---
title: "تفسير سورة إبراهيم - فتح البيان في مقاصد القرآن - صديق حسن خان"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/14/book/400.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/14/book/400"
surah_id: "14"
book_id: "400"
book_name: "فتح البيان في مقاصد القرآن"
author: "صديق حسن خان"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة إبراهيم - فتح البيان في مقاصد القرآن - صديق حسن خان

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/14/book/400)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة إبراهيم - فتح البيان في مقاصد القرآن - صديق حسن خان — https://quranpedia.net/surah/1/14/book/400*.

Tafsir of Surah إبراهيم from "فتح البيان في مقاصد القرآن" by صديق حسن خان.

### الآية 14:1

> الر ۚ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [14:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

 الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( ١ ) 
 الَر  قد تقدم الكلام في أمثال هذا وبيان قول من قاله أنه متشابه وبيان قول من قال إنه غير متشابه  كِتَابٌ  خبر مبتدأ محذوف أي هذا القرآن  أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ  يا محمد  لِتُخْرِجَ النَّاسَ  بدعائك إياهم إلى اتباع ما تضمنه الكتاب من التوحيد وغيره واللام في لتخرج للغرض والغاية والتعريف في الناس للجنس والمعنى أنه صلى الله عليه وآله وسلم يخرج الناس بالكتاب المشتمل على ما شرعه الله لهم من الشرائع مما كانوا فيه. 
 مِنَ الظُّلُمَاتِ  أي من ظلمات الكفر والجهل والضلالة  إِلَى  ما صاروا إليه من  النُّورِ  أي نور الإيمان والعلم والهداية. 
قال الرازي : فيه دليل على أن طريق الكفر والبدعة كثيرة، وطريق الحق ليس إلا واحدا لأنه عبر عنها بالظلمات وهي صيغة جمع وعبر عن الحق بالنور وهو لفظ مفرد جعل الكفر بمنزلة الظلمات والإيمان بمنزلة النور على طريق الاستعارة وقيل أن الظلمة مستعارة للبدعة والنور مستعار للسنة وقيل من الشك إلى اليقين، ولا مانع من إرادة جميع هذه الأمور وأسند الفعل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه الداعي والهادي والمنذر. 
 بِإِذْنِ رَبِّهِمْ  أي بأمره وعلمه وتيسيره وتسهيله، قال الزجاج ؛ أي بما أذم لك من تعليمهم ودعائهم إلى الإيمان  إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ  بدل من قوله إلى النور بتكرير العامل كما يقع مثله كثيرا أي لتخرج الناس من الظلمات إلى صراط العزيز الحميد وهو طريقة الله الواضحة التي شرعها الله لعباده وأمرهم بالمصير إليها والدخول فيها. 
ويجوز أن يكون مستأنفا كأنه قيل ما هذا النور الذي أخرجهم إليه فقيل صراط العزيز الحميد لأنه نور في نفسه طريق للخلود في الجنة المؤبد، وإضافة الصراط إلى الله تعالى لأنه المظهر له وأفهم بتخصيص الوصفين أنه لا يزل سالكه ولا يخيب قاصده، والعزيز هو القادر الغالب الغني عن جميع الحاجات، والحميد هو الكامل في استحقاق الحمد.

### الآية 14:2

> ﻿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [14:2]

اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ( ٢ ) 
 اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ  قرأ الجمهور بالجر على أنه عطف بيان لكونه من الأعلام الغالبة فلا يصح وصف ما قبله به لأن العلم لا يوصف به، وقيل يجوز أن يوصف به من حيث المعنى وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الله المتصف بملك ما فيهما خلقا وملكا وعبيدا وكان يعقوب إذا وقف على الحميد رفع وإذا وصل خفض، قال ابن الأنباري : من خفض وقف على وما في الأرض. 
ثم توعد من لا يعترف بربوبيته فقال : وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ  معد لهم في الآخرة، وقد تقدم بيان معنى الويل وأصله النصب كسائر المصدر ثم رفع للدلالة على الثبات، قال الزجاج : هي كلمة تقال للعذاب والهلكة فدعا سبحانه وتعالى بذلك على من لم يخرج من الكفار بهداية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما أنزله الله عليه مما هو فيه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، قيل والويل هو نقيض لو أل أي النجاة وقيل الويل واد في جهنم، ومن بيانية وقيل الويل بمعنى التأوه فمن للتعدية أي يولولون ويضجون من العذاب الشديد الذي صاروا فيه قائلين يا ويلاه.

### الآية 14:3

> ﻿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ [14:3]

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ( ٣ ) 
ثم وصف هؤلاء الكفار بقوله : الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا  أي يؤثرونها لمحبتهم لها  عَلَى الآخِرَةِ  الدائمة والنعيم الأبدي. 
 وَيَصُدُّونَ  أي يصرفون الناس  عَن سَبِيلِ اللّهِ  أي عن دينه الذي شرعه لعباده  وَيَبْغُونَهَا  أي السبيل  عِوَجًا  أي يطلبون لها زيغا وميلا وعدولا وانحرافا عن الحق لموافقة أهوائهم وقضاء حاجتهم وأغراضهم، وقيل الهاء راجعة إلى الدنيا أي يطلبونها على سبيل الميل عن الحق، والميل إلى الحرام والعوج بكسر العين في المعاني وبفتحها في الأعيان وقد سبق تحقيقه، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال، ولهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق فقال :
 أُوْلَئِكَ  يعني من هذه صفته  فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ  عن طريق الحق، أي بالغ في ذلك غاية الغايات القاصية أو ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال قد يضل ويبعد عن الطريق مكانا قريبا وقد يضل بعيدا، والبعد وإن كان من صفة الضال لكنه يجوز وصف الضلال به مجازا لقصد المبالغة كجد جده وداهية دهياء. 
ثم لما من على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر من كمال تلك النعمة أن ذلك المرسل بلسان قومه فقال :

### الآية 14:4

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [14:4]

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ٤ ) . 
 وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ  متلبسا  بِلِسَانِ قَوْمِهِ  متكلما بلغتهم لأنه إذا كان كذلك فهم عنه المرسل إليهم ما يقوله لهم ويدعوهم إليه وسهل عليهم ذلك بخلاف ما لو كان بلسان غيرهم فإنهم لا يدرون ما يقول ولا يفهمون ما يخاطبهم به حتى يتعلموا ذلك اللسان دهرا طويلا ومع ذلك فلا بد أن يصعب عليهم فهم ذلك بعض صعوبة، ولهذا علل سبحانه ما امتن به على العباد بقوله :
 لِيُبَيِّنَ  أي ليوضح  لَهُمْ  ما أمرهم الله به من الشريعة التي شرعها لهم ووحد اللسان لأن المراد بها اللغة. عن ابن عباس أن الله فضل محمدا على أهل السماء وعلى الأنبياء. قيل ما فضله على أهل السماء ؟ قال : إن الله قال لأهل السماء : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  وقال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم  ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر . فكتب له براءة من النار. قيل فما فضله على الأنبياء ؟ قال : إن الله يقول : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه  وقال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم  وما أرسلناك إلا كافة للناس  فأرسله إلى الإنس والجن. 
وقال عثمان بن عفان : نزل القرآن بلسان قريش. وعن مجاهد مثله، وقد قيل في هذه الآية إشكال لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسل إلى الناس جميعا بل إلى الجن والإنس ولغاتهم متباينة وألسنتهم مختلفة وأجيب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان مرسلا إلى الثقلين كما مر، لكن لما كان قومه العرب وكانوا أخص به وأقرب إليه، كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم ويوضحونه حتى يصير فاهما له كفهمهم إياه. 
ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم وبينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكل قوم بلسانه، لكان مظنة للاختلاف، وفتحا لباب التنازع، لأن كل أمة قد تدعي من المعاني في لسانها ما لا يعرفه غيرها، وربما كان ذلك أيضا مفضيا إلى التحريف والتصحيف بسبب الدعاوى الباطلة التي يقع فيها المتعصبون. 
قال في الجمل، والأولى أن يحمل القوم على من أرسل إليهم الرسول أيا كان وهم بالنسبة لغير سيدنا محمد خصوص عشيرة رسولهم، وبالنسبة إليه كل من أرسل إليه من سائر القبائل وأصناف الخلق وهو صلى الله عليه وآله وسلم كان يخاطب كل قوم بلغتهم، وإن لم يثبت أنه تكلم باللغة التركية لأنه لم يتفق أنه خاطب أحدا من أهلها، ولو خاطبه لكلمه بها، تأمل انتهى. 
 فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء  إضلاله فيه التفات عن التكلم إلى الغيبة  وَيَهْدِي مَن يَشَاء  هدايته، والجملة مستأنفة. 
قال الفراء : إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلا للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه، يعني لا يجوز نصبه عطفا على ما قبله لأن المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى، والرسل أرسلت للبيان لا للضلال. 
وقال الزجاج : ولو قرئ بنصه على أن اللام لام العاقبة جاز، والمعنى على الأول وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم تلك الشرائع باللغة التي ألفوها وفهموها، ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله عز وجل، والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله سبحانه واسطة وسببا وتقديم الإضلال على الهداية لأنه متقدم عليها إذ هو إبقاء على الأصل، والهداية إنشاء ما لم يكن. 
 وَهُوَ الْعَزِيزُ  الذي لا يغالبه مغالب في ملكه  الْحَكِيمُ  الذي تجري أفعاله على مقتضى الحكمة في صنعه.

### الآية 14:5

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [14:5]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( ٥ ) 
ثم لما بين أن المقصود من بعثة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور ؛ أراد أن يبين أن الغرض من إرسال الأنبياء لم يكن إلا ذلك وخص موسى بالذكر لأن أمته أكثر الأمم المتقدمة على هذه الأمة المحمدية فقال : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى  متلبسا  بِآيَاتِنَا  التسع الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والسنين ونقص من الثمرات، قاله مجاهد وعطاء وعبيد بن عمير. 
 أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  المعنى قلنا لموسى أخرج، لأن الإرسال فيه معنى القول أو بأن أخرج بني إسرائيل بعد ملك فرعون من الكفر أو الجهل الذي قالوا بسببه اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إلى الإيمان أو العلم  وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ  أي بوقائعه. 
قال ابن السكيت : العرب تقول الأيام في معنى الوقائع، يقال فلان عالم بأيام العرب أي بوقائعها. 
وقال الزجاج : بنعم الله عليهم وبنقم أيام الله التي انتقم فيه من قوم نوح وعاد وثمود، والمعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وأخرج النسائي والبيهقي وغيرهما عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( ذكرهم بنعم الله وآلائه ) وبه قال ابن عباس. 
وقال الربيع بوقائع في القرون الأولى، ويترجح تفسير أيام الله ببلائه ونعمه وفي تفسير ابن جرير بأيام الله، أي بأنواع عقوباته الفائضة ونعمه الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه، وفي القاموس وأيام الله نعمه ويوم أيوم شديد، وآخر يوم في الشهر، وفي المختار وربما عبروا عن الشدة باليوم. 
 إِنَّ فِي ذَلِكَ  التذكير بأيام الله أو في نفس أيام الله  لآيَاتٍ  أي لدلالات عظيمة دالة على التوحيد وكمال القدرة  لِّكُلِّ صَبَّارٍ  كثير الصبر على المحن والمنح  شَكُورٍ  كثير الشكر للنعم التي أنعم الله بها عليه لأنه إذا سمع بما نزل على من قبله من البلاء وأفيض عليهم من النعماء اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر وقيل المراد بذلك كل مؤمن، وعبر عنه بالوصفين لأنهما ملاك الإيمان وعنوان المؤمن، وقدم الصبار على الشكور لكون الشكر عاقبة الصبر. 
قال قتادة في الآية : نعم العبد عبد إذا ابتلى صبر ؛ وإذا أعطى شكر، وإنما خص الصبار والشكور وإن كان فيها عبرة للكافة لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم.

### الآية 14:6

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [14:6]

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ( ٦ ) . 
 وَإِذْ قَالَ مُوسَى  أي اذكر وقت قول موسى  لِقَوْمِهِ  والمعنى اذكر يا محمد لقومك ما ذكر لعلهم يعتبرون  اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ  أي إنعامه  عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم  أي وقت إنجائه لكم  مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ  أي يبغونكم، يقال سامه ظلما أي أولاه ظلما، وأصل السوم الذهاب في طلب الشيء. 
 سُوءَ الْعَذَابِ  مصدر ساء يسوء والمراد جنس العذاب السيئ وهو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة. 
 وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ  المولودين لقول بعض الكهنة أن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون، وعطف  يذبحون  على  يسومونكم سوء العذاب  وإن كان التذبيح من جنس سوء العذاب إخراجا له عن مرتبة العذاب المعتاد كأنه جنس آخر لما فيه من الشدة ومع طرح الواو كما في الآية الأخرى يكون التذبيح تفسيرا لسوء العذاب. 
 وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ  أي يتركونهن في الحياة لإهانتهن وإذلالهن، ولذلك عد من جملة البلاء، وزاد الكرخي كانوا يستخدمونهن بالاستعباد ويفردونهن عن الأزواج وذلك من أعظم المضار. 
 وَفِي ذَلِكُم  أي في إنجائكم أو في أفعالهم المذكورة  بَلاء  أي ابتلاء لكم بالتنعم أو بالعذاب، فالله تعالى يختبر عباده تارة بالنعم وتارة بالشدائد، كما قال : وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون   مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ  وقد تقدم تفسير هذه الآيات في البقرة مستوفى.

