---
title: "تفسير سورة إبراهيم - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/14/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/14/book/350"
surah_id: "14"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة إبراهيم - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/14/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة إبراهيم - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/14/book/350*.

Tafsir of Surah إبراهيم from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 14:1

> الر ۚ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [14:1]

تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور والاختلاف في ذلك. 
و  كتاب  رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذا كتاب، وهذا على أكثر الأقوال في الحروف المقطعة، وأما من قال فيها، إنها كناية عن حروف المعجم، ف  كتاب  مرتفع بقوله : الر  أي هذه الحروف كتاب أنزلناه إليك[(١)](#foonote-١) وقوله : أنزلناه  في موضع الصفة للكتاب. 
قال القاضي ابن الطيب وأبو المعالي وغيرهما : إن الإنزال لم يتعلق بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، لكن بالمعاني التي أفهمها الله تعالى جبريل عليه السلام من الكلام. 
وقوله : لتخرج  أسند الإخراج إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث له فيه المشاركة بالدعاء والإنذار، وحقيقته إنما هي لله تعالى بالاختراع والهداية. وفي هذه اللفظة تشريف للنبي عليه السلام. 
وعم  الناس  إذ هو مبعوث إلى جميع الخلق، ثبت ذلك بآيات القرآن التي اقترن بها ما نقل تواتراً من دعوته العالم كله، ومن بعثته إلى الأحمر والأسود علم الصحابة ذلك مشاهدة، ونقل عنهم تواتراً، فعلم قطعاً والحمد لله. 
واستعير  الظلمات  للكفر، و  النور  للإيمان، تشبيهاً. 
وقوله : بإذن ربهم ، أي بعلمه وقضائه به وتمكينه لهم. . 
و  إلى  في قوله : إلى صراط  بدل من الأولى في قوله : إلى النور [(٢)](#foonote-٢) أي إلى المحجة المؤدية إلى طاعة الله وللإيمان به ورحمته، فأضافها إلى الله بهذه التعلقات. 
و  العزيز الحميد  صفتان لائقتان بهذا الموضع، فالعزة من حيث الإنزال للكتاب، وما في ضمن ذلك من القدرة، واستيجاب الحمد من جهة بث هذه النعم على العالم في نصب هدايتهم.

١ جوز العلماء في إعراب \[الرا\] أن تكون في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: "هذه الرا"، وأن تكون في موضع نصب على تقدير: "الزم أو اقرأ الرا"، وتكون جملة كتاب أنزلناه إليك مفسرة. و يجوز في هذه الحالة أن يكون \[كتاب\] مبتدأ، وسوغ الابتداء به كونه موصوفا في التقدير، أي: كتاب عظيم أنزلناه إليك..
٢ لا يضر الفصل بين البدل و المبدل منه بقوله تعالى: بإذن ربهم لأنه معمول للعامل في المبدل منه و هو  لتخرج..

### الآية 14:2

> ﻿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [14:2]

وقرأ نافع وابن عامر **«اللهُ الذي »** برفع اسم الله على القطع والابتداء وخبره **«الذي »**، ويصح رفعه على تقدير هو الله الذي. وقرأ الباقون بكسر الهاء على البدل من قوله :
 العزيز الحميد ، وروى الأصمعي وحده هذه القراءة عن نافع. وعبر بعض الناس عن هذا بأن قال : التقدير : إلى صراط الله العزيز الحميد، ثم قدم الصفات وأبدل منها الموصوف. 
قال القاضي أبو محمد : وإذا كانت هكذا فليست بعد بصفات على طريقة صناعة النحو، وإن كانت بالمعنى صفاته، ذكر معها أو لم يذكر[(١)](#foonote-١). 
وقوله : وويل  معناه : وشدة وبلاء ونحوه. أي يلقونه من عذاب شديد ينالهم الله به يوم القيامة، ويحتمل أن يريد في الدنيا، هذا معنى قوله : وويل . وقال بعض :****«ويل »**** اسم واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا خبر يحتاج إلى سند يقطع العذر، ثم لو كان لقلق تأويل هذه الآية لقوله : من عذاب  وإنما يحسن تأوله في قوله : ويلٌ للمطففين [(٢)](#foonote-٢) \[ المطففين : ١ \] وما أشبهه، وأما هنا فإنما يحسن في ****«ويل »**** أن يكون مصدراً، ورفعه على نحو رفعهم : سلام عليك وشبهه.

١ عند تقديم الصفة على الموصوف يجوز في الإعراب أن تعرب الصفة نعتا مقدما، ويجوز أن تجعل ما بعد الصفة بدلا، و يجوز أيضا أن تضيف الصفة إلى الموصوف، ذكر ذلك أبو الحسن بن عصفور، و مما جاء فيه تقديم الصفة قول الشاعر:
 والمؤمن العائذات الطير يمسحها ركبان مكة بين الغيل والسعد.
 فلو جاء على المألوف الكثير لكان نصه: "والمؤمن الطير العائذات"..
٢ الآية (١) من سورة (المطففين)..

### الآية 14:3

> ﻿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [14:3]

و  الذين  بدل من الكافرين[(١)](#foonote-١) وقوله : يستحبون  من صفة الكافرين الذين توعدهم قبل، والمعنى : يؤثرون دنياهم وكفرهم وترك الإذعان للشرع على رحمة الله وسكنى جنته، وقوله  يصدون  يحتمل أن يتعدى وأن يقف، والمعنى على كلا الوجهين مستقل، تقول : صد زيد غيره، ومن تعديته قول الشاعر :\[ الوافر \]
صددتِ الكأس عنا أمَّ عمرو. . . وكان الكأس مجراها اليمينا[(٢)](#foonote-٢)
و  سبيل الله  طريقة هداه وشرعه الذي جاء به رسوله. وقوله : ويبغونها عوجاً  يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل : أظهرها أن يريد : ويطلبونها في حالة عوج منهم. ولا يراعى إن كانوا بزعمهم على طريق نظر وبسبيل اجتهاد واتباع الأحسن، فقد وصف الله تعالى حالهم تلك بالعوج، وكأنه قال : ويصدون عن سبيل الله التي هي بالحقيقة سبيله، ويطلبونها على عوج في النظر. 
والتأويل الثاني أن يكون المعنى : ويطلبون لها عوجاً يظهر فيها، أي يسعون على الشريعة بأقوالهم وأفعالهم. ف  عوجاً  مفعول. 
والتأويل الثالث : أن تكون اللفظة من المعنى، على معنى : ويبغون عليها أو فيها عوجاً، ثم حذف الجار، وفي هذا بعض القلق. 
وقال كثير من أهل اللغة : العِوج - بكسر العين - في الأمور وفي الدين، وبالجملة في المعاني، والعَوج - بفتح العين - في الأجرام. 
قال القاضي أبو محمد : ويعترض هذا القانون بقوله تعالى : فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً [(٣)](#foonote-٣) \[ طه : ١٠٧ \] وقد تتداخل اللفظة مع الأخرى، ووصف **«الضلال »** بالبعد عبارة عن تعمقهم فيه. وصعوبة خروجهم منه.

١ ويجوز في إعراب \[الذين\] أن يكون مبتدأ خبره أولئك في ضلال بعيد، و يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين، و يجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر تقديره: أذم. أما إعرابه بدلا من (الكافرين) الذي ذكره ابن عطية فهو إعراب الحوفي، واختباره الزمخشري وأبو البقاء، ولكن أبا حيان الأندلسي اعترض عليه في "البحر المحيط، بأنه لا يجوز، وعلل ذلك بأن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي منهما وهو قوله تعالى: من عذاب شديد سواء أكان من عذاب شديد في موضع الصفة لـ \[ويل\] أم متعلقا بفعل محذوف تقديره: يضجون أو يولولون من عذا ب شديد..
٢ البيت لعمرو بن كلثوم، وهو الخامس من معلقته المشهورة: "ألا هبي بصحنك فاصبحينا"، و قد سقط مع ثلاثة أبيات أخرى بعده من شرح الأنباري للقصائد السبع الطوال "مجموعة ذخائر العرب" تحقيق عبد السلام هارون، ويروى: " صبنت" بدلا من "صددت"، يقول لها: لقد صرفت الكأس عنا، وكان مجراها اليمينا فأجريتها على اليسار، أي: تعمدت صرفها عنا، هذا وقد سبق الاستشهاد به..
٣ الآيتان (١٠٦، ١٠٧) من سورة (طه)..

### الآية 14:4

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [14:4]

هذه الآية طعن ورد على المستغربين أمر محمد عليه السلام، أي لست يا محمد ببدع من الرسل، وإنما أرسلناك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور على عادتنا في رسلنا، في أن نبعثهم بألسنة أممهم ليقع البيان والعبارة المتمكنة، ثم يكون سائر الناس من غير أهل اللسان عيالاً في التبيين على أهل اللسان الذي يكون للنبي، وجعل الله العلة في إرسال الرسل بألسنة قومهم طلب البيان ثم قطع[(١)](#foonote-١) قوله : فيضل  أي إن النبي إنما غايته أن يبلغ ويبين، وليس فيما كلف أن يهدي ويضل، بل ذلك بيد الله ينفذ فيه سابق قضائه، وله في ذلك العزة التي لا تعارض، والحكمة التي لا تعلل، لا رب غيره. 
قال القاضي أبو محمد : فإن اعترض أعجمي بأن يقول : من أين يبين لي هذا الرسول الشريعة وأنا لا أفهمه ؟ قيل له : أهل المعرفة باللسان يعبرون ذلك، وفي ذلك كفايتك. 
فإن قال : ومن أين تتبين لي المعجزة وأفهم الإعجاز وأنا لا أفقه اللغة ؟ قيل له : الحجة عليك إذعان أهل الفصاحة والذين كانوا يظن بهم أنهم قادرون على المعارضة وبإذعانهم قامت الحجة على البشر، كما قامت الحجة في معجزة موسى بإذعان السحرة، وفي معجزة عيسى بإذعان الأطباء. 
و **«اللسان »** في هذه الآية يراد به اللغة[(٢)](#foonote-٢). 
وقرأ أبو السمال **«بلسْن »** بسكون السين دون ألف - كريش ورياش - ويقال : لسن ولسان في اللغة، فأما العضو فلا يقال فيه لسن - بسكون السين[(٣)](#foonote-٣).

١ اي أن النية الاستئناف لا العطف ولذلك رفع الفعل في \[فيضل\]، و مثله قوله تبارك وتعالى: لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء، قال الفراء: "إذا رأيت الفعل منصوبا وبعده فعل قد نسق عليه بواو أو فاء أو ثم أو أو فإن كان يشاكل معنى الفعل الذي قبله نسقته عليه، وإن رأيته غير مشاكل لمعناه استأنفته فرفعته"..
٢ ومنه قول الشاعر:
 \* أتتني لسان بني عامر\* 
 يعنى لغة بني عامر، وقد ذهب بها إلى الكلمة فأنثها، وقال أعشى باهلة:
 \* إني أتاني لسان لا أسر به \*
 ذهب إلى الخبر فذكره..
٣ وقرأ أبو رجاء، وأبو المتوكل، و الجحدري: \[لسن\] بضم اللام والسين، وهو جمع لسان كعماد و عمد، وقرىء أيضا بضم اللام وسكون السين، كرسل ورسل..

### الآية 14:5

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [14:5]

وقوله : ولقد أرسلنا موسى  الآية، آيات الله هي العصا واليد وسائر التسع[(١)](#foonote-١). وقوله : أن أخرج  تقديره : بأن أخرج، ويجوز أن تكون  أن  مفسرة لا موضع لها من الإعراب[(٢)](#foonote-٢)، وأما  الظلمات  و  النور  فيحتمل أن يراد بها من الكفر إلى الإيمان. وهذا على ظاهر أمر بني إسرائيل في أنهم كانوا قبل بعث موسى أشياعاً متفرقين في الدين، قوم مع القبط في عبادة فرعون، وكلهم على غير شيء، وهذا مذهب الطبري - وحكاه عن ابن عباس - وإن صح أنهم كانوا على دين إبراهيم وإسرائيل ونحو هذا ف  الظلمات  الذل والعبودية، 
و  النور  العزة والدين والظهور بأمر الله تعالى. 
قال القاضي أبو محمد : وظاهر هذه الآية وأكثر الآيات في رسالة موسى عليه السلام أنها إنما كانت إلى بني إسرائيل خاصة، في معنى الشرع لهم وأمرهم ونهيهم بفروع الديانة، وإلى فرعون وأشراف قومه في أن ينظروا ويعتبروا في آيات موسى فيقروا بالله ويؤمنوا به تعالى وبموسى ومعجزته ويتحققوا نبوته ويرسلوا معه بني إسرائيل. 
قال القاضي أبو محمد : ولا يترتب هذا إلا بإيمان به، وأما أن تكون رسالته إليهم لمعنى اتباعه والدخول في شرعه فليس هذا بظاهر القصة ولا كشف الغيب ذلك، ألا ترى أن موسى خرج عنهم ببني إسرائيل ؟ فلو لم يتبع لمضى بأمته، وألا ترة أنه لم يدع القبط بجملتهم وإنما كان يحاور أولي الأمر ؟ وأيضاً فليس دعاؤه لهم على حد دعاء نوح وهود وصالح أممهم في معنى كفرهم ومعاصيهم، بل في الاهتداء والتزكي وإرسال بني إسرائيل. 
ومما يؤيد هذا أنه لو كانت دعوته لفرعون والقبط على حدود دعوته لبني إسرائيل فلم كان يطلب بأمر الله أن يرسل معه بني إسرائيل ؟ بل كان يطلب أن يؤمن الجميع ويتشرعوا بشرعه ويستقر الأمر. وأيضاً فلو كان مبعوثاً إلى القبط لرده الله إليهم حين غرق فرعون وجنوده، ولكن لم يكونوا أمة له فلم يرد إليهم. 
قال القاضي أبو محمد : واحتج من ذهب إلى أن موسى بعث إلى جميعهم بقوله تعالى في غير آية  إلى فرعون وملئه [(٣)](#foonote-٣) \[ الأعراف : ١٠٣ \]، و  إلى فرعون وقومه [(٤)](#foonote-٤) \[ النمل : ١٢ \] والله أعلم. 
وقوله : وذكرهم  الآية. أمر الله عز وجل موسى أن يعظ قومه بالتهديد بنقم الله التي أحلها بالأمم الكافرة قبلهم وبالتعديد لنعمه عليهم في المواطن المتقدمة، وعلى غيرهم من أهل طاعته ليكون جريهم على منهاج الذين أنعم عليهم وهربهم من طريق الذين حلت بهم النقمات، وعبر عن النعم والنقم ب ****«الأيام »**** إذ هي في أيام[(٥)](#foonote-٥)، وفي هذه العبارة تعظيم هذه الكوائن المذكور بها، ومن هذا المعنى قولهم : يوم عصيب، ويوم عبوس، ويوم بسام، وإنما الحقيقة وصف ما وقع فيه من شدة أو سرور، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت : أيام الله  : نعمه : وعن فرقة أنها قالت : أيام الله  : نقمه. 
قال القاضي أبو محمد : ولفظة ****«الأيام »**** تعم المعنيين، لأن التذكير يقع بالوجهين جميعاً. 
وقوله : لكل صبار شكور  إنما أراد لكل مؤمن ناظر لنفسه، فأخذ من صفات المؤمن صفتين تجمع أكثر الخصال وتعم أجمل الأفعال[(٦)](#foonote-٦).

١ الآيات التسع هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، و الدم، والعصا، ويده البيضاء، والسنين، والنقص في الثمرات..
٢ فتكون بمعنى "اي"، كقوله تعالى: و انطلق الملأ منهم أن امشوا بمعنى : أي امشوا..
٣ تكررت في الآيات: (١٠٣ من الأعراف، و ٧٥ من يونس، و ٩٧ من هود، و٤٦ من المؤمنون، و٣٢ من القصص، و٤٦ من الزخرف)..
٤ من الآية (١٢) من سورة (النمل)..
٥ إطلاق الأيام على النقم والبلايا مشهور وكثير في كلام العرب، وكانوا يطلقون الأيام على الوقائع والحروب، كيوم ذي قار، ويوم الفجار، ويوم فضة، و يوم حليمة، ومن ذلك قول الشاعر:
 وأيامنا مشهورة في عدونا
 وإذا كانت أيام الوقائع بلايا على المغلوب، فهي نعم على الغالب المنتصر، وكانوا يفخرون بها ويذكرونها على أنها نعم الله عليهم، قال عمرو بن كلثوم:
 وأيام لنا غر طوال عصينا الملك فيها أن ندينا
 فأيامهم غر لعلوهم على الملك وامتناعهم عليه، وهي طوال على أعدائهم، وبهذا الفهم لمعنى البيت قد يكون من الصعب تفسير الأيام بأنها نعم الدنيا..
٦ في الأصول: "فأخذ من صفات (المؤمنين) صفتين (تجمع) أكثر الخصال، (وتعم) أجمل الأفعال"، وهي عادة لابن عطية..

