهد : إن بعض اليهود جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناظره، فبينما هو كذلك إذ نزلت صاعقة فأخذت قحف رأسه فنزلت الآية فيه. 
وقوله : وهم يجادلون في الله  يجوز أن تكون إشارة إلى جدال اليهودي المذكور، وتكون الواو واو حال ؛ أو إلى جدال الجبار المذكور. ويجوز - إن كانت الآية على غير سبب - أن يكون قوله : وهم يجادلون في الله  إشارة إلى جميع الكفرة من العرب وغيرهم، الذين جلبت لهم هذه التنبيهات. 
و  المحال  : القوة والإهلاك، ومنه قول الأعشى :\[ الخفيف \]

فرع نبع يهتز في غصن المج  د عظيم الندى شديد المحال[(٥)](#foonote-٥)**ومنه قول عبد المطلب :**
لا يغلبن صليبهم\*\*\*ومحالهم عدواً محالك[(٦)](#foonote-٦)
وقرأ الأعرج والضحاك **«المَحال »** بفتح الميم بمعنى المحالة، وهي الحيلة، ومنه قول العرب في مثل : المرء يعجز لا المحالة، وهذا كالاستدراج والمكر ونحوه وهذه استعارات في ذكر الله تعالى، والميم إذا كسرت أصلية، وإذا فتحت زائدة، ويقال : محل الرجل بالرجل إذا مكر به وأخذه بسعاية شديدة[(٧)](#foonote-٧). 
١ أهل المدر: سكان البيوت المبنية، وأهل الوبر: سكان الخيام من البدو..
٢ يريد: الأوس والخزرج..
٣ كان أربد قد وقد على الرسول صلى الله عليه وسلم في عام الوفود مع عامر بن الطفيل وجابر بن سلمى بن مالك، ولم يوفقهم الله للإسلام، وفي عودتهم توفي عامر بالطاعون، وأصابت أربد صاعقة فقتلته حرقا، وقد قيل: إن أربد لم يكن شقيقا للبيد بن ربيعة وإنما هو أخوه لأمه، واسمه أربد بن قيس بن جزء.
 والحتف: الهلاك، وجمعه حتوف، والنوء: النجم في السماء إذا مال للغروب، وجمعه أنواء، والنجد: البطل ذو النجدة. يقول لبيد: كنت أخشى على أربد كل سبب من أسباب الهلاك فقد كان يتعرض لها كلها إلا سببا واحدا لم أكن أخافه ولا أخشاه وهو أن يموت بصاعقة من السماء، ثم يتحدث عن فجيعته في هذا الفارس المعروف بالشهامة والنجدة في يوم الكريهة وعند الشدة..
٤ أخرجه ابن جرير، والخرائطي في مكارم الأخلاق ـ وأخرج مثله النسائي، و البزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل ـ عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الجبار قد ذهب إليه ثلاث مرات، وفي كل مرة يتعاظم ويتكبر..
٥ البيت من قصيدته المشهورة التي قالها يمدح الأسود بن المنذر اللخمي، و مطلعها: 
 ما بكاء الكبير بالأطلال و سؤالي، فهل ترد سؤالي؟
 ورواية الديوان "غزير الندى"، والمحال: المكر والقوة، ويمكن أن يراد به العقوبة، ومنه قول ذي الرمة:
 ولبس بين أقوام فكل أعد له الشغازب والمحالا
 والشغزبية: ضرب من الحيلة في الصراع، وهي أن تلوي برجلك رجله..
٦ وقبله يقول عبدالمطلب:
 لا هم إن المرء يم نع رحله فامنع ِحلالك
 والحلال بالكسر: القوم المقيمون المتجاورون، يريد بهم سكان الحرم، ويروى: "غدرا"، والغدر معروف، ويروى: "أبدأ محالك"، هكذا رواه في "البحر المحيط"..
٧ معناه: لا تضيق الحيل ومخارج الأمور إلا على العاجز (مجمع الأمثال للميداني)، وكلمة (ذكر) وردت في بعض الأصول، والأولى أن تحذف، فالمعنى أسلم والتعبير أصح بدونها..

### الآية 13:14

> ﻿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [13:14]

الضمير في  له  عائد على اسم الله عز وجل، وقال ابن عباس : دعوة الحق  : لا إله إلا الله. 
قال القاضي أبو محمد : وما كان من الشريعة في معناها. 
وقال علي بن أبي طالب : دعوة الحق  : التوحيد. ويصح أن يكون معناها له دعوة العباد بالحق، ودعاء غيره من الأوثان باطل. 
وقوله : والذين  يراد به ما عبد من دون الله، والضمير في  يدعون  لكفار قريش وغيرهم من العرب. . 
وروى اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء :**«تدعون من دونه »** بالتاء من فوق، و  يستجيبون  بمعنى يجيبون، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
وداع دعا : يا من يجيب إلى النِّدا. . . فلم يستجبه عند ذاك مجيب[(١)](#foonote-١)
ومعنى الكلام : والذين يدعوهم الكفار في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبون بشيء. ثم مثل تعالى مثالاً لإجابتهم بالذي يبسط  كفيه  نحو الماء ويشير إليه بالإقبال إلى فيه، فلا يبلغ فمه أبداً، فكذلك إجابة هؤلاء والانتفاع بهم لا يقع[(٢)](#foonote-٢). وقوله : هو  يراد به الماء، وهو البالغ، والضمير في **«بالغة »** للفم، ويصح أن يكون  هو  يريد به الفم وهو البالغ أيضاً، والضمير في **«بالغه »** للماء، لأن الفم لا يبلغ الماء أبداً على تلك الحال. 
ثم أخبر تعالى عن  دعاء الكافرين  أنه في انتلاف و  ضلال  لا يفيد فيه شيئاً ولا يغنيه.

١ قال هذا البيت كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار، وبعده يقول:
 فقلت ادع أخرى وارفع الصوت رفعة لعل أبا المغوار منك قريب..
٢ العرب تضرب مثلا لمن سعى فيما لا يدركه بالقابض على الماء، قال ضابي بن الحارث البرجمي:
 فإني وإياكم وشوقا إليكم كقابض ماء لم تسقه أنامله
 أي: لم تحمله أنامله، وروي: "لم تطعه"، يعني أنه ليس في يده من ذلك إلا كما في يد القابض على الماء، والقابض على الماء ليس في يده شيء، وقال آخر: 
 فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد.

### الآية 13:15

> ﻿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۩ [13:15]

وقول تعالى : ولله يسجد  الآية، يحتمل ظاهر هذه الألفاظ : أنه جرى في طريق التنبيه على قدرة الله، وتسخر الأشياء له فقط، ويحتمل أن يكون في ذلك طعن على كفار قريش وحاضري محمد عليه السلام، أي إن كنتم لا توقنون ولا تسجدون، فإن جميع  من في السماوات والأرض  لهم سجود لله تعالى : وإلى هذا الاحتمال نحا الطبري. 
قال القاضي أبو محمد : و  من  تقع على الملائكة عموماً، وسجودهم طوع بلا خلاف، وأما أهل الأرض فالمؤمنون منهم داخلون في  من  وسجودهم طوع، وأما سجود الكفرة فهو الكره، وذلك على نحوين من هذا المعنى :
فإن جعلنا السجود هذه الهيئة المعهودة فالمراد من الكفرة من يضمه السيف إلى الإسلام -كما قال قتادة - فيسجد كرهاً، إما نفاقاً، وإما أن يكون الكره أول حاله فتستمر عليه الصفة، وإن صح إيمانه بعد. 
وإن جعلنا السجود الخضوع والتذلل - على حسب ما هو في اللغة كقول الشاعر :
\*\*\*ترى الأكم فيه سجداً للحوافر[(١)](#foonote-١). . . 
فيدخل الكفار أجمعون في  من  لأنه ليس من كافر إلا وتلحقه من التذلل والاستكانة بقدرة الله أنواع اكثر من أن تحصى بحسب رزاياه واعتباراته. 
وقال النحاس والزجاج : إن الكره يكون في سجود عصاة المؤمنين وأهل الكسل منهم. 
قال القاضي أبو محمد : وإن كان اللفظ يقتضي هذا فهو قلق من جهة المعنى المقصود بالآية. 
وقوله : وظلالهم بالغدو والآصال ، إخبار عن أن الظلال لها سجود لله تعالى بالبكر والعشيات. قال الطبري : وهذا كقوله تعالى : أولم يروا إلى ما خلق من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله [(٢)](#foonote-٢) \[ النحل : ٤٨ \] قال : وذلك هو فيئه بالعشي وقال مجاهد : ظل الكافر يسجد طوعاً وهو كاره. وقال ابن عباس : يسجد ظل الكافر حين يفيء عن يمينه وشماله، وحكى الزجاج أن بعض الناس قال :**«الظلال »** هنا يراد به الأشخاص - وضعفه أبو إسحاق. 
و  الآصال  جمع أصيل[(٣)](#foonote-٣). وقرأ أبو مجلز :**«والإيصال »** قال أبو الفتح : هو مصدر أصلنا أي دخلنا في الأصيل، كأصبحنا وأمسينا. 
وروي أن الكافر إذا سجد لصنمه فإن ظله يسجد لله تعالى حينئذ.