### الآية 14:7

> ﻿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [14:7]

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ( ٧ ) 
 وَإِذْ تَأَذَّنَ  بمعنى أذن قاله الفراء، قال في الكشاف : ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس في أفعل، وكأنه قيل وإذا آذن  رَبُّكُمْ  إيذانا بليغا تنتفي عنده الشكوك وتنزاح الشبه، والمعنى وإذا تأذن ربكم فقال لئن شكرتم، وأجرى تأذن مجرى قال لأنه ضرب من القول انتهى، وهذا من قول موسى لقومه، أي واذكروا حين تأذن ربكم. 
وقيل هو من قول الله سبحانه أي اذكر يا محمد إذ تأذن ربكم وقرئ إذا قال ربكم والمعنى واحد كما تقدم واللام في  لَئِن شَكَرْتُمْ  هي الموطئة للقسم والخطاب لبني إسرائيل وقوله : لأَزِيدَنَّكُمْ  ساد مسد جوابي الشرط والقسم والمعنى لئن شكرتم إنعامي عليكم بم ذكر وما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح لأزيدنكم نعمة إلى نعمة تفضلا مني، وقيل من طاعتي قاله الحسن ؛ وقيل من الثواب والأول أظهر فالشكر سبب المزيد. 
قال الربيع : أخبرهم موسى عن ربه أنهم إن شكروا النعمة زادهم من فضله وأوسع لهم من الرزق وأظهرهم على العالم، وقال سفيان الثوري في الآية : لا تذهب أنفسكم إلى الدنيا فإنها أهون عند الله من ذلك ولكن يقول لئن شكرتم لأزيدنكم من طاعتي. 
 وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ  لمن كفر نعمتي فلا بد أن يصيبكم منه ما يصيب وهو ساد مسد الجوابين أيضا، وقيل الجواب محذوف أي ولئن كفرتم ذلك وجحدتموه لأعذبنكم، دل عليه إن عذابي لشديد وإنما حذف هنا وصرح به في جانب الوعد لأن من عادة الكرام التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد فما ظنك بأكرم الأكرمين.

### الآية 14:8

> ﻿وَقَالَ مُوسَىٰ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [14:8]

وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ( ٨ ) 
 وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا  أي وجميع الخلق من الثقلين نعمته تعالى ولم تشكروها وجواب الشرط محذوف أي فما أضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها من مزيد الإنعام وعرضتموها للعذاب الشديد  فَإِنَّ اللّهَ  سبحانه  لَغَنِيٌّ  عن شكركم لا يحتاج إليه ولا يلحقه بذلك نقص  حَمِيدٌ  أي مستوجب للحمد لذاته لكثرة إنعامه وإن لم تشكروه أو يحمده غيركم من الملائكة وتنطق بنعمه ذرات الكائنات. 
ولعله عليه السلام إنما قال هذا عندما عاين منهم دلائل العناد ومخائل الإصرار على الكفر والفساد وتيقن أنه لا ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب. 
أخرج البخاري في تاريخه والضياء في المختار عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( من ألهم خمسة لم يحرم خمسة ) وفيها من ألهم الشكر لم يحرم الزيادة. وعن أبي هريرة مرفوعا ( من أعطى الشكر لم يمنع الزيادة ) أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر، ولا وجه لتقييد الزيادة بالزيادة في الطاعة بل الظاهر من الآية العموم كما يفيده جعل الزيادة جزاء الشكر، فمن شكر الله على ما رزقه وسع الله عليه في رزقه ومن شكر الله على ما أقدره عليه من طاعته زاده من طاعته ومن شكره على ما أنعم من الصحة زاده الله صحة إلى غير ذلك.

### الآية 14:9

> ﻿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ۚ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [14:9]

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( ٩ ) . 
 أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ  استفهام تقرير يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه فيكون داخلا تحت التذكير بأيام الله ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه ابتداء خطابا لقوم موسى وتذكيرا لهم بالقرون الأولى وإخبارهم ومجيء رسل الله إليهم، ويحتمل أنه ابتداء خطاب من الله تعالى لقوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحذيرا لهم عن مخالفته والنبأ الخبر والجمع الأنباء. 
 قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ  بدل من الموصول أو عطف بيان  وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ  أي من بعد هؤلاء الأمم الماضية الثلاثة  لاَ يَعْلَمُهُمْ  أي لا يحصى عددهم ومقاديرهم ولا يحيط بهم علما  إِلاَّ اللّهُ  سبحانه والجملة معترضة وعدم العلم من غير الله إما أن يكون راجعا إلى صفاتهم وأحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم أي هذه الأمور لا يعلمها إلا الله ولا يعلمها غيره أو يكون راجعا إلى ذواتهم أي أنه لا يعلم ذوات أولئك الذين من بعدهم إلا الله سبحانه ولم يبلغنا خبرهم أصلا. 
وعن ابن مسعود أنه كان يقرأ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ويقول كذب النسابون، وعن عمرو بن ميمون مثله، وعن أبي مجلز قال : قال رجل لعلي بن أبي طالب أنا أنسب الناس قال إنك لا تنسب الناس، فقال بلى، فقال له علي : أرأيت قوله عادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا قال أنا أنسب ذلك الكثير قال : أرأيت قوله والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله، فسكت، وعن عروة بن الزبير قال : ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معد بن عدنان، وعن ابن عباس قال : ما بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون. 
 جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ  أي المعجزات الظاهرة والدلالات الباهرة والشرائع الواضحة مستأنف وهذا في المعنى تفسير لنبأ الذين من قبلهم  فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ  أي جعلوا أيدي أنفسهم  فِي أَفْوَاهِهِمْ  ليعضوها غيظا مما جاءت به الرسل كما في قوله تعالى : عضوا عليكم الأنامل من الغيظ  لأن الرسل جاءتهم بتسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم. 
وقيل إن المعنى أنهم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم لما جاءتهم الرسل بالبينات أي اسكتوا واتركوا هذا الذي جئتم به تكذيبا لهم وردا لقولهم، وقيل المعنى أنهم أشاروا إلى ألسنتهم وما يصدر عنها من قولهم إنا كفرنا بم أرسلتم به أي لا جواب لكم سوى هذا الذي قلناه لكم بألسنتنا هذه، قيل وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا كما يفعله من غلبه الضحك من وضع يده على فيه. 
وقيل المعنى ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأول للرسل، والثاني للكفار، وقيل جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردا لقولهم ؛ فالضمير الأول على هذا للكفار، والثاني للرسل، وقيل معناه أومأوا إلى الرسل أن اسكتوا، وقيل أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، والمراد بهما على هذا هاتان الجارحتان المعلومتان. 
وقيل إن الأيدي هنا النعم أي ردوا نعم الرسل بأفواههم أي بالنطق والتكذيب، والمراد بالنعم هنا ما جاءوهم به من الشرائع، وقال أبو عبيدة ونعم ما قال هو ضرب مثل أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت قد رد يده في فيه، وهكذا قال الأخفش. 
واعترض على ذلك القتيبي فقال : لم يسمع أحد من العرب يقول رد يده في فيه إذا ترك ما أمر به، وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنقا وغيظا، وهذا هو القول الذي قدمناه على جميع هذه الأقوال، وبه قال ابن مسعود وهو أقرب التفاسير للآية إن لم يصح عن العرب ما ذكره الأخفش وأبو عبيدة، فإن صح ما ذكراه فتفسير الآية به أقرب. 
 وَقَالُواْ  أي الكفار للرسل  إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ  من البينات على زعمكم  وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ  عظيم  مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ  من الإيمان بالله وحده وترك ما سواه  مُرِيبٍ  أي موجب للريب، يقال أربته إذا فعلت أمرا أوجب ريبة وشكا، والريب قلق النفس وعدم سكونها وأن لا تطمئن إلى شيء. 
وقد قيل كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك وأجيب بأنهم أرادوا أنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم، وقيل كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر، والأخرى شكت، وقيل إن كفرهم بالمعجزات وشكهم في التوحيد فلا تخالف.

### الآية 14:10

> ﻿۞ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۚ قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [14:10]

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ( ١٠ ) 
 قَالَتْ رُسُلُهُمْ  جملة مستأنفة كأنه قيل فماذا قالت لهم الرسل فأجيب بأنهم قالوا منكرين عليهم ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء  أَفِي اللّهِ شَكٌّ  والاستفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار أي أفي وحدانيته سبحانه شك وهي في غاية الوضوح والجلاء ثم إن الرسل ذكروا بعد إنكارهم على الكفار ما يؤكد ذلك الإنكار من الشواهد الدالة على عدم الشك في وجوده سبحانه ووحدانيته فقالوا  فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ  أي خالقهما ومخترعهما ومبدعهما وموجدهما وما فيهما بعد العدم. 
 يَدْعُوكُمْ  إلى الإيمان به وتوحيده أو إلى الإيمان بإرساله إيانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهمه قولكم ما تدعوننا إليه  لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ  أي لأجل غفران ذنوبكم إذا آمنتم وصدقتم أو اللام للتعدية كقولك دعوتك لزيد. 
قال أبو عبيدة : من صلة زائدة في الإيجاب، ووجه ذلك قوله في موضع آخر  إن الله يغفر الذنوب جميعا  وأجازه الأخفش وقال سيبويه : هي للتبعيض ويجوز أن يذكر البعض ويراد منه الجميع. 
وقيل التبعيض على حقيقته ولا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم غفران جميعها لغيرهم، وبهذه الآية احتج من جوز زيادة  من  في الإثبات، وجمهور البصريين لا يجوزون زيادتها إلا في النفي إذا جرت نكرة ومن ثم جعلها بعضهم للبدل وقال ليست بزائدة ولا تبعيضية أي لتكون المغفرة بدلا من عقوبة الذنوب، ويحتمل أن يضمن يغفر معنى يخلص أي يخلصكم من ذنوبكم ويكون مقتضاه غفران جميع الذنوب وهو أولى من دعوى زيادته  وَيُؤَخِّرَكُمْ  بلا عذاب  إِلَى أَجَلٍ  أي وقت  مُّسَمًّى  عنده سبحانه وهو الموت فلا يعذبكم في الدنيا. 
 قَالُواْ إِنْ  أي ما  أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  في الهيئة والصورة، تأكلون وتشربون كما نأكل ونشرب، فلا فضل لكم علينا ولستم ملائكة  تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا  وصفوهم بالبشر أولا ثم بإرادة الصد لهم  عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا  أي آباؤهم ثانيا أي تريدون أن تصرفونا عن معبودات آبائنا من الأصنام ونحوها  فَأْتُونَا  إن كنتم صادقين بأنكم مرسلون من عند الله  بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ  أي حجة ظاهرة واضحة تدل على صحة ما تدعونه من المزية أو النبوة وقد جاؤوهم بالسلطان المبين والحجة الظاهرة ولكن هذا نوع من تعنتاتهم ولون من تلوناتهم.

### الآية 14:11

> ﻿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [14:11]

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( ١١ ) . 
 قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ  مسلمين مشاركتهم في الجنس  إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ  أي في الصورة والهيئة كما قلتم لا ننكر ذلك  وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ  ويتفضل  عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ  بالنبوة فضل الله تعالى وفيه دليل على أن النبوة أمر وهبي لا كسبي كما يزعمه المتفلسفة والحكماء. 
 وَمَا كَانَ  أي ما صح  لَنَا  ولا استقام  أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ  أي بحجة من الحجج، وقيل المراد بالسلطان هنا هو ما يطلبه الكفار من الآيات على سبيل التعنت، وقيل أعم من ذلك فإن ما شاء الله كان وما لم يشأه لم يكن  إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ  أي بمشيئته وإرادته وليس ذلك في قدرتنا، وقيل بأمره لنا بالإتيان أي إذنه لنا فيه والأول أولى. 
 وَعلَى اللّهِ  وحده  فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ  في دفع شرور أعدائهم عنهم وفي  وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا ءاذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( ١٢ ) 
الصبر على معاداتهم. وهذا أمر منهم للمؤمنين بالتوكل على الله دون من عداه وكأن الرسل قصدوا بهذا الأمر للمؤمنين الأمر لهم أنفسهم قصدا أوليا ولهذا قالوا : وَمَا لَنَا

### الآية 14:12

> ﻿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [14:12]

وَمَا لَنَا  أي وأي مانع وعذر لنا في  أَن لاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ  سبحانه في دفع شروركم عنا، فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم والاستفهام للإنكار  وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا  بضم الباء وسكونها سبعيتان، أي والحال أنه قد فعل بنا ما يوجب التوكل عليه ويستدعيه من هدايتنا إلى الطريق الموصل إلى رحمته وهو ما شرعه لعباده وأوجب عليهم سلوكه وعرفنا طريق النجاة وبين لنا الرشد. 
وحيث كانت أذية الكفار مما يوجب القلق والاضطراب القادح في التوكل قالوا على سبيل التوكيد القسمي مظهرين لكمال العزيمة  وَ  الله  لَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَ  من وقوع التكذيب لنا منكم والعناد والاقتراحات الباطلة وغير ذلك مما لا خير فيه وما مصدرية أو موصولة اسمية  وَعَلَى اللّهِ  وحده دون من عداه  فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ  قيل المراد بالتوكل الأول استحداثه وإنشاؤه، وبهذا السعي في بقائه وثبوته فالتوكلان مختلفان. 
وقيل معنى الأول إن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله سبحانه لا علينا، فإن شاء سبحانه أظهرها وإن شاء لم يظهرها. ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم.