### الآية 14:6

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [14:6]

هذا من التذكير بأيام الله في النعم، وكان يوم الإنجاء عظيماً لعظم الكائن فيه، وقد تقدم تفسير هذه الآية وقصصها بما يغني عن إعادته[(١)](#foonote-١)، غير أن في هذه الآية زيادة الواو في قوله : ويذبحون  وفي البقرة : يذبحون  \[ البقرة : ٤٩ \] - بغير واو عطف. فهناك فسر سوء العذاب بأنه التذبيح والاستحياء، وهنا دل بسوء العذاب على أنواع غير التذبيح والاستحياء، وعطف التذبيح والاستحياء عليها. 
وقرأ ابن محيصن :**«ويَذبَحون »** بفتح الياء والباء مخففة. 
و  بلاء  في هذه الآية يحتمل أن يريد به المحنة، ويحتمل أن يريد به الاختبار، والمعنى متقارب.

١ تقدم ذلك في تفسير الآية (٤٩) من سورة (البقرة)، والآية (١٤١) من سورة (الأعراف)، ولكن اللفظ في سورة (الأعراف) هو \[يقتلون\]، أما في سورة (البقرة) فهو \[يذبحون\] بدون واو، ولفظ القتل أعم إذ يشمل الذبح وغيره..

### الآية 14:7

> ﻿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [14:7]

و  تأذن  بمعنى آذن. أي أعلم، وهو مثل : أكرم وتكرم، وأوعد وتوعد، وهذا الإعلام منه مقترن بإنفاذ وقضاء قد سبقه، وما في تفعل هذه من المحاولة والشروع إذا أسندت إلى البشر منفي في جهة الله تعالى، وأما قول العرب : تعلم بمعنى أعلم، فمرفوض. الماضي على ما ذكر يعقوب. كقول الشاعر :
تعلم أبيت اللعن. . . . . . [(١)](#foonote-١) ونحوه. 
وقال بعض العلماء : الزيادة على الشكر ليست في الدنيا وإنما هي من نعم الآخرة، والدنيا أهون من ذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وصحيح جائز أن يكون ذلك، وأن يزيد الله أيضاً المؤمن على شكره من نعم الدنيا وأن يزيده أيضاً منهما جميعاً، وفي هذه الآية ترجية وتخويف، ومما يقضي بأن الشكر متضمن الإيمان أنه عادله بالكفر، وقد يحتمل أن يكون الكفر كفر النعم لا كفر الجحد، وحكى الطبري عن سفيان وعن الحسن أنهما قالا : معنى الآية : لئن شكرتم لأزيدنكم  من طاعتي وضعفه الطبري، وليس كما قال : بل هو قوي حسن، فتأمله. 
قال القاضي أبو محمد : وقوله : لئن شكرتم  هو جواب قسم يتضمنه الكلام.

١ سبق أن شرح ابن عطية معنى \[تأذن\] في سورة الأعراف، واستشهد بهذا الجزء من البيت، راجع الجزء السادس صفحة ١٢٣ و ما بعدها. والعرب تضع تفعل موضع أفعل، فقالوا: أوعدته وتوعدته بمعنى واحد. والبيت المشهور في هذا هو قول القطامي:
 تعلم أن بعد الغي رشدا وأن لهذه الغير انقشاعا..

### الآية 14:8

> ﻿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [14:8]

وقوله : وقال موسى  الآية، في هذه الآية تحقير للمخاطبين - بشرط كفرهم - وتوبيخ، وذلك بين من الصفتين اللتين وصف بهما نفسه تعالى في آخر الآية، وقوله : لغني  يتضمن تحقيرهم وعظمته، إذ له الكمال التام على الإطلاق، وقوله : حميد  يتضمن توبيخهم، وذلك أنه صفة يستوجب المحامد كلها، دائم كذلك في ذاته لم يزل ولا يزال، فكفركم أنتم بإله هذه حاله غاية التخلف والخذلان، وفي قوله أيضاً : حميد  ما يتضمن أنه ذو آلاء عليكم أيها الكافرون به كان يستوجب بها حمدكم، فكفركم به مع ذلك أذهب في الضلال، وهذا توبيخ بين.

### الآية 14:9

> ﻿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ۚ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [14:9]

وقوله : ألم يأتكم  الآية، هذا من التذكير بأيام الله في النقم من الأمم الكافرة. وقوله : لا يعلمهم إلا الله  من نحو قوله : وقروناً بين ذلك كثيراً [(١)](#foonote-١) \[ الفرقان : ٣٨ \]، وفي مثل هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كذب النسابون من فوق عدنان »**[(٢)](#foonote-٢)، وروي عن ابن عباس أنه قال :**«كان بين زمن موسى وبين زمن نوح قرون ثلاثون لا يعلمهم إلا الله »**. 
وحكى عنه المهدوي أنه قال :**«كان بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا الوقوف على عدتهم بعيد، ونفي العلم بها جملة أصح، وهو ظاهر القرآن. 
واختلف المفسرون في معنى قوله : فردوا أيديهم في أفواههم  بحسب احتمال اللفظ. 
قال القاضي أبو محمد : و **********«الأيدي »********** في هذه الآية قد تتأول بمعنى الجوارح، وقد تتأول بمعنى أيدي النعم، فمما ذكر على أن **********«الأيدي »********** الجوارح أن يكون المعنى : ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم عضاً عليها من الغيظ على الرسل، ومبالغة في التكذيب - هذا قول ابن مسعود وابن زيد، وقال ابن عباس : عجبوا وفعلوا ذلك، والعض من الغيظ مشهور[(٣)](#foonote-٣) من البشر، وفي كتاب الله تعالى : عضوا عليكم الأنامل من الغيظ [(٤)](#foonote-٤) \[ آل عمران : ١١٩ \] وقال الشاعر :
قد أفنى أنامله أزمه. . . فأضحى يعضُّ عليَّ الوظيفا[(٥)](#foonote-٥)
وقال الآخر :\[ الرجز \]
لو أن سملى أبصرت تخددي. . . ودقة في عظم ساقي ويدي
وبعد أهلي وجفاء عوَّدي. . . عضت من الوجد بأطراف اليد[(٦)](#foonote-٦)
ومما ذكر أن يكون المعنى أنهم ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم إشارة على الأنبياء بالسكوت، واستبشاعاً لما قالوا من دعوى النبوءة ومما ذكر أن يكون المعنى ردوا أيدي أنفسهم في أفواه الرسل تسكيتاً لهم ودفعاً في صدر قولهم - قاله الحسن - وهذا أشنع في الرد وأذهب في الاستطالة على الرسل والنيل منهم. 
قال القاضي أبو محمد : وتحتمل الألفاظ معنى رابعاً وهو أن يتجوز في لفظ **********«الأيدي »**********، أي إنهم ردوا قوتهم ومدافعتهم ومكافحتهم فيما قالوه بأفواههم من التكذيب، فكأن المعنى : ردوا جميع مدافعتهم في أفواههم أي في أقوالهم، وعبر عن جميع المدافعة ب **********«الأيدي »**********، إذ الأيدي موضع لشد المدافعة والمرادة. 
وحكى المهدوي قولاً ضعيفاً وهو أن المعنى : أخذوا أيدي الرسل فجعلوها في أفواه الرسل. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا عندي لا وجه له. 
ومما ذكر على أن **********«الأيدي »********** أيدي النعم ما ذكره الزجاج وذلك أنهم ردوا آلاء الرسل في الإنذار والتبليغ بأفواههم، أي بأقوالهم - فوصل الفعل ب  في  عوض وصوله بالباء[(٧)](#foonote-٧) - وروي نحوه عن مجاهد وقتادة. 
قال القاضي أبو محمد : والمشهور : جمع يد النعمة : أياد، ولا يجمع على أيد، إلا أن جمعه على أبد، لا يكسر باباً ولا ينقض أصلاً، وبحسبنا أن الزجاج قدره وتأول عليه. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل اللفظ - على هذا - معنى ثانياً، أن يكون المقصد : ردوا أنعام الرسل في أفواه الرسل، أي لم يقبلوه، كما تقول لمن لا يعجبك قوله : أمسك يا فلان كلامك في فمك. ومن حيث كانت أيدي الرسل أقوالاً ساغ هذا فيها، كما تقول : كسرت كلام فلان في فمه، أي رددته عليه وقطعته بقلة القبول والرد، وحكى المهدوي عن مجاهد أنه قال : معناه : ردوا نعم الرسل في أفواه أنفسهم بالتكذيب والنجه[(٨)](#foonote-٨). 
وقوله : لفي شك مما تدعوننا إليه مريب  يقتضي أنهم شكوا في صدق نبوتهم وأقوالهم أو كذبها، وتوقفوا في إمضاء أحد المعتقدين، ثم ارتابوا بالمعتقد الواحد في صدق نبوتهم فجاءهم شك مؤكد بارتياب. 
وقرأ طلحة بن مصرف :**«مما تدعونّا »** بنون واحدة مشددة[(٩)](#foonote-٩).

١ من قوله تعالى في الآية (٣٨) من سورة (الفرقان): وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا..
٢ أخرجه ابن سعد، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورمز له الإمام السيوطي بالصحة في الجامع الصغير، ولفظه فيه: (كذب النسابون، قال الله تعالى: وقرونا بين ذلك كثيرا)..
٣ في إحدى النسخ زيادة: "من البشر"..
٤ من الآية (١١٩) من سورة (آل عمران)..
٥ الأنامل: جمع أنملة: عقدة الإصبع أو سلاماها، و تطلق أيضا على المفصل الأعلى من الإصبع وهو الذي فيه الظفر، وأزمة: عضا، يقال: أزم على الشيء أزما: عض بالفم عضا شديدا، و الوظيف لكل ذي أربع: ما فوق الرسغ إلى مفصل الساق، وفي اليد: ما بين الرسغ والدراع، والجمع: أوظفة. والبيت غير منسوب. والمعنى أنه قطع أنامله من شدة العض عليها، وانتقل إلى عض وظيفه بعد ذلك..
٦ التخدد: أن يتغضن الجلد من شدة الهزال، يقال: رجل متخدد، وامرأة متخددة: مهزول قليل اللحم، والجفاء: الإعراض والقطيعة، والعود: جمع عائد، وهو الذي يزور المريض، والوجد: الحزن، يقول: لو أنها رأت هزالي و ضعفي وتحول جسمي مع بعد الأهل وقطيعة الأحبة والزائرين لعضت يدها من شدة الحزن علي والرثاء لحالي..
٧ معنى هذا الرأي: "أنهم كذبوا الرسل بأفواههم"، ولكن التعبير جاء ب (في) بدلا من (الباء) فقال: "في أفواههم "، بدلا من "بأفواههم"، وذلك لأن (في ) تأتي بمعنى (الباء)، تقول: جلست في البيت وبالبيت، قال الفراء: قد وجدنا من العرب من يجعل (في) موضع (الباء)، فتقول: أدخلك الله بالجنة، تريد: في الجنة، وأنشدني بعضهم: 
 وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ولكنني عن سنبس لست أرغب
 فقال: "أرغب فيها" يعني بنتا له، أي أني أرغب بها عن لقيط، وسنبس: حي من طيء، وهي قبيلته، ولهذا فهو لا يرغب بها عن قبيلته..
٨ النجه: الرد القبيح جدا، يقال: نجه فلانا نجها: رده أقبح رد..
٩ معنى ذلك أنه يدغم نون الرفع في الضمير كما تدغم في نون الوقاية في مثل: أتحاجوني في الله، وقوله تعالى: \[مريب\] صفة توكيدية. ومعناها: موجب للريبة، يقال: أربته إذا فعلت أمرا أوجب ريبة وشكا..

### الآية 14:10

> ﻿۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۚ قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [14:10]

قوله : أفي الله  مقدر فيه ضمير تقديره عند كثير من النحويين أفي إلوهية الله شك ؟ وقال أبو علي الفارسي : تقديره : أفي وحدانية الله شك ؟. 
قال القاضي أبو محمد : وزعم بعض الناس : أن أبا علي إنما فزع إلى هذه العبارة حفظاً للاعتزال وزوالاً عما تحتمله لفظة الألوهية من الصفات بحسب عمومها، ولفظة الوحدانية مخلصة من هذا الاحتمال. 
و **«الفاطر »** المخترع المبتدي، وسوق هذه الصفة احتجاج على الشاكين يبين التوبيخ، أي أيشك فيمن هذه صفته ؟ فساق الصفة التي هي منصوبة لرفع الشك. 
وقوله : من ذنوبكم  ذهب بعض النحاة[(١)](#foonote-١) إلى أنها زائدة، وسيبويه يأبى أن تكون زائدة ويراها للتبعيض. 
قال القاضي أبو محمد : وهو معنى صحيح، وذلك أن الوعد وقع بغفران الشرك وما معه من المعاصي، وبقي ما يستأنفه أحدهم بعد إيمانه من المعاصي مسكوتاً ليبقى معه في مشيئة الله تعالى، فالغفران إنما نفذ به الوعد في البعض، فصح معنى  من [(٢)](#foonote-٢). 
وقوله : ويؤخركم إلى أجل مسمى  قد تقدم القول فيه في سورة الأعراف، في قوله : ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون  [(٣)](#foonote-٣)\[ الأعراف : ٣٤ \] وجلبت هذه هناك بسبب ما يظهر بين الآيتين من التعارض. ويليق هنا أن نذكر مسألة المقتول : هل قطع أجله أم ذلك هو أجله المحتوم عليه ؟. 
فالأول هو قول المعتزلة، والثاني قول أهل السنة. 
فتقول المعتزلة : لو لم يقتله لعاش، وهذا سبب القود. 
وقالت فرقة من أهل السنة، لو لم يقتله لمات حتف أنفه. 
قال أبو المعالي : وهذا كله تخبط، وإنما هو أجله الذي سبق في القضاء أنه يموت فيه على تلك الصفة، فمحال أن يقع غير ذلك، فإن فرضنا أنه لو لم يقتله وفرضنا مع ذلك أن علم الله سبق بأنه لا يقتله، بقي أمره في حيز الجواز في أن يعيش أو يقتل، وكيفما كان علم الله تعالى يسبق فيه. 
وقول الكفرة  إن أنتم إلا بشر مثلنا  فيه استبعاد بعثة البشر، وقال بعض الناس : بل أرادوا إحالته، وذهبوا مذهب البراهمة[(٤)](#foonote-٤) أو من يقول من الفلاسفة : إن الأجناس لا يقع فيها هذا التباين. 
قال القاضي أبو محمد : وظاهر كلامهم لا يقتضي أنهم أغمضوا هذا الإغماض، ويدل على ما ذكرت أنهم طلبوا منهم الإتيان بآية، و  سلطان مبين ، ولو كانت بعثتهم عندهم محالاً لما طلبوا منهم حجة، ويحتمل أن طلبهم منهم السلطان إنما هو على جهة التعجيز، أي بعثتكم محال وإلا  فأتونا بسلطان مبين ، أي إنكم لا تفعلون ذلك أبداً، فيتقوى بهذا الاحتمال منحاهم إلى مذهب الفلاسفة.

١ الضمير في (أنها) يعود على (من) في قوله تعالى: من ذنوبكم والذي ذهب إلى زيادتها هو أبو عبيدة والأخفش، والبصريون لا يجيزون ذلك إلا بشروط..
٢ يعني أن الغفران يكون لما سبق من الذنوب حتى ولو كان الذنب شركا بما معه من المعاصي، أما ما يقع في المستقبل من الذنوب فليس داخلا في وعد الله، بل هو مسكوت عنه، وبهذا تكون (من) للتبعيض، ويمكن أن يكون التبعيض بمعنى آخر هو أن الله يغفر ما بينه وبينهم من الذنوب، وهو بعض ذنوبهم، ويبقى بعض آخر من ذنوبهم وهو ما بينهم وبين العباد من المظالم..
٣ الآية (٣٤) من سورة (الأعراف). (راجع الجزء الخامس، صفحة ٤٩٠)..
٤ البراهمة: طائفة من الهنود لا يجوزون على الله تعالى بعث الأنبياء، ويحرمون لحوم الحيوان، والواحد: برهمي..

### الآية 14:11

> ﻿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [14:11]

المعنى : صدقتم في قولكم، أي بشر مثلكم في الأشخاص والخلقة لكن تبايننا بفضل الله ومنه الذي يختص به من يشاء. 
قال القاضي أبو محمد : ففارقوهم في المعنى بخلاف قوله تعالى : كأنهم حمر [(١)](#foonote-١) \[ المدثر : ٥٠ \] فإن ذلك في المعنى لا في الهيئة. 
وقوله : وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان  هذه العبارة إذا قالها الإنسان عن نفسه أو قيلت له فيما يقع تحت مقدوره - فمعناها النهي والحظر، وإن كان ذلك فيما لا قدرة له عليه - فمعناها نفي ذلك الأمر جملة، وكذا هي آيتنا، وقال المهدوي لفظها لفظ الحظر ومعناها النفي. 
واللام في قوله : ليتوكل  لام الأمر. وقرأها الجمهور ساكنة وقرأها الحسن مكسورة، وتحريكها بالكسر هو أصلها. وتسكينها طلب التخفيف، ولكثرة استعمالها وللفرق بينها وبين لام كي التي ألزمت الحركة إجماعاً[(٢)](#foonote-٢).

١ الآية (٥٠) من سورة (المدثر)..
٢ في الآيتين أمران بالتوكل، الأمر الأول وهو قوله تعالى: فليتوكل المؤمنون لاستحداث التوكل، والثاني وهو قوله تعالى: فليتوكل المتوكلون للثبات على ما استحدثوه من توكلهم، وقوله تعالى: \[ولنصبرن\] جواب قسم، ويدل على سبق ما يجب فيه الصبر، بمعنى أنه لابد من حدوث شيء يحتاج إلى الصبر، وهو هنا: الأذى..