١ هذا عجز بيت قاله زيد الخيل، والبيت بتمامه:
 بجمع تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجدا للحوافر
 والبلق: سواد وبياض، يقال فرس أبلق، وهي بلقاء، والعرب تقول: دابة أبلق وجبل أبرق، والحجرات: الجوانب، والأكمة: التل المرتفع، و الجمع: أكمات وأكم، وجمع الأكم إكام مثل جبل وجبال، وجمع الإكام أكم مثل كتاب وكتب، وجمع الأكم آكام مثل عنق وأعناق..
٢ من الآية (٤٨) من سورة (النحل)..
٣ قال ابن جرير في تفسيره: والآصال جمع أصل، والأصل جمع أصيل، والأصيل هو العشي، وهو ما بين العصر إلى مغرب الشمس، قال أبو ذؤيب الهذلي:
 لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل
 واستشهد أيضا بهذا البيت أبو عبيدة في (مجاز القرآن) على أن آصال جمع أصل، وأصل جمع أصيل، فآصال جمع الجمع، وبهذا أيضا قال الزجاج..

### الآية 13:16

> ﻿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [13:16]

وقوله : قل : من رب السماوات  الآية، جاء السؤال والجواب في هذه الآية من ناحية واحدة، إذ كان السؤال والتقرير على أمر واضح لا مدافعة لأحد فيه ملزم للحجة، فكان السبق إلى الجواب أفصح في الاحتجاج وأسرع في قطعهم من انتظار الجواب منهم، إذ لا جواب إلا هذا الذي وقع البدار إليه[(١)](#foonote-١)، وقال مكي : جهلوا الجواب وطلبوه من جهة السائل فأعلمهم به السائل، فلما تقيد من هذا كله أن الله تعالى هو  رب السماوات والأرض  وقع التوبيخ على اتخاذهم  من دونه أولياء  متصفين بأنهم لا ينفعون أنفسهم ولا يضرونها، وهذه غاية العجز، وفي ضمن هذا الكلام : وتركتموه وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ولفظة : من دونه  تقتضي ذلك. 
ثم مثل الكفار والمؤمنين بعد هذا بقوله : قل هل يستوي الأعمى والبصير . 
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم :**«تستوي الظلمات »** بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم :**«يستوي »** بالياء، فالتأنيث حسن لأنه مؤنث لم يفصل بينه وبين عامله شيء. والتذكير شائع لأنه تأنيث غير حقيقي، والفعل مقدم[(٢)](#foonote-٢). 
وشبهت هذه الآية الكافر ب  الأعمى . والكفر ب  الظلمات  وشبهت المؤمن ب  البصير  والأيمان ب  النور  : ثم وقفهم بعد : هل رأوا خلقاً لغير الله فحملهم ذلك واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا إلهاً غير الله ؟ ثم أمر محمداً عليه السلام بالإفصاح بصفات الله تعالى في أنه  خالق كل شيء  وهذا عموم في اللفظ يراد به الخصوص في كل ما هو خلق الله تعالى. قال القاضي ابن الطيب وأبو المعالي وغيرهما من الأصوليين : ويخرج عن ذلك صفات ذاته - لا رب غيره - والقرآن، ووصف نفسه ب  الواحد القهار  من حيث لا موجود إلا به، وهو في وجوده مستغن عن الموجودات لا إله إلا هو العلي العظيم.

١ ومثل هذا قوله تعالى: قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله..
٢ \[أم\] في قوله تعالى: أم تستوي الظلمات والنور منقطعة، فهي تقدر بـ (بل والهمزة)، فالتقدير: "بل أهل تستوي"، و (هل) وإن نابت عن (الهمزة) إلا أنها تأتي معها كما في قول الشاعر: "أهل رأونا بوادي القفر ذي الأكم"، فإذا جاءت معها صريحة كان من باب أولى أن تأتي مع \[أم\] المتضمنة لها، قال ذلك صاحب البحر المحيط (٥ ـ ٣٧٩)..

### الآية 13:17

> ﻿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ [13:17]

صدر هذه الآية تنبيه على قدرة الله، وإقامة الحجة على الكفرة به، فلما فرغ ذكر ذلك جعله مثالاً للحق والباطل، والإيمان والكفر، والشك في الشرع واليقين به. 
وقوله : أنزل من السماء ماء  يريد به المطر، و **«الأودية »** ما بين الجبال من الانخفاض والخنادق، وقوله : بقدرها  يحتمل أن يريد بما قدر لها من الماء، ويحتمل أن يريد بقدر ما تحتمله على قدر صغرها وكبرها. 
وقرأ جمهور الناس :**«بقدَرها »** بفتح الدال، وقرأ الأشهب العقيلي :**«بقدْرها »** بسكون الدال. 
و **«الزبد »** ما يحمله السيل من غثاء ونحوه وما يرمي به ضفتيه من الجباب الملتبك[(١)](#foonote-١) به، ومنه قول حسان بن ثابت :
ما البحر حينَ تهبُّ الريحُ شاميةً. . . فيغطئلُّ ويرمي العبر بالزبد[(٢)](#foonote-٢)
و **«الرابي »** : المنتفخ الذي قد ربا، ومنه الربوة. 
وقوله : ومما  خبر ابتداء، والابتداء قوله : زبد ، و  مثله  نعت ل  زبد . 
والمعنى : ومن الأشياء التي  توقدون  عليها ابتغاء الحلي وهي الذهب والفضة، ابتغاء الاستمتاع بما في المرافق، وهي الحديد والرصاص والنحاس ونحوها من الأشياء التي  توقدون  عليها، فأخبر تعالى أن من هذه إذا أحمي عليها يكون  زبد  مماثل للزبد الذي حمله السيل، ثم ضرب تعالى ذلك مثالاً ل  الحق والباطل  أي أن الماء الذي تشربه الأرض من السيل فيقع النفع به هو **«كالحق »** - و  الزبد  الذي يجمد وينفش[(٣)](#foonote-٣) ويذهب هو كالباطل، وكذلك ما يخلص من الذهب والفضة والحديد ونحوها هو كالحق، وما يذهب في الدخان هو كالباطل. 
وقوله : في النار  متعلق بمحذوف تقديره : كائناً أو ثابتاً - كذا قال مكي وغيره - ومنعوا أن يتعلق بقوله : توقدون  لأنهم زعموا : ليس يوقد على شيء إلا وهو  في النار  وتعليق حرف الجر ب  توقدون  يتضمن تخصيص حال من حال أخرى[(٤)](#foonote-٤). وذهب أبو علي الفارسي إلى تعلقها ب  توقدون  وقال : قد يوقد على شيء وليس في النار كقوله تعالى : فأوقد لي يا هامان على الطين [(٥)](#foonote-٥) \[ القصص : ٣٨ \] فذلك البناء الذي أمر به يوقد عليه وليس في النار لكن يصيبه لهبها. 
وقوله : جفاء  مصدر من قولهم : أجفأت القدر إذا غلت حتى خرج زبدها وذهب. 
وقرأ رؤبة :**«جفالاً »** من قولهم : جفلت الريح السحاب، إذا حملته وفرقته. قال أبو حاتم : لا تعتبر قراءة الأعراب[(٦)](#foonote-٦) في القرآن. 
وقوله : ما ينفع الناس  يريد الخالص من الماء ومن تلك الأحجار، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم - في رواية أبي بكر، وأبو جعفر والأعرج وشيبة والحسن :**«توقدون »** بالتاء، أي أنتم أيها الموقدون، وهي صفة لجميع أنواع الناس، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن محيصن ومجاهد وطلحة ويحيى وأهل الكوفة :**«يوقدون »** بالياء، على الإشارة إلى الناس، و  جفاء  مصدر في موضع الحال. 
قال القاضي أبو محمد : وروي عن ابن عباس أنه قال : قوله تعالى : أنزل من السماء ماء  يريد به الشرع والدين. وقوله : فسالت أودية  : يريد به القلوب، أي أخذ النبيل بحظه. والبليد بحظه[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول لا يصح - والله أعلم - عن ابن عباس، لأنه ينحو إلى أقوال أصحاب الرموز، وقد تمسك به الغزالي وأهل ذلك الطريق، ولا وجه لإخراج اللفظ عن مفهوم كلام العرب لغير علة تدعو إلى ذلك، والله الموفق للصواب برحمته، وإن صح هذا القول عن ابن عباس فإنما قصد أن قوله تعالى : كذلك يضرب الله الحق والباطل  معناه : الحق  الذي يتقرر في القلوب المهدية،  والباطل  : الذي يعتريها[(٨)](#foonote-٨) أيضاً من وساوس وشبه حين تنظر في كتاب الله عز وجل.