### الآية 14:13

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ [14:13]

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ( ١٣ ) 
 وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ  هم طائفة من المتمردين عن إجابة الرسل  لِرُسُلِهِمْ  واللام في  لَنُخْرِجَنَّكُم  هي الموطئة للقسم، أي والله لنخرجنكم  مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا  لم يقنعوا برد ما جاءت به الرسل وعدم امتثالهم لما دعوهم إليه حتى اجترؤوا عليهم بهذا وخيروهم بين الخروج من أرضهم أو العود في ملتهم الكفرية. 
وقد قيل أن  أو  بمعنى حتى أو بمعنى إلا أن كما قاله بعض المفسرين، ورد بأنه لا حاجة إلى ذلك بل أو على بابها للتخيير بين أحد الأمرين، قيل والعود هنا بمعنى الصيرورة، أي لتصيرن داخلين في ديننا أي في الشرك لعصمة الأنبياء عن أن يكونوا على ملة الكفر قبل النبوة وبعدها، وقيل إن الخطاب للرسل ولمن آمن بهم فغلب الرسل على أتباعهم، وقد تقدم تفسير الآية في سورة الأعراف  فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ  أي إلى الرسل بعد هذه المخاطبات والمحاورات  رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ  الكافرين

### الآية 14:14

> ﻿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [14:14]

وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ( ١٤ ) 
 وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ  أي أرض هؤلاء الكفار الذين توعدوكم بما توعدوكم من الإخراج أو العود. 
 مِن بَعْدِهِمْ  أي بعد هلاكهم، ومثل هذه الآية قوله سبحانه  وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها  وقال : وأورثكم أرضهم وديارهم . 
عن ابن عباس قال : كانت الرسل والمؤمنون يستضعفهم قومهم ويقهرونهم ويكذبونهم ويدعونهم إلى أن يعودوا في ملتهم، فأبى الله لرسله والمؤمنين أن يعودوا في ملة الكفر، وأمرهم أن يتوكلوا على الله وأمرهم أن يستفتحوا على الجبابرة ووعدهم أن يسكنهم الأرض من بعدهم، فأنجز لهم ما وعدهم واستفتحوا كما أمرهم الله أن يستفتحوا. 
وعن قتادة قال : وعدهم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فبين الله من يسكنها من عباده فقال : ولمن خاف مقام ربه جنتان  وإن لله مقاما هو قائمه، وأن أهل الإيمان خافوا ذلك المقام فنصبوا ودأبوا الليل والنهار. 
 ذَلِكَ  أي ما تقدم من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين في مساكنهم  لِمَنْ خَافَ مَقَامِي  أي موقفي، وذلك يوم الحساب فإنه موقف الله سبحانه، والمقام بفتح الميم مكان الإقامة وبالضم فعل الإقامة، وقيل إن المقام هنا مصدر بمعنى القيام، أي لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي له كقوله : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت  وقال الأخفش مقامي بمعنى عذابي. 
 وَخَافَ وَعِيدِ  أي خشي وعيدي بالعذاب، وقيل بالقرآن وزواجره، وقيل هو نفس العذاب الموعود للكفار، والوعيد اسم من الوعد، وهذه الآية تدل على أن الخوف من الله غير الخوف من وعيده لأن العطف يقتضي التغاير، قاله الكرخي.

### الآية 14:15

> ﻿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [14:15]

وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( ١٥ ) 
 وَاسْتَفْتَحُواْ  أي استنصروا بالله على أعدائهم أو سألوا الله القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة بين الخصمين، ومن الأول قوله : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح  ومن الثاني قوله : ربنا افتح بيننا وبين قومنا  أي احكم، والضمير في استفتحوا للرسل، وقيل للكفار وقيل للفريقين وقيل لقريش لأنهم في سني الجدب استمطروا فلم يمطروا، وهو على هذا مستأنف والأول أولى، وقرئ استفتحوا بكسر التاء الثانية على لفظ الأمر، أمر للرسل بطلب النصرة فنصروا وسعدوا وربحوا. 
 وَخَابَ  أي خسر وقيل هلك  كُلُّ جَبَّارٍ  هو المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقا، هكذا حكاه النحاس عن أهل اللغة. 
وقيل من تجبر بنفسه بادعاء منزلة عالية لا يستحقها، وهو صفة ذم في حق الإنسان، وقيل الذي لا يرى فوقه أحدا. وقيل المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه والمعاني متقاربة  عَنِيدٍ  هو المعاند للحق والمجانب له قاله مجاهد، وهو مأخوذ من العند وهو الناحية، أي آخذ في ناحية معرضا. 
قال الزجاج : العنيد الذي يعدل عن القصد، ويمثله قال الهروي. وقال أبو عبيد : هو الذي عند وبغى وقال ابن كيسان : هو الشامخ بأنفه، وقيل المراد به العاصي، وقيل الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله. قاله قتادة، وقيل العنيد الناكب عن الحق. قاله إبراهيم النخعي، وقال مقاتل : المتكبر، وقال ابن عباس : هو المعرض عن الحق. 
وقيل هو المعجب بما عنده، وقيل هو الذي يعاند ويخالف، ومعنى الآية أنه خسر وهلك من كان متصفا بهذه الصفة.

### الآية 14:16

> ﻿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ [14:16]

مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ ( ١٦ ) . 
 مِّن وَرَآئِهِ  أي من بعده  جَهَنَّمُ  والمراد بعد هلاكه على أن وراء هنا بمعنى بعد : ومثله قوله تعالى : ومن ورائه عذاب غليظ  أي من بعده، كذا قال الفراء. وقيل من ورائه أي من أمامه قال أبو عبيدة : هو من أسماء الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر، ومنه قوله تعالى : وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا  أي أمامهم، وبه قال قرطب. 
وقال الأخفش : هو كما يقال هذا الأمر من ورائك أي سوف يأتيك وأنا من وراء فلان أي في طلبه. 
وقال النحاس : من ورائه أي من أمامه، وليس من الأضداد، ولكنه من توارى أي استتر فصارت جهنم من ورائه لأنها لا ترى. وحكى مثله ابن الأنباري وقال ثعلب : هو اسم لما توارى عنك سواء كان خلفك أو قدامك. 
 وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ  أي يلقى فيها ويسقى، والصديد ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظرين عن رؤيته وهو دم مختلط بقيح يسيل من جلد الكافر ولحمه.

### الآية 14:17

> ﻿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ۖ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [14:17]

يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ( ١٧ ) 
وقال عكرمة : هو القيح والدم. وقال محمد بن كعب القرظي : هو ما يسيل في فروج الزناة يسقاه الكافر والصديد صفة لماء أو بدل منه، وقيل عطف بيان له  يَتَجَرَّعُهُ  التجرع التحسي أي يتحساه مرة بعد مرة لا مرة واحدة لمرارته وحرارته ونتنه وكراهته، وقيل يكلف تجرعه ويقهر عليه ولم يذكر الزمخشري غيره، وقيل إنه دال على المهلة أي يتناوله شيئا فشيئا. وقيل إنه بمعنى جرعه المجرد  وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ  يقال ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغا إذا كان سهلا، والمعنى لا يقارب أن يسيغه ويبتلعه فكيف يكون الإساغة بل يغص به بعد اللتيا واللتي فيشربه جرعة بعد جرعة فيطول عذابه بالحرارة والعطش تارة، ويشربه على هذه الحالة أخرى، فإن السوغ انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس ونفيه لا يوجب نفي ما ذكر جميعا. 
وقيل لا يكاد يدخله في جوفه، وعبر عنه بالإساغة لما أنها المعهودة في الأشربة وقيل أنه يسيغه بعد شدة وإبطاء كقوله : وما كادوا يفعلون  أي يفعلون بعد إبطاء كما يدل عليه قوله تعالى في آية أخرى : يصهر به ما في بطونهم  قيل كاد صلة، وقال الزمخشري للمبالغة، وقيل معناه لا يجيزه. 
أخرج أحمد والترمذي واستغربه والنسائي وابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم في الحيلة وصححه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية قال :( يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره ) يقول الله : وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم  وقال : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا . 
 وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ  أي أسبابه  مِن كُلِّ مَكَانٍ  أي من كل جهة من الجهات من قدامه ومن خلفه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله، أو من كل موضع من مواضع بدنه. 
وقال الأخفش : المراد بالموت هنا البلايا التي تصيب الكافر في النار، سماها موتا لشدتها. 
وقال ابن عباس : يعني أنواع العذاب وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت لأن الله يقول لا يقضى عليهم فيموتوا. 
وقال ميمون بن مهران : المعنى من كل عظم وعرق وعصب. وعن محمد بن كعب نحوه، وعن إبراهيم التيمي قال : من موضع كل شعرة في جسده. 
 وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ  أي والحال أنه لم يمت حقيقة فيستريح. وقيل تعلق نفسه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيحيا، ومثله قوله : لا يموت فيها ولا يحيى . 
وقيل المعنى وما هو بميت لتطاول شدائد الموت به وامتداد سكراته عليه، والأولى تفسير الآية بعدم الموت حقيقة لما ذكرنا من قوله سبحانه : لا يموت فيها ولا يحيى  وقوله : لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها . 
 وَمِن وَرَآئِهِ  أي من أمامه أو من بعده أو من بين يديه، قاله البيضاوي. وقيل الضمير عائد على كل جبار كما في السمين  عَذَابٌ غَلِيظٌ  أي شديد يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه، قيل هو الخلود في النار، قال إبراهيم التيمي وقيل حبس الأنفاس، قاله فضيل بن عياض.

### الآية 14:18

> ﻿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ [14:18]

مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ ( ١٨ ) 
 مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ  كلام مستأنف منقطع عما قبله، قال سيبويه : تقديره فيما يتلى عليكم مثل الذين، والمثل مستعار للقصة التي فيها غرابة. وقال الزجاج والفراء : التقدير مثل أعمال الذين. وروي عنه أنه قال بإلغاء مثل، وقيل مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول مثلهم فقيل :
 أَعْمَالُهُمْ  الصالحة كالصدقة وصلة الأرحام وفك الأسير وإقراء الضيف وبر الوالدين ونحو ذلك أو عبادتهم الأصنام في عدم الانتفاع بها أو الأعمال التي أشركوا فيها غير الله تعالى. 
 كَرَمَادٍ  أي باطلة غير مقبولة، والرماد ما يبقى بعد احتراق الشيء، وهو ما يسقط من الحطب والفحم بعد احتراقه بالنار وجمعه في الكثرة على رمد ؛ وفي القلة على أرمد. 
 اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ  حملة بشدة وسرعة فنسفته وطيرته ولم تبق منه شيئا  فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ  العصف شدة الريح وصف به زمانها مبالغة كما يقال يوم حار ويوم بارد والبرد والحر فيهما لا منهما والإسناد فيه تجوز، ووجه الشبه أن الريح العاصفة تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى له أثر، فكذلك كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لا يبقى لها أثر. 
وقد بين محصله بقوله  لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ  من تلك الأعمال الباطلة  عَلَى شَيْءٍ  منها ولا يرون له أثرا في الآخرة يجازون به ويثابون عليه، جميع ما عملوه في الدنيا باطل ذاهب كذهاب الريح بالرماد عند شدة هبوبها وهو فذلكة التمثيل. وعن ابن عباس : لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف. 
 ذَلِكَ  أي ما دل عليه التمثيل من هذا البطلان لأعمالهم وذهاب أثرها  هُوَ الضَّلاَلُ  الهلاك  الْبَعِيدُ  عن طريق الحق المخالف لمنهج الثواب أو عن فعل الثواب، ولما كان هذا خسرانا لا يمكن تداركه ولا يرجى عوده سماه بعيدا

### الآية 14:19

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [14:19]

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( ١٩ ) . 
 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ  الرؤية هنا هي القلبية والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعريضا لأمته أو الخطاب لكل من يصلح له ( بِالْحقِّ ) أي بالوجه الصحيح الذي يحق أن يخلقها عليه ليستدل بها على كمال قدرته لا باطلا ولا عبثا والباء للمصاحبة. 
ثم بين كمال قدرته سبحانه واستغنائه عن كل أحد من خلقه فقال : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ  أيها الناس  وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ  سواكم فيعدم الموجودين ويوجد المعدومين ؛ ويهلك العصاة، ويأتي بمن يطيعه من خلقه، لأن القادر لا يصعب عليه شيء وانه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، والمقام يحتمل أن يكون هذا الخلق الجديد من نوع الإنسان، ويحتمل أن يكون من نوع آخر.