### الآية 14:12

> ﻿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [14:12]

وقوله : ما لنا ألا نتوكل  الآية، وقفتهم الرسل على جهة التوبيخ على تعليل في أن لا يتوكلوا على الله، وهو قد أنعم عليهم وهداهم طريق النجاة وفضلهم على خلقه، ثم أقسموا أن يقع منهم الصبر على الإذاية في ذات الله تعالى. و  ما  في قوله : ما آذيتمونا  مصدرية، وهي حرف عند سيبويه بانفرادها، إلا أنها اسم مع ما اتصل بها من المصدر، وقال بعض النحويين :**«ما »** المصدرية بانفرادها اسم. ويحتمل أن تكون  ما  - في هذا الموضع - بمعنى الذي، فيكون في  آذيتمونا  ضمير عائد، تقديره آذيتموناه، ولا يجوز أن تضمر به سبب إضمار حرف الجر، هذا مذهب سيبويه، والأخفش يجوز ذلك.

### الآية 14:13

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [14:13]

قوله : أو لتعودن في ملتنا  قالت فرقة : أو  هنا بمعنى :**«إلا أن »** كما هي في قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
فقلت له لا تبك عيناك إنما. . . نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا[(١)](#foonote-١)
قال القاضي أبو محمد : وتحمل  أو  في هذه الآية أن تكون على بابها لوقوع أحد الأمرين، لأنهم حملوا رسلهم على أحد الوجهين، ولا يحتمل بيت امرىء القيس ذلك، لأنه لم يحاول أن يموت فيعذر، فتخلصت بمعنى إلا أن، ولذلك نصب الفعل بعدها. وقالت فرقة هي بمعنى **«حتى »** في الآية، وهذا ضعيف، وإنما تترتب كذلك في قوله : لألزمنك أو تقضيني حقي، وفي قوله : لا يقوم زيد أو يقوم عمرو، وفي هذه المثل كلها يحسن تقدير إلا أن. 
و **«العودة »** أبداً إنما هي إلى حالة قد كانت، والرسل ما كانوا قط في ملة الكفر، فإنما المعنى : لتعودن في سكوتكم عنا وكونكم أغفالاً، وذلك عند الكفار كون في ملتهم. 
وخصص تعالى  الظالمين  من الذين كفروا إذ جائز أن يؤمن من الكفرة الذي قالوا المقالة ناس، فإنما توعد بالإهلاك من خلص للظلم[(٢)](#foonote-٢).

١ من قصيدة له قالها حين ذهب إلى قيصر يطلب منه المساعدة على استرداد ملكه والأخذ بثأر والده ممن قتلوه، وقبله يقول:
 بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصـــــرا
 فقلت له لا تبك عينك إنمـــــــــــــا نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
 فقد رفع (نحاول) ونصب (نموت) على معنى: "إلا أن".
 **ومثله قول الأحوص:**
 لا أستطيع نزوعا عن مودتها أو يصنع الحب بي غير الذي صنعا
 قال الفراء: و من العرب من ينصب ما بعد (أو) ليؤذن نصبه بالانقطاع عما قبله، قال أعرابي حين عاد من سفر طويل فوجد امرأته قد ولدت له غلاما فأنكره:
 لتقعدن مقعد القصي مني ذي القاذورة المقلي
 أو تحلفي بربك العلي أني أبو ذيالك الصبـــي.
٢ وقيل: أراد بالظالمين المشركين، قال تعالى: إن الشرك لظلم عظيم..

### الآية 14:14

> ﻿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [14:14]

وقوله : لنسكننكم  الخطاب للحاضرين، والمراد هم وذريتهم، ويترتب هذا المعنى في قوله : ويؤخركم إلى أجل مسمى  \[ إبراهيم : ١٠ \] أي يؤخركم وأعقابكم. 
وقرأ أبو حيوة :**«ليهلكن »** و **«ليسكننكم »** بالياء فيهما[(١)](#foonote-١). 
وقوله : مقامي  يحتمل أن يريد به المصدر من القيام على الشيء بالقدرة، ويحتمل أن يريد به الظرف لقيام العبد بين يديه في الآخرة، فإضافته - إذا كان مصدراً - إضافة المصدر إلى الفاعل، وإضافته - إذا كان ظرفاً - إضافة الظرف إلى حاضره، أي مقام حسابي، فجائز قوله : مقامي  وجائز لو قال : مقامه، وجائز لو قال : مقام العرض والجزاء، وهذا كما تقول : دار الحاكم ودار الحكم ودار المحكوم عليهم. 
وقال أبو عبيدة : مقامي  مجازه، حيث أقيمه بين يدي للحساب[(٢)](#foonote-٢)، و **«الاستفتاح »** طلب الحكم، والفتاح : الحاكم، والمعنى : أن الرسل استفتحوا، أي سألوا الله تعالى إنفاذ الحكم بنصرهم وتعذيب الكفرة، ويل : بل استفتح الكفار، على نحو قول قريش  عجل لنا قطنا [(٣)](#foonote-٣) \[ ص : ١٦ \] وعلى نحو قول أبي جهل في بدر اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة[(٤)](#foonote-٤). هذا قول أبي زيد.

١ اعتبارا بقوله: فأوحى إليهم ربهم، إذ لفظه لفظ الغائب..
٢ وقال الفراء في "معاني القرآن": "معناه: ذلك لمن خاف مقامه بين يدي، ومثله قوله تعالى: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون، معناه: رزقي إياكم، والعرب تضيف أفعالها إلى أنفسها وإلى ما أوقعت عليه، فيقولون: ندمت على ضربي إياك ـ و ندمت على ضربك، فهذا من ذلك"..
٣ يريدون: كتاب حسابنا، أو نصيبنا. و هي من الآية (١٦) من سورة (ص)..
٤ أحنة الغداة: اجعل حينه (أي وقت وفاته) سريعا في الغد..

### الآية 14:15

> ﻿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [14:15]

وقرأت فرقة **«واستفتِحوا »** بكسر التاء، على معنى الأمر للرسل، قرأها ابن عباس ومجاهد وابن محيصن. 
و  خاب  معناه : خسر ولم ينجح، و ****«الجبار »**** : المتعظم في نفسه، الذي لا يرى لأحد عليه حقاً، وقيل : معناه الذي يجبر الناس على ما يكرهون. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو المفهوم من اللفظ، وعبر قتادة وغيره عن ****«الجبار »**** بأنه الذي يأبى أن يقول : لا إله إلا الله. 
و **«العنيد »** الذي يعاند ولا ينقاد.

### الآية 14:16

> ﻿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [14:16]

وقوله : من ورائه  ذكر الطبري وغيره من المفسرين : أن معناه : من أمامه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى  وكان وراءهم ملك [(١)](#foonote-١) \[ الكهف : ٧٩ \] وأنشد الطبري :
أتوعدني وراء بني رياح. . . كذبت لتقصرن يداك دوني[(٢)](#foonote-٢)
قال القاضي أبو محمد : وليس الأمر كما ذكر، و **«الوراء »** هنا على بابه، أي هو ما يأتي بعد في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحوادث بالأمام والوراء إنما هو بالزمان، وما تقدم فهو أمام وهو بين اليد، كما تقول في التوراة والإنجيل إنها بين يدي القرآن، والقرآن وراءهما على هذا، وما تأخر في الزمان فهو وراء المتقدم، ومنه قولهم لولد الولد، الوراء، وهذا الجبار العنيد وجوده وكفره وأعماله في وقت ما، ثم بعد ذلك في الزمان يأتيه أمر جهنم. 
قال القاضي أبو محمد : وتلخيص هذا أن يشبه الزمان بطريق تأتي الحوادث من جهته الواحدة متتابعة، فما تقدم فهو أمام، وما تأخر وراء المتقدم، وكذلك قوله : وكان وراءهم  \[ الكهف : ٧٩ \] أي غصبه وتغلبه يأتي بعد حذرهم وتحفظهم[(٣)](#foonote-٣). 
وقوله : ويسقى من ماء  وليس بماء لكن لما كان بدل الماء في العرف[(٤)](#foonote-٤) عندنا عد ماء، ثم نعته ب  صديد  كما تقول : هذا خاتم حديد، و **«الصديد »** القيح والدم، وهو ما يسيل من أجساد أهل النار، قاله مجاهد والضحاك.

١ من الآية (٧٩) من سورة (الكهف)..
٢ هذا البيت لجرير، وهو في الديوان، و في (مجاز القرآن) لأبي عبيدة، و قد استشهد به الطبري على أن "دوني" بمعنى "عني" عند تفسير قوله تعالى: والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء، واستشهد به هنا على أن "وراء" بمعنى "أمام"، فالمعنى على هذا: إنك توعدني أمام بني رياح و قد كذبت فستقصر يداك عني..
٣ يشرح ابن عطية رأيه في أن "وراء" بمعنى " بعد" في الزمان، و يرد على الطبري بأدلة، وهذا هو رأي أبو عبيدة، و ابن الأنباري أيضا، و مما يؤكد كلامهم قول النابغة:
 حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مهرب
 ويؤيد رأي الطبري قطرب وأبو عبيدة أيضا، وكذلك الزمخشري إذ قال: معناها: من بين يديه وأنشد:
 عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب
 **وقال الشاعر:**
 أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا نحني عليها الأصابع؟
 وقال أبو عبيدة، والأزهري: "وراء" من الأضداد، وقال ثعلب: هي اسم لما توارى عنك سواء كان أمامك أم خلفك. وقيل: المعنى: من خلفه، أي في طلبه، كما تقول: الأمر من ورائك، أي: سوف يأتيك..
٤ يعني لما كان بدل الماء أطلق عليه ماء..

### الآية 14:17

> ﻿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ۖ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [14:17]

وقوله : يتجرعه ولا يكاد يسيغه  عبارة عن صعوبة أمره عليهم[(١)](#foonote-١)، وروي أن الكافر يؤتى بالبشربة من شراب أهل النار فيتكرهها، فإذا أدنيت منه شوت وجهه وسقطت فيها فروة رأسه فإذا شربها قطعت أمعاءه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا الخبر مفرق في آيات من كتاب الله[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله : ويأتيه الموت من كل مكان ، أي من كل شعرة في بدنه، قاله إبراهيم التيمي، وقيل من جميع جهاته الست، وقوله : وما هو بميت  أي لا يراح بالموت، وباقي الآية كأولها، ووصف **«العذاب بالغليظ »** مبالغة فيه، وقال الفضيل بن عياض : العذاب الغليظ حبس الأنفاس في الأجساد وقيل : إن الضمير في  ورائه  هنا هو للعذاب المتقدم.

١ قوله تعالى: ولا يكاد يسيغه معناه عند الفراء: "فهو يسيغه"، قال: "والعرب تجعل" "لا يكاد" فيما قد فعل، وفيما لم يفعل، فأما ما قد فهو بين هنا من ذلك، لأن الله عز و جل يقول لما جعله لهم طعاما: إن شجرة الزقوم، طعام الأثيم، كالمهل يغلي في البطون، فهذا أيضا عذاب في بطونهم يسيغونه، وأما ما دخلت فيه (كاد) وهو لم يفعل فكقولك: ما أتيته و لا كدت، وكقوله تعالى: إذا أخرج يده لم يكد يراها فهو لا يراها، لأنها لا ترى فيما هو دون هذا من الظلمات، وكيف بظلمات قد وصفت بأشد الوصف"..
٢ منها قوله تعالى: وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب، وقوله تعالى: وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم..

### الآية 14:18

> ﻿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ [14:18]

اختلف في الشيء الذي ارتفع به قوله : مثل ، فمذهب سيبويه رحمه الله أن التقدير : فيما يتلى عليكم أو يقص : مثل الذين كفروا . ومذهب الكسائي والفراء : أنه ابتداء خبره  كرماد  والتقدير عندهم : مثل أعمال الذين كفروا كرماد، وقد حكي عن الفراء : أنه يرى إلغاء  مثل  وأن المعنى : الذين كفروا أعمالهم كرماد، وقيل : هو ابتداء و  أعمالهم  ابتداء ثان، و  كرماد  خبر الثاني، والجملة خبر الأول، وهذا عندي أرجح الأقوال وكأنك قلت : المتحصل مثالاً في النفس للذين كفروا هذه الجملة المذكورة، وهي : أعمالهم كرماد . وهذا يطرد عندي في قوله تعالى : مثل الجنة  \[ الرعد : ٣٥، محمد : ١٥ \]. وشبهت أعمال الكفرة ومساعيهم في فسادها وقت الحاجة وتلاشيها بالرماد الذي تذروه الريح، وتفرقه بشدتها حتى لا يبقى أثر، ولا يجتمع منه شيء، ووصف **«اليوم »** ب **«العصوف »** - وهي من صفة الريح بالحقيقة - لما كانت في اليوم، ومن هذا المعنى قول الشاعر \[ جرير \] :
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى. . . ونمت وما ليل المطي بنائم[(١)](#foonote-١)
**ومنه قول الآخر :**
يومين غيمين ويوماً شمساً[(٢)](#foonote-٢). . . فأعمال الكفرة لتلاشيها لا يقدرون منها على شيء. 
وقرأ نافع وحده وأبو جعفر **«الرياح »** والباقون **«الريح »** بالإفراد وقد تقدم هذا ومعناه مستوفى بحمد الله. 
وقوله : ذلك  إشارة إلى كونهم بهذه الحال، وعلى مثل هذا الغرور، و  الضلال البعيد  الذي قد تعمق فيه صاحبه وأبعد عن لاحب النجاة. 
وقرأ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر[(٣)](#foonote-٣) **«في يوم عاصف »** بإضافة يوم إلى عاصف، وهذا بين.

١ هذا البيت لجرير، و هو في الديوان ٥٥٤، و الخزانة ١ ـ ٢٢٣، و ابن الشجري ١ـ٣٦، ٣٠١، والإنصاف ١٥١، و الكامل ٧٠٠، و سيبويه ١ ـ ١٦٠، وأم غيلان هي بنت جرير، والسرى: سير الليل، و المطي: جمع مطية، وهي الراحلة يمتطى ظهرها، أي يركب، وأراد: ليل ركاب المطي، يقول: دعي عنك اللوم، فنحن لما نرجو من غيب السرى لا نصغي إلى لومك و عذلك، و الشاهد فيه وصف الليل بالنوم اتساعا و مجازا..
٢ البيت من الرجز، وقد أنشده الفراء في "معاني القرآن"، قال: "جعل العصوف تابعا لليوم في إعرابه، وإنما العصوف للريح، وذلك جائز على وجهين: أحدهما أن العصوف وإن كان للريح فإن اليوم يوصف به لأن الريح فيه تكون، فجاز أن تقول: "يوم بارد ويوم حار"، وهنا وصف اليومين بالغيمين، وإنما يكون الغيم فيهما، و الوجه الآخر أن يريد: في يوم عاصف الريح، فتحذف الريح لأنها قد ذكرت في أول الكلمة، كما قال الشاعر:
 ويضحك عرفان الدروع جلودنا إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف
 يريد: كاسف الشمس.
 هذا وقد نقل الطبري أن هذا من نعت الريح خاصة، "غير أنه لما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه، وذلك أن العرب تتبع الخفض الخفض في النعوت، كما قال الشاعر:
 تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب
 فخفض "غير" إتباعا لإعراب "الوجه"، وإنما هي من نعت "السنة"، والمعنى: "خرب" وجه غير مقرفة"، وكما قالوا: "هذا حجر ضب خرب"ا هـ، فقد أتبعوا "خرب" لـ "ضب" في الإعراب، وهو في الحقيقة صفة للجحر، وإن كان ابن جني قد جعل كلمة "خرب" نعتا سببيا لـ "ضب" المجرور، وفاعله محذوفا، فيكون التقدير: "خرب جحره"، وعلى هذا فلا شذوذ في المثال، والمسألة مشهورة بين النحويين. "راجع الخصائص لابن حني"..
٣ الذي أثبته أبو حيان في "البحر المحيط" أن هذه القراءة لابن أبي إسحاق، وإبراهيم ابن أبي بكر، فتأمل الفرق..

### الآية 14:19

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [14:19]

وقرأ السلمي :**«ألم تر »** بسكون الراء، بمعنى ألم تعلم من رؤية القلب. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر :**«خلق السماوات »** وقرأ حمزة والكسائي **«خالق السماوات »** فوجه الأولى : أنه فعل قد مضى، فذكر كذلك، ووجه الثانية : أنه ك  فاطر السماوات والأرض [(١)](#foonote-١) \[ الأنعام : ١٤ يوسف : ١٠١ إبراهيم : ١٠ الزمر : ٤٦ الشورى : ١١ \] و  فالق الإصباح [(٢)](#foonote-٢) \[ الأنعام : ٩٦ \]. 
وقوله : بالحق  أي بما يحق في جوده، ومن جهة مصالح عباده، وإنفاذ سابق قضائه، ولتدل عليه وعلى قدرته. ثم توعد تبارك وتعالى بقوله : إن يشأ يذهبكم  أي يعدمكم ويطمس آثاركم. وقوله : بخلق جديد  يصح أن يريد : من فرق بني آدم، ويصح غير ذلك.

١ من الآية (١) من سورة (فاطر)..
٢ من الآية (٩٥) من سورة (الأنعام)..

### الآية 14:20

> ﻿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [14:20]

وقوله : وما ذلك على الله بعزيز  أي بممتنع.