١ الحباب: الفقاقيع تظهر على وجه الماء، والملتبك: المختلط بعضه ببعض..
٢ العبر بكسر العين: الضفة أو الشاطيء وورد فيها الفتح، والزبد فسره ابن عطية. والريح الشامية هي التي تهب من جهة الشام. وروي البيت: و "النهر" بدلا من "البحر"..
٣ يجفو: يبعد، يقال: جفا الشيء: نبا وبعد، وينفش: يتفرق وينشر بعد تلبد..
٤ قال أبو حيان ردا على هذا: "ولو قلنا إنه لا يوقد على شيء إلا وهو في النار لجاز أن يكون متعلقا بـ \[يوقدون\]، و يجوز ذلك على سبيل التوكيد، كما قالوا في قوله تعالى: يطير بجناحيه، البحر المحيط ٥ـ ٣٨٢..
٥ من الآية (٣٨) من سورة (القصص)..
٦ وعن أبي حاتم أيضا: "لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفأر"، يعني أنه كان أعرابيا جافا..
٧ وقيل في هذه الآية أيضا: "هذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن والقلوب والحق والباطل، فالماء مثل القرآن لما فيه من حياة القلوب وبقاء الشرع والدين، والأودية مثل القلوب، و معنى \[بقدرها\]: على سعة القلوب وضيقها، فمنها ما انتفع به القلب فحفظه ووعاه وتدبر فيه فظهرت تمرته وأدرك تأويله و معناه، و منها دون ذلك بطبقة، ومنها دون طبقات، و الزبد مثل الشكوك والشبه وإنكار الكافرين أنه كلام الله ودفعهم إياه بالباطل، والماء الصافي المنتفع به مثل الحق"، قال أبو حيان تعليقا على هذا الكلام: "و في الحديث الصحيح ما يؤيد هذا التأويل، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (مثل ما بعثت به من الهدى كمثل غيث أصاب أرضا، وكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ و العشب الكثير، وكانت منها طائفة أجادب فأمسكت الماء فانتفع الناس به وسقوا ورعوا، وكانت منها قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل ما جئت به من العلم والهدى، ومثل من لم يقبل هدى الله الذي جئت به("..
٨ وفي نفس الموضوع قال أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري صاحب كتاب (سوق العروس): "إن صح هذا التفسير فالمعنى فيه أن الله سبحانه مثل القرآن بالماء، ومثل القلوب بالأودية، ومثل المحكم بالصافي، ومثل المتشابه بالزبد"..

### الآية 13:18

> ﻿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [13:18]

الذين استجابوا  : هم المؤمنون الذين دعاهم الله عز وجل على لسان رسوله فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من اتباع دينه، و  الحسنى  : هي الجنة وكل ما يختص به المؤمنون من نعم الله عز وجل،  والذين لم يستجيبوا  هم : الكفرة، و  سوء الحساب  هو : التقصي على المحاسب وأن لا يقع في حسابه من التجاوز شيء - قاله شهر بن حوشب وإبراهيم النخعي، وقاله فرقد السبخي[(١)](#foonote-١) وغيره - و **«المأوى »** : حيث يأوي الإنسان ويسكن و  المهاد  : ما يفترش ويلبس بالجلوس والرقاد. 
١ بفتح السين والباء نسبة إلى السبخة، وهي موضع بالبصرة، قال فرقد: قال لي إبراهيم النخعي: يا فرقد، أتدري ما سوء الحساب؟ قلت: لا، قال: أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يفقد منه شيء..

### الآية 13:19

> ﻿۞ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [13:19]

وقوله : أفمن يعلم  استفهام بمعنى التقرير، والمعنى : أسواء من هداه الله فعلم صدق نبوتك وآمن بك، ومن لم يهتد ولا رزق بصيرة فبقي على كفره، فمثل عز وجل ذلك بالعمى. 
وروي أن هذه الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل بن هشام، وقيل : في عمار بن ياسر وأبي جهل بن هشام، وهي بعد هذا مثال في جميع العالم. 
و  إنما  في هذه الآية حاصرة، أي  إنما يتذكر  فيؤمن ويراقب الله من له لب وتحصيل.

### الآية 13:20

> ﻿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ [13:20]

ثم أخذ تعالى في وصف هؤلاء الذين يسرهم للإيمان فقال : الذين يوفون بعهد الله  وقوله : بعهد الله  : اسم للجنس، أي بجميع عهود الله وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيدة، ويدخل في هذه الألفاظ التزام جميع الفروض وتجنب جميع المعاصي. 
وقوله : ولا ينقضون الميثاق  يحتمل أن يريد به جنس المواثيق أي إذا اعتقدوا في طاعة الله عهداً لم ينقضوه. قال قتادة : وتقدم الله إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه في بضع وعشرين آية ويحتمل أن يشير إلى ميثاق معين، وهو الذي أخذه الله على عباده وقت مسحه على ظهر أبيهم آدم عليه السلام.

### الآية 13:21

> ﻿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [13:21]

ووصل ما أمر الله به أن يوصل : ظاهره في القرابات وهو مع ذلك يتناول جميع الطاعات. و  سوء الحساب  هو أن يتقصى ولا تقع فيه مسامحة ولا تغمد.

### الآية 13:22

> ﻿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [13:22]

**«الصبر لوجه الله »** يدخل في الرزايا والأسقام والعبادات وعن الشهوات ونحو ذلك. 
و  ابتغاء  نصب على المصدر أو على المفعول لأجله، و **«الوجه »** في هذه الآية ظاهره الجهة التي تقصد عنده تعالى بالحسنات لتقع عليها المثوبة، وهذا كما تقول : خرج الجيش لوجه كذا، وهذا أظهر ما فيه مع احتمال غيره و **«إقامة الصلاة »** هي الإتيان بها على كمالها، و  الصلاة  هنا هي المفروضة وقوله : وأنفقوا  يريد به مواساة المحتاج، و **«السر »** هو فيما أنفق تطوعاً، و **«العلانية »** فيما أنفق من الزكاة المفروضة، لأن التطوع كله الأفضل فيه التكتم. 
وقوله : ويدرؤون بالحسنة السيئة  أي ويدفعون من رأوا منه مكروهاً بالتي هي أحسن، وقيل : يدفعون بقوله : لا إله إلا الله، شركهم وقيل : يدفعون بالسلام غوائل الناس. 
قال القاضي أبو محمد : وبالجملة فإنهم لا يكافئون الشر بالشر، وهذا بخلاف خلق الجاهلية، وروي أن هذه الآية نزلت في الأنصار ثم هي عامة بعد ذلك في كل من اتصف بهذه الصفات. 
وقوله : عقبى الدار  يحتمل أن يكون  عقبى  دار الدنيا.

### الآية 13:23

> ﻿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ [13:23]

ثم فسر الُعقبى بقوله : جنات عدن  إذ العقبى تعم حالة الخير وحالة الشر، ويحتمل أن يريد  عقبى  دار الآخرة لدار الدنيا، أي العقبى الحسنة في الدار الآخرة هي لهم. 
وقرأ الجمهور :**«جنات عدن »** وقرأ النخعي :**«جنة عدن يُدخَلونها »** بضم الياء وفتح الخاء. و  جنات  بدل من  عقبى  وتفسير لها[(١)](#foonote-١). و  عدن  هي مدينة الجنة ووسطها[(٢)](#foonote-٢)، ومنها جنات الإقامة. من عدن في المكان إذا أقام فيه طويلاً ومنه المعادن، و  جنات عدن  يقال : هي مسكن الأنبياء والشهداء والعلماء فقط - قاله عبد الله بن عمرو بن العاصي - ويروى : أن لها خمسة آلاف باب.

### الآية 13:24

> ﻿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [13:24]

وقوله : ومن صلح  أي من عمل صالحاً وآمن - قاله مجاهد وغيره - ويحتمل : أي من صلح لذلك بقدر الله تعالى وسابق علمه. 
وحكى الطبري في صفة دخول الملائكة أحاديث لم نطول بها لضعف أسانيدها. والمعنى : يقولون : سلام عليكم، فحذف - يقولون - تخفيفاً وإيجازاً، لدلالة ظاهر الكلام عليه، والمعنى : هذا بما صبرتم[(٣)](#foonote-٣)، والقول في  عقبى الدار  على ما تقدم من المعنيين. 
وقرأ الجمهور **«فنِعْم »** بكسر النون وسكون العين، وقرأ يحيى بن وثاب **«فنَعِم »** بفتح النون وكسر العين. 
وقالت فرقة : معنى  عقبى الدار  أي أن أعقبوا الجنة من جهنم. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا التأويل مبني على حديث ورد، وهو : أن كل رجل في الجنة فقد كان له مقعد معروف في النار، فصرفه الله عنه إلى النعيم، فيعرض عليه ويقال له : هذا كان مقعدك فبدلك الله منه الجنة بإيمانك وطاعتك وصبرك[(٤)](#foonote-٤).

### الآية 13:25

> ﻿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [13:25]

هذه صفة حالة مضادة للمتقدمة. وقال ابن جريج في قوله  ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل  إنه روي : إذا لم تمش إلى قريبك برجلك ولم تواسه بمالك فقد قطعته. وقال مصعب بن سعد : سألت أبي عن قوله تعالى : هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا [(١)](#foonote-١) \[ الكهف : ١٠٣-١٠٤ \] هم الحرورية ؟ قال : لا ولكن الحرورية : هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض  وأولئك هم الفاسقون، فكان سعد بن أبي وقاص يجعل فيهم الآيتين. 
و **«اللعنة »** : الإبعاد من رحمة الله ومن الخير جملة. و  سوء الدار  ضد  عقبى الدار  \[ الرعد : ٢٣ \] والأظهر في  الدار  هنا أنها دار الآخرة، ويحتمل أنها الدنيا على ضعف.