### الآية 14:20

> ﻿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [14:20]

وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ( ٢٠ ) 
 وَمَا ذَلِكَ  أي الإذهاب والإتيان بإعدام الموجود وإيجاد المعدوم  عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ  أي بممتنع ومتعذر لأنه سبحانه قادر على كل شيء، وفيه أن الله تعالى هو الحقيق بأن يرجى ثوابه ويخاف عقابه، فلذلك أتبعه بذكر أحوال الآخرة فقال :

### الآية 14:21

> ﻿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [14:21]

وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ( ٢١ ) 
 وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا  أي الخلائق من قبورهم يوم القيامة، والبروز الظهور والبراز بالفتح المكان الواسع لظهوره، ومنه امرأة برزة أي تظهر للرجال، وبرز حصل في البراز أي الفضاء، وذلك بأن يظهر بذاته كلها، فمعنى برزوا ظهروا من قبورهم. 
وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيها على تحقيق وقوعه كما هو مقرر في علم المعاني وإنما قال وبرزوا لله مع كونه سبحانه عالما بهم لا يخفى عليه شيء من أحوالهم برزوا أو لم يبرزوا لأنهم كانوا يستترون عن العيون عند فعلهم للمعاصي ويظنون أن ذلك يخفى على الله تعالى، فالكلام خارج على ما يعتقدونه. 
 فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ  أي قال الأتباع الضعفاء في الرأي للرؤساء الأقوياء المتكبرين بما هم فيه من الرياسة  إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا  في الدنيا في الدين والإعتقاد فكذبنا الرسل وكفرنا بالله متابعة لكم، والتبع جمع تابع مثل خادم وخدم وحارس وحرس وراصد ورصد، أو مصدر وصف به للمبالغة أو على تقدير ذوي تبع. 
قال الزجاج : جمعهم في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع فقال الضعفاء للذين استكبروا من أكابرهم وقادتهم عن عبادة الله أنا كنا لكم تبعا. 
 فَهَلْ أَنتُم  في هذا اليوم، والاستفهام للتوبيخ  مُّغْنُونَ  أي دافعون  عَنَّا  يقال أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى وأغناه إذا أوصل إليه النفع  مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ  أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله، فمن الأولى للبيان والثانية للتبعيض قاله الزمخشري، وقيل هما للتبعيض معا قاله في الكشاف أيضا وقيل الأولى تتعلق بمحذوف والثانية مزيدة. 
 قَالُواْ  أي قال المستكبرون مجيبين عن قول المستضعفين  لَوْ هَدَانَا اللّهُ  إلى الإيمان في الدنيا  لَهَدَيْنَاكُمْ  إليه ولكن لما أضلنا وضللنا دعوناكم إلى الضلالة وأضللناكم واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، والجملة مستأنفة كأنه قيل كيف أجابوا، وقيل المعنى لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها، وقيل لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه. 
 سَوَاء عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا  أي مستو علينا الجزع والصبر، والجزع أبلغ من الحزن لأنه يصرف الإنسان عما هو بصدده وبقطعه عنه والهمزة وأم لتأكيد التسوية كما في قوله تعالى : سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم . 
 مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ  أي منجاة ومهرب من العذاب من الحيص وهو العدول على جهة الفرار يقال حاص فلان عن كذا أي فر وزاغ يحيص حيصا وحيوصا وحيصانا. 
والمعنى مالنا وجه نتباعد به عن النار، ويجوز أن يكون هذا من كلام الفريقين وأن كان الظاهر أنه من كلام المستكبرين، وفي مجيء كل جملة مستقلة من غير عاطف دلالة على أن كلا من المعاني مستقل بنفسه كاف في الأخبار، وقال زيد بن أسلم : جزعوا مائة سنة وصبروا مائة سنة. 
وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه عن كعب بن مالك يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( يقول أهل النار هلموا فلنصبر فيصبرون خمسمائة عام، فلما رأوا ذلكم لا ينفعهم قالوا هلموا فلنجزع فبكوا خمسمائة عام، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ). 
والظاهر أن هذه المراجعة كانت بينهم بعد دخولهم النار كما في قوله تعالى : وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها أن الله قد حكم بين العباد .

### الآية 14:22

> ﻿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ۖ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [14:22]

وَقَالَ الشَّيْطَانُ  للفريقين  لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ  أي دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار على ما سيأتي بيانه في سورة مريم  إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ  فصدق في وعده وهو وعده سبحانه بالبعث والحساب ومجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. 
قال الفراء : وعد الحق هو من إضافة الشيء إلى نفسه كقولهم مسجد الجامع ؛ وقال البصريون وعدكم وعد اليوم الحق. 
 وَوَعَدتُّكُمْ  وعدا باطلا بأنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار  فَأَخْلَفْتُكُمْ  ما وعدتكم به من ذلك  وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ  أي تسلط عليكم بإظهار حجة على ما وعدتكم به وزينته لكم. 
 إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ  أي مجرد دعائي لكم إلى الغواية والضلال بلا حجة ولا برهان ودعوته لهم ليست من جنس السلطان حتى يستثنى منه بل الاستثناء منقطع أي لكن دعوتكم وقيل المراد بالسلطان هنا القهر أي ما كان لي عليكم من قهر يضطركم إلى إجابتي وقيل هذا الاستثناء هو من باب ( تحية بينهم ضرب وجيع ) مبالغة في نفيه للسلطان عن نفسه كأنه قال إنما يكون لي عليكم سلطان إذا كان مجرد الدعاء من سلطان وليس منه قطعا. 
 فَاسْتَجَبْتُمْ لِي  أي فسارعتم إلى إجابتي  فَلاَ تَلُومُونِي  بما وقعتم فيه بسبب وعدي لكم بالباطل وإخلافي هذا الموعد فإن من صرح بالعداوة لا يلام بأمثال ذلك  وَلُومُواْ أَنفُسَكُم  باستجابتكم لي بمجرد الدعوة التي لا سلطان عليها ولا حجة فإن من قبل المواعيد الباطلة والدعاوي الزائغة عن طريق الحق فعلى نفسه جنى ولمارنه قطع ولا سيما ودعوتي لكم إلى دار السلام مع قيام الحجة التي لا تخفى على عاقل ولا تلتبس إلا على مخذول. 
وقريب من هذا من يقتدي بآراء الرجال المخالفة لما في كتاب الله ولما في سنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويؤثرها على ما فيهما فإنه قد استجاب للباطل الذي لم تقم عليه حجة، ولا دل عليه برهان، وترك الحجة والبرهان خلف ظهره كما يفعله كثير من المقتدين بالرجال المقلدين لهم، المتنكبين عن طريق الحق بسوء اختيارهم، اللهم غفرا. 
 مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ  يقال صرخ فلان إذا استغاث يصرخ صراخا وصرخا واستصرخ بمعنى صرخ والمصرخ المغيث والمستصرخ المستغيث، يقال استصرخني فأصرخته والصريخ صوت المستصرخ والصريخ أيضا الصارخ وهو المغيث والمستغيث وهو من أسماء الأضداد كما في الصحاح. 
قال ابن الأعرابي : الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث، ومعنى الآية ما أنا بمغيثكم ومنقذكم مما أنتم فيه من العذاب، وما أنتم بمغيثي ولا منقذي مما أنا فيه وفيه إرشاد لهم إلى أن الشيطان في تلك الحالة مبتلى بما ابتلوا به من العذاب، محتاج إلى من يغيثه ويخلصه مما هو فيه فكيف يطمعون في إغاثة من هو محتاج إلى من يغيثه. 
قال ابن عباس : المعنى ما أنا بنافعكم وما أنتم بنافعي، وقال الشعبي في هذه الآية : خطيبان يقومان يوم القيامة إبليس وعيسى ؛ فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول القول المذكور في الآية، وأما عيسى فيقول : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد  وقال قتادة : المعنى ما أنا بمعينكم.  إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ  قد ذهب جمهور المفسرين إلى أن ما مصدرية أي بإشراككم إياي مع الله في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر، كما يطاع الله في أعمال الخير، فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به وتنزيلها منزلته، أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم أشركوه وقيل موصولة على معنى إني كفرت بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل، ويكون هذا حكاية لكفره بالله عند أن أمره بالسجود لآدم. 
ولما كشف لهم القناع بأنه لا يغنى عنه من عذاب الله شيئا ولا ينصرهم بنوع من أنواع النصر، صرح لهم بأنه كافر بإشراكهم له مع الله في الربوبية من قبل هذا الوقت الذي قال لهم الشيطان فيه هذه المقالة، وهو ما كان منهم في الدنيا من جعله شريكا. 
ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم مقاما يقصم ظهورهم ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم :
أولا أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله سبحانه، وأنه أخلفهم ما وعدهم من تلك المواعيد ولم يف لهم بشيء منها. 
ثم أوضح لهم ثانيا بأنهم قبلوا قوله بما لا يوجب القبول، ولا يتفق على عقل عاقل لعدم الحجة التي لا بد للعاقل منها في قبول قول غيره. 
ثم أوضح لهم ثالثا بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان الخالية عن أيسر شيء مما يستمسك به العقلاء. 
ثم نعى عليهم رابعا ما وقعوا فيه ودفع لومهم له وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل. 
ثم أوضح لهم خامسا بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة ولا يستطيع لهم نفعا ولا يدفع عنهم ضرا بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز عن الخلوص عن هذه المحنة. 
ثم صرح لهم سادسا بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له، فتضاعفت عليهم الحسرات وتوالت عليهم المصائب. 
وإذا كان جملة  إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  من تتمة كلامه كما ذهب إليه البعض فهو نوع سابع من كلامه الذي خاطبهم به. فأثبت لهم الظلم ثم ذكر ما هو جزاؤهم عليه من العذاب الأليم لا على قول من قال إنه ابتداء كلام من جهة الله سبحانه وتعالى.

### الآية 14:23

> ﻿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ [14:23]

وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ( ٢٣ ) 
ولما أخبر سبحانه بحال أهل النار أخبر بحال أهل الجنة فقال : وَأُدْخِلَ  قراءة الجمهور على البناء للمفعول وقرئ بالبناء على الفاعل أي وأنا أدخل  الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  ثم ذكر سبحانه خلودهم في الجنات وعدم انقطاع نعيمهم فقال : خَالِدِينَ فِيهَا  ثم ذكر أن ذلك  بِإِذْنِ رَبِّهِمْ  أي بتوفيقه ولطفه وهدايته، هذا على القراءة الأولى وفيه تعظيم لذلك الأجر، وأما على الثانية فيكون بإذن ربهم متعلقا بقوله. 
 تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا  أي تحية الملائكة في الجنة  سَلاَمٌ  بإذن ربهم، وقد تقدم تفسير هذا في سورة يونس.

### الآية 14:24

> ﻿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [14:24]

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ( ٢٤ ) 
ولما ذكر سبحانه مثل أعمال الكفار وأنها كرماد اشتدت به الريح، ثم ذكر نعيم المؤمنين وما جازاهم الله به من إدخالهم الجنة خالدين فيها وتحية الملائكة لهم، ذكر تعالى ههنا مثلا للكلمة الطيبة وهي كلمة الإسلام أي لا إله إلا الله أو ما هو أعم من ذلك من كلمات الخير، وذكر مثلا للكلمة الخبيثة وهي كلمة الشرك أو ما هو أعم من ذلك من كلمات الشر، فقال مخاطبا لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو لمن يصلح للخطاب :
 أَلَمْ تَرَ  بعين قلبك فتعلم علم يقين بإعلامي إياك  كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً  أي اختار مثلا وضعه في موضعه اللائق به، والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول  كَلِمَةً طَيِّبَةً  وهي قول لا إله إلا الله عند الجمهور أو كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة. قاله الزمخشري  كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ  أي طيبة الثمر نعت لكلمة وبه بدأ الزمخشري، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هي قاله ابن عطية. 
ثم وصف الشجرة بقوله  أَصْلُهَا ثَابِتٌ  أي راسخ آمن من الانقلاع بسبب تمكنها من الأرض بعروقها  وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء  أي في أعلاها ذاهب إلى جهة السماء مرتفع في الهواء.

### الآية 14:25

> ﻿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [14:25]

تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( ٢٥ ) . 
ثم وصفها سبحانه بأنها  تُؤْتِي أُكُلَهَا  أي ثمرها  كُلَّ حِينٍ  أي كل وقت والحين في اللغة : الوقت يطلق على القليل والكثير، واختلفوا في مقداره كما سيأتي  بِإِذْنِ رَبِّهَا  أي بإرادته ومشيئته وأمره، قيل وهي النخلة كذلك كلمة الإيمان ثابتة في قلب المؤمن وعمله يصعد إلى السماء وتناله بركته وثوابه كل وقت. 
وأخرج أحمد وابن مردويه، قال السيوطي بسند جيد عن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( هي التي لا تنقص ورقها النخلة ). 
وأخرج البخاري وغيره من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما لأصحابه :( أي شجرة من الشجر لا يطرح ورقها مثل المؤمن ؟ قال فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في قلبي أنها النخلة فاستحييت حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي النخلة ) ؟[(١)](#foonote-١) وفي لفظ للبخاري ( أخبروني عن شجرة كالرجل المسلم لا يتحات ورقها وتؤتى أكلها كل حين ) فذكر نحوه[(٢)](#foonote-٢). 
وفي لفظ لابن جرير وابن مردويه من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( هل تدرون ما الشجرة الطيبة ثم قال هي النخلة ) وروى نحو هذا جماعة من الصحابة والتابعين، وقيل غيرها ؛ والمراد تؤتى أكلها كل ساعة من الساعات من ليل أو نهار، في جميع الأوقات من غير فرق بين شتاء وصيف، قاله ابن عباس. 
وقيل المراد في أوقات مختلفة من غير تعيين، وقيل كل غدوة وعشية، وقيل الحين هنا سنة كاملة لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة، وقيل كل شهر، وقيل كل ستة أشهر قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والحسن يعني من وقت طلعها إلى حين صرامها، وقال علي بن أبي طالب ثمانية أشهر، وقيل أربعة أشهر من حين ظهور حملها إلى إدراكها، وقال سعيد بن المسيب شهران. 
قال النحاس : وهذه الأقوال متقاربة غير متناقضة لأن الحين عند جميع أهل اللغة إلا من شذ منهم بمعنى الوقت يقع لقليل الزمان وكثيره. وقد ورد الحين في بعض المواضع يراد به أكثر كقوله : هل أتى على الإنسان حين من الدهر  وقد تقدم بيان أقوال العلماء في الحين في سورة البقرة. وقال الزجاج : الحين الوقت طال أم قصر. 
عن ابن عباس في قوله تعالى : تؤتى أكلها كل حين  قال يكون أخضر ثم يكون أصفر، وعنه قال كل حين جداد النخل، وقد روي عن جماعة من السلف في هذا أقوال كثيرة. 
ووجه الحكمة في تمثيل الإيمان بالشجر على الإطلاق أن الشجرة لا تسمى شجرة إلا بثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل ثابت وفرع نابت، وكذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالأبدان والأركان وقيل غير ذلك ؛ وعن ابن عباس : الكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله ثابت في القلب وفرعها في السماء يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين ومن بعدهم. 
 وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  أحوال المبدأ والمعاد. 
١ مسلم ٢٨١١ – البخاري ٥٤..
٢ البخاري كتاب الأدب باب ٨٩..