### الآية 14:21

> ﻿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [14:21]

برزوا  معناه، صاروا بالبراز، وهي الأرض المتسعة كالبراح والقواء والخبار[(١)](#foonote-١) فاستعير ذلك لجمع يوم القيامة. 
وقولهم  تبعاً  يحتمل أن يكون مصدراً، فيكون على نحو قولهم : قول عدل، وقوم حرب، ويحتمل أن يكون جمع تابع، على غائب وغيب، وهو تأويل الطبري. 
وفسر الناس  الضعفاء  بالأتباع، و **«المستكبرين »** بالقادة وأهل الرأي، وقولهم  مغنون  من الغناء، وهي المنفعة التي تكون من الإنسان للآخر في الدفاع وغيره، وقوله : أجزعنا  ألف التسوية، وليست بألف استفهام، بل هي كقوله : آنذرتهم أم لم تنذرهم [(٢)](#foonote-٢) \[ البقرة : ٦ \] و **«المحيص »** المفر والملجأ، مأخوذ من حاص يحيص إذا نفر وفر ومنه في حديث هرقل : فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب[(٣)](#foonote-٣)، وروي عن ابن زيد وعن محمد بن كعب : أن أهل النار يقولون : إنما نال أهل الجنة الرحمة بالصبر على طاعة الله، فتعال فلنصبر، فيصبرون خمسمائة سنة، فلا ينتفعون، فيقولون هلم فنجزع، فيضجون ويصيحون ويبكون خمسمائة سنة أخرى، فلا ينتفعون، فحينئذ يقولون هذا القول الذي في الآية[(٤)](#foonote-٤)، وظاهر الآية أنهم إنما يقولونها في موقف العرض وقت البروز بين يدي الله تعالى. 
١ الخبار من الأرض: ما لان واسترخى و ساخت فيه قوائم الدواب، ويقال في المثل: "من تجنب الخبار، أمن العثار"، (المعجم الوسيط ـ خبر)..
٢ من الآية (٦) من سورة (البقرة)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب "بدء الوحي"، وفي تفسير سورة النساء، وأخرجه أبو داود، والترمذي في الجهاد، و هو حديث طويل. (راجع البخاري)..
٤ أخرجه ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية، وأخرج مثله ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن كعب بن مالك رضي الله عنه، رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما أحسب في قوله: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص قال: يقول أهل النار.... الخ الحديث. (الدر المنثور)..

### الآية 14:22

> ﻿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ۖ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [14:22]

المراد هنا ب  الشيطان  إبليس الأفذم نفسه، وروي في حديث عن النبي عليه السلام - من طريق عقبة بن عامر - أنه قال :«يقوم يوم القيامة خطيبان : أحدهما إبليس يقوم في الكفرة بهذه الألفاظ، والآخر عيسى ابن مريم يقوم بقوله : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به [(١)](#foonote-١) \[ المائدة : ١١٧ \[، وقال بعض العلماء : يقوم إِبليس خطيب السوء، الصادق بهذه الآية. 
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذه الرواية يكون معنى قوله : قضي الأمر  أي حصل أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة، وهو تأويل الطبري. 
قال القاضي أبو محمد : و  قضي  قد يعبر عنها في الأمور عن فعل كقوله تعالى : وقضي الأمر واستوت على الجودي [(٢)](#foonote-٢) \[ هود : ٤٤ \] وقد يعبر بها عن عزم على أن يفعل، كقوله : قضي الأمر الذي فيه تستفتيان [(٣)](#foonote-٣) \[ يوسف : ٤١ \]. 
و  الوعد  في هذه الآية على بابه في الخير، أي إن الله وعدهم النعيم إن آمنوا، ووعدهم إبليس الظفر والأمر إن كذبوا، ومعلوم اقتران وعد الله بوعيده، واتفق أن لم يتبعوا طلب وعد الله فوقعوا في وعيده، وجاء من ذلك كأن إبليس أخلفهم. وال  سلطان  الحجة البينة، وقوله : إلا أن دعوتكم  استثناء منقطع[(٤)](#foonote-٤)، و  أن  في موضع نصب، ويصح أن تكون في موضع رفع على معنى : إلا أن النائب عن السلطان، إن دعوتكم فيكون هذا في المعنى كقول الشاعر :\[ الوافر \]
تحية بينهم ضرب وجيع[(٥)](#foonote-٥). . . ومعنى قوله : فاستجبتم لي  أي رأيتم ما دعوتكم إليه ببصيرتكم واعتقدتموه الرأي وأتى نظركم عليه. 
قال القاضي أبو محمد : وذكر بعض الناس أن هذا المكان يبطل منه التقليد، وفي هذه المقالة ضعف على احتمالها، والتقليد وإن كان باطلاً ففساده من غير هذا الموضع. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يريد ب » السلطان «في هذه الآية الغلبة والقدرة والملك، أي ما اضطررتكم ولا خوفتكم بقوة مني، بل عرضت عليكم شيئاً، فأتى رأيكم عليه. 
وقوله : فلا تلوموني  يريد بزعمه إذ لا ذنب لي  ولوموا أنفسكم  في سوء نظركم وقلة تثبتكم فإنكم إنما أتيتم اتباعي عن بصيرة منكم وتكسب. و » المصرخ «المغيث، والصارخ : المستغيث. ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع. . . كان الصراخ له قطع الظنابيب[(٦)](#foonote-٦)
فيقال : صرخ الرجل، وأصرخ غيره، وأما الصريخ فهو مصدر بمنزلة البريح[(٧)](#foonote-٧)، ويوصف به، كما يقال : رجل عدل ونحوه. 
وقرأ حمزة والأعمش وابن وثاب » بمصرخي «بكسر الياء تشبيهاً لياء الإضمار بهاء الإضمار في قوله : مصرخيه، ورد الزجاج هذه القراءة، وقال ردية مرذولة[(٨)](#foonote-٨)، وقال فيها القاسم بن معن : إنها صواب، ووجهها أبو علي وحكى أبو حاتم : أن أبا عمرو حسنها، وأنكر أبو حاتم على أبي عمرو[(٩)](#foonote-٩). 
وقوله : بما أشركتمون  أي مع الله تعالى في الطاعة لي التي ينبغي أن يفرد الله بها، ف ****«ما »**** مصدرية، وكأنه يقول : إني الآن كافر بإشراككم أيأي مع الله قبل هذا الوقت. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا تبر منه، وقد قال الله تعالى : ويوم القيامة يكفرون بشرككم [(١٠)](#foonote-١٠) \[ فاطر : ١٤ \] ويحتمل أن يكون اللفظ إقراراً على نفسه بكفره الأقدم، فتكون ****«ما »**** بمعنى الذي، يريد الله تعالى، أي خطيئتي قبل خطيئتكم، فلا إصراخ عندي[(١١)](#foonote-١١)، وباقي الآية بين.

١ أخرج ابن المبارك في الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، و الطبراني، وابن مردويه، وابن عساكر بسند ضعيف عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جمع الله الأولين والآخرين وقضى بينهم وفرغ من القضاء يقول المؤمنون قد قضى بيننا وفرغ من القضاء) وهو حديث طويل يأتي فيه أيضا قول الكافرين و جدالهم مع إبليس. أما النص الذي ذكره ابن عطية فقد أخرجه ابن جرير، وابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه. (الدر المنثور)..
٢ من الآية (٤٤) من سورة (هود)..
٣ من الآية (٤١) من سورة (يوسف)..
٤ لأن دعاءه إياهم ليس من جنس السلطان وهو الحجة البينة، وقيل: هو استثناء متصل، لأن القدرة على حمل الإنسان على الشيء تارة تكون بالقهر من الحامل، وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه، و ذلك بإلقاء الوساوس إليه، فهذا نوع من التسلط..
٥ والضرب ليس من جنس التحية، وكأن الشيطان قال ذلك لهم مبالغة في نفيه للسطان عن نفسه، كأنه قال: إنما يكون لي عليكم سلطان إذا كان مجرد الدعاء من السلطان، وليس منه قطعا، هذا والشعر لعمرو بن معديكرب الزبيدي. والبيت بتمامه:
 وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع.
٦ البيت لسلامة بن جندل، وهو شاعر جاهلي مقل، من شعراء الطبقة الثانية، و هو فارس من فرسان تميم المعدودين، والبيت من قصيدة له يرثي فيها شبابه و ما كان فيه من فروسية، ويقول في مطلعها:
 أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب أودى، وذلك شأو غير مطلوب
 والظنابيب: جمع ظنبوب وهو ظلم و هو عظم الساق، وقرع الظنوب هو أن يضرب الرجل ظنبوب البعير ليتنوخ له فيركبه، والمراد هنا سرعة الإجابة، لأنهم يستجيبون للمستغيث الصارخ بإناخة الجمال للركوب، فإذا تأخرت قرعوا ظنابيبها لتبرك بسرعة..
٧ يقال: قول بريح: مصوب به، قال الهذلي:
 فإن ابن ترنى إذا جئتكم يدافع عني قولا بريحا.
٨ في بعض النسخ: هي ردية مردودة..
٩ وقع خلاف كبير بين العلماء في هذه القراءة، قال الفراء: "لعلها من وهم القراء طبقة يحيى، فإنه قل من سلم منهم من الوهم، ولعله ظن أن الباء في \[بمصرخي\] خافضة للحرف كله، والياء من المتكلم خارجة من ذلك"، وقال أبو عبيد: "نراهم غلطوا ظنوا أن الباء تكسر ما بعدها"، وقال الأخفش: "ما سمعت هذا من أحد من العرب ولا من النحويين"، وقال النحاس: "صار هذا إجماعا، ولا يجوز أن يحمل كتاب الله على الشذوذ"، و حاول الزمخشري ـ مع اعترافه بضعفها ـ أن يستشهد لها ببيت مجهول (وقيل هو للأغلب العجلي):
 قال لها هل لك ياتافي قالت له ما أنت بالمرضي
 كأن الشاعر قدر ياء الإضافة ساكنة وقبلها ياء ساكنة، فحركها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين، قال الزمخشري: "ولكن هذا غير صحيح، لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قلبها ألف نحو عصاي، فما بالها وقبلها ياء؟"، وقال القاسم بن معن عن هذه القراءة: هي صواب، وسأل حسين الجعفي أبا عمرو بن العلاء وذكر تلحين أهل النحو، فقال: "هي جائزة"، قال أبو حيان الأندلسي: "ولا التفات إلى إنكار أبي حاتم على أبي عمرو تحسينها، فأبو عمرو إمام لغة، وإمام نحو، وإمام قراءة، وعربي صريح، وقد أجازها وحسنها، وقد روا بيت النابغة:
 علي لعمرو نعمة بعد نعمة لوالده ليست بذات عقارب
 بخفض الياء من "علي"..
١٠ من الآية (١٤) من سورة (فاطر). ومثلها قوله تعالى: إنا براءه منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم..
١١ يرد على هذا القول أن فيه إطلاق (ما) على الله تعالى، و (ما) الأصح فيها أنها لا تطلق على آحاد من يعلم ويعقل..

### الآية 14:23

> ﻿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ [14:23]

وقرأ الجمهور **«وأُدخلَ »** على بناء الفعل للمفعول، وقرأ الحسن :**«وأُدخِلُ »** على فعل المتكلم، أي يقولها الله عز وجل[(١)](#foonote-١)، وقوله : من تحتها  أي من تحت ما علا منها، كالغرف والمباني والأشجار وغيره. و **«الخلود »** في هذه الآية على بابه في الدوام، و **«الإذن »** هنا عبارة عن القضاء والإمضاء، وقوله : تحيتهم  مصدر مضاف إلى الضمير، فجائز أن يكون الضمير للمفعول أي تحييهم الملائكة، وجائز أن يكون الضمير للفاعل، أي يحيي بعضهم بعضاً. 
و  تحيتهم  رفع بالابتداء، و  سلام  ابتداء ثان، وخبره محذوف تقديره عليكم، والجملة خبر الأول، والجميع في موضع الحال من المضمرين في  خالدين  أو يكون صفة ل  جنات .

١ تثير هذه القراءة سؤالا هو: فبم يتعلق قوله تعالى: بإذن ربهم؟ لأن قوله: "أدخلهم أنا بإذن ربهم" كلام غير ملتئم، وكان الظاهر أن يقال: أدخلهم بإذني. وحاول الزمخشري أن يجيب عن ذلك فقال: "الوجه في هذه القراءة أن يتعلق قوله: بإذن ربهم بما بعده، أي: تحيتهم فيها سلام بإذن ربهم، يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم". وقال أبو حيان الأندلسي: "معنى كلام الزمخشري أن قوله بإذن ربهم معمول لقوله: \[تحيتهم\]، ولذلك قال: "إن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم"، وهذا لا يجوز، لأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل بالفعل وبحرف مصدري عليه، وهو غير جائز"..

### الآية 14:24

> ﻿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [14:24]

قوله : ألم تر  بمعنى ألم تعلم، و  مثلاً  مفعول بضرب، و  كلمة  مفعول أول بها، و  ضرب  هذه تتعدى إلى مفعولين، لأنها بمنزلة جعل ونحوه إذ معناها : جعل ضربها. وقال المهدوي : مثلاً  مفعول، و  كلمة  بدل منه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا على أنها تتعدى إلى مفعول واحد، وإنما أوهم في هذا قلة التحرير في  ضرب  هذه. 
والكاف في قوله : كشجرة  في موضع الحال، أي مشبهة شجرة. 
قال القاضي أبو محمد : وقال ابن عباس وغيره :****«الكلمة الطيبة »**** هي لا إله إلا الله، مثلها الله ب ******«الشجرة الطيبة »******، وهي النخلة في قول أكثر المتأولين، فكأن هذه الكلمة  أصلها ثابت  في قلوب المؤمنين، وفضلها وما يصدر عنها من الأفعال الزكية والحسنة وما يتحصل من عفو الله ورحمته - هو فرعها يصعد إلى السماء من قبل العبد، ويتنزل بها من قبل الله تعالى. 
وقرأ أنس بن مالك **«ثابت أصلها »**[(١)](#foonote-١) وقالت فرقة : إنما مثل الله ب ******«الشجرة الطيبة »****** المؤمن نفسه، إذ ****«الكلمة الطيبة »**** لا تقع إلا منه، فكأن الكلام كلمة طيبة وقائلها. وكأن المؤمن ثابت في الأرض وأفعاله وأقواله صاعدة، فهو كشجرة فرعها في السماء، وما يكون أبداً من المؤمن من الطاعة، أو عن الكلمة من الفضل والأجر والغفران هو بمثابة الأكل الذي تأتي به كل حين. 
وقوله عن الشجرة  وفرعها في السماء  أي في الهواء نحو السماء، والعرب تقول عن المستطيل نحو الهواء، وفي الحديث :**«خلق الله آدم طوله في السماء ستون ذراعاً »**[(٢)](#foonote-٢)، وفي كتاب سيبويه : والقيدودة : الطويل في غير سماء[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : كأنه انقاد وامتد. 
وقال أنس بن مالك وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد :******«الشجرة الطيبة »****** في هذه الآية هي النخلة، وروي ذلك في أحاديث [(٤)](#foonote-٤)وقال ابن عباس أيضاً : هي شجرة في الجنة. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن تكون شجرة غير معينة إلا أنها كل ما اتصف بهذه الصفات[(٥)](#foonote-٥) فيدخل في ذلك النخلة وغيرها. وقد شبه الرسول عليه السلام المؤمن الذي يقرا القرآن بالأترجة[(٦)](#foonote-٦)، فلا يتعذر أيضاً أن يشبه بشجرتها.

١ في هذه القراءة أجريت الصفة على الشجرة لفظا وإن كانت في الحقيقة للسببي، أما في قراءة الجماعة فإن الثبوت أسند إلى السببي لفظا ومعنى..
٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأخرجه الإمامان البخاري و مسلم، عن أبي هريرة، ولفظه كما في "الجامع الصغير": (خلق الله آدم عل صورته، وطوله ستون ذراعا، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك النفر ـ وهم نفر من الملائكة جلوس ـ فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه "ورحمة الله"، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم في طوله ستون ذراعا، فلم تزل الخلق تنقص بعده حتى الآن)، وقد رمز له السيوطي بالصحة..
٣ اختلفت الأصول في هذه الجملة، ففي بعضها: "في سماء"، وفي بعضها: "في غير سماء"، كما أن كلمة "القيدودة" كتبت بالدال في بعض النسخ، وبالراء في نسخ أخرى..
٤ منها ما روي عن أنس رضي الله عنه، قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من بسر ـ والقناع: الطبق من عسب النخل يوضع فيه الطعام والفاكهة ـ فقال: مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة حتى بلغ تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها قال: هي النخلة، و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة حتى بلغ ما لها من قرار قال: هي الحنظلة، أخرجه الترمذي، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وغيرهم، ومنها ما أخرجه البخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وغيرهم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبروني بشجرة مثل الرجل المسلم، لا يتحات ورقها، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، قال عبد الله رضي الله عنه: فوقع في نفسي أنها النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم، وثم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما لم يتكلما بشيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة..
٥ وصفت هذه الشجرة بصفات أربع: الأولى أنها طيبة، أي: كريمة المنبت، والثانية رسوخ أصلها، وهذا يدل على تمكنها، وعلى أن الرياح لا تقصفها، وهي لهذا طويلة العمر، والثالثة علو فرعها، وذلك يدل على رسوخ عروقها في الأرض، والرابعة أن ثمرها دائم مستمر، وأن عطاءها لا ينقطع، فهي تعطي جناها في كل وقت أراده الله سبحانه..
٦ أخرجه البخاري في الأطعمة، وفي فضائل القرآن، وفي التوحيد، وأخرجه مسلم في المسافرين، وأبو داود في الأدب، وكذلك الترمذي، والنسائي في الإيمان، وابن ماجه في المقدمة، والدارمي في فضائل القرآن، والإمام أحمد في مسنده (٤ ـ ٣٩٧، ٤٠٤، ٤٠٨)، ولفظه كما في البخاري في كتاب "فضائل القرآن" عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الذي يقرأ القرآن كالأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر ولا ريح لها). والأترج: شجر يعلو، ناعم الأغصان و الورق وا لثمر، وثمره كالليمون الكبار، وهو ذهبي اللون، زكي الرائحة، حامض الماء. (المعجم الوسيط)..