١ الآية (١٠٣)، و من الآية (١٠٤) من سورة (الكهف)..

### الآية 13:26

> ﻿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ [13:26]

وقوله : الله يبسط الرزق لمن يشاء  الآية، لما أخبر عمن تقدمت صفته بأن  لهم اللعنة ولهم سوء الدار  أنحى بعد ذلك على أغنيائهم، وحقر شأنهم وشأن أموالهم، المعنى : أن هذا كله بمشيئة الله، يهب الكافر المال ليهلكه به، ويقدر على المؤمن ليعظم بذلك أجره وذخره. 
وقوله : ويقدر  أي من التقدير، فهو مناقض يبسط. ثم استجهلهم في قوله : وفرحوا بالحياة الدنيا  وهي بالإضافة إلى الآخرة متاع ذاهب مضمحل يستمتع به قليلاً ثم يفنى. و **«المتاع »** : ما يتمتع به مما لا يبقى وقال الشاعر :\[ الوافر \]

تمتَّعْ يا مشعث إن شيئاً  سبقت به الممات هو المتاع[(١)](#foonote-١)١ البيت للمشعث العامري، وهو من مقطوعة له يخاطب نفسه، استشهد به صاحب اللسان على معنى المتاع، قال: "والمتاع: كل ما ينتفع به من عروض الدنيا قليلها وكثيرها"، وكذلك ذكره صاحب تاج العروس في (متع)، وذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" شاهدا على معنى المتاع، وكذلك ذكره المرزباني في "معجم الشعراء"..

### الآية 13:27

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ [13:27]

وقوله تعالى : ويقول الذين كفروا : لولا أنزل عليه آية  الآية، هذا رد على مقترحي الآيات من كفار قريش، كسقوط السماء عليهم كسفاً ونحو ذلك من قولهم : سيَّر عنا الأخشبين واجعل لنا البطاح محارث ومغترساً كالأردن، وأحي لنا قصيّاً وأسلافنا، فلما لم يكن ذلك - بحسب أن آيات الاقتراح لم تجر عادة الأنبياء بالإتيان بها إلا إذا أراد الله تعذيب قوم - قالوا هذه المقالة، فرد الله عليهم  قل. . .  أي أن نزول الآية لا تكون معه ضرورة إيمانكم ولا هداكم، وإنما الأمر بيد الله  يضل من يشاء ويهدي  إلى طاعته والإيمان به  من أناب  إلى الطاعة وآمن بالآيات الدالة. 
ويحتمل أن يعود الضمير في  إليه  على القرآن الكريم، ويحتمل أن يعود على محمد عليه السلام[(١)](#foonote-١). و  الذين  بدل من  من  في قوله : من أناب  و **«طمأنينة القلوب »** هي الاستكانة والسرور بذكر الله. والسكون به كمالاً به. ورضى بالثواب عليه وجودة اليقين.

١ قالوا: والأظهر أن يعود على الله تعالى مع تقدير مضاف محذوف، والتقدير: إلى دينه وشرعه..

### الآية 13:28

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [13:28]

ثم استفتح عز وجل الإخبار بأن طمأنينة القلوب بذكر الله تعالى. . وفي هذا الإخبار حض وترغيب في الإيمان، والمعنى : أن بهذا تقع الطمأنينة لا بالآيات المقترحة، بل ربما كفر بعدها، فنزل العذاب كما سلف في بعض الأمم.

### الآية 13:29

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [13:29]

و  الذين  الثاني ابتداء وخبره : طوبى لهم  ويصح أن يكون  الذين  بدلاً من الأول. و  طوبى  ابتداء و  لهم  خبره. و  طوبى  اسم، يدل على ذلك كونه ابتداء. وهي فعلى من الطيب في قول بعضهم، وذهب سيبويه بها مذهب الدعاء وقال : هي في موضع رفع، ويدل على ذلك رفع  وحسن [(١)](#foonote-١). وقال ثعلب : طوبى  مصدر. وقرىء «وحسنَ بالنصب ف  طوبى  على هذا مصدر كما قالوا : سقياً لك، ونظيره من المصادر الرجعى والعقبى. قال ابن سيده : والطوبى جمع طيبة عن كراع. ونظيره كوسى في جمع كيسة وضوفى في جمع ضيفة. 
قال القاضي أبو محمد : والذي قرأ :» وحسنَ **«بالنصب هو يحيى بن يعمر وابن أبي عبلة واختلف في معنى  طوبى  فقيل : خير لهم، وقال عكرمة : معناه نعم ما لهم، وقال الضحاك : معناه : غبطة لهم. وقال ابن عباس : طوبى  : اسم الجنة بالحبشية، وقال سعيد بن مسجوع : اسم الجنة  طوبى  بالهندية، وقيل  طوبى  : اسم شجرة في الجنة - وبهذا تواترت الأحاديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«طوبى : شجرة في الجنة، يسير الراكب المجدّ في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتم  وظل ممدود [(٢)](#foonote-٢) \[ الواقعة : ٣٠ \] »**. وحكى الطبري عن أبي هريرة وعن مغيث بن سميّ وعتبة بن عبد يرفعه أخباراً مقتضاها : أن هذه الشجرة ليس دار في الجنة إلا وفيها من أغصانها، وأنها تثمر بثياب أهل الجنة، وأنه يخرج منها الخيل بسروجها ولجمها ونحو هذا مما لم يثبت سنده. 
و » المآب « : المرجع من آب يؤوب. ويقال في  طوبى  طيبى.

١ وكما يقال في الكلام: "ويل لعمرو"، وإنما أوثر الرفع في "طوبى" لحسن الإضافة فيه بغير لام، وذلك أنه يقال: طوباك، كما يقال: ويلك وويبك، ولولا حسن الإضافة فيه بغير لام لكان النصب فيه أحسن وأفصح، كما أن النصب في قولهم: "تعسا لزيد وبعدا له وسحقا" أحسن، إذ كانت الإضافة فيه بغير لام لا تحسن..
٢ قال في "فتح القدير": ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه... وساق الحديث. والأحاديث متواترة في أن (طوبى) شجرة في الجنة، لكن بعض الروايات تريد أخبارا قال عنها ابن عطية: "إنها مما لا يثبت سندها". وقوله تعالى: وظل ممدود هو الآية (٣٠) من سورة (الواقعة)..

### الآية 13:30

> ﻿كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [13:30]

الكاف في  كذلك  متعلقة بالمعنى الذي في قوله : قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب  \[ الرعد : ٢٧ \] أي كما أنفذ الله هذا  كذلك  أرسلتك - هذا قول - والذي يظهر لي أن المعنى كما أجرينا العادة بأن الله يضل ويهدي، لا بالآيات المقترحة. فكذلك أيضاً فعلنا في هذه الأمة : أرسلناك  إليها بوحي، لا بآيات مقترحة، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء[(١)](#foonote-١). 
وقوله : وهم يكفرون بالرحمن  قال قتادة وابن جريج : نزلت حين عاهدهم رسول الله عام الحديبية، فكتب الكاتب : بسم الله الرحمن الرحيم، فقال قائلهم : نحن لا نعرف الرحمن ولا نقرأ اسمه. 
قال القاضي أبو محمد : والذي أقول في هذا : أن **«الرحمن »** يراد به الله تعالى وذاته، ونسب إليهم الكفر به على الإطلاق، وقصة الحديبية وقصة أمية بن خلف مع عبد الرحمن بن عوف، إنما هي إباية الاسم فقط، وهروب عن هذه العبارة التي لم يعرفوها إلا من قبل محمد عليه السلام. 
ثم أمر الله تعالى نبيه بالتصريح بالدين والإفصاح بالدعوة في قوله : قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت  و **«المتاب »** : المرجع كالمآب، لأن التوبة الرجوع.

١ وقال الزمخشري: "مثل ذلك الإرسال أرسلناك، يعني أرسلناك إرسالا له شأن وفضل على سائر الإرسالات"، وقال الحسن: "كإرسالنا الرسل أرسلناك"، ف (ذلك) إشارة إلى إرساله الرسل، وقال الحوفي: "الكاف للتشبيه في موضع نصب"..