### الآية 14:26

> ﻿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ [14:26]

وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ( ٢٦ ) 
وبدائع صنعه سبحانه الدالة على وجوده ووحدانيته، وفي ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني وتقريب لها من الحس ومواعظ لمن تذكر واتعظ. 
 وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ  قد تقدم تفسيرها وتغيير الأسلوب حيث لم يقل وضرب الله مثلا كلمة خبيثة للإيذان بأن ذلك غير مقصود بالضرب والبيان  كَشَجَرَةٍ  أي كمثل شجرة  خَبِيثَةٍ  قيل هي شجرة الحنظل وقيل هي شجرة الثوم وقيل الكمأة، وقيل الطحلبة، وقيل هي كشوث بالضم وآخره مثلثة وهي شجرة لا ورق لها ولا عروق في الأرض. 
 اجْتُثَّتْ  أي استؤصلت واقتلعت وقطعت من أصلها، قال المؤرج أخذت جثتها وهي نفسها وذاتها والجثة شخص الإنسان قاعدا ونائما يقال جثه قلعه واجتثه اقتلعه كأنها اجتثت وكأنها غير ثابتة بالكلية وكأنها ملقاة على وجه الأرض ومعنى  مِن فَوْقِ الأَرْضِ  أنه ليس لها أصل راسخ وعروق متمكنة من الأرض. 
 مَا لَهَا  أي لهذه الشجرة  مِن قَرَارٍ  أي من استقرار، وقيل من ثبات لأنها ليس لها أصل ثابت تغوص في الأرض بل عروقها في وجهها ولا فرع لها صاعد إلى السماء بل ورقها يمتد على الأرض كشجرة البطيخ وثمرها رديء كما أن الكافر وكلمته لا حجة له ولا ثبات فيه ولا خير يأتي منه أصلا. ولا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح وفي الحقيقة تسميتها شجرة مجاز لأن الشجر ماله ساق والنجم ما لا ساق له وهي من النجم فتسميتها شجرة للمشاكلة. 
قال ابن عباس : الكلمة الخبيثة الشرك والشجرة الخبيثة الكافر يعني الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان ولا يقبل الله مع الشرك عملا، وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين ومن بعدهم.

### الآية 14:27

> ﻿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [14:27]

يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء ( ٢٧ ) 
 يُثَبِّتُ اللّهُ  راجع للمثل الأول  الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ  أي بالحجة الواضحة ٠عندهم وهي الكلمة الطيبة المتقدم ذكرها، وقد ثبت في الصحيح أنها كلمة الشهادة يقولها المؤمن إذا قعد في قبره قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :( فذلك قوله تعالى يثبت الله ) الآية[(١)](#foonote-١) وقيل معنى تثبيت الله لهم هو أن يدوموا عليه  فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  ويستمروا حتى إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود وغير ذلك. 
 وَفِي الآخِرَةِ  أي في القبر بتلقين الجواب وتمكين الصواب، قاله الجمهور وقيل يوم القيامة عند البعث والحساب، وقيل المراد بالحياة الدنيا وقت المسألة في القبر وفي الآخرة وقت المسألة يوم القيامة والمراد أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم أوضحوا ذلك بالقول الثابت من دون تلعثم[(٢)](#foonote-٢) ولا تردد ولا جهل، كما يقول من لم يوفق لا أدري فيقال له لا دريت ولا تليت. 
وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :( المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله ) فذلك قوله : يثبت الله الذين آمنوا  الآية[(٣)](#foonote-٣)، وعن البراء قال :( إذا جاء الملكان إلى الرجل في القبر فقالا من ربك فقال ربي الله، وقالا وما دينك قال ديني الإسلام، وقالا من نبيك قال نبيي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فذلك التثبيت في الحياة الدنيا ) [(٤)](#foonote-٤) وعن ابن عباس نحوه، وعن أبي سعيد قال في الآخرة القبر، وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( هذا في القبر ). 
وأخرج البزار عنها أيضا قالت : قلت يا رسول الله تبتلى هذه الأمة في قبورها فكيف بي وأنا امرأة ضعيفة ؟ قال : يثبت الله الذين آمنوا . الآية. 
وعن عثمان بن عفان قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال :( استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ) [(٥)](#foonote-٥) أخرجه أبو داود، وقد وردت أحاديث كثيرة في سؤال الملائكة للميت في قبره وفي جوابه عليهم وفي عذاب القبر وفتنته، وليس هذا موضع بسطها وهي معروفة، نسأل الله التثبيت في القبر وحسن الجواب وتسهيله بفضله إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. 
 وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ  راجع للمثل الثاني، أي يضلهم عن حجتهم التي هي القول الثابت فلا يقدرون على التكلم في قبورهم ولا عند الحساب، كما أضلهم عن اتباع الحق في الدنيا، قيل والمراد بالظالمين هنا الكفرة، وقيل كل من ظلم نفسه ولو بمجرد الإعراض عن البينات الواضحة فإنه لا يثبت في مواقف الفتن ولا يهتدي إلى الحق. 
 وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء  من التثبيت للمؤمنين والخذلان للظالمين لا راد لحكمه ولا اعتراض عليه. قال الفراء : أي لا تنكر له قدرة ولا يسأل عما يفعل والإظهار في محل الإضمار في الموضعين لتربية المهابة. 
١ النسائي كتاب الجنائز باب ١١٤..
٢ التلعثم، التوقف أهـ، قاموس أهـ منه..
٣ مسلم ٢٨٧١ – البخاري ٧٢٥..
٤ أبو داود كتاب السنة باب ٢٤ – الترمذي تفسير سورة ١٤..
٥ أبو داود كتاب الجنائز الباب ٦٩..

### الآية 14:28

> ﻿۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [14:28]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ( ٢٨ ) 
 أَلَمْ تَرَ  هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له تعجيبا مما صنع الكفرة من الأباطيل التي لا تكاد تصدر عمن له أدنى إدراك وذلك بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم حين بعثه الله منهم وأنعم عليهم به، وقيل إنهم بدلوا نفس النعمة كفرا. 
فالتبديل على الأول تغيير في الوصف والنعمة باقية لكنها موصوفة بالكفران وعلى الثاني تغيير في الذات والنعمة زائلة مبدلة بالكفر، فإنهم لما كفروها سلبت عنهم، فصاروا تاركين لها محصلين للكفر بدلها، ولفظ ابن عباس هم كفار أهل مكة، أخرجه البخاري والنسائي وبه قال جمهور المفسرين. 
قيل نزلت في الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، قال علي : هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر، أخرجه النسائي. وقد روى عنه في تفسير هذه الآية من طرق نحو هذا، وعن عمر بن الخطاب قال : هم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وعن علي نحوه أيضا، وعن ابن عباس قال : هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم، أخرجه ابن أبي حاتم وفيه نظر فإن جبلة وأصحابه لم يسلموا إلا في خلافة عمر بن الخطاب ؛ وقيل إنها عامة في جميع المشركين. 
 وَأَحَلُّواْ  أي أنزلوا  قَوْمَهُمْ  بسبب ما زينوه لهم من الكفر  دَارَ الْبَوَارِ  وهي جهنم قيل هم قادة قريش أحلوهم يوم بدر دار الهلاك وهو القتل الذي أصيبوا به والأول أولى لقوله.

### الآية 14:29

> ﻿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ۖ وَبِئْسَ الْقَرَارُ [14:29]

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ( ٢٩ ) 
 جَهَنَّمَ  فإنه عطف بيان لدار البوار يقال بار الشيء يبور بالضم هلك وبار الشيء بوارا كسد على الإستعارة لأنه إذا ترك صار غير منتفع به فأشبه الهالك من هذا الوجه  يَصْلَوْنَهَا  مستأنفة لبيان كيفية حلولهم فيها أي داخلين فيها مقاسين لحرها  وَبِئْسَ الْقَرَارُ  أي قرارهم فيها أو بئس المقر جهنم فالمخصوص بالذم محذوف.

### الآية 14:30

> ﻿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ۗ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [14:30]

وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ( ٣٠ ) . 
 وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا  أي أمثالا وأشباها أي شركاء في الربوبية أو في التسمية وهي الأصنام، قال قتادة : يعني أشركوا بالله وليس له تعالى شريك ولا ند ولا شبيه تعالى عن ذلك علوا كبيرا فسر بغير قراءة حفص فهي بضم الياء أما هنا ففسرها على الفتح فجعل الأصل قراءة والقراءة أصلا  لِّيُضِلُّواْ  بفتح الياء أنفسهم  عَن سَبِيلِهِ  أي عن سبيل الله، اللام للعاقبة بطريق الاستعارة التبعية أي ليتعقب جعلهم لله أندادا ضلالهم لأن العاقل لا يريد ضلال نفسه. 
وحسن استعمال لام العاقبة هنا لأنها تشبه الغرض والغاية من جهة حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز، وقرئ بضم الياء أي ليوقعوا قومهم في الضلال عن سبيل الله، فهذا هو الغرض من جعلهم لله أندادا والقراءتان سبعيتان، ثم هددهم سبحانه فقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم  قُلْ تَمَتَّعُواْ  في الدنيا بما أنتم فيه من الشهوات وما زينته لكم أنفسكم من كفران النعم وإضلال الناس أياما قلائل. 
وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لإفضائه إلى المهدد به  فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ  أي مردكم ومرجعكم في الآخرة  إِلَى النَّارِ . 
ولما كان هذا حالهم وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه وانهماكهم فيه لا يقلعون عنه ولا يقبلون فيه نصح الناصحين، جعل الأمر بمباشرته مكان النهي عن قربانه إيضاحا لما تكون عليه عاقبتهم وأنهم لا محالة صائرون إلى النار فلا بد لهم من تعاطي الأسباب المقتضية لذلك، فجملة فإن مصيركم إلى النار تعليل للأمر بالتمتع وفيه من التهديد ما لا يقادر قدره، أو المعنى فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار والأول أولى والنظم القرآني عليه أدل كما يقال لمن سعى في مخالفة السلطان اصنع ما شئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف.

### الآية 14:31

> ﻿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ [14:31]

قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ ( ٣١ ) 
 قُل لِّعِبَادِيَ  بثبوت الياء مفتوحة وبحذفها لفظا لا خطا، والقراءتان سبعيتان ويجريان في خمس مواضع من القرآن، هذا وقوله في سورة الأنبياء : إن الأرض يرثها عبادي الصالحون  وقوله في العنكبوت : يا عبادي الذين آمنوا  وقوله في سبأ  وقليل من عبادي الشكور  وفي سورة الزمر  قل يا عبادي الذين أسرفوا . 
 الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ  لما أمره بأن يقول للمبدلين نعمة الله كفرا الجاعلين له أندادا ما قاله لهم، أمره سبحانه أن يقول للطائفة المقابلة لهم وهي طائفة المؤمنين هذا القول، والمقول محذوف دل عليه المذكور، أي قل لهم أقيموا الصلاة الواجبة، وإقامتها إتمام أركانها، وأنفقوا أي أخرجوا الزكاة المفروضة، وقيل أراد به جميع الإنفاق في جميع وجوه الخير والبر، والحمل على العموم أولى ويدخل فيه الزكاة دخولا أوليا. 
 سِرًّا وَعَلانِيَةً  قال الفراء : أي مسرين ومعلنين أو إنفاق سر وعلانية أو وقت سر وعلانية فالانتصاب على الحال أو المصدر أو الظرف. قال الجمهور السر ما خفي والعلانية ما ظهر، وقيل السر التطوع والعلانية الفرض، وقد تقدم بيان هذا عند تفسير قوله : إن تبدو الصدقات فنعما هي . 
 مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ  قال أبو عبيدة : البيع ههنا الفداء والخلال المخالة وهو مصدر. قال الواحدي : هذا قول جميع أهل اللغة. 
وقال أبو علي الفارسي : جمع خلة مثل قلة وقلال وبرمة وبرام وعلبة وعلاب، والمعنى أن يوم القيامة لا بيع فيه حتى يفتدي المقصر في العمل نفسه من عذاب الله بدفع عوض عن ذلك، وليس هناك مخالة حتى يشفع الخليل لخليله وينقذه من العذاب. 
فأمرهم سبحانه بالإنفاق في وجوه الخير مما رزقهم الله سبحانه ما داموا في الحياة الدنيا، قادرين على إنفاق أموالهم من قبل أن يأتي يوم القيامة فإنهم لا يقدرون على ذلك، بل لا مال لهم إذ ذاك، فالجملة لتأكيد مضمون الأمر بالإنفاق مما رزقهم الله، ويمكن أنت يكون فيها أيضا تأكيد لمضمون الأمر بإقامة الصلاة، وذلك لأن تركها كثيرا ما يكون بسبب الاشتغال بالبيع ورعاية حقوق الأخلاء. 
قيل هذه الآية الدالة على نفي الخلة محمولة على نفيها بسبب ميل الطبيعة وشهوة النفس، والآية الدالة على حصول الخلة وثبوتها كقوله سبحانه في الزخرف : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين  محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة الله، ألا تراه أثبتها للمتقين فقط ونفاها عن غيرهم. 
وقيل إن ليوم القيامة أحوالا مختلفة ؛ ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خليله وفي بعضها يتعاطف الأخلاء بعضهم على بعض إذا كانت تلك المخالة لله تعالى في محبته، وقد تقدم تفسير البيع والخلال.