### الآية 14:25

> ﻿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [14:25]

و **«الأكل »** الثمر وقرأ عاصم وحده **«أكُلها »** بضم الكاف. 
وقوله : كل حين  :****«الحين »**** في اللغة - القطيع من الزمن غير محدد كقوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين [(١)](#foonote-١) \[ الإنسان : ١ \] وكقوله : ولتعلمن نبأه بعد حين [(٢)](#foonote-٢) \[ ص : ٨٨ \]. وقد تقتضي لفظة الحين بقرينتها تحديداً، كهذه الآية، فإن ابن عباس وعكرمة ومجاهداً والحكم وحماداً وجماعة من الفقهاء قالوا : من حلف ألا يفعل شيئاً حيناً فإنه لا يفعله سنة، واستشهدوا بهذه الآية  تؤتي أكلها كل حين  أي كل سنة، وقال ابن عباس وعكرمة والحسن : أي كل ستة أشهر، وقال ابن المسيب : الحين شهران لأن النخلة تدوم مثمرة شهرين، وقال ابن عباس أيضاً والضحاك والربيع بن أنس : كل حين  أي غدوة وعشية ومتى أريد جناها. 
قال القاضي أبو محمد : وهكذا يشبهها المؤمن الذي هو في جميع أيامه في عمل، أو الكلمة التي أجرها والصادر عنها من الأعمال مستمر، فيشبه أن قول الله تعالى إنما شبه المؤمن أو الكلمة بالشجرة في حال إثمارها إذ تلك أفضل أحوالها. وتأول الطبري في ذلك أن أكل الطلح في الشتاء، وإن أكل الثمر في كل وقت من أوقات العام، وهو إتيان أكل، وإن فارق النخل، وإن فرضنا التشبيه بها على الإطلاق. وهي إنما تؤتي في وقت دون وقت، فالمعنى كشجرة لا تخل بما جعلت له من الإتيان بالأكل في الأوقات المعلومة، فكذلك هذا المؤمن لا يخل بما يسر له من الأعمال الصالحة أو الكلمة التي لا تغب بركتها والأعمال الصادرة عنها بل هي في حفظ النظام كالشجرة الطيبة في حفظ وقتها المعلوم. وباقي الآية بين. 
قال القاضي أبو محمد : ومن قال :****«الحين »**** سنة - راعى أن ثمر النخلة وجناها إنما يأتي كل سنة، ومن قال ستة أشهر - راعى من وقت جذاذ النخل إلى حملها من الوقت المقبل. وقيل : إن التشبيه وقع بالنخل الذي يثمر مرتين في العام، ومن قال شهرين. قال : هي مدة الجني في النخل. وكلهم أفتى بقوله في الإيمان على الحين[(٣)](#foonote-٣).

١ من الآية (١) من سورة (الإنسان)..
٢ الآية (٨٨) من سورة (ص) وهي آخر السورة..
٣ يعني أن رأي كل واحد في معنى "الإثيان" متوقف على رأيه في معنى " الحين"..

### الآية 14:26

> ﻿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [14:26]

وحكى الكسائي والفراء : أن في قراءة أبي بن كعب **«وضرب الله مثلاً كلمة خبيثة »**[(١)](#foonote-١)، و **«الكلمة الخبيثة »** هي كلمة الكفر وما قاربها من كلام السوء في الظلم ونحوه. و  الشجرة الخبيثة  قال أكثر المفسرين هي شجرة الحنظل -قاله أنس بن مالك ورواه عن النبي عليه السلام[(٢)](#foonote-٢)، وهذا عندي على جهة المثال. وقالت فرقة : هي الثوم، وقال الزجاج : قيل هي الكشوت. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذه الأقوال من الاعتراض : أن هذه كلها من النجم[(٣)](#foonote-٣) وليست من الشجر، والله تعالى إنما مثل بالشجرة فلا تسمى هذه إلا بتجوز، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثوم والبصل : من أكل من هذه الشجرة[(٤)](#foonote-٤)، وأيضاً فإن هذه كلها ضعيفة وإن لم تجتث، اللهم إلا أن تقول : اجتثت بالخلقة. 
وقال ابن عباس : هذا مثل ضربه الله ولم يخلق هذه الشجرة على وجه الأرض. 
والظاهر عندي أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة إذا وجدت فيها هذه الأوصاف. فالخبث هو أن تكون كالعضاة، أو كشجر السموم أو نحوها. إذا اجتثت - أي اقتلعت، حيث جثتها بنزع الأصول وبقيت في غاية الوهاء والضعف فتقلبها أقل ريح. فالكافر يرى أن بيده شيئاً وهو لا يستقر ولا يغني عنه، كهذه الشجرة التي يظن بها على بعد أو للجهل بها أنها شيء نافع وهي خبيثة الجني غير باقية.

١ نص عبارة الفراء كما هي في كتابه "معاني القرآن": "وهي في قراءة أبي: (وضرب مثلا كلمة خبيثة) كشجرة خبيثة، وكل صواب". أي بدون إضافة كلمة "مثل" إلى "الكلمة"..
٢ راجع الحديث الذي روي عن أنس رضي الله عنه في أن المراد بالشجرة الطيبة النخلة، هامش رقم (١) ص (٢٣٤)..
٣ النجم من النبات: مالا ساق له، ويقال: ليس لهذا الشيء نجم، أي أصل..
٤ الذي رواه البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه هو: (من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته)، وهذا ما نقله السيوطي عنهما في "الجامع الصغير"، وقال: هو حديث صحيح، ولا يوجد في اللفظ الذي رواه كل منهما كلمة "شجرة"، ولعلها موجودة في رواية غيرهما..

### الآية 14:27

> ﻿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [14:27]

القول الثابت في الحياة الدنيا ، كلمة الإخلاص والنجاة من النار : لا إله إلا الله، والإقرار بالنبوة. 
وهذه الآية تعم العالم من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، وقال طاوس وقتادة وجمهور العلماء : الحياة الدنيا  هي مدة حياة الإنسان.  وفي الآخرة  هي وقت سؤاله في قبره. وقال البراء بن عازب وجماعة  في الحياة الدنيا  هي وقت سؤاله في قبره -ورواه البراء عن النبي عليه السلام في لفظ متأول[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : ووجه القول لأن ذلك في مدة وجود الدنيا. 
وقوله  في الآخرة  هو يوم القيامة عند العرض. 
قال القاضي أبو محمد : والأول أحسن، ورجحه الطبري. 
و  الظالمين  في هذه الآية، الكافرين، بدليل أنه عادل بهم المؤمنين، وعادل التثبيت بالإضلال، وقوله : ويفعل الله ما يشاء  تقرير لهذا التقسيم المتقدم، كأن امرأً رأى التقسيم فطلب في نفسه علته، فقيل له : ويفعل الله ما يشاء  بحق الملك. 
وفي هذه الآية رد على القدرية. 
وذكر الطبري في صفة مساءلة العبد في قبره أحاديث، منها ما وقع في الصحيح. وهي من عقائد الدين، وأنكرت ذلك المعتزلة. ولم تقل بأن العبد يسأل في قبره، وجماعة السنة تقول : إن الله يخلق له في قبره إدراكات وتحصيلاً، إما بحياة كالمتعارفة، وإما بحضور النفس وإن لم تتلبس بالجسد كالعرف، كل هذا جائز في قدرة الله تعالى، غير أن في الأحاديث :**«إنه يسمع خفق النعال »**، ومنها :**«إنه يرى الضوء كأن الشمس دنت للغروب »**، وفيها :**«إنه ليراجع »**، وفيها :**«فيعاد روحه إلى جسده »**، وهذا كله يتضمن الحياة - فسبحان رب هذه القدرة. 
١ الحديث جاء موقوفا في بعض طرق مسلم عن البراء، قال القرطبي: والصحيح فيه الرفع كما في صحيح مسلم، وكتاب النسائي، وأبي داود، وابن ماجه، وغيرهم، وذكر البخاري بسنده عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقعد المؤمن في قبره أتاه آت، ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فذلك قوله: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وقيل: معنى يثبت: يديمهم الله على القول الثابت، ومنه قول عبد الله بن رواحة:
 يثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصرا
 وليس في الحديث ما يفيد أن الحياة الدنيا هي في القبر، وأن الآخرة هي يوم القيامة، وليس فيه أيضا ما يفيد العكس، ولهذا قال ابن عطية: "في لفظ متأول"..

### الآية 14:28

> ﻿۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [14:28]

وقوله : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً  الآية، هذا تنبيه على مثال من ظالمين أضلوا، والتقدير : بدلوا شكر نعمة الله كفراً، وهذا كقوله : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون [(١)](#foonote-١) \[ الواقعة : ٨٢ \]. 
و  نعمة الله  المشار إليها في هذه الآية هو محمد عليه السلام ودينه، أنعم الله به على قريش، فكفروا النعمة ولم يقبلوها، وتبدلوا بها الكفر. 
والمراد ب  الذين  كفرة قريش جملة - هذا بحسب ما اشتهر من حالهم - وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين. وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب : أنها نزلت في الأفجرين من قريش : بني مخزوم وبني أمية. قال عمر : فأما بنو المغيرة فكفوا يوم بدر[(٢)](#foonote-٢). وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وقال ابن عباس : هذه الآية في جبلة بن الأيهم[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : ولم يرد ابن عباس أنها فيه نزلت لأن نزول الآية قبل قصته، وإنما أراد أنها تحصر من فعل جبلة إلى يوم القيامة. 
وقوله : وأحلوا قومهم  أي من أطاعهم، وكان معهم في التبديل، فكأن الإشارة والتعنيف إنما هي للرؤوس والأعلام، و  البوار  الهلاك، ومنه قول أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. 
يا رسول المليك إن لساني. . . فاتقٌ ما رتَقْتَ إذ أنا بُور[(٤)](#foonote-٤)
قال الطبري : وقال هو وغيره : إنه يروى لابن الزبعرى. 
ويحتمل أن يريد ب  البوار  : الهلاك في الآخرة ففسره حينئذ بقوله : جهنم يصلونها ، يحترقون في حرها ويحتملونه، ويحتمل أن يريد ب  البوار  : الهلاك في الدنيا بالقتل والخزي فتكون **«الدار »** قليب بدر ونحوه. وقال عطاء : نزلت هذه الآية في قتلى بدر. 
قال القاضي أبو محمد : فيكون قوله : جهنم  نصباً، على حد قولك : زيداً ضربته، بإضمار فعل يقتضيه الظاهر. 
و  القرار  : موضع استقرار الإنسان.

١ الآية (٨٢) من سورة (الواقعة)، والتقدير فيها: وتجعلون شكر رزقكم..
٢ الكلام عن بني مخزوم، والمراد أن الله أهلكهم يوم بدر وكفى المؤمنين شرهم..
٣ في الأصول كلها: "جبلة بن إبراهيم"، وهو خطأ واضح من النساخ، والصواب ما أثبتناه، وله قصة معروفة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد أسلم، وأكرم عمر مقدمه، وخرج للحج مع عمر، فوطىء فزاري إزاره في الطواف، فضربه جبلة فهشم أنفه، فلما شكاه إلى عمر رضي الله عنه قال عمر: لابد من القود، قال: هو من السوقة وأنا ملك، قال عمر: الإسلام سوى بينكما، قال: إذا أتنصر، قال عمر: أضرب عنقك لأنك مسلم مرتد، فلما رأى الجد في كلام عمر رضي الله عنه هرب مع قومه إلى الشام وتنصر وعاش حزينا نادما في بلاط الروم..
٤ نسبه في (اللسان) إلى عبد الله بن الزبعرى السهمي، وكذلك في سيرة ابن هشام أنشده ونسبه إلى ابن الزبعرى ضمن أبيات قالها حين قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هاربا منه في نجران، وقد ذكر ابن عطية أن الطبري وغيره ينسبون البيت أيضا لابن الزبعرى، والراتق: الذي يصلح ما تمزق من الثوب، و فتق: شق وقطع، والمراد هنا ما أحدث في الدين، وما قاله من هجاء النبي بشعره، وهذا كله إثم يشبه الفتق في الثوب، والتوبة رتق وإصلاح له، وبور: هالك، يقال: رجل بور، وكذلك الاثنان والجمع، وقد استشهد أبو عبيدة في "مجاز القرآن" بهذا البيت منسوبا إلى ابن الزبعرى على أن البوار معناه الهلاك، وأنه يقال منه: بار يبور..

### الآية 14:29

> ﻿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ [14:29]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٨:وقوله : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً  الآية، هذا تنبيه على مثال من ظالمين أضلوا، والتقدير : بدلوا شكر نعمة الله كفراً، وهذا كقوله : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون [(١)](#foonote-١) \[ الواقعة : ٨٢ \]. 
و  نعمة الله  المشار إليها في هذه الآية هو محمد عليه السلام ودينه، أنعم الله به على قريش، فكفروا النعمة ولم يقبلوها، وتبدلوا بها الكفر. 
والمراد ب  الذين  كفرة قريش جملة - هذا بحسب ما اشتهر من حالهم - وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين. وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب : أنها نزلت في الأفجرين من قريش : بني مخزوم وبني أمية. قال عمر : فأما بنو المغيرة فكفوا يوم بدر[(٢)](#foonote-٢). وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وقال ابن عباس : هذه الآية في جبلة بن الأيهم[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد : ولم يرد ابن عباس أنها فيه نزلت لأن نزول الآية قبل قصته، وإنما أراد أنها تحصر من فعل جبلة إلى يوم القيامة. 
وقوله : وأحلوا قومهم  أي من أطاعهم، وكان معهم في التبديل، فكأن الإشارة والتعنيف إنما هي للرؤوس والأعلام، و  البوار  الهلاك، ومنه قول أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. 
يا رسول المليك إن لساني... فاتقٌ ما رتَقْتَ إذ أنا بُور[(٤)](#foonote-٤)
قال الطبري : وقال هو وغيره : إنه يروى لابن الزبعرى. 
ويحتمل أن يريد ب  البوار  : الهلاك في الآخرة ففسره حينئذ بقوله : جهنم يصلونها ، يحترقون في حرها ويحتملونه، ويحتمل أن يريد ب  البوار  : الهلاك في الدنيا بالقتل والخزي فتكون ****«الدار »**** قليب بدر ونحوه. وقال عطاء : نزلت هذه الآية في قتلى بدر. 
قال القاضي أبو محمد : فيكون قوله : جهنم  نصباً، على حد قولك : زيداً ضربته، بإضمار فعل يقتضيه الظاهر. 
و  القرار  : موضع استقرار الإنسان. 
١ الآية (٨٢) من سورة (الواقعة)، والتقدير فيها: وتجعلون شكر رزقكم..
٢ الكلام عن بني مخزوم، والمراد أن الله أهلكهم يوم بدر وكفى المؤمنين شرهم..
٣ في الأصول كلها: "جبلة بن إبراهيم"، وهو خطأ واضح من النساخ، والصواب ما أثبتناه، وله قصة معروفة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد أسلم، وأكرم عمر مقدمه، وخرج للحج مع عمر، فوطىء فزاري إزاره في الطواف، فضربه جبلة فهشم أنفه، فلما شكاه إلى عمر رضي الله عنه قال عمر: لابد من القود، قال: هو من السوقة وأنا ملك، قال عمر: الإسلام سوى بينكما، قال: إذا أتنصر، قال عمر: أضرب عنقك لأنك مسلم مرتد، فلما رأى الجد في كلام عمر رضي الله عنه هرب مع قومه إلى الشام وتنصر وعاش حزينا نادما في بلاط الروم..
٤ نسبه في (اللسان) إلى عبد الله بن الزبعرى السهمي، وكذلك في سيرة ابن هشام أنشده ونسبه إلى ابن الزبعرى ضمن أبيات قالها حين قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هاربا منه في نجران، وقد ذكر ابن عطية أن الطبري وغيره ينسبون البيت أيضا لابن الزبعرى، والراتق: الذي يصلح ما تمزق من الثوب، و فتق: شق وقطع، والمراد هنا ما أحدث في الدين، وما قاله من هجاء النبي بشعره، وهذا كله إثم يشبه الفتق في الثوب، والتوبة رتق وإصلاح له، وبور: هالك، يقال: رجل بور، وكذلك الاثنان والجمع، وقد استشهد أبو عبيدة في "مجاز القرآن" بهذا البيت منسوبا إلى ابن الزبعرى على أن البوار معناه الهلاك، وأنه يقال منه: بار يبور..