### الآية 13:31

> ﻿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [13:31]

ويحتمل قوله : ولو أن قرآنا  الآية، أن يكون متعلقاً بقوله : وهم يكفرون بالرحمن  فيكون معنى الآية الإخبار عنهم أنهم لا يؤمنون ولو نزل **«قرآن تسير به الجبال وتقطع به الأرض »** - هذا تأويل الفراء وفرقة من المتأولين[(١)](#foonote-١) - وقالت فرقة : بل جواب  لو  محذوف، تقديره : ولو أن قرآنا يكون صفته كذا لما آمنوا بوجه[(٢)](#foonote-٢)، وقال أهل هذا التأويل - ابن عباس ومجاهد وغيرهما - إن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أزح عنا وسير جبلي مكة فقد ضيقا علينا، واجعل لنا أرضنا قطع غراسة وحرث، وأحي لنا آباءنا وأجدادنا وفلاناً وفلاناً - فنزلت الآية في ذلك معلمة أنهم لا يؤمنون ولو كان ذلك كله، وقالت فرقة : جواب  لو  محذوف، ولكن ليس في هذا المعنى، بل تقديره : لكان هذا القرآن الذي يصنع هذا به، وتتضمن الآية - على هذا - تعظيم القرآن، وهذا قول حسن يحرز فصاحة الآية. 
وقوله : بل لله الأمر جميعاً  يعضد التأويل الأخير ويترتب مع الآخرين. 
وقوله : أفلم ييئس الذين آمنوا  الآية،  ييئس  معناه : يعلم، وهي لغة [(٣)](#foonote-٣)هوازن - قاله القاسم بن معن - وقال ابن الكلبي : هي لغة هبيل حي من النخع، ومنه قول سحيم بن وثيل الرياحي :\[ الطويل \]
أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني. . . ألم تيئسوا أني ابن فارس زهدم[(٤)](#foonote-٤)
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يكون اليأس في هذه الآية على بابه، وذلك أنه لما أبعد إيمانهم في قوله : ولو أن قرآناً  الآية - على التأويلين في المحذوف المقدر - قال في هذه الآية : أفلم ييئس المؤمنون من إيمان هؤلاء الكفرة، علماً منهم  أن لو يشاء لهدى الناس جميعاً . 
وقرأ ابن كثير وابن محيصن **«يأيس »** وقرأ ابن عباس وعلي بن أبي طالب وابن أبي مليكة وعكرمة والجحدري وعلي بن حسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد **«أفلم يتبين »**[(٥)](#foonote-٥). 
ثم أخبر تعالى عن كفار قريش والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته. 
وفي قراءة ابن مسعود ومجاهد :**«ولا يزال الذين ظلموا »** ثم قال : أو تحل  أنت يا محمد  قريباً من دارهم  هذا تأويل فرقة منهم الطبري وعزاه إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقال الحسن بن أبي الحسن : المعنى  أو تحل  القارعة  قريباً من دارهم . 
وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير :**«أو يحل »** بالياء **«قريباً من ديارهم »** بالجمع. 
و ****«وعد الله »**** - على قول ابن عباس وقوم - فتح مكة، وقال الحسن بن أبي الحسن : الآية عامة في الكفار إلى يوم القيامة، وأن حال الكفرة هكذا هي أبداً. و ****«وعد الله »**** : قيام الساعة، و **«القارعة »** : الرزية التي تقرع قلب صاحبها بفظاعتها كالقتل والأسر ونهب المال وكشف الحريم ونحوه.

١ الذي ذكره الفراء في معاني القرآن أن جواب (لو) لم يأت، فإن شئت جعلت جوابها متقدما: وهم يكفرون، وإن شئت كان جوابه متروكا لأن أمره معلوم، والعرب تحذف جواب الشيء إذا كان معلوما إرادة الإيجاز، قال الشاعر وهو امرؤ القيس: 
 وأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا ومعنى هذا أن الفراء ذكر التأولين، ولكن يترتب على التأويل الأول أن يكون الجواب: "لما آمنوا"، ولا يصح أن يكون قوله: وهم يكفرون جوابا، بل هو دليل الجواب، وعبارة ابن عطية توضح أنه لاحظ ذلك عند تقدير الجواب على رأي الفراء..
٢ حذف الجواب لدلالة المعنى عليه كثير في القرآن وفي كلام العرب، ومنه في القرآن قوله تعالى: ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب، وقوله تعالى: ولو ترى إذ وقفوا على النار، ومنه في كلام العرب بيت امرىء القيس الذي استشهد به الفراء، وقول امرىء القيس أيضا:
 فلو أنها نفس تموت جميعة ولكنها نفس تساقط أنفسا.
٣ ؟؟؟؟؟.
٤ قيل: إن البيت لابن سحيم واسمه جابر بدليل قوله فيه: "أني ابن فارس زهدم"، وزهدم هي فرس سحيم بن وثيل. ويروى البيت: "أني ابن قاتل زهدم"، وعلى هذا يصح أن ينسب إلى سحيم نفسه، وقوله: ييسرونني: من أيسار الجزور، أي: يجتزونني ويقتسمونني، عليه الآسرون بالميسر يتحاسبون على قسمة فدائه، والشاهد فيه أن (ييأس) بمعنى: يعلم، ومثله في ذلك قول مالك بن عوف:
 ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا
 بمعنى ألم يعلموا ويتبينوا؟
 وكان بعض الكوفيين ينكر أن "يئس" تأتي بمعنى: "علم"، ويزعم أنه لم يسمع أحدا من العرب يقول ذلك، قال الفراء: وأما قول الشاعر (وهو لبيد):
 حتى إذا يئس الرماة وأرسلوا غضفا دواجن قافلا أعصامها
 فمعناه: حتى إذا يشوا من كل شيء مما يمكن إلا الذي ظهر لهم أرسلوا، فهو بمعنى: "حتى إذا علموا أن ليس وجه إلا الذي رأوا" أرسلوا، كان ما وراءه يأسا. (معاني القرآن ٢ ـ ٦٤). قد علق أبو حيان على ذلك فقال: "وقد حفظ ذلك غيره، فهذا القاسم بن معن من ثقاة الكوفيين يقول: "إنها لغة هوازن"، وكذلك نقلها ابن الكلبي" (البحر ٥ ـ ٣٩٢)..
٥ قال أبو حيان: "وتدل هذه القراءة على أن معنى أفلم ييأس هنا معنى العلم، كما تضافرت النقول أنها لغة لبعض العرب، وهذه القراءة ليست قراءة تفسير لقوله: أفلم ييأس كما يدل عليه ظاهر كلام الزمخشري، بل هي قراءة مسندة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وليست مخالفة للسواد إذ كتبوا (ييئس) بغير صورة الهمزة، وهذه كقراءة (فتبينوا) و (فتثبتوا) وكلتاهما في السبعة"..

### الآية 13:32

> ﻿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [13:32]

وقوله : ولقد استهزىء  الآية، هذه آية تأنيس للنبي عليه السلام، أي لا يضيق صدرك يا محمد بما ترى من قومك وتلقى منهم، فليس ذلك ببدع ولا نكير، قد تقدم هذا في الأمم و **«أمليت لهم »** أي مددت المدة وأطلت، والإملاء : الإمهال على جهة الاستدراج، وهو من الُملاوة من الزمن، ومنه : تمليت حسن العيش[(١)](#foonote-١). وقوله : فكيف كان عقاب  تقرير وتعجيب، في ضمنه وعيد للكفار المعاصرين لمحمد عليه السلام.

١ "تمليت حسن العيش "معناها: تمتعت به، والملاوة بفتح الميم وضمها وكسرها، ويقال: "تمليت عمري" بمعنى استمتعت به، و"تمليت حبيبا" أي: عشت معه ملاوة من دهري، قال التميمي في يزيد بن مزيد الشيباني:
 وقد كنت أرجو أن أملاك حقبة فحال قضاء الله دون رجائيا
 ألا فليمت من شاء بعدك إنما عليك من الأقدار كان حذاريا.

### الآية 13:33

> ﻿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [13:33]

هذه الآية راجعة بالمعنى إلى قوله : وهم يكفرون بالرحمن، قل هو ربي لا إله إلا هو  \[ الرعد : ٣٠ \] والمعنى : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت  أحق بالعبادة أم الجمادات التي لا تنفع ولا تضر ؟ - هذا تأويل - ويظهر أن القول مرتبط بقوله : وجعلوا لله شركاء  كأن المعنى : أفمن له القدرة والوحدانية ويجعل له شريك أهل أن ينتقم ويعاقب أم لا[(١)](#foonote-١) ؟. 
و **«الأنفس »** من مخلوقاته وهو قائم على الكل أي محيط به لتقرب الموعظة من حس السامع. ثم خص من أحوال الأنفس حال كسبها ليتفكر الإنسان عند نظر الآية في أعماله وكسبه[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله : قل سموهم  أي سموا من له صفات يستحق بها الألوهية ثم أضرب القول وقرر : هل تعلمون الله  بما لا يعلم  ؟. 
وقرأ الحسن :**«هل تنْبئونه »** بإسكان النون وتخفيف الباء و  أم  هي بمعنى : بل، وألف الاستفهام - هذا مذهب سيبويه - وهي كقولهم : إنها لإبل أم شاء. 
ثم قررهم بعد، هل يريدون تجويز ذلك بظاهر من الأمر، لأن ظاهر الأمر له إلباس ما وموضع من الاحتمال، وما لم يكن إلا بظاهر القول فقط فلا شبهة له. 
وقرأ الجمهور **«زُين »** على بناء الفعل للمفعول **«مكرُهم »** بالرفع، وقرأ مجاهد **«زَين »** على بنائه للفاعل **«مكرَهم »** بالنصب، أي زين الله، و  مكرهم  : لفظ يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانت بسبيل مناقضة الشرع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي **«وصُدوا »** بضم الصاد، وهذا على تعدي الفعل وقرأ الباقون هنا، وفي **«حم المؤمن »**[(٣)](#foonote-٣) - بفتحها، وذلك يحتمل أن يكون **«صَدوا »** أنفسهم أو **«صدوا »** غيرهم، وقرأ يحيى بن وثاب :**«وصِدوا »** بكسر الصاد[(٤)](#foonote-٤).