### الآية 14:32

> ﻿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ [14:32]

اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ ( ٣٢ ) 
 اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ  أي أبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق وخلق ما فيهما من الأجرام العلوية والسفلية، وإنما بدأ بذكر خلقهما لأنهما أعظم المخلوقات الشاهدة الدالة على وجود الصانع الخالق القادر المختار، ذكر لهذا الموصول سبع صلات تشتمل على عشرة أدلة : على وحدانية الله تعالى وعلمه وقدرته. 
 وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء  المراد بالسماء هنا جهة العلو فإنه يدخل في ذلك الفلك عند من قال إن ابتداء المطر منه، ويدخل فيه السحاب عند من قال إن ابتداء المطر منها، و يدخل فيه الأسباب التي تثير السحاب كالرياح، قيل إن المطر ينزل من السماء إلى السحاب ومن السحاب إلى الريح، ومن الريح إلى الأرض، وتنكير الماء هنا للنوعية أي نوعا من أنواع الماء وهو ماء المطر. 
 فَأَخْرَجَ بِهِ  أي بذلك الماء  مِنَ الثَّمَرَاتِ  المتنوعة  رِزْقًا لَّكُمْ  أي لبني آدم يعيشون به، ومن للبيان كقولك أنفقت من الدراهم وقيل للتبعيض لأن الثمرات منها ما هو رزق لبني آدم ومنها ما هو ليس برزق لهم وهو ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به، والثمر اسم يقع على ما يحصل من الشجر وقد يقع على الزرع أيضا كقوله تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده  وقيل المراد به ما يشمل المطعوم والملبوس. 
 وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ  أي السفن الجارية على الماء فجرت على إرادتكم لأجل الانتفاع بها في جلب ذلك الرزق الذي هو الثمرات وغيرها من بلد إلى بلد آخر، فاستعملتموها في مصالحكم، ولذا قال : لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ  كما تريدون على ما تطلبون بالركوب والحمل ونحو ذلك  بِأَمْرِهِ  أي بأمر الله ومشيئته وإذنه، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة. 
 وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ  بكل فائدة قاله مجاهد : أي ذللها لكم بالركوب عليها والإجراء لها إلى حيث تريدون، وهو من أعظم نعم الله على عباده.

### الآية 14:33

> ﻿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [14:33]

وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ( ٣٣ ) 
 وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ  لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما  دَآئِبَينَ  الدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة جارية، والدأب العادة المستمرة دائما على حالة واحدة، ودأب في السير دوام عليه، ودأب في عمله جد وتعب، وبابه قطع وخضع فهو دائب بالألف لا غير، والدائبان الليل والنهار، والدأب بسكون الهمزة العادة والشأن، وقد يحرك. 
ومعنى دائبين يجريان دائما في إصلاح ما يصلحانه من النبات والحيوان وإزالة الظلمة لأن الشمس سلطان النهار، وبها يعرف فصول السنة، والقمر سلطان الليل وبه يعرف انقضاء الشهور، وكل ذلك بتسخير الله عز وجل وإنعامه على عباده، وقيل دائبين في السير امتثالا لأمر الله. 
قال ابن عباس : دؤبهما في طاعة الله، والمعنى يجريان إلى يوم القيامة ولا يفتران ولا ينقطع سيرهما في فلكهما، وهو السماء الرابعة للشمس، وسماء الدنيا للقمر إلى آخر الدهر، وهو انقضاء عمر الدنيا وذهابها  وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ  يتعاقبان، فالنهار لسعيكم في أمور معاشكم وما تحتاجون إليه من أمور دنياكم، والليل لتسكنوا فيه كما قال سبحانه : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله

### الآية 14:34

> ﻿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [14:34]

وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَة اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( ٣٤ ) . 
ولم يقتصر على النعم المتقدمة بل. 
 وَآتَاكُم مِّن كُلِّ  نوع وصنف  مَا سَأَلْتُمُوهُ  قال الأخفش : أي أعطاكم من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها العد والحصر، وقيل المعنى من كل ما سألتم ومن كل ما لم تسألوه قاله ابن الأنباري : لأن نعمه علينا أكثر من أن تحصى ؛ وقيل من زائدة وبه قال الأخفش، أي آتاكم كل ما سألتموه، وقيل للتبعيض أي بعض ما سألتموه، وهو رأي سيبويه. 
قال عكرمة : أي من كل شيء رغبتم إليه فيه، وعن مجاهد مثله، وعن الحسن من كل الذي سألتموه، وقرئ : من كل  بتنوين، وعلى هذا ما نافية حرفية، أي آتاكم من جميع ذلك حال كونكم غير سائلين له، أو مصدرية أو موصولة اسمية. 
 وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَة اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا  أي وإن تتعرضوا لتعداد النعم التي أنعم الله تعالى بها عليكم إجمالا فضلا عن التفصيل لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال. 
وفي السمين : النعمة هنا بمعنى المنعم به، وأصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها. 
ومن المعلوم أنه لو رام فرد من أفراد العباد أن يحصي ما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه أو حاسة من حواسه لم يقدر على ذلك قط ولا أمكنه أصلا فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه الله في بدنه فكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنويعها واختلاف أجناسها، اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلا أنت، ومما علمناه شكرا لا يحيط به حصر ولا يحصره عد، وعدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان. 
قال سليمان التيمي : إن الله أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم وعن بكر بن عبد الله المزني قال : يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك. 
وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال : من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه، وعن أبي أيوب القرشي قال : قال داود عليه السلام : رب أخبرني ما أدنى نعمتك علي ؟ فأوحى إليه يا داود تنفس فتنفس، فقال هذا أدنى نعمتي عليك. 
 إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ  لنفسه بإغفاله لشكر نعم الله عليه، وقيل الظلوم الشاكر لغير من أنعم عليه فيضع الشكر في غير موضعه، وظاهره شمول كل إنسان، وقال الزجاج : إن الإنسان اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما قال إن الإنسان لفي خسر، وقيل يريد أبا جهل والأول أولى. 
 كَفَّارٌ  أي شديد كفران نعم الله عليه جاحد لها غير شاكر لله سبحانه عليها كما ينبغي ويجب عليه. 
عن عمر بن الخطاب قال : اللهم اغفر لي ظلمي وكفري، فقال قائل يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما بال الكفر، قال إن الإنسان لظلوم كفار، وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع.

### الآية 14:35

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [14:35]

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءاِمنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ( ٣٥ ) 
 وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ  أي واذكر وقت قوله، ولعل المراد بسياق ما قاله إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع بيان كفر قريش بالنعم الخاصة بهم، وهي إسكانهم مكة بعد ما بين كفرهم بالنعم العامة. وقيل إن ذكر قصة إبراهيم ههنا لمثال الكلمة الطيبة، وقيل لقصد الدعاء إلى التوحيد وإنكار عبادة الأصنام. وهذه القصة كانت بعد ما وقع له من الإلقاء في النار ؛ وفي تلك لم يسأل ولم يدع بل اكتفى بعلم الله بحاله وفي هذه قد دعا وتضرع ؛ ومقام الدعاء أجل وأعلى من مقام تركه اكتفاء بعلم الله كما قاله العارفون. فيكون إبراهيم قد ترقى وانتقل من طور إلى طور من أطوار الكمال. 
 رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ  أي مكة  آمِنًا  أي ذا أمن إلى قرب القيامة وخراب الدنيا، وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدنيا والدين، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في البقرة عند قوله تعالى : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا ْبَلَدَا آمِنًا  والفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب ههنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن. 
وفي الجمل فسر الشارح البلد هنا بمكة، وفي سورة البقرة بالمكان فيقتضي أن هذا الدعاء وقع مرتين مرة قبل بنائها ومرة بعده، ولذلك كتب الكرخي هناك ما نصه نكر البلد هنا وعرفه في إبراهيم لأن الدعوة هنا كانت قبل جعل المكان بلدا فطلب من الله أن يجعل ويصير بلدا آمنا وثم كانت بعد جعله بلدا انتهى. 
وقال الزمخشري : سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال هو بلد مخوف فاجعله آمنا انتهى. 
قلت والمعاني متقاربة والمراد من الدعاء جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد الله ولم يقدر أحد على تخريبها وإن أغار جماعة من الجبابرة عليها وأخافوا أهلها، وقيل هو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين من الحبشة على ما في الصحيحين فلا تعارض بين النصين. 
أو المراد جعل أهل هذا البلد آمنين، وهذا الوجه عليه أكثر المفسرين وغيرهم، وهذا الأمن حاصل بحمد الله بمكة وحرمها إلى الآن قال السيوطي : وقد أجاب الله دعاءه فجعله حرما لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى خلاه. 
 وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ  يقال جنبته كذا وأجنبته أي باعدته عنه ثلاثيا ورباعيا وهي لغة نجد، وجنبه إياه مشددا وهي لغة الحجاز وهو المنع وأصله من الجانب كأنه سأله ان يبعده عن جانب الشرك بألطاف منه وأسباب خفية والمعنى باعدني وباعد بني عن عبادة الأصنام قيل أراد بنيه من صلبه وكانوا ثمانية، وقيل أراد من كان موجودا حال دعوته من بنيه وبني بنيه، وقيل أراد جميع ذريته ما تناسلوا. 
قيل ويؤيد ذلك ما قيل من أنه لم يعبد أحد من أولاد إبراهيم صنما، والصنم هو التمثال الذي كانت تصنعه أهل الجاهلية من الأحجار ونحوها فيعبدونه، والتأييد هذا يستقيم على القولين الأولين، وأما القول الثالث فلا يستقيم فقريش من أولاد إسماعيل وقد عبدوا الأصنام بلا شك، وقال الواحدي : المعنى وبني الذين أذنت لي في الدعاء لهم، وقد كان من بنيه من عبد الصنم، فيكون هذا الدعاء من العام المخصوص. 
وقيل هذا مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله في آخر الآية فمن تبعني فإنه مني وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فليس منه، وعن مجاهد قال : فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنما بعد دعوته، واستجاب الله له وجعل هذا البلد آمنا ورزق أهله الثمرات وجعله إماما وجعل من ذريته من يقيم الصلاة و ويقبل دعاءه فأراه مناسكه وتاب عليه، قيل هو دعاء لنفسه في مقام الخوف أو قصد به الجمع بينه وبين بنيه ليستجاب لهم ببركته والمراد طلب الثبات والدوام على ذلك.

### الآية 14:36

> ﻿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ۖ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [14:36]

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ٣٦ ) 
 رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ  أسند الإضلال إلى الأصنام مع كونها جمادات لا تعقل لأنها سبب لضلالهم فكأنها أضلتهم، وهذه الجملة تعليل لدعائه لربه وإعادة النداء لتأكيد النداء وكثرة الابتهال والتضرع وهذا التركيب مجاز كقولهم فتنتهم الدنيا وغرتهم وإنما فتنوا بها واغتروا بسببها. 
 ثم قال :{ فَمَن تَبِعَنِي  أي من تبع ديني من الناس فصار مسلما موحدا  فَإِنَّهُ مِنِّي  أي من أهل ديني جعل أهل ملته كنفسه مبالغة. 
 وَمَنْ عَصَانِي  فلم يتابعني ولم يدخل في ملتي  فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  قادر على أن تغفر له قيل هذا قبل أن يعلم أن الله لا يغفر أن يشرك به كما وقع منه الاستغفار لأبيه وهو مشرك قاله ابن الأنباري، قيل المراد عصيانه هنا فيما دون الشرك قاله مقاتل، وقيل إن هذه المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك، قاله السدي، وقيل تغفر له بأن تنقله من الكفر إلى الإيمان والإسلام وتهديه إلى الصواب والأول أولى :.

### الآية 14:37

> ﻿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [14:37]