---

### الآية 14:30

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [14:30]

و  أنداداً  جمع ند وهو المثيل والمشبه المناوىء والمراد الأصنام. 
واللام في قوله : ليضلوا  - بضم الياء - لام كي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو **«ليَضلوا »** بفتح الياء - أي هم أنفسهم - فاللام - على هذا - لام عاقبة وصيرورة وقرأ الباقون **«ليُضلوا »** - بضم الياء - أي غيرهم. 
وأمرهم بالتمتع هو وعيد وتهديد على حد قوله : اعملوا ما شئتم [(١)](#foonote-١) \[ فصلت : ٤٠ \] وغيره.

١ من الآية (٤٠) من سورة (فصلت)، ومثلها في الوعيد والتهديد قوله تعالى: قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار، هذا قوله تعالى: \[مصيركم\] معناه: مرجعكم، فمصيركم مصدر من صار التامة بمعنى رجع، وخبر\[إن\] هو قوله تبارك وتعالى: إلى النار، ولا يقال هنا إن "صار" بمعنى انتقل ولذلك تعدى بإلى، لأنه بذلك تبقى \[إن\] بدون خبر، قال أبو حيان في "البحر": "ولا ينبغي أن يدعى حذفه فيكون التقدير: فإن مصير كم إلى النار واقع لا محالة، أو كائن، لأن حذف الخبر في مثل هذا التركيب قليل".
 .

### الآية 14:31

> ﻿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ [14:31]

**«العباد »** جمع عبد، وعرفه في التكرمة بخلاف العبيد[(١)](#foonote-١). وقوله : يقيموا  قالت فرقة من النحويين : جزمه بإضمار لام الأمر على حد قول الشاعر :\[ الوافر \]
محمد تفد نفسك كل نفس[(٢)](#foonote-٢). . . أنشده سيبويه - إلا أنه قال : إن هذا لا يجوز إلا في شعر. وقالت فرقة : أبو علي وغيره - هو فعل مضارع بني لما كان في معنى فعل الأمر، لأن المراد : أقيموا، وهذا كما بني الاسم المتمكن في النداء في قولك : يا زيد لما شبه بقبل وبعد[(٣)](#foonote-٣)، وقال سيبويه : هو جواب شرط مقدر يتضمنه صدر الآية، تقديره : إن تقل لهم أقيموا يقيموا. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يكون جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله : قل ، وذلك أن يجعل  قل  في هذه الآية بمعنى : بلغ وأد الشيعة يقيموا الصلاة[(٤)](#foonote-٤)، وهذا كله على أن المقول هو : الأمر بالإقامة والإنفاق. وقيل إن المقول هو : الآية التي بعد، أعني قوله : الله الذي خلق السماوات . 
و **«السر »** : صدقة التنقل، و **«العلانية »** المفروضة - وهذا هو مقتضى الأحاديث - وفسر ابن عباس هذه الآية بزكاة الأموال مجملاً، وكذلك فسر الصلاة بأنها الخمس - وهذا منه - عندي - تقريب للمخاطب. 
و  خلال  مصدر من خلل : إذا واد وصافى، ومنه الخلة والخليل وقال امرؤ القيس :\[ الطويل \]
صرفت الهوى عنهن من خشية الردى. . . ولست بمقلي الخلال ولا قال[(٥)](#foonote-٥)
وقال الأخفش :**«الخلال »** جمع خلة. 
وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر :**«لا بيع ولا خلال »** بالرفع على إلغاء **«لا »** وقرأ أبو عمرو والحسن وابن كثير :**«ولا بيعَ ولا خلالَ »** بالنصب على التبرية، وقد تقدم هذا. والمراد بهذا اليوم يوم القيامة. 
١ في (اللسان): قال الأزهري: "اجتمع العامة على تفرقة ما بين عباد الله والمماليك، فقالوا: هذا عبد من عباد الله، وهؤلاء عبيد مماليك"، وجعل بعضهم العباد لله، وغيره من الجمع لله والمخلوقين..
٢ يقال: قد يته فداء وفدى، وافتديته، والبيت نسب إلى أبي طالب، وحسان، والأعشى، وليس في ديوان أحد منهم، وهو في سيبويه، والخزانة، والعيني، والأشموني، و هو بتمامه:
 محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من شيء تبالا
 والمعنى: كل النفوس فداء للنبي صلى الله عليه وسلم، والشاهد فيه أن "تفد" مجزوم بإضمار لام الأمر، والتقدير: لتفد نفسك كل نفس. والتبال: سوء العاقبة..
٣ رد بعض العلماء هذا بقولهم: لو كان مضارعا بلفظ الخبر و معناه الأمر لبقي على إعرابه بالنون كقوله تعالى: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، ثم قال: تؤمنون بالله، والمعنى: آمنوا بالله..
٤ علق عليه أبو حيان في تفسيره (البحر المحيط) بقوله: "هذا الذي ذهب إليه تفكيك للكلام يخالفه ترتيب التركيب، و يكون قوله: يقيموا الصلاة كلاما مفلتا من القول و معموله، أو يكون جوابا فصل به بين القول ومعموله، ولا يترتب أن يكون جوابا لأن قوله: الذي خلق السموات والأرض لا يستدعي إقامة الصلاة والإنفاق إلا بتقدير بعيد جدا"..
٥ هذا البيت من قصيدته المشهورة التي بدأها بقوله:
 ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
 والمقلي: المبغض، والقالي: المبغض، والحلال: الصفات، يقول: إنه لم يدع حب الحسان يتملكه خشية الهلاك، وهو يريد الهلاك بالشهوة والضني والتيتم، فإن هذا يقضي على الحبيب، ثم يقول: إنه لم ينصرف عنهن لسوء في طباعه، بل نجاة من الهلاك..

### الآية 14:32

> ﻿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ [14:32]

وقوله تعالى : الله الذي خلق السماوات  الآية، تذكير بآلاء الله، وتنبيه على قدرته التي فيها إحسان إلى البشر لتقوم الحجة من جهتين. 
و  الله  مبتدأ، و  الذي  خبره. ومن أخبر بهذه الجملة وتقررت في نفسه آمن وصلى وأنفق. و  السماوات  هي الأرقعة السبعة والسماء في قوله،  وأنزل من السماء  \[ البقرة : ٢٢ \] السحاب. 
وقوله : من الثمرات [(١)](#foonote-١) يجوز أن تكون  من  للتبعيض، فيكون المراد بعض جني الأشجار، ويسقط ما كان منها سماً أو مجرداً للمضرات، ويجوز أن تكون  من  لبيان الجنس، كأنه قال : فأخرج به رزقاً لكم من الثمرات، وقال بعض الناس : من  زائدة -وهذا لا يجوز عند سيبويه لكونها في الواجب ويجوز عند الأخفش. 
و  الفلك  جمع فلك - وقد تقدم القول فيه مراراً - وقوله : بأمره  مصدر من أمر يأمر، وهذا راجع إلى الكلام القائم بالذات، كقول الله تعالى للبحار والأرض وسائر الأشياء، كن - عند الإيجاد - إنما معناه : كن بحال كذا وعلى وتيرة كذا، وفي هذا يندرج جريان الفلك وغيره. 
وفي **«تسخير الفلك »** ينطوي تسخير البحر وتسخير الرياح، وأما **«تسخير الأنهار »** فتفجرها في كل بلد، وانقيادها للسقي وسائر المنافع.

١ قال أبو حيان: هذا ليس بجيد، لأن "من" التي لبيان الجنس إنما تأتي بعد المبهم الذي تبينه..

### الآية 14:33

> ﻿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [14:33]

و  دائبين  معناه : متماديين ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الجمل الذي بكى وأجهش عليه :**«إن هذا الجمل شكى إلي أنك تجيعه وتديبه »**، أي تديمه في الخدمة والعمل - وظاهر الآية أن معناه : دائبين في الطلوع والغروب وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثرة. وحكى الطبري عن مقاتل بن حيان يرفع إلى ابن عباس أنه قال : معناه : دائبين في طاعة الله - وهذا قول إن كان يراد به - أن الطاعة انقياد منهما في التسخير، فذلك موجود في قوله : سخر  وإن كان يراد أنها طاعة مقصودة كطاعة العبادة من البشر، فهذا جيد، والله أعلم.

### الآية 14:34

> ﻿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [14:34]

وقوله : وآتاكم  للجنس من البشر، أي إن الإنسان بجملته قد أوتي من كل ما شأنه أن يسأل وينتفع به، ولا يطرد هذا في واحد من الناس وإنما تفرقت هذه النعم في البشر، فيقال -بحسب هذا - للجميع أُوتيتم كذا - على جهة التعديد للنعمة - وقيل المعنى : وآتاكم من كل ما سألتموه  أن لو سألتموه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قريب من الأول. 
و  ما  في قوله : ما سألتموه  يصح أن تكون مصدرية، ويكون الضمير في قوله : سألتموه  عائداً على الله تعالى : ويصح أن يكون  ما  بمعنى الذي، ويكون الضمير عائداً على الذي. 
وقرأ الضحاك بن مزاحم[(١)](#foonote-١) **«من كلٍّ ما سألتموه »** بتنوين  كل  وهي قراءة الحسن وقتادة وسلام، ورويت عن نافع، المعنى : وآتاكم من كل هذه المخلوقات المذكورات قبل. ما من شأنه أن يسأل لمعنى الانتفاع به. ف  ما  في قوله : ما سألتموه  مفعول ثان ب  آتاكم  وقال بعض الناس : ما  نافية على هذه القراءة أي أعطاكم من كل شيء لم يعرض له. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تفسير الضحاك. وأما القراءة الأولى بإضافة  كل  إلى  ما  - فلا بد من تقدير المفعول الثاني جزءاً أو شيئاً ونحو هذا. 
وقوله : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  أي لكثرتها وعظمها في الحواس والقوى والإيجاد بعد العدم والهداية للإيمان وغير ذلك. وقال طلق بن حبيب : إن حق الله تعالى أثقل من أن يقوم به العباد، ونعمه أكثر من أن يحصيها العباد. ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين وقال أبو الدرداء : من لم ير نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه. 
وقوله : إن الإنسان  يريد به النوع والجنس المعنى : توجد فيه هذه الخلال وهي الظلم والكفر، فإن كانت هذه الخلال من جاحد فهي بصفة وإن كانت من عاص فهي بصفة أخرى.

١ هو الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني، أبو القاسم، مفسر، كان يؤدب الأطفال، ذكره ابن حبيب تحت عنوان: "أشراف المعلمين وفقهاؤهم"، له كتاب في التفسير. (راجع ميزان الاعتدال ١ ـ ٤٧١، والمحبر ٤٧٥، والأعلام ٣ـ ٣١٠)..

### الآية 14:35

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [14:35]

المعنى : واذكر إذ قال إبراهيم، و  البلد  : مكة، و  آمناً  معناه فيه أمن، فوصفه بالأمن تجوزاً - كما قال : في يوم عاصف  \[ إبراهيم : ١٨ \]، وكما قال الشاعر :
وما ليل المطي بنائم[(١)](#foonote-١). . .  واجنبني  معناه : وامنعني، يقال : جنبه كذا وجنبه وأجنبه : إذا منعه من الأمر وحماه منه. 
وقرأ الجحدري والثقفي **«وأجنِبني »** بقطع الألف وكسر النون. 
وأراد إبراهيم بني صلبه، وكذلك أجيبت دعوته فيهم، وأما باقي نسله فعبدوا الأصنام، وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي إفراط خوفه على نفسه ومن حصل في رتبته، فكيف يخاف أن يعبد صنماً ؟ ! لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدى بها في الخوف وطلب الخاتمة. 
و  الأصنام  هي المنحوتة على خلقة البشر، وما كان منحوتاً على غير خلقة البشر فهي أوثان، قاله الطبري عن مجاهد.

١ هذا جزء من بيت، وهو بتمامه:
 لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت و ما ليل المطي بنائم
 وقد سبق الاستشهاد به عند تفسير قوله تعالى: مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد.... الآية، من هذه السورة (صفحة ٢٢١ هامش ١)..

### الآية 14:36

> ﻿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ۖ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [14:36]

ونسب إلى الأصنام أنها أضلت كثيراً من الناس - تجوز - إذ كانت عرضة الإضلال، والأسباب المنصوبة للغيّ، وعليها تنشأ الأغيار، وحقيقة الإضلال إنما هي لمخترعه، وقيل : أراد الأصنام هنا الدنانير والدراهم. 
وقوله : ومن عصاني  ظاهره بالكفر، بمعادلة قوله : فمن تبعني فإنه مني ، وإذا كان ذلك كذلك فقوله : فإنك غفور رحيم  معناه : بتوبتك على الكفرة حتى يؤمنوا، لا أنه أراد أن الله يغفر لكافر، لكنه حمله على هذه العبارة ما كان يأخذ نفسه به من القول الجميل والنطق الحسن وجميل الأدب - صلى الله عليه وسلم - قال قتادة : اسمعوا قول الخليل صلى الله عليه وسلم، والله ما كانوا طعانين ولا لعانين، وكذلك قال نبي الله عيسى  وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [(٢)](#foonote-٢) \[ المائدة : ١١٨ \] وأسند الطبري عن عبد الله بن عمر حديثاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم : تلا هاتين الآيتين ثم دعا لأمته، فبشر فيهم[(٣)](#foonote-٣) وكان إبراهيم التيمي يقول : من يأمن على نفسه بعد خوف إبراهيم الخليل على نفسه من عبادة الأصنام ؟.

### الآية 14:37

> ﻿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [14:37]

وقوله : ومن ذريتي  يريد : إسماعيل عليه السلام، وذلك أن سارة لما غارت بهاجر - بعد أن ولدت إسماعيل - تعذب إبراهيم عليه السلام، بهما، فروي أنه ركب البراق وهو وهاجر والطفل - فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، فنزل وترك ابنه وأمته هنالك، وركب منصرفاً من يومه ذلك، وكان هذا كله بوحي من الله تعالى فلما ولَّى دعا بمضمن هذه الآية، وأما كيفية بقاء هاجر وما صنعت وسائر خبر إسماعيل، ففي كتاب البخاري والسير وغيره. 
و  من  في قوله : ومن ذريتي  للتبعيض، لأن إسحاق كان بالشام، و **«الوادي »** : ما بين الجبلين، وليس من شروطه أن يكون فيه ماء. 
وهذه الآية تقتضي أن إبراهيم عليه السلام قد كان علم من الله تعالى أنه لا يضيع هاجر وابنها في ذلك الوادي، وأنه يرزقهما الماء، وإنما نظر النظر البعيد للعاقبة فقال : غير ذي زرع ، ولو لم يعلم ذلك من الله لقال : غير ذي ماء على ما كانت عليه حال الوادي عند ذلك[(١)](#foonote-١). 
وقوله : عند بيتك المحرم  إما أن يكون البيت قد كان قديماً - على ما روي قبل الطوفان، وكان علمه عند إبراهيم - وإما أن يكون قالها لما كان قد أعلمه الله تعالى أنه سيبني هنالك بيتاً لله تعالى، فيكون محرماً. ومعنى  المحرم  على الجبابرة وأن تنتهك حرمته ويستخف بحقه - قاله قتادة وغيره. 
وجمعه الضمير في قوله : ليقيموا  يدل على أن الله قد أعلمه أن ذلك الطفل سيعقب هنالك ويكون له نسل. واللام في قوله : ليقيموا  هي لام كي هذا هو الظاهر فيها - على أنها متعلقة ب  أسكنت ، والنداء اعتراض، ويصح أن تكون لام أمر، كأن رغب إلى الله أن يوفقهم بإقامة الصلاة، ثم ساق عبارة ملزمة لهم إقامة الصلاة، وفي اللفظ على هذا التأويل بعض تجوز يربطه المعنى ويصلحه. 
و  أفئدة  : القلوب، جمع فؤاد. سمي بذلك لإنفاده، مأخوذ من فأد ومنه المفتاد، وهو مستوقد النار حيث يشوى اللحم[(٢)](#foonote-٢). 
وقرأ ابن عامر بخلاف : فاجعل أفئدة  بياء بعد الهمزة[(٣)](#foonote-٣). 
وقوله : من الناس  تبعيض، ومراده المؤمنون، قال مجاهد : لو قال إبراهيم : أفئدة الناس - لازدحمت على البيت فارس والروم. وقال سعيد بن جبير : لحجته اليهود والنصارى[(٤)](#foonote-٤). و  تهوي  معناه : تسير بجد وقصد مستعجل، ومنه قول الشاعر \[ أبو كبير \] :\[ الكامل \]
وإذا رميت به الفجاج رأيته. . . يهوي مخارمها هويَّ الأجدل[(٥)](#foonote-٥)
ومنه البيت المروي :\[ السريع \]
تهوي إلى مكة تبغي الهدى. . . ما مؤمنو الجن كأنجاسها[(٦)](#foonote-٦)
وقرأ مسلمة بن عبد الله :**«تُهوي »** بضم التاء، من أهوى، وهو الفعل المذكور معدى بالهمزة، وقرأ علي بن أبي طالب ومحمد بن علي ومجاهد **«تَهوَى »** بفتح التاء والواو. وتعدي هذا الفعل - وهو من الهوى - ب **«إلى »**، لما كان مقترناً بسير وقصد. وروي عن مسلم بن محمد الطائفي : أنه لما دعا عليه السلام بأن يرزق سكان مكة من الثمرات بعث الله جبريل فاقتلع بجناحه قطعة من أرض فلسطين - وقيل من الأردن - فجاء بها وطاف حول البيت بها سبعاً، ووضعها قريب مكة، فهي الطائف، وبهذه القصة سميت، وهي موضع ثقيف، وبها أشجار وثمرات وثم هي ركبة.