١ \[من\] موصولة، وصلتها ما بعدها، والخبر محذوف تقديره ما وضحه ابن عطية على التأويلين اللذين ذكرهما، وحذف الخبر إذا فهم جائز، وقد ورد كثيرا، ومنه قوله تبارك وتعالى: أقمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، والتقدير ها هنا: كالقاسي قلبه، وقد دل على القاسي قوله تعالى: فويل للقاسية قلوبهم، هذا وقد جعل حذف الخبر حسنا في هاتين الآيتين أن المبتدأ يكون في مقابله الخبر المحذوف..
٢ في بعض النسخ: "عند نظر الله إليه في أعماله وكسبه"..
٣ في قوله تعالى في الآية (٣٧) من سورة المؤمن (غافر): وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل..
٤ وهي كقراءة: ردت إلينا بكسر الراء من قوله تعالى في الآية (٦٥) من سورة (يوسف): قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا، وفي اللوامح عن الكسائي وابن يعمر: (وصدوا) بالكسر لغة..

### الآية 13:34

> ﻿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [13:34]

وقوله : لهم عذاب  الآية، آية وعيد أي لهم عذاب في دنياهم بالقتل والأسر والجدوب والبلايا في أجسامهم وغير ذلك مما يمتحنهم الله، ثم لهم في الآخرة عذاب  أشق  من هذا كله، وهو الاحتراق بالنار، و  أشق  أصعب من المشقة، و **«الواقي »** : الساتر على جهة الحماية من الوقاية.

### الآية 13:35

> ﻿۞ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ۚ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ۖ وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ [13:35]

وقوله تعالى : مثل الجنة  الآية، قال قوم : مثل  معناه، صفة، وهذا من قولك : مثلت الشيء، إذا وصفته لأحد وقربت عليه فهم أمره، وليس بضرب مثل لها، وهو كقوله : وله المثل الأعلى [(١)](#foonote-١) \[ الروم : ٢٧ \] أي الوصف الأعلى. ويظهر أن المعنى الذي يتحصل في النفس مثالاً للجنة هو جري الأنهار وأن أكلها دائم. 
وراجعه عند سيبويه فقدر قبل، تقديره : فيما يتلى عليكم أو ينص عليكم مثل الجنة[(٢)](#foonote-٢). وراجعه عند الفراء قوله : تجري  أي صفة الجنة أنها  تجري من تحتها الأنهار  ونحو هذا موجود في كلام العرب، وتأول عليه قوم : أن  مثل  مقحم وأن التقدير : الجنة التي وعد المتقون تجري . 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا قلق[(٣)](#foonote-٣). 
وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود **«أمثال الجنة »**. 
وقد تقدم غيره مرة معنى قوله : تجري من تحتها الأنهار  وقوله : أكلها  معناه : ما يؤكل فيها[(٤)](#foonote-٤). و **«العقبى »** والعاقبة والعاقب : حال تتلو أخرى قبلها. وباقي الآية بين. 
وقيل : التقدير في صدر الآية، مثل الجنة جنة تجري - قاله الزجاج - فتكون الآية على هذا ضرب مثل لجنة النعيم في الآخرة[(٥)](#foonote-٥).

١ من الآية (٢٧) من سورة (الروم)، ومثلها قوله تعالى في الآية (٦٠) من سورة (النحل): ولله المثل الأعلى..
٢ عبارة أبي حيان هنا أدق من عبارة ابن عطية، فقد قال: "ارتفع \[مثل\] على الابتداء عند سيبويه، والخبر محذوف، أي: فيما قصصنا عليكم مثل الجنة، و تجري من تحتها الأنهار تفسير لذلك المثل". لأن ابن عطية يجعل عامل الرفع مقدرا عند سيبويه مع أنه هو الابتداء نفسه، هذا وقد أنكر أبو علي الفارسي أن يكون \[مثل\] بمعنى صفة، قال: "إنما معناه التشبيه، ألا تراه يجري مجراه في مواضعه ومتصرفاته؟، كقولهم: مررت برجل مثلك، كما تقول: مررت برجل شبهك، قال: ويفسد أيضا من جهة المعنى، لأننا حين نقول في شرح الآية: "صفة الجنة التي فيها أنهار" يكون كلاما غير مستقيم المعنى، لأن الأنهار في الجنة نفسها لا صفتها" ا هـ. ، ولكن قيل ردا عليه: المثل بمعنى الصفة موجود كقوله تبارك وتعالى: ذلك مثلهم في التوراة و مثلهم في الإنجيل، و قوله: ولله المثل الأعلى..
٣ لأن إقحام الأسماء لا يجوز في القرآن، قال أبو حيان: وقد حكوا عن الفراء أن العرب تقحم كثيرا المثل والمثل، وأنه خرج على ذلك قوله تعالى: ليس كمثله شيء فقال: أي: ليس هو كشيء..
٤ وفي الخبر: (إذا أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى)، وقوله تعالى: (وظلها) أي: وظلها كذلك دائم، فحذف، أي: ثمرها لا ينقطع، وظلها لا يزول..
٥ معنى كلام الزجاج أن الله تعالى مثل لنا ما غاب عنا بما نراه، وأنكر أبو علي ذلك فقال: لا يخلو المثل على قوله أن يكون الصفة أو الشبه، وفي كلا الوجهين لا يصح ما قاله، لأنه إذا كان بمعنى الصفة لم يصح، لأنك إذا قلت: صفة الجنة جنة، فجعلت الجنة خبرا لم يستقم ذلك، لأن الجنة لا تكون الصفة، وكذلك أيضا شبه الجنة جنة، ألا ترى أن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين المتماثلين، وهو حدث، والجنة غير حدث، فلا يكون الأول الثاني..

### الآية 13:36

> ﻿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ۚ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ [13:36]

اختلف المتأولون فيمن عنى بقوله : الذين آتيناهم الكتاب  فقال ابن زيد : عنى به من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وشبهه. 
قال القاضي أبو محمد : والمعنى : مدحهم بأنهم لشدة إيمانهم يسرون بجميع ما يرد على النبي عليه السلام من زيادات الشرع. 
وقال قتادة : عنى به جميع المؤمنين، و  الكتاب  هو القرآن، و  بما أنزل إليك  يراد به، جميع الشرع. وقالت فرقة : المراد ب  الذين آتيناهم الكتاب  اليهود والنصارى، وذلك أنهم لهم فرح بما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم من تصديق شرائعهم وذكر أوائلهم. 
قال القاضي أبو محمد : ويضعف هذا التأويل بأن همهم به أكثر من فرحهم، ويضعف أيضاً بأن اليهود والنصارى ينكرون بعضه. وقد فرق الله في هذه الآية بين الذين ينكرون بعضه وبين الذين آتيناهم الكتاب. 
و  الأحزاب  قال مجاهد : هم اليهود والنصارى والمجوس، وقالت فرقة : هم أحزاب الجاهلية من العرب. وأمره الله تعالى أن يطرح اختلافهم ويصدع بأنه إنما أمر بعبادة الله وترك الإشراك، والدعاء إليه، واعتقاد **«المآب »** إليه وهو الرجوع عند البعث يوم القيامة.

### الآية 13:37

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ [13:37]

وقوله : وكذلك  المعنى : كما يسرنا هؤلاء للفرح، وهؤلاء لإنكار البعض، كذلك  أنزلناه حكماً عربياً ، ويحتمل المعنى : والمؤمنون آتيناهموه يفرحون به لفهمهم به وسرعة تلقيهم. 
ثم عدد النعمة بقوله :**«كذلك جعلناه »** أي سهلنا عليهم في ذلك وتفضلنا. 
و  حكماً  نصب على الحال، و **«الحكم »** هو ما تضمنه القرآن من المعاني، وجعله  عربياً  لما كانت العبارة عنه بالعربية. 
ثم خاطب النبي عليه السلام محذراً من اتباع أهواء هذه الفرق الضالة، والخطاب لمحمد عليه السلام، وهو بالمعنى بتناول المؤمنين إلى يوم القيامة. 
ووقف ابن كثير وحده على **«واقي »** و **«هادي »** و **«والي »** بالياء. قال أبو علي : والجمهور يقفون بغير ياء، وهو الوجه. وباقي الآية بين.