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( ٣٧ ) . 
ثم قال : رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي  قال الفراء : من للتبعيض أي بعض ذريتي، وقال ابن الأنباري : أنها زائدة أي أسكنت ذريتي والأول أولى لأنه إنما أسكن إسماعيل وهو بعض ولده وأمه هاجر  بِوَادٍ  هو المنخفض بين الجبلين  غَيْرِ ذِي زَرْعٍ  أي لا زرع فيه قط وهو وادي مكة أو لا يصلح للإنبات لأنه أرض حجرية لا تنبت شيئا نفى أن يكون إسكانهم لأجل الزراعة  عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ  أي الذي كان قبل الطوفان، وأما وقت دعائه فلم يكن، وإنما كان تلا من الرمل، وأما البيت فقد رفع إلى السماء من حين الطوفان ولو جعل التجوز باعتبار ما يؤول لكان صحيحا أيضا يعني أنه سيعمره أو بيتك الذي جرى في سابق علمك أنه سيحدث في هذا المكان. 
وسمي محرما لأن الله حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرما لمكانه أو لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه، وقيل إنه محرم على الجبابرة، وقد تقدم في سورة المائدة ما يغني عن الإعادة. 
أخرج الواقدي وابن عساكر من طريق عامر بن سعد عن أبيه قال كانت سارة تحت إبراهيم فمكثت تحته دهرا لا ترزق منه ولدا فلما رأت ذلك وهبت له هاجر، أمة لها قبطية فولدت له إسماعيل فغارت من ذلك سارة ووجدت في نفسها وعتبت على هاجر فحلفت أن يقطع منها ثلاثة أطراف فقال لها إبراهيم : هل لك أن تبري يمينك قالت : كيف أصنع قال : اثقبي أذنيها واخفضيها والخفض هو الختان، ففعلت ذلك بها فوضعت هاجر في أذنيها قرطين فازدادت بها حسنا فقالت سارة : أراني إنما زدتها جمالا فلم تضاره على كونه معها ووجد بها إبراهيم وجدا شديدا فنقلها إلى مكة فكان يزورها في كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها. 
ثم قال : رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ  اللام لام كي أي ما أسكنتهم بهذا الوادي الخالي من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة فيه متوجهين إليه متبركين به، وخصها دون سائر العبادات لمزيد فضلها، ولعل تكرير النداء وتوسيطه لإظهار العناية الكاملة بهذه العبادة وللإشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثم[(١)](#foonote-١) والمقصود من الدعاء توفيقهم لها، وقيل اللام لام الأمر والمراد الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من الله أن يوفقهم لها أثبت أن الإقامة عنده للعبادة وقد نفى كونها للكسب فجاء الحصر. 
 فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً  الأفئدة جمع فؤاد وهو القلب عبر به عن جميع البدن لأنه أشرف عضو فيه، وقيل هو جمع وفد والأصل أوفده فكأنه قال واجعل وفودا  مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ  من للتبعيض، وقيل زائدة ولا يلزم منه أن يحج اليهود والنصارى لدخولهم تحت لفظ الناس، لأن المطلوب توجيه قلوب الناس إليهم للسكون معهم والجلب إليهم لا توجيهها إلى الحج، ولو كان هذا مرادا لقال تهوي إليه، وقيل من للابتداء كقوله القلب مني سقيم تريد قلبي، ومعنى تهوي إليهم تنزع إليهم ؛ وقيل تسرع وتميل وتحن إليهم لزيارة بيتك لا لذواتهم وأعيانهم. 
وفي هذا بيان أن حنين الناس إليهم إنما هو لطلب حج البيت لا لأعيانهم، يقال هوى نحوه إذا مال وهوت الناقة تهوي هويا فهي هاوية إذا عدت عدوا شديدا كأنها تهوي في بئر، ويحتمل أن يكون المعنى تجيء إليهم أو تسرع إليهم وقيل تحن وتطير وتشتاق إليهم، واصله أن يتعدى باللام وإنما تعدى بإلى لأنه ضمن معنى تميل. 
قال السدي : أي أمل قلوبهم إلى هذا الموضع، وقيل تريدهم، قاله الفراء وقيل تنحط إليهم وتنحدر وتنزل، وهذا قول أهل اللغة والمعاني متقاربة، قال ابن عباس : لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والترك والروم والهند، ولحج اليهود والنصارى والناس كلهم، ولكنه قال : أفئدة من الناس  فخص به المؤمنين أخرجه البيهقي بسند وفيه دعاء للمؤمنين بأن يرزقهم حج البيت ودعاء لسكان مكة من ذريته بأنهم ينتفعون بمن يأتي إليهم من الناس لزيارة البيت فقد جمع إبراهيم في هذا الدعاء من أمر الدين والدنيا ما ظهر بيانه وعمت بركته. 
 وَارْزُقْهُم  أي ذريتي الذين أسكنتهم هنالك أو إياهم ومن يساكنهم من الناس  مِّنَ  أنواع  الثَّمَرَاتِ  التي تنبت فيه كما رزقت سكان القرى ذوات الماء والزرع فيكون المراد عمارة قرى بقرب مكة لتحصل تلك الثمار أو المراد جلب الثمرات إلى مكة بطريق النقل والتجارة لقوله تعالى : تجبى إليه ثمرات كل شيء  وهذا أولى  لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ  نعمتك التي أنعمت بها عليهم. 
قال محمد بن مسلم : إن إبراهيم لما دعا للمحرم نقل الله الطائف من فلسطين، وعن الزهري : قال : إن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم، وأما إجابة قوله فاجعل أفئدة الخ فقد حصلت بجرهم، وقد استمر قصد الحجاج والعمار لهذا البيت كل عام إلى آخر الزمان. 
١ بفتح الثاء أي هناك..

### الآية 14:38

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [14:38]

رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ( ٣٨ ) 
 رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ  أي ما نكتمه وما نظهره، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليه سبحانه سيان لا تفاوت فيهما، قيل والمراد هنا بما نخفي ما يقابل ما نعلن فالمعنى ما نظهره وما لا نظهره، وقدم الإخفاء على الإعلان للدلالة على أنهما مستويان في علم الله سبحانه، وظاهر النظم القرآني عموم كل ما يظهره وما لا يظهره من غير تقييد بشيء معين من ذلك. 
وقيل المراد ما يخفيه إبراهيم من وجده بإسماعيل وأمه حيث أسكنهما بواد غير ذي زرع، وما يعلنه من ذلك، وقيل ما يخفيه إبراهيم من الوجد ويعلنه من البكاء والدعاء والمجيء بضمير الجماعة يشعر بأن إبراهيم لم يرد نفسه فقط بل أراد جميع العباد، فكان المعنى أن الله سبحانه يعلم بكل ما يظهره العباد وبكل ما لا يظهرونه. 
 وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء  قال جمهور المفسرين هو من كلام الله سبحانه تصديقا لما قاله إبراهيم من أنه سبحانه يعلم بما يخفيه العباد وما يعلنونه، فقال سبحانه ما يخفى عليه شيء من الأشياء الموجودة كائنا ما كان، وإنما ذكر السموات والأرض لأنهما المشاهدتان للعباد، وإلا فعلمه سبحانه محيط بكل ما هو داخل في العالم وكل ما هو خارج عنه لا تخفى عليه خافية قيل ويحتمل أن يكون هذا من قول إبراهيم تحقيقا لقوله الأول وتعميما بعد التخصيص، فإن قيل بالأول فهو اعتراض بين كلامي إبراهيم، وإن قيل بالثاني ففيه وضع الظاهر موضع المضمر.

### الآية 14:39

> ﻿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [14:39]

الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء ( ٣٩ ) 
ثم حمد الله سبحانه على بعض نعمه الواصلة إليه فقال : الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ  أي على كبر سني وسن امرأتي  إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ  قيل ولد له إسماعيل و هو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتا عشرة سنة وقيل على هنا بمعنى مع أي مع كبري ويأسي عن الولد. 
عن سعيد بن جبير قال : بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة وهبة الولد في هذا السن من أعظم المنن لأنه سن اليأس فلهذا شكر الله على هذه المنة، وهذا قاله إبراهيم في وقت آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء، لأن الظاهر أنه دعا بذلك الدعاء المتقدم أول ما قدم بهاجر وابنها وهي ترضعه ووضعها عند البيت ؛ وإسحاق لم يولد في ذلك الوقت، قال الكرخي : وزمان الدعاء والحمد مختلف، فإن الدعاء في طفولية إسماعيل ولم يكن إسحاق حينئذ. 
 إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء  أي لمجيب الدعاء من قولهم سمع كلامه إذا أجابه واعتد به وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول، والمعنى أنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك وكان إبراهيم قد دعا ربه فسأله الولد بقوله : رب هب لي من الصالحين  فلما استجاب الله دعاءه قال الحمد لله الخ.

### الآية 14:40

> ﻿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ [14:40]

رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء ( ٤٠ ) 
ثم سأل الله سبحانه بأن يجعله مقيم الصلاة محافظا عليها غير مهمل لشيء منها فقال : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ  أي ممن يقيمها بأركانها ويحافظ عليها في أوقاتها، ثم قال : وَمِن ذُرِّيَّتِي  أي اجعلني واجعل بعض ذريتي مقيمين للصلاة وإنما خص البعض من ذريته لأنه علم أن منهم من لا يقيمها كما ينبغي ؛ ثم سأل الله سبحانه أن يتقبل دعاءه على العموم فقال : رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء  ويدخل في ذلك دعاؤه في هذا المقام دخولا أوليا قيل والمراد بالدعاء هنا العبادة، فيكون المعنى وتقبل عبادتي التي أعبدك بها.

### الآية 14:41

> ﻿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [14:41]

رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ( ٤١ ) 
ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه مما يستحق أن يغفره الله وإن لم يكن كبيرا لما هو معلوم من عصمة الأنبياء عن الكبائر. فقال التجاء إلى الله وقطعا للطمع من كل شيء إلا من فضله وكرمه، واعترافا بالعبودية لله والاتكال على رحمته. 
 رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ  قيل إنه دعا لهما بالمغفرة قبل أن يعلم أنهما عدوان لله سبحانه وقيل بشرط الإسلام، وقيل كانت أمه مسلمة والأول أولى، وقيل أراد بوالديه آدم وحواء وفيه بعد ؛ وقرئ شاذا ولولدي – يعني إسماعيل و إسحاق – وأنكرها الجحدري بأن في مصحف ولأبوي، فهي مفسرة لقراءة العامة. 
 وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ظاهره شمول كل مؤمن سواء كان من ذريته أو لم يكن منهم. 
وقيل أراد المؤمنين من ذريته فقط والأول أولى. والله تعالى لا يرد دعاء خليله، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة اللهم اغفر لي مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا، وإني من ذرية خليلك إبراهيم فاغفر لي ولمن أخلفه من المؤمنين. 
 يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ  أي يوم يثبت حساب المكلفين في المحشر، استعير له لفظ يقوم الذي هو حقيقة في قيام الرجل للدلالة على أنه في غاية الاستقامة. وقيل إن المعنى يوم يقوم الناس للحساب، وقيل يبدو ويظهر فيه الحساب والأول أولى.

### الآية 14:42

> ﻿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [14:42]

وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ( ٤٢ ) . 
 وَلاَ تَحْسَبَنَّ  بفتح السين وكسرها قراءتان، سبعيتان، أي لا تظنن  اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ  خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو تعريض لأمته فكأنه قال ولا تحسب أمتك يا محمد، ويجوز أن يكون خطابا لكل من يصلح له من المكلفين وإن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير تعريض لأمته، فمعناه التثبيت على ما كان عليه من عدم الحسبان كقوله : ولا تكونن من المشركين  ونحوه، وقيل المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم ؛ أو يكون المراد بالنهي عن الحسبان الإيذان بأنه عالم بذلك لا تخفى عليه منه خافية. 
قال ميمون بن مهران في الآية : هي تعزية للمظلوم ووعيد للظالم، وعن سفيان بن عيينة نحوه، والغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور، و قيل حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ ؛ وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإعلام للمشركين بأن تأخير العذاب عنهم ليس للرضا بأفعالهم بل سنة الله سبحانه في إمهال العصاة. 
 إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ  أي يؤخر جزاءهم وعذابهم ولا يؤاخذهم بظلمهم، وهذه الجملة استئناف وقع تعليلا للنهي السابق  لِيَوْمٍ  أي لأجل يوم فاللام للعلة وقيل بمعنى إلى التي للغاية  تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ  أي أبصارهم فلا تقر في أماكنها، قال الفراء : المعنى ترفع فيه أبصار أهل الموقف ولا تغمض من هول ما تراه في ذلك اليوم. 
شخوص البصر حدة النظر وعدم استقراره في مكانه، يقال شخص سمعه وبصره وأشخصهما صاحبهما وشخص بصره أي لم يطرف جفنه، ويقال شخص من بلده أي بعد، والشخص سواد الإنسان المرئي من بعيد، والمراد أن الأبصار بقيت مفتوحة لا تحرك من شدة الحيرة والدهشة. قال قتادة : شخصت فيه والله أبصارهم فلا ترد إليهم، قيل أل للعهد وقيل لو حمل على العموم كان أبلغ في التهويل وأسلم من التكرير.

### الآية 14:43

> ﻿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [14:43]

مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ( ٤٣ ) 
 مُهْطِعِينَ  أي مسرعين قاله قتادة وزاد في الجمل إلى الداعي وهو إسرافيل وقيل هو جبريل والنافخ إسرافيل. قال الشهاب : وهو الأصح كما دلت عليه الآثار وقيل المهطع الذي يديم النظر. قاله مجاهد. 
قال أبو عبيدة : قد يكون الوجهان جميعا، يعني الإسراع مع إدامة النظر، وقيل المهطع الذي لا يرفع رأسه وقال ثعلب : المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع وقيل هو الساكت، قال النحاس : والمعروف في اللغة أهطع إذا أسرع، وبه قال أبو عبيدة، قال ابن عباس : يعني بالاهطاع النظر من غير أن يطرف. 
 مُقْنِعِي رُؤوسِهِمْ  إقناع الرأس رفعه، وأقنع صوته إذا رفعه، وقال ابن عباس : الإقناع رفع الرأس، والمعنى أنهم يومئذ رافعون رؤوسهم إلى السماء ينظرون إليها نظر فزع وذل ولا ينظر بعضهم إلى بعض، وقيل أن إقناع الرأس نكسة، وقيل يقال أقنع إذا رفع رأسه وأقنع رأسه إذا طأطأه ذلة وخضوعا، والآية محتملة للوجهين، قال المبرد : والقول الأول أعرف في اللغة. 
 لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ  أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة الخوف، وأصل الطرف تحريك الأجفان، وسميت العين طرفا لأنه يكون لها، وقال ابن عباس : يعني شاخصة أبصارهم قد شغلهم ما بين أيديهم  وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء  الهواء في اللغة الجوف الخالي الذي لم تشغله الأجرام، والمعنى أن قلوبهم خالية عن العقل والفهم لما شاهدوا من الفزع والحيرة والدهش وجعلها نفس الهواء مبالغة ومنه قيل للأحمق والجبان قلبه هواء أي لا رأي فيه ولا قوة. 
وقيل معنى الآية أنها خرجت قلوبهم عن مواضعها فصارت في الحناجر لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها، وقيل هواء بمعنى مترددة تهوي في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه، وقيل المعنى إن أفئدة الكفار في الدنيا خالية عن الخير. قال ابن عباس : ليس فيها شيء من الخير فهي كالخربة، قال قتادة : ليس فيها شيء خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم، وعن مرة قال : منخرقة لا تعي شيئا، وقيل المعنى وأفئدتهم ذات هواء. 
ومما يقارب معنى هذه الآية قوله تعالى : وأصبح فؤاد أم موسى فارغا  أي خاليا من كل شيء إلا من هم موسى عليه السلام، والحاصل أن القلوب يومئذ زائلة عن أماكنها والأبصار شاخصة والرؤوس مرفوعة إلى السماء من هول ذلك اليوم وشدته.