١ قيل: إن انتفاء كونه ذا زرع يستلزم انتفاء الماء الذي لا يمكن أن يوجد زرع إلا به، فنفي ما يتسبب عن الماء وهو الزرع لانتفاء سببه وهو الماء..
٢ قال في (اللسان) :"وفأد اللحم في النار يفأده فأدا: شواه، والمفأد والمفأدة: السفود، وهو من فأدت اللحم وافتأدته إذا شويته، ولحم فئد أي: مشوي"..
٣ وقرىء: "أآفدة" على وزن فاعلة، ويحتمل أن يكون اسم فاعل من أفد أي دنا وقربن والمعنى: جماعات آفدة، وقرأت أم الهيثم: "أفودة" بالواو المكسورة بدل الهمزة، قال صاحب اللوامح: "و هو جمع وفد، والقراءة حسنة ولكني لا أعرف هذه المرأة، بل ذكرها أبو حاتم"، قال أبو حيان الأندلسي: "وأم الهيثم امرأة نقل عنها شيء من لغات العرب"..
٤ المعنى: لو قال إبراهيم :"أفئدة الناس" لحجته اليهود والنصارى..
٥ قال في (اللسان): "البيت لأبي كبير الهذلي"، واسمه عامر بن الحليس، وهو من شعراء الحماسة، قيل: إنه أدرك الإسلام وأسلم. ويروى: "ينضو مخارمها" بدلا من "يهوى"، والفجاج: جمع فج وهو الطريق، والمخارم: جمع مخرم، وتطلق المخارم على أنوف الجبال ورءوسها، والأجدل: الصقر، وفي حديث مطرف: يهوى هوي الأجادل، وقوله: "يهوى مخارمها" أراد به: "يهوى في مخارمها"، فهو على هذا ظرف، كقولك: ذهبت الشام، وكقولهم: "عسل الطريق الثعلبث"، أي: في الطريق. وقيل: "يهوي" بمعنى "يقطع"، ومخارمها مفعول صحيح..
٦ رواه أبو حيان في "البحر": "ما مؤمن الجن ككفارها"، و "تهوى" في البيت مثلها في الآية: تقصد في جد وسرعة، وتبغى: تريد وتطلب. والبيت غير منسوب..

### الآية 14:38

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [14:38]

مقصد إبراهيم عليه السلام بقوله : ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن  التنبيه على اختصاره في الدعاء، وتفويضه إلى ما علم الله من رغائبه وحرصه على هداية بنيه والرفق بهم وغير ذلك، ثم انصرف إلى الثناء على الله تعالى بأنه علام الغيوب، وإلى حمده على هباته، وهذه من الآيات المعلمة أن علم الله تعالى بالأشياء هو على التفصيل التام.

### الآية 14:39

> ﻿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [14:39]

وروي في قوله : على الكبر  أنه لما ولد له إسماعيل وهو ابن مائة وسبعة عشر عاماً، وروي أقل من هذا، و  إسماعيل  أسنّ من  إسحاق ، فيما روي، وبحسب ترتيب هذه الآية -وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : بشر إبراهيم وهو ابن مائة وسبعة عشر عاماً.

### الآية 14:40

> ﻿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ [14:40]

وقوله : رب اجعلني مقيم الصلاة ، دعا إبراهيم عليه السلام في أمر كان مثابراً عليه متمسكاً به، ومتى دعا الإنسان في مثل هذا فإنما القصد إدامة الأمر واستمراره. 
وقرأ طلحة والأعمش **«دعاء ربنا »** بغير ياء. وقرأ أبو عمرو وابن كثير **«دعائي »** بياء ساكنة في الوصل، وأثبتها بعضهم دون الوقف في الوصل. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي بغير ياء في وصل ولا وقف. وروى ورش عن نافع : إثبات الياء في الوصل.

### الآية 14:41

> ﻿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [14:41]

وقرأت فرقة **«ولوالديّ »** واختلف في تأويل ذلك، وقالت فرقة : كان هذا من إبراهيم قبل يأسه من إيمان أبيه وتبينه أنه عدو لله، فأراد أباه وأمه، لأنها كانت مؤمنة، وقيل : أراد آدم ونوحاً عليهما السلام. وقرأ سعيد بن جبير **«ولوالدي »** بإفراد الأب وحده، وهذا يدخله ما تقدم من التأويلات، وقرأ الزهري وإبراهيم النخعي **«ولولديّ »** على أنه دعاء لإسماعيل وإسحاق، وأنكرها عاصم الجحدري، وقال إن في مصحف أبيّ بن كعب **«ولأبوي »**، وقرأ يحيى بن يعمر **«ولوُلْدي »** بضم الواو وسكون اللام، والولد لغة في الولد، ومنه قول الشاعر - أنشده أبو علي وغيره :\[ الطويل \]
فليت زياداً كان في بطن أمِّه. . . وليت زياداً كان وُلْدَ حمار[(١)](#foonote-١)
ويحتمل أن يكون الولد جمع ولد كأسد في جمع أسد. 
وقوله : يوم يقوم الحساب  معناه يوم يقوم الناس للحساب، فأسند القيام للحساب إيجازاً، إذ المعنى مفهوم. 
قال القاضي أبو محمد : ويتوجه أن يريد قيام الحساب نفسه، ويكون القيام بمعنى ظهوره وتلبس العباد بين يدي الله به، كما تقول : قامت السوق وقامت الصلاة، وقامت الحرب على ساق[(٢)](#foonote-٢).

### الآية 14:42

> ﻿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [14:42]

هذه الآية بجملتها فيها وعيد للظالمين، وتسلية للمظلومين، والخطاب بقوله : تحسبن  لمحمد عليه السلام، والمراد بالنهي غيره ممن يليق به أن يحسب مثل هذا. 
وقرأ طلحة بن مصرف **«ولا تحسب الله غافلاً »** بإسقاط النون، وكذلك **«ولا تحسب الله مخلف وعده »** \[ إبراهيم : ٤٧ \] وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن والأعرج :**«نؤخرهم »** بنون العظمة. وقرأ الجمهور :**«يؤخرهم »** بالياء، أي الله تعالى. 
و  تشخص  معناه : تحد النظر لفزع ولفرط ذلك بشخص المحتضر.

### الآية 14:43

> ﻿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [14:43]

و ****«المهطع »**** المسرع في مشيه - قاله ابن جبير وقتادة. 
قال القاضي أبو محمد : وذلك بذلة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف ونحوه - وهذا هو أرجح الأقوال - وقد توصف الإبل بالإهطاع على معنى الإسراع وقلما يكون إسراعها إلا مع خوف السوط ونحوه، فمن ذلك قول الشاعر :\[ الكامل \]
بمهطع سرج كأن عنانه. . . في رأس جذع من أوال مشذب[(١)](#foonote-١)
ومن ذلك قول عمران بن حطان :\[ البسيط \]
إذا دعانا فأهطعنا لدعوته. . . داع سميع فلونا وساقونا[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قول ابن مفرغ :\[ الوافر \]
بدجلة دارهم ولقد أراهم. . . بدجلة مهطعين إلى السماع[(٣)](#foonote-٣)
ومن ذلك قول الآخر :\[ الطويل \]
بمستهطع رسل كأن جديله. . . بقيدوم رعد من صوام ممنع[(٤)](#foonote-٤)
وقال ابن عباس وأبو الضحى : الإهطاع شدة النظر من غير أن يطرف وقال ابن زيد ****«المهطع »**** : الذي لا يرفع رأسه. قال أبو عبيدة : وقد يكون الإهطاع الوجهين جميعاً الإسراع وإدامة النظر، و **«المقنع »** هو الذي يرفع رأسه قدماً بوجهه نحو الشيء، ومن ذلك قول الشاعر :\[ الشماخ \] \[ الوافر \]
يباكرن العضاة بمقنعات. . . نواجذهن كالحدأ الوقيع[(٥)](#foonote-٥)
يصف الإبل بالإقناع عند رعيها أعالي الشجر. 
وقال الحسن في تفسير هذه الآية : وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. وذكر المبرد - فيما حكي عن مكي - أن الإقناع يوجد في كلام العرب بمعنى خفض الرأس من الذلة. 
قال القاضي أبو محمد : والأول أشهر. 
وقوله : لا يرتد إليهم طرفهم  أي لا يطوفون من الحذر والجزع وشدة الحال، وقوله : وأفئدتهم هواء  تشبيه محض، لأنها ليست بهواء حقيقة، وجهة التشبيه يحتمل أن تكون في فرغ الأفئدة من الخير والرجاء والطمع في الرحمة، فهي منخرقة مشبهة الهواء في تفرغه من الأشياء وانخراقه، ويحتمل أن يكون في اضطراب أفئدتهم وجيشانها في صدورهم وأنها تجيء وتذهب وتبلغ على ما روي - حناجرهم - فهي في ذلك كالهواء الذي هو أبداً في اضطراب. 
قال القاضي أبو محمد : وعلى هاتين الجهتين يشبه قلب الجبان وقلب الرجل المضطرب في أموره بالهواء، فمن ذلك قول الشاعر :\[ الطويل \]
ولا تكن من أخدان كل يراعه. . . هواء كسقب الناب جوفاً مكاسره[(٦)](#foonote-٦)
ومن ذلك قول حسان :\[ الوافر \]
ألا أبلغ أبا سفيان عني. . . فأنت مجوف نخب هواء[(٧)](#foonote-٧)
ومن ذلك قول زهير :\[ الوافر \]
كأن الرحل منه فوق صعل. . . من الظلمان جوجؤه هواء[(٨)](#foonote-٨)
فالمعنى : أنه في غاية الخفة في إجفاله.

١ البيت في (اللسان ـ أول)، ونسبه ابن بري فيه لأنيف بن جبلة، وروايته فيه:
 أما إذا استقبلته فكأنه للعين جدع من أوال مشذب
 وفي معجم ما استعجم للبكري: أول: قرية بالبحرين، وقيل: جزيرة، فإن كانت قرية فهي من قرى السيف، ويشهد لذلك قول ابن مقبل: "وكأنها سفن بسيف أوال". و المهطع: الذي يسرع في مشيته مع خوف، والسرح: السريعة، قال في اللسان: "خيل سرح في سيرها، أي سريعة"، والجذع: الساق من الشجرة ونحوه من الأغصان المتينة، والمشذب: الذي هذب وأزيل عنه قشره..
٢ رواه أبو حيان في "البحر": فلبونا، ولف معناها: جمع، أما لبه فمعناها: ضرب لبته، والإهطاع هو الإسراع في خضوع، وسميع معناها: مسمع..
٣ البيت في "اللسان" غير منسوب، أنشده الليث للتدليل على أن قوله تعالى مهطعين إلى الداع يحتمل الوجهين اللذين ذكرهما ابن عطية نقلا عن أبي عبيدة، و الرواية فيه: "بدجله أهلها" بدلا من "دارهم"..
٤ أورده صاحب (اللسان ـ قدم)، وأورده الزمخشري في (أساس البلاغة ـ هطع)، و الرواية فيه: "من رضام ممتع" بالتاء، وقال: إنه في صفة ثور، والمستهطعهو المسرع، ورسل: سهل فيه لين، والجديل: حبل مجدول أي مفتول من أدم أو شعر، يكون في عنق البعير أو الناقة، وجمعه جدل، والرعن: أنف الجبل، وقيدوم كل شيء: صدره ومقدمه، وقيدوم الجبل: أنف يتقدم منه، والقيدوم الرعن: هو الأنف المندفع في ارتفاعه، وصوام (كسحاب): اسم جبل، قال ذلك صاحب اللسان، والبكري، والممنع بالنون: المرتفع الصعب الذي يمتنع على الناس فلا يسطيعون الصعود والارتقاء فيه. وقد أورد أبو عبيدة البيت في "مجاز القرآن"، وقال: "صؤام: بضم الصاد وهمز الواو"، وفسر الرسل بأنه الذي لا يكلفك شيئا..
٥ هذا البيت للشماخ بن ضرار، والرواية في الديوان "يبادرن" بدلا من "يباكرن"، والمعنى واحد، وهو الإسراع، والعضاه: جمع عضاهة وهي أعظم الشجر، والمقنعات: جمع مقنع وهو الذي يرفع رأسه نحو الشيء، يصف الإبل وهي تسارع إلى أعلى الشجر الكبير فترفع رؤوسها لتأكل منه، والنواجذ: أقصى الأضراس، والحدأ: جمع حدأة، وهي فأس ذات رأسين، والوقيع: الذي حدد بالميقعة وهي المطرقة، يعني: طرقت حتى أصبحت حادة قاطعة، يشبه أضراس الإبل بالفؤوس الحادة التي طرقت بالمطارق حتى أصبحت شديدة القطع. وقد استشهد به أبو عبيدة في "مجاز القرآن" في نفس الموضع..
٦ نسبه في (اللسان ـ يرع) إلى كعب الأمثال، والأخذان: جمع خذن وهو الصديق، واليراعة: الجبان الذي لا عقل له ولا رأي، مشتق من القصب، فهو مثل القصب الأجوف، والهواء: الجبان الخفيف الفؤاد، أو الذي انتزع فؤاده، والبان: شجر من أشجار البادية، يطول ويرتفع في اعتدل، وبه يشبه الشعراء قوام الحسناء، وسقب البان: عمود الخيمة فإذا صنع من شجر البان كان ضعيفا لا يحتمل لقلة صلابته، وجوف: جمع أجوف، و المكاسر: مواضع الكسر، يعني إذا كسر بان أنه إذا كسر بان أنه أجوف ضعيف. ينهى عن صداقة الأخذان الجبناء الذين لا يعتمد عليهم، وتظهر حقيقتهم الضعيفة عند الاختيار..
٧ أبو سفيان هو المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب، كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم، و كان حسان يرد عليه. و الموجوف: الخالي الجوف، وهذا دليل الجبن والضعف مع التظاهر بالشجاعة، والنخب والهواء لهما نفس المعنى، و حسان هنا يصف أبا سفيان بالجبن والضعف، وأن هذه هي حقيقته..
٨ يصف زهير في هذا البيت ناقته، والرحل: ما يوضع على ظهر البعير للركوب عليه، وكذلك هو كل شيء يوضع على ظهر البعير من وعاء للمتاع وغيره، والصعل: الصغير الرأس، ويريد به هنا ذكر النعام (الظليم) لأنه صغير الرأس، وجؤجؤه: صدره، وهواء: خال لا قلب فيه، وهو يريد أن يقول: إن الظليم ليس له عقل فهو كالمجنون..

### الآية 14:44

> ﻿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ [14:44]

وقوله تعالى : وأنذر الناس  الآية، المراد ب  يوم  يوم القيامة ونصبه على أنه مفعول ب  أنذر  ولا يجوز أن يكون ظرفاً، لأن القيامة ليست بموطن إنذار، وقوله : فيقول  رفع عطفاً على قوله : يأتيهم  وقوله : ولم تكونوا  إلى آخر الآية، معناه : يقال لهم، فحذف ذلك إيجازاً، إذ المعنى يدل عليه، وقوله : ما لكم من زوال  هو المقسم عليه نقل المعنى[(١)](#foonote-١)، و  من زوال  معناه من الأرض بعد الموت. أي لا بعث من القبور، وهذه الآية ناظرة إلى ما حكى عنهم في قوله : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [(٢)](#foonote-٢) \[ النحل : ٣٨ \].

١ هكذا في جميع الأصول..
٢ من الآية (٣٨) من سورة (النحل)..

### الآية 14:45

> ﻿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ [14:45]

يقول عز وجل : وسكنتم  أيها المعرضون عن آيات الله من جميع العالم  في مساكن الذين ظلموا أنفسهم  بالكفر من الأمم السالفة، فنزلت بهم المثلات، فكان نولكم الاعتبار والاتعاظ. 
وقرأ الجمهور **«وتبين »** بتاء. وقرأ السلمي - فيما حكى المهدوي - **«ونُبين »** بنون عظمة مضمومة وجزم، على معنى : أو لم يبين، عطف على  أو لم تكونوا  \[ إبراهيم : ٤٤ \] قال أبو عمرو : وقرأ أبو عبد الرحمن : بضم النون ورفع النون الأخيرة.