### الآية 13:38

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [13:38]

وقوله : ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك  الآية. في صدر هذه الآية تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم ورد على المقترحين من قريش بالملائكة المتعجبين من بعثة الله بشراً رسولاً. فالمعنى : أن بعثك يا محمد ليس ببدع فقد تقدم هذا في الأمم. ثم جاء قوله : وما كان لرسول  الآية، لفظه لفظ النهي والزجر، والمقصود به إنما هو النفي المحض، لكنه نفي تأكد بهذه العبارة، ومتى كانت هذه العبارة عن أمر واقع تحت قدرة المنهي فهي زجر، ومتى لم يقع ذلك تحت قدرته فهو نفي محض مؤكد، و  بإذن الله  معناه : إلا أن يأذن الله في ذلك. 
وقوله : لكل أجل كتاب  لفظ عام في جميع الأشياء التي لها آجال، وذلك أنه ليس كائن منها إلا وله أجل في بدئه أو في خاتمته. 
وكل أجل مكتوب محصور، فأخبر تعالى عن كتبه الآجال التي للأشياء عامة، وقال الضحاك والفراء : المعنى : لكل كتاب أجل[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا العكس غير لازم ولا وجه له، إذ المعنى تام في ترتيب القرآن، بل يمكن هدم قولهما بأن الأشياء التي كتبها الله تعالى أزلية باقية كتنعيم أهل الجنة وغيره يوجد كتابها لا أجل له.

١ قال الفراء في "معاني القرآن": ومثله وجاءت سكرة الموت بالحق، وذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، "وجاءت سكرة الحق بالموت"، لأن الحق يأتي بها وتأتي به، فكذلك تقول: "لكل أجل مؤجل ولكل مؤجل أجل" والمعنى واحد، والله أعلم ا هـ. قال أبو حيان : ولا يجوز ادعاء القلب إلا في ضرورة الشعر، وأما هنا فالمعنى في غاية الصحة بلا عكس ولا قلب، بل ادعاء القلب هنا لا يصح المعنى عليه إذ ثم أشياء كتبها الله أزلية ـ كنعيم أهل الجنة ـ و لا أجل لها. وهذا هو نفس الرأي الذي قدمه ابن عطية..

### الآية 13:39

> ﻿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [13:39]

وقوله : يمحو الله ما يشاء ويثبت  قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي **«ويثبّت »** بشد الباء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم **«ويثبت »** بتخفيفها. 
وتخبط الناس في معنى هذه الألفاظ، والذي يتخلص به مشكلها : أن نعتقد أن الأشياء التي قدرها الله تعالى في الأزل وعلمها بحال ما لا يصح فيها محو ولا تبديل، وهي التي ثبتت في  أم الكتاب  وسبق بها القضاء، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره من أهل العلم، وأما الأشياء التي قد أخبر الله تعالى أنه يبدل فيها وينقل كعفو الذنوب بعد تقريرها، وكنسخ آية بعد تلاوتها واستقرار حكمها -ففيها يقع المحو والتثبيت فيما يقيده الحفظة ونحو ذلك، وأما إذا رد الأمر للقضاء والقدر فقد محا الله ما محا وثبت ما ثبت. وجاءت العبارة مستقلة بمجيء الحوادث، وهذه الأمور فيما يستأنف من الزمان فينتظر البشر ما يمحو أو ما يثبت وبحسب ذلك خوفهم ورجاؤهم ودعاؤهم. 
وقالت فرقة - منها الحسن - هي في آجال بني آدم، وذلك أن الله تعالى في ليلة القدر، وقيل :- في ليلة نصف شعبان - يكتب آجال الموتى فيمحى ناس من ديوان الأحياء ويثبتون في ديوان الموتى. وقال قيس بن عباد : العاشر من رجب هو يوم  يمحو الله ما يشاء ويثبت . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا التخصيص في الآجال أو غيرها لا معنى له، وإنما يحسن من الأقوال هنا ما كان عاماً في جميع الأشياء، فمن ذلك أن يكون معنى الآية أن الله تعالى يغير الأمور على أحوالها، أعني ما من شأنه أن يغير -على ما قدمناه - فيمحوه من تلك الحالة ويثبته في التي نقله إليها[(١)](#foonote-١). وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن عبد الله بن مسعود أنهما كانا يقولان في دعائهما : اللهم إن كنت كتبتنا في ديوان الشقاوة فامحنا وأثبتنا في ديوان السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا دعاء في غفران الذنوب وعلى جهة انجزع منها. أي اللهم إن كنا شقينا بمعصيتك وكتب علينا ذنوب وشقاوة بها فامحها عنا بالمغفرة، وفي لفظ عمر في بعض الروايات بعض من هذا، ولم يكن دعاؤهما البتة في تبديل سابق القضاء ولا يتأول عليهما ذلك. 
وقيل : إن هذه الآية نزلت لأن قريشاً لما سمعت قول الله تعالى : وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ، قال : ليس لمحمد في هذا الأمر قدرة ولا حظ، فنزلت  يمحو الله ما يشاء ويثبت  أي ربما أذن الله من ذلك فيما تكرهون بعد أن لم يكن يأذن. 
وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال : معنى الآية ****«يمحو الله ما يشاء ويثبت »**** من أمور عباده إلا السعادة والشقاوة والآجال فإنه لا محو فيها. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا نحو ما أحلناه أولاً في الآية. 
وحكي عن فرقة أنها قالت :****«يمحو الله ما يشاء ويثبت »**** من كتاب حاشى أمر الكتاب الذي عنده الذي لا يغير منه شيئاً. وقالت فرقة معناه : يمحو كل ما يشاء ويثبت كل ما أراد، ونحو هذه الأقوال التي هي سهلة المعارضة. 
وأسند الطبري عن إبراهيم النخعي أن كعباً قال لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال : وما هي ؟ قال : يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب . وذكر أبو المعالي في التلخيص : أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي قال هذه المقالة المذكورة عن كعب. 
قال القاضي أبو محمد : وذلك عندي لا يصح عن علي. 
واختلفت أيضاً عبارة المفسرين في تفسير  أم الكتاب  فقال ابن عباس : هو الذكر، وقال كعب : هو علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : وأصوب ما يفسر به  أم الكتاب  أنه كتاب الأمور المجزومة التي قد سبق القضاء فيها بما هو كائن وسبق ألا تبدل، ويبقى المحو والتثبيت في الأمور التي سبق في القضاء أن تبدل وتمحى وتثبت - قال نحوه قتادة - وقالت فرقة : معنى  أم الكتاب  الحلال والحرام - وهذا قول الحسن بن أبي الحسن.

١ قال القرطبي: "مثل هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد، وإنما يؤخذ توقيفا، فإن صح فالقول به يجب، ويوقف عنده، وإلا فتكون الآية عامة في جميع الأشياء، وهو الأظهر والله أعلم"، وهو بهذا يؤيد كلام ابن عطية، وأبو حيان يقول: "الظاهر أن المحو عبارة عن النسخ من الشرائع والأحكام، والإثبات عبارة عن دوامها وتقررها وبقائها، أي: يمحو ما يشاء محوه، ويثبت ما يشاء إثباته". ورأيه يوافق رأي الزمخشري، وقتادة ـ هذا وللمفسرين آراء كثيرة في معنى المحو والإثبات ذكر منها ابن عطية أهمها..
٢ وقد روي هذا عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أيضا، فقد سئل عن "أم الكتاب" فقال: "علم الله ما هو خالق، و ما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتابا، و لا تبديل في علم الله"..

### الآية 13:40

> ﻿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [13:40]

إن  شرط دخلت عليها  ما  مؤكدة، وهي قبل الفعل فصارت في ذلك بمنزلة اللام المؤكدة في القسم التي تكون قبل الفعل في قولك : والله لنخرجن، فلذلك يحسن أن تدخل النون الثقيلة في قولك : نرينك  لحلولها هنا محل اللام هنالك، ولو لم تدخل  ما  لما جاز ذلك إلا في الشعر، وخص **«البعض »** بالذكر إذ مفهوم أن الأعمار تقصر عن إدراك جميع ما تأتي به الأقدار مما توعد به الكفار. وكذلك أعطي الوجود، ألا ترى أن أكثر الفتوح إنما كان بعد النبي عليه السلام و  أو  عاطفة. وقوله : فإنما  جواب الشرط[(١)](#foonote-١). 
ومعنى الآية : إن نبقك يا محمد لترى أو نتوفينك، فعلى كلا الوجهين إنما يلزمك البلاغ فقط. 
وقوله : نعدهم  محتمل أن يريد به المضار التي توعد بها الكفار، فأطلق فيها لفظة الوعد لما كانت تلك المضار معلومة مصرحاً بها، ويحتمل أن يريد الوعد لمحمد في إهلاك الكفرة، ثم أضاف الوعد إليهم لما كان في شأنهم. 
١ هذا رأي الحوفي، وقد تعقبه أبو حيان في البحر، وقال: و الذي تقدم شرطان، لأن المعطوف على الشرط شرط، فأما كونه جوابا للشرط الأول فليس بظاهر، لأنه لا يترتب عليه، إذ يصير المعنى: "وإما نرينك بعض ما تعدهم من العذاب فإنما عليك البلاغ"، وأما كونه جوابا للشرط الثاني وهو أو نتوفينك فكذلك، لأنه يصير التقدير: إما نتوفينك فإنما عليك البلاغ، ولا يترتب وجوب التبليغ عليه عىل وفاته عليه الصلاة والسلام، لأن التكليف ينقطع بعد الوفاة، ويحتاج إلى تأويل، وهوأن يتقدر لكل شرط منهما ما يناسب أن يكون جزاء مترتبا عليه، وذلك أن يكون التقدير والله أعلم:وإما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب فذلك شافيك من أعدائك، ودليل على صدقك، إذا أخبرت بما يحل بهم، ولم يعين زمان حلوله بهم، فاحتمل أن يقع ذلك في حياتك، واحتمل أن يقع بهم بعد وفاتك، أو نتوفينك أي: إن نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم عليك ولا عتب، إذ قد حل بهم بعض ما وعد الله به على لسانك من عذابهم، فإنما عليك البلاغ لا حلول العذاب بهم، إذ ذلك راجع إلي، وعلينا جزاؤهم في تكذيبهم إياك وكفرهم بما جئت به". (البحر المحيط ٥ـ ٣٩٩)..

### الآية 13:41

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [13:41]

والضمير في قوله : يروا  عائد على كفار قريش وهم المتقدم ضميرهم في قوله : نعدهم . 
وقوله : نأتي  معناه بالقدرة والأمر، كما قال الله تعالى : فأتى الله بنيانهم من القواعد [(١)](#foonote-١) \[ النحل : ٢٦ \] و  الأرض  يريد به اسم الجنس، وقيل : يريد أرض الكفار المذكورين. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا بحسب الاختلاف في قوله : ننقصها من أطرافها . 
وقرأ الجمهور :**«نَنقصها »** وقرأ الضحاك **«نُنقصها »**[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله : من أطرافها  من قال : إنها أرض الكفار المذكورين - قال : معناه، ألم يروا أنا نأتي أرض هؤلاء بالفتح عليك فننقصها بما يدخل في دينك في القبائل، والبلاد المجاورة لهم، فما يؤمنهم أن نمكنك منهم أيضاً، كما فعلنا بمجاوريهم - قاله ابن عباس والضحاك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا بحسب الاختلاف في قوله : ننقصها من أطرافها  القول لا يتأتى إلا بأن نقدر نزول هذه الآية بالمدينة، ومن قال : إن  الأرض  اسم جنس جعل الانتقاص من الأطراف بتخريب العمران الذي يحله الله بالكفرة - هذا قول ابن عباس أيضاً ومجاهد. 
وقالت فرقة : الانتقاص هو بموت البشر وهلاك الثمرات ونقص البركة، قاله ابن عباس أيضاً والشعبي وعكرمة وقتادة. وقالت فرقة : الانتقاص هو بموت العلماء والأخيار - قال ذلك ابن عباس أيضاً ومجاهد - وكل ما ذكر يدخل في لفظ الآية. 
و **«الطرف »** من كل شيء خياره، ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : العلوم أودية في أي واد أخذت منها حسرت فخذوا من كل شيء طرفاً. يعني خياراً. 
وجملة معنى هذه الآية : الموعظة وضرب المثل، أي ألم يروا فيقع منهم اتعاظ. 
وأليق ما يقصد لفظ الآية هو تنقص الأرض بالفتوح على محمد. 
وقوله : لا معقب  أي لا راد ولا مناقض يتعقب أحكامه، أي ينظر في أعقابها أمصيبة هي أم لا ؟[(٣)](#foonote-٣) وسرعة حساب الله واجبة لأنها بالإحاطة ليست بعدد.

١ من الآية (٢٦) من سورة (النحل)..
٢ بتشديد القاف، من نَّقص المتعدي بالتضعيف..
٣ المعقب هو الذي يكر على الشيء فيبطله، وحقيقته الذي يعقبه بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقب لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب، قال لبيد:
 حتى تهجر في الرواح و هاجه طلب المعقب حقه المظلوم
 أي: طلب المظلوم المعقب حقه، و "المعقب" في محل رفع لأنها فاعل المصدر "طلب"، و "المظلوم" مرفوع عطفا على موضع "المعقب"..

### الآية 13:42

> ﻿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ۖ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ۗ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ [13:42]

و  المكر  : ما يتمرس بالإنسان ويسعى عليه - علم بذلك أو لم يعلم - فوصف الله تعالى الأمم التي سعت على أنبيائها - كما فعلت قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم - ب  المكر . 
وقوله : فلله المكر جميعاً  أي العقوبات التي أحلها بهم، وسماها **«مكراً »** على عرف تسمية المعاقبة باسم الذنب، كقوله تعالى : الله يستهزىء بهم [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ١٥ \] ونحو هذا. 
وفي قوله تعالى : يعلم ما تكسب كل نفس  تنبيه وتحذير في طي إخبار ثم توعدهم تعالى بقوله : وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار . 
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو **«الكافر »** بالإفراد، وهو اسم الجنس، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي **«الكفار »**، وقرأ عبد الله بن مسعود **«الكافرون »**، وقرأ أبي بن كعب :**«الذين كفروا »**. وتقدم القول في  عقبى الدار  قبل هذا.

١ من الآية (١٥) من سورة (البقرة)..

### الآية 13:43

> ﻿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [13:43]

وقوله تعالى : ويقول الذين كفروا  الآية، المعنى : ويكذبك يا محمد هؤلاء الكفرة ويقولون : لست مرسلاً من الله وإنما أنت مدع، قل لهم : كفى بالله شهيداً . 
و  بالله  في موضع رفع، التقدير : كفى الله. و **«شهيد »** بمعنى : شاهد، وقوله : ومن عنده علم الكتاب  قيل : يريد اليهود والنصارى الذين عندهم الكتب الناطقة برفض الأصنام وتوحيد الله تعالى، وقال قتادة : يريد من آمن منهم كعبد الله بن سلام وتميم الداري وسلمان الفارسي، الذين يشهدون بتصديق محمد، وقال مجاهد : يريد عبد الله بن سلام خاصة، قال هو : فيّ نزلت  ومن عنده علم الكتاب . 
قال القاضي أبو محمد : وهذا القولان الأخيران لا يستقيمان إلا أن تكون الآية مدنية، والجمهور على أنها مكية - قاله سعيد بن جبير، وقال : لا يصح أن تكون الآية في ابن سلام لكونها مكية وكان يقرأ :**«ومِن عنده عُلم الكتاب »**[(١)](#foonote-١). 
وقيل : يريد جنياً معروفاً، حكاه النقاش، وهو قول شاذ ضعيف. وقيل : يريد الله تعالى، كأنه استشهد بالله تعالى، ثم ذكره بهذه الألفاظ التي تتضمن صفة تعظيم. ويعترض هذا القول بأن فيه عطف الصفة على الموصوف، وذلك لا يجوز وإنما تعطف الصفات بعضها على بعض[(٢)](#foonote-٢). ويحتمل أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف[(٣)](#foonote-٣) تقديره : أعدل وأمضى قولاً، ونحو هذا مما يدل عليه لفظ  شهيداً  ويراد بذلك الله تعالى. 
وقرأ علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وابن عباس وابن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك والحكم وغيرهم **«ومِن عندِه علم الكتاب »** بكسر الميم من ****«من »**** وخفض الدال، قال أبو الفتح : ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ علي بن أبي طالب أيضاً والحسن وابن السميفع **«ومِن عنده عُلم الكتابُ »** بكسر الميم من ****«من »**** وضم العين من **«علم »** على أنه مفعول لم يسم فاعله، ورفع الكتاب، وهذه القراءات يراد فيها الله تعالى، لا يحتمل لفظها غير ذلك. والله المعين برحمته.

١ على أن \[من\] حرف جر، و \[عند\] مجرورة بها، و \[علم\] مبني للمفعول، و \[الكتاب\] نائب فاعل مرفوع، والمعنى: علم الكتاب من عند الله سبحانه وتعالى، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ كذلك، روى ذلك محبوب عن إسماعيل ابن محمد اليماني، وروي أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قرأ: ومن عنده علم الكتاب، والمعنى: علم الكتاب من عند الله، روى ذلك سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه، قال القرطبي: وفي الرواية ضعف، و \[الكتاب\] على هاتين القراءتين هو القرآن..
٢ قال أبو حيان: "وليس ذلك كما زعم من عطف الصفة على الموصوف، لأن" من " لا يوصف بها، ولا بشيء من الموصولات إلا بـ"الذي" و "التي" وفروعها، و"ذو" و "ذوات" الطائيتين، وقولهك "وإنما تعطف الصفات بعضها على بعض" ليس على إطلاقه، بل له شرط، وهو أن تختلف مدلولاتها، و يعني ابن عطية أنك لا تقول: "مررت بزيد والعالم" فتعطف "العالم" على الاسم، وهو علم لم يلحظ منه معنى صفة، و كذلك "الله" علم. ولما شعر بهذا الاعتراض من جعله معطوفا على "الله" قدر قوله "بالذي يستحق العبادة" حتى يكون من عطف الصفات بعضها على بعض، لامن عطف الصفة على الاسم..
٣ والاحتمال الأظهر أن \[من\] ـ في قراءة الجمهور ـ في موضع خفض عطفا على لفظ الجلالة \[الله\]، أو في موضع رفع عطفا على موضعه، إذ هو في مذهب من جعل الباء في \[بالله\] زائدة فاعل ؛ بـ\[كفى\]..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/13.md)
- [كل تفاسير سورة الرعد
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/13.md)
- [ترجمات سورة الرعد
](https://quranpedia.net/translations/13.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/13/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