### الآية 14:46

> ﻿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [14:46]

وقوله : وعند الله مكرهم  هو على حذف مضاف تقديره : وعند الله عقاب مكرهم أو جزاء مكرهم، ويحتمل قوله تعالى : وقد مكروا مكرهم  أن يكون خطاباً لمحمد عليه السلام، والضمير لمعاصريه، ويحتمل أن يكون مما يقال للظلمة يوم القيامة والضمير للذين سكن في منازلهم. 
وقرأ السبعة سوى الكسائي :**«وإن كان مكرهم لِتزولَ منه الجبال »** بكسر اللام من  لتزول  وفتح الأخيرة، وهي قراءة علي بن أبي طالب وجماعة سكنوا وهذا على أن تكون ****«إن »**** نافية بمعنى ما، ومعنى الآية : تحقير مكرهم وأنه ما كان لتزول منه الشرائع والنبوات وأقدار الله بها التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها، هذا تأويل الحسن وجماعة من المفسرين، وتحتمل عندي هذه القراءة أن تكون بمعنى تعظيم مكرهم، أي وإن كان شديداً إنما يفعل لتذهب به عظام الأمور. 
وقرأ الكسائي :**«وإن كان مكرهم لَتزولُ منه الجبال »** بفتح اللام الأولى من  لتزول  وضم الأخيرة، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن وثاب، وهذا على أن تكون ****«إن »**** مخففة من الثقيلة، ومعنى الآية تعظيم مكرهم وشدته، أي أنه مما يشقى به ويزيل الجبال عن مستقراتها لقوته، ولكن الله تعالى أبطله ونصر أولياءه، وهذا أشد في العبرة. 
وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبي بن كعب **«وإن كاد مكرهم »**، ويترتب مع هذه القراءة في  لتزول  ما تقدم[(١)](#foonote-١). وذكر أبو حاتم أن في قراءة أبي بن كعب **«ولولا كلمة الله لزال من مكرهم الجبال »**. وحكى الطبري عن بعض المفسرين أنهم جعلوا هذه الآية إشارة إلى ما فعل نمرود إذ علق التابوت من الأنسر، ورفع لها اللحم في أطراف الرماح بعد ان أجاعها ودخل هو وحاجبه في التابوت، فعلت بهما الأنسر حتى قال له نمرود : ماذا ترى ؟ قال : أرى بحراً وجزيرة - يريد الدنيا المعمورة - ثم قال : ماذا ترى ؟ قال : أرى غماماً ولا أرى جبلاً، فكأن الجبال زالت عن نظر العين بهذا المكر، وذكر ذلك عن علي بن أبي طالب. وذلك عندي لا يصح عن علي رضي الله عنه، وفي هذه القصة كلها ضعف من طريق المعنى، وذلك أنه غير ممكن أن تصعد الأنسر كما وصف، وبعيد أن يغرر أحد بنفسه في مثل هذا.

١ في "البحر المحيط" أن هذه القراءة بالدال بدلا من النون تكون مع فتح اللام الأولى ورفع الثانية في \[لتزول\]. ولعل هذا هو ما قصد إليه ابن عطية في عبارته: "ويترتب مع هذه القراءة في \[لتزول\] ما تقدم، أي: من فتح اللام الأولى ورفع الثانية، وإن كلام يوهم غير ذلك..

### الآية 14:47

> ﻿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [14:47]

وقوله : فلا تحسبن الله  الآية، تثبيت للنبي عليه السلام ولغيره من أمته، ولم يكن النبي عليه السلام ممن يحسب مثل هذا، ولكن خرجت العبارة هكذا، والمراد بما فيها من الزجر من شارك النبي عليه السلام في أن قصد تثبيته. 
وقرأ جمهور الناس **«مخلف وعده »** بالإضافة، **«رسلَه »** بالنصب، وإضافة **«مخلف »** إلى الوعد، إذ للإخلاف تعلق بالوعد على تجوز، وإنما حقيقة تعلقه بالرسل، وهذا نحو قول الشاعر :\[ الطويل \]
ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه. . . وسائره باد إلى الشمس أجمع[(١)](#foonote-١)
وكقولك : هذا معطي درهم زيداً. وقرأت فرقة :**«مخلف وعدَه رسلِه »** بنصب الوعد وخفض الرسل، على الإضافة، وهذه القراءة ذكرها الزجاج وضعفها، وهي تحول بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وهي كقول الشاعر :\[ مجزوء الكامل \]
فزججتها بمزجّة. . . زج القلوص أبي مزادة
وأما إذا حيل في نحو هذا بالظرف فهو أشهر في الكلام كما قال الشاعر :
لله در اليوم من لامها[(٢)](#foonote-٢). . . وقال آخر :\[ الوافر \]
كما خط الكتاب بكفِّ يوماً. . . يهوديٍّ يقارب أو يزيل[(٣)](#foonote-٣)
والمعنى : لا تحسب يا محمد - أنت ومن اعتبر بالأمر من أمتك وغيرهم - أن الله لا ينجز ميعاده في نصره رسله، وإظهارهم، ومعاقبة من كفر بهم، في الدنيا أو في الآخرة، فإن الله عزيز لا يمتنع منه شيء، ذو انتقام من الكفرة لا سبيل إلى عفوه عنهم.

١ استشهد الفراء بهذا البيت في "معاني القرآن"، وكذلك استشهد به الطبري، وأبو حيان في "البحر"، ولم ينسبه أحد منهم، قال الفراء: "فأضاف (مدخل) إلى (الظل)، و كان الوجه أن يضيف (مدخل) إلى الرأس"، و من كلامه هنا :"إذا كان الفعل يقع على شيئين مختلفين مثل: كسوتك الثوب، وأدختلك الدار، فابدأ بإضافة الفعل إلى الرجل، فتقول: هو كاسي عبد الله ثوبا، و مدخل الدار زيدا، ومنه قول الشاعر "ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه"... البيت. و مثله: 
 فرشني بخير لا أكونن و مدحتي كناحت يوم صخرة بعسيل
 والشاهد أنه أضاف (ناحت) إلى (يوم)، ونصب (صخرة)، ومعنى رشني: انفعني، والعسيل: مكنسة العطار، وهي من شعر يكنس به العطار الطيب، والمراد أنه لا فائدة فيه كمن ينحت الصخرة بهذه المكنسة الناعمة..
٢ أصل الكلام: لله در من لامها اليوم، لكن الشاعر فصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف وهو "اليوم"، وهو كثير في كلام العرب..
٣ هو كالشاهد السابق في الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف وهو "يوما"، وأصل الكلام: خط الكتاب بكف يهودي يوما..

### الآية 14:48

> ﻿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [14:48]

وقوله : يوم تبدل الأرض  الآية،  يوم  ظرف للانتقام المذكور قبله. ورويت في **«تبديل الأرض »** أقوال، منها في الصحيح : أن الله يبدل هذه الأرض بأرض عفراء بيضاء كأنها قرصة نقي، وفي الصحيح : أن الله يبدلها خبزة يأكل المؤمن منها من تحت قدميه[(١)](#foonote-١). وروي أنها تبدل أرضاً من فضة. وروي : أنها أرض كالفضة من بياضها[(٢)](#foonote-٢). وروي أنها تبدل من نار[(٣)](#foonote-٣). وقال بعض المفسرين : تبديل الأرض : هو نسف جبالها وتفجير بحارها وتغييرها حتى لا يرى فيها عوج ولا أمت : فهذه حال غير الأولى، وبهذا وقع التبديل. 
قال القاضي أبو محمد : وسمعت من أبي رضي الله عنه : أنه روي : أن التبديل يقع في الأرض، ولكن يبدل لكل فريق بما تقتضيه حاله، فالمؤمن يكون على خبز يأكل منه بحسب حاجته إليه، وفريق يكون على فضة - إن صح السند بها - وفريق الكفرة يكونون على نار. ونحو هذا مما كله واقع تحت قدرة الله تعالى. 
وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأرض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها. ولا سفك فيها دم، وليس فيها معلم لأحد، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«المؤمنون وقت التبديل في ظل العرش »**[(٤)](#foonote-٤)، وروي عنه أنه قال :**«الناس وقت التبديل على الصراط »**[(٥)](#foonote-٥)، وروي أنه قال **«الناس حينئذ أضياف الله فلا يعجزهم ما لديه »**[(٦)](#foonote-٦). 
و  برزوا  مأخوذ من البراز، أي ظهروا بين يديه لا يواريهم بناء ولا حصن. وقوله : الواحد القهار  صفتان لائقتان بذكر هذه الحال.

١ أخرج البخاري، ومسلم، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحد كم خبزته في السفرة نزلا لأهل الجنة... ) راجع البخاري ـ كتاب الرقاق ففيه بقية الحديث، وكذلك في الدر المنثور..
٢ أخرج البزار، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في البعث ـ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله: يوم تبدل الأرض غير الأرض، قال: (أرض بيضاء كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام، ولم يعمل فيها خطيئة). (الدر المنثور) و(فتح القدير)..
٣ أخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: "الأرض كلها نار يوم القيامة و الجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليفيض عرقا حتى يرشح في الأرض قدمه... الخ" (تفسير الطبري)..
٤ الذي رواه الإمام أحمد في مسنده (٥ ـ ٣٠٠، ٣٠٨) هو أن أبا قتادة كان له دين على أحد الناس، وكان المدين يختبىء منه، ثم علم ذات يوم أنه في البيت فناداه وسأله عن سبب اختفائه، فقال: إني معسر ـ فبكى أبو قتادة وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من نفس عن غريمه، أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة)، وليس لهذا صلة بالتبديل..
٥ أخرجه أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، والحاكم ـ عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (أنا أول الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية يوم تبدل الأرض غير الأرض، قلت: أين الناس يؤمئذ؟ قال: على الصراط. (الدر المنثور، وتفسير الطبري، وفتح القدير)..
٦ أخرجه أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أيوب الأنصاري. (الدر المنثور)..

### الآية 14:49

> ﻿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [14:49]

المجرمين  هم الكفار، و  مقرنين  مربوطين في قرن، وهو الحبل الذي تشد به رؤوس الإبل والبقر، ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]. 
وابن اللبون إذا ما لز في قرن. . . لم يستطع صولة البزل القناعيس[(١)](#foonote-١)
و  الأصفاد  الأغلال، واحدها : صفد، يقال : صفده وأصفده وصفده : إذا غلله، والاسم : الصفاد، ومنه قول سلامة بن جندل :\[ الوافر \]
وزيد الخيل قد لاقى صفاداً. . . يعض بساعد وبعظم ساق[(٢)](#foonote-٢)
وكذلك يقال في العطاء، و **«الصفد »** العطاء، ومنه قول النابغة. 
فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد. . . [(٣)](#foonote-٣). 
١ البيت لجرير، قاله في (اللسان ـ لزز وقنعس)، واللبون: التي نزل اللبن في ضرعها، وابن اللبون: ولد الناقة إذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثانية ودخل في الثالثة لأن أمه ولدت غيره فصار لها لبن ـ ولز: ألصق وشد في قرن، والقرن: الحبل الذي تربط فيه الإبل والبقر. والبزل: جمع بازل وهو البعير الذي طلع نابه، ويكون ذلك في الثامنة أو التاسعة، والقنعاس: الجمل الضخم العظيم، وهو من صفات الذكور عند أبي عبيد، والجمع: القناعس، ويقال فيها: القناعيس..
٢ هو سلامة بن عمرو، من بين تميم، فارس وشاعر مقل، والصفاد: الغل أو الوثاق يشد به الإنسان، يقول: لقد لقي زيد الخيل وثاقا يشد به شدا قويا، فكـأنما يعض من شدته على ساعديه وساقيه..
٣ هذا عجز بيت، قاله النابغة في قصيدته التي يمدح بها النعمان ويعتذر إليه عما بلغه عنه، والتي مطلعها: "يا دار مية بالعلياء فالسند"'، والبيت بتمامه:
 هذا الثناء ـ فإن تسمع به ـ حسنا فلم أعرض ـ أبيت اللعن ـ بالصفد
 قول الشاعر: "فإن تسمع به" جملة معترضة بين "الثناء" و "حسنا، والباء في "به" زائدة، وأصل المعنى: هذا الثناء حسنا يأتيك، أي: هذا مديحي لك، ومعنى تسمع: تقبل، يريد أن يقول: فإن تقبله مني فهو ما أريد. و "حسنا" حال من اسم الإشارة "هذا"، و "أبيت اللعن" كلمة يخاطب بها العرب ملوكهم، و معناها: أبيت أن تفعل شيئا تلعن به، فأنت لا تفعل إلا الحسن الجميل، وأعرض: أقول كلاما أكني به عن شيء يستلزمه معناه، يريد: لم أقل شيئا فيه تعريض، و "بالصفد" معناها: بالعطاء، أي: لم أقصد بمديحي أي عطاء، بل أردت رضاك فقط. و الشاهد أن الصفد جاء بمعنى العطاء. وقد روي الشطر الأول: "هذا الثناء فإن تسمع لقائله"....

### الآية 14:50

> ﻿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ [14:50]

و **«السرابيل »** : القمص[(١)](#foonote-١)، و **«القطران »** هو الذي تهنأ به الإبل، وللنار فيه اشتعال شديد، فلذلك جعل الله قمص أهل النار منه، ويقال :**«قَطِران »** بفتح القاف وكسر الطاء، ويقال :**«قِطْران »** بكسر القاف وسكون الطاء، ويقال :**«قَطْران »** بفتح القاف وسكون الطاء. 
وقرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والحسن بخلاف، وابن عباس وأبو هريرة وعلقمة وسنان بن سلمة وعكرمة وابن سيرين وابن جبير والكلبي وقتادة وعمرو بن عبيد **«من قطر آن »** و **«القطر »** : القصدير، وقيل : النحاس. وروي عن عمر أنه قال : ليس بالقطران ولكنه النحاس يسر بلونه. و **«آن »** وهو الطائب الحار الذي قد تناهى حره ؛ قال الحسن : قد سعرت عليه جهنم منذ خلقت فتناهى حره. وقال ابن عباس المعنى : أنى أن يعذبوا به. 
وقرأ جمهور الناس **«وجوهَهم »** بالنصب، **«النارُ »** بالرفع. وقرأ ابن مسعود **«وجوهُهم »** بالرفع. **«النارَ »** بالنصب. فالأولى على نحو قوله : والليل إذا يغشى [(٢)](#foonote-٢) \[ الليل : ١ \] فهي حقيقة الغشيان، والثانية على نحو قول الشاعر :\[ الكامل \]
يغشون حتى ما تهر كلابهم. . . لا يسألون عن السواد المقبل[(٣)](#foonote-٣)
فهي بتجوز في الغشيان، كأن ورود الوجوه على النار غشيان.

١ واحد السرابيل: سربال، والفعل سربلت وتسربلت، قال كعب بن مالك:
 تلقاكم عصب حول النبي لهم من نسج داود في الهيجا سرابيل.
٢ الآية الأولى من سورة (الليل)..
٣ ذلك لأنه يريد بالغشيان هنا الزيارة، فمجرد قدوم الزوار إليهم غشيان، و الهرير:
 صوت الكلب دون النباح، يقول: يأتيهم الضيوف ويطرقون أبوابهم في كل وقت حتى أن كلابهم قد اعتادت ذلك فهي لا تنبح ولا تهر أحدا، وهم لا يسألون عن القادم إذا رأوا سوادا لشجاعتهم ولكرمهم. هذا والبيت لحسان بن ثابت قاله يمدح جبلة بن الأيهم الغساني، و هو من قصيدته التي مطلعها:
 لله در عصابة نادمتهم يوما بجلق في الزمان الأول
 **وفيها يقول:**
 بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول
 .

### الآية 14:51

> ﻿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [14:51]

وقوله : ليجزي  أي لكي يجزي، واللام متعلقة بفعل مضمر، تقديره : فعل هذا، وأنفذ هذا العقاب على المجرمين ليكون في ذلك جزاء المسيء على إساءته. وجاء من لفظة الكسب بما يعم المسيء والمحسن، لينبه على أن المحسن أيضاً يجازى بإحسانه خيراً. 
وقوله : سريع الحساب  أي فاصله بين خلقه بالإحاطة التي له بدقيق أمرهم وجليلها. لا إله غيره، وقيل لعلي بن أبي طالب : كيف يحاسب الله العباد في وقت واحد مع كثرتهم ؟ قال : كما يرزقهم في وقت واحد.

### الآية 14:52

> ﻿هَٰذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [14:52]

وقوله : هذا بلاغ للناس  الآية، إشارة إلى القرآن والوعيد الذي يتضمنه ووصفه بالمصدر في قوله : بلاغ  والمعنى : هذا بلاغ للناس وهو لينذروا به[(١)](#foonote-١). 
وقرأ جمهور الناس **«ولينذَروا »** بالياء وفتح الذال على بناء الفعل للمفعول. وقرأ يحيى بن عمارة وأحمد بن يزيد بن أسيد :**«ليَنذَروا به »** بفتح الياء والذال كقول العرب : نذرت بالشيء إذا أشعرت وتحرزت منه وأعددت له[(٢)](#foonote-٢) وروي أن قوله : وليذكر أولو الألباب  نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه[(٣)](#foonote-٣).

١ معنى \[بلاغ\]: كفاية في الوعظ والتذكير، والواو في \[ولينذروا\] زائدة عند المارودي، وقال المبرد: هي واو عطف مفرد على مفرد، فالمعنى عنده: هذا بلاغ وإنذار، و المعنى عند المارودي: هذا بلاغ للإنذار. وهذا من تفسير المعنى لا تفسير الإعراب. والمعنى الذي يفهم من كلام ابن عطية أنه بلاغ للناس، وهو لينذروا به، فجعل \[ولينذروا\] في موضع رفع خبر لمبتدأ تقديره: هو.
 ٢ قالوا: لم يعرف للفعل "نذر به" مصدر، فهو مثل "عسى" وغيرها مما استعمل من الأفعال ولم يعرف له أصل..
٢ ؟؟؟؟؟.
٣ روى ذلك يمان بن رئاب، وقد سئل بعضهم: هل لكتاب الله عنوان؟ فقال: نعم، قيل: وأين هو؟ قال: قوله تعالى: هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/14.md)
- [كل تفاسير سورة إبراهيم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/14.md)
- [ترجمات سورة إبراهيم
](https://quranpedia.net/translations/14.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/14/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