### الآية 14:44

> ﻿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ [14:44]

وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ ( ٤٤ ) 
 وَأَنذِرِ النَّاسَ  هذا رجوع إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمره الله سبحانه بأن ينذرهم، والمراد الناس على العموم، وقيل المراد كفار مكة وقيل الكفار على العموم والأول أولى لأن الإنذار كما يكون للكافر يكون أيضا للمسلم، ومنه قوله تعالى : إنما تنذر من اتبع الذكر . 
 يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ  أي يوم القيامة، قاله مجاهد، أي خوفهم يوم إتيان العذاب، وإنما اقتصر على ذكر إتيان العذاب فيه مع كونه يوم إتيان الثواب أيضا لأن المقام مقام تهديد، وقيل المراد به يوم موتهم فإنه أول أوقات إتيان العذاب، وقيل المراد يوم هلاكهم بالعذاب العاجل. 
 فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ  المراد بهم هنا هم الناس، أي فيقولون، والعدول إلى الإظهار مكان الإضمار للإشعار بأن الظلم هو العلة فيما نزل بهم. هذا إذا كان المراد بالناس هم الكفار، وعلى تقدير كون المراد بهم من يعم المسلمين فالمعنى فيقول الذين ظلموا منهم وهم الكفار  رَبَّنَا أَخِّرْنَا  أي أمهلنا  إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ  أي أمد من الزمان معلوم غير بعيد  نُّجِبْ دَعْوَتَكَ  لعبادك على ألسن أنبيائك إلى توحيدك. 
 وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ  المرسلين منك إلينا فنعمل بما بلغوه إلينا من شرائعك ونتدارك ما فرط منا من الإهمال، وإنما جمع الرسل لأن دعوتهم إلى التوحيد متفقة فاتباع واحد منهم اتباع لجميعهم، وهذا منهم سؤال للرجوع إلى الدنيا لما ظهر لهم الحق في الآخرة  ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه . 
ثم حكى الله سبحانه ما يجاب به عنهم عند أن يقولوا هذه المقالة فقال : أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ  أي فيقال لهم هذا القول توبيخا وتقريعا من قبل الله أو الملائكة والاستفهام تقريري. 
قال ابن عباس : من زوال عما أنتم فيه إلى ما تقولون، وقال السدي : بعث بعد الموت، أي ألم تكونوا أقسمتم من قبل هذا اليوم ما لكم من زوال من دار الدنيا، وقيل أنه لا قسم منهم حقيقة وإنما كان لسان حالهم ذلك لاستغراقهم في الشهوات وإخلادهم إلى الحياة الدنيا. 
وقيل قسمهم هذا هو ما حكاه الله عنهم في قوله : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت  وجواب القسم : ما لكم من زوال  وإنما جاء بلفظ الخطاب في ما لكم لمراعاة أقسمتم، ولولا ذلك لقال ما لنا من زوال.

### الآية 14:45

> ﻿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ [14:45]

وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ ( ٤٥ ) 
 وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ  أي استقررتم، يقال سكن الدار وسكن فيها، وهي بلاد ثمود ونحوهم من الكفار الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله والعصيان له. 
وقال الحسن : عملتم بمثل أعمالهم  وَتَبَيَّنَ لَكُمْ  بمشاهدة الآثار وتواتر الأخبار  كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ  من العقوبة والعذاب الشديد بما فعلوا من الذنوب وكيف منصوب بما بعده من الفعل، وليس الجملة فاعلا لتبين كما قاله بعض الكوفيين بل فاعله ما دلت هي عليه دلالة واضحة، أي فعلنا العجيب بهم، وقيل فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم  وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ  في كتب الله وعلى ألسن رسله إيضاحا لكم وتقريرا وتكميلا للحجة عليكم

### الآية 14:46

> ﻿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [14:46]

وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ( ٤٦ ) 
 وَقَدْ مَكَرُواْ  أي فعلنا بهم ما فعلنا، والحال أنهم قد مكروا في رد الحق وإثبات الباطل. 
 مَكْرَهُمْ  العظيم الذي استفرغوا فيه وسعهم، وقيل المراد كفار قريش الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين هموا بقتله ونفيه كما ذكر في سورة الأنفال والأول أولى. 
 وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ  أي علمه أو جزاؤه أو مكتوب مكرهم فهو مجازيهم أو عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، على أن يكون المكر مضافا إلى المفعول. 
وقيل المراد ما وقع من النمرود حيث حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتا وربط قوائمه بأربعة نسور، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بأطول من هنا، وروي نحو هذه القصة لبختنصر وللنمرود من طرق ذكرها في الدر المنثور، واستبعدها بعض أهل العلم، وقال إن الخطر فيه عظيم، ولا يكاد عاقل أن يقدم على مثل هذا الأمر العظيم الذي ذكروه وليس فيه خبر صحيح يعتمد عليه، ولا مناسبة لهذه القصة بتأويل الآية البتة. 
 وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ  وقرئ كاد موضع كان وقرئ لتزول بفتح اللام على أنها لام الابتداء، وقرأ الجمهور بكسرها على أنها لام الجحود، قال ابن جرير : والمختارة هي الأخيرة وإن هي الخفيفة من الثقيلة واللام هي الفارقة وزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معدا لذلك. 
قال الزجاج : وإن كان مكرهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإن الله ينصر دينه، وعلى قراءة الجمهور يحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون إن هي المخففة من الثقيلة والمعنى كما مر. 
والثاني : أن تكون نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله : وما كان الله ليضيع إيمانكم  والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها مدى الدهور المشبهة بها في القرار والبقاء، وقال ابن عباس : مكرهم شركهم والمراد بالجبال هنا قيل حقيقتها، وقيل المراد بالمكر كفرهم، ويناسبه : تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا .

### الآية 14:47

> ﻿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [14:47]

فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ( ٤٧ ) . 
 فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ  المعنى مخلف رسله وعده، قال القتيبي : هو من المقدم الذي يوضحه التأخير، والمؤخر الذي يوضحه التقديم، وسواء في ذلك مخلف وعده رسله ومخلف رسله وعده، وقال الزمخشري : قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا كقوله : إن الله لا يخلف الميعاد  ثم قال : رسله  ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحدا وليس من شأنه إخلاف المواعيد فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته، والمراد بالوعد هنا هو ما وعدهم سبحانه بقوله : إنا لننصر رسلنا  وكتب الله لأغلبن أنا ورسلي. 
 إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ  غالب لا يغلبه أحد  ذُو انْتِقَامٍ  ينتقم من أعدائه لأوليائه والجملة تعليل للنهي، وقد مر تفسيره في أول آل عمران، قال قتادة : عزيز والله في أمره يملي وكيده متين ثم إذا انتقم انتقم بقدرة.

### الآية 14:48

> ﻿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [14:48]

يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( ٤٨ ) 
 يَوْمَ  أي اذكر وارتقب يوم  تُبَدَّلُ الأَرْضُ  المشاهدة  غَيْرَ الأَرْضِ  والتبديل قد يكون في الذات كما في بدلت الدراهم بالدنانير وقد يكون في الصفات كما في بدلت الحلقة خاتما، والآية تحتمل الأمرين وبالثاني قال الأكثر  وَالسَّمَوَاتُ  أي وتبدل السموات غير السموات لدلالة ما قبله عليه على الاختلاف الذي مر، وتقديم تبديل الأرض لقربانها ولكون تبديلها أعظم أثرا بالنسبة إلينا. 
أخرج مسلم وغيره من حديث ثوبان قال جاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( في الظلمة دون الجسر ) [(١)](#foonote-١). 
وأخرج مسلم أيضا وغيره من حديث عائشة قالت : أنا أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية، قلت : أين الناس يومئذ قال :( على الصراط ) [(٢)](#foonote-٢) والصحيح على هذا إزالة عين هذه الأرض. 
وأخرج البزار وابن المنذر والطبراني في الأوسط، والبيهقي وابن عساكر وابن مردويه عن ابن مسعود قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قول الله : يوم تبدل الأرض غير الأرض  قال :( أرض بيضاء كأنها فضة لم يسفك فيها دم حارم ولم يعمل بها خطيئة ) قال البيهقي : والموقوف أصح، وفي الباب روايات، وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة. 
وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة نقى ) [(٣)](#foonote-٣) وفيهما أيضا عن حديث أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده ) [(٤)](#foonote-٤) الحديث. 
وقد أطال القرطبي في بيان ذلك في تفسيره وفي تذكيره، وحاصله أن هذه الأحاديث نص في أن الأرض والسماوات تبدل وتزال ويخلق الله أرضا أخرى تكون عليها الناس بعد كونهم على الجسر، وهو الصراط لا كما قال كثير من الناس أن تبديل الأرض عبارة عن تغيير صفاتها وتسوية آكامها ونسف جبالها ومد أرضها. 
ثم قال وذكر شبيب بن إبراهيم في كتاب الإفصاح أنه لا تعارض بين هذه الآثار، وأنهما تبدلان كرتين : إحداهما هذه الأولى قبل نفخة الصعق، والثانية إذا وقفوا في المحشر، وهي أرض عفراء من فضة لم يسفك عليهما دم حرام ولا جرى عليها ظلم ويقوم الناس على الصراط على متن جهنم، ثم ذكر في موضع آخر من التذكرة ما يقتضي أن الخلائق وقت تبديل الأرض تكون في أيدي الملائكة رافعين لهم عنها. 
قال في الجمل : فتحصل من مجموع كلامه أن تبديل هذه الأرض بأرض أخرى من فضة يكو ن قبل الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك مرفوعة في أيدي الملائكة وإن تبديل الأرض بأرض من خبز يكون بعد الصراط وتكون الخلائق إذ ذاك على الصراط، وهذه الأرض خاصة بالمؤمنين عند دخولهم الجنة. 
 وَبَرَزُواْ  أي العباد أو الظالمون كما يفيده السياق أي ظهروا من قبورهم ليستوفوا جزاء أعمالهم وهذه هي علة الخروج أو ظهر من أعمالهم ما كانوا يكتمونه، والتعبير عن المستقبل بالماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه كما في قوله ونفخ في الصور  للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  المنفرد بالألوهية الكثير القهر لمن عانده. 
١ مسلم ٣١٥..
٢ مسلم ٢٧٩١..
٣ مسلم ٢٧٩٠ – البخاري ٢٤٩٩..
٤ مسلم ٢٧٩٢ – البخاري ٢٤٤٨..

### الآية 14:49

> ﻿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [14:49]

وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ( ٤٩ ) 
 وَتَرَى  التعبير بالمضارع لاستحضار الصورة  الْمُجْرِمِينَ  أي المشركين  يَوْمَئِذٍ  أي يوم القيامة  مُّقَرَّنِينَ  أي مشدودين  فِي الأَصْفَادِ  إما بجعل بعضهم مقرونا مع بعض، قاله ابن قتيبة أي بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال كقوله : وإذا النفوس زوجت  أو قرنوا مع الشياطين كما في قوله نقيض له شيطانا فهو له قرين أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة والملكات الباطلة أو جعلت أيديهم مقرونة إلى أرجلهم، قاله ابن زيد. 
والمقرن من جمع في القرن وهو الحبل الذي يربط به والأصفاد الأغلال والقيود قاله قتادة، يقال صفدته صفدا أي قيدته، والاسم الصفد بفتحتين فإذا أردت التكثير قلت صفدته، ويقال صفدته وأصفدته إذا أعطيته، قال ابن عباس : الكبول، وعنه يقول في وثاق، قال سعيد بن جبير : السلاسل.

### الآية 14:50

> ﻿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ [14:50]

سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ ( ٥٠ ) 
 سَرَابِيلُهُم  هي القمص، قاله السدي. وعن ابن زيد مثله واحدها سربال يقال سربلته أي ألبسته السربال  مِّن قَطِرَانٍ  هو قطران الإبل الذي تهنأ به قاله الحسن، أي قمصناهم من قطران تطلى به جلودهم حتى يعود ذلك الطلاء كالسرابيل، وخص القطران لسرعة اشتعال النار فيه ولذعه مع نتن رائحته ووحشة لونه، وقال جماعة هو النحاس المذاب، وبه قال عمر وابن عباس. 
قال عكرمة : هذا القطران يطلى به حتى يشتعل نارا، وقال سعيد بن جبير : القطر الصفر، والآن الحار وعن عكرمة نحوه، والقطران فيه لغات بفتح القاف وكسر الطاء وهي قراءة العامة وبزنة سكران وبنزنة سرحان وهو ما يستخرج من شجر فيطبخ ويطلى به الإبل ليذهب جربها لحدته. 
وقيل هو دهن ينحلب من شجر الابهل والعرعر والتوت كالزفت تدهن به الإبل إذا جربت وهو الهناء، ولو أراد الله المبالغة في إحراقهم بغير ذلك لقدر ولكنه حذرهم بما يعرفون. 
وأخرج مسلم وغيره عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ) [(١)](#foonote-١). 
 وَتَغْشَى  أي تعلو  وُجُوهَهُمْ النَّارُ  وتضربها وتخللها وقلوبهم أيضا، وخص الوجوه لأنها أشرف ما في البدن وفيها الحواس المدركة. 
١ مسلم، ٩٣٤..

### الآية 14:51

> ﻿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [14:51]

لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ( ٥١ ) 
 لِيَجْزِي  أي يفعل ذلك بهم ليجزي  اللّهُ  متعلق ببرزوا والجمل التي بينهما اعتراض كما في السمين  كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ  من المعاصي أي جزاء موافقا لما كسبت من خير أو شر  إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ  لا يشغله عنه شيء ولا حساب عن حساب، بل يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك وقد تقدم تفسيره.

### الآية 14:52

> ﻿هَٰذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [14:52]

هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ( ٥٢ ) . 
 هَذَا بَلاَغٌ  أي هذا الذي أنزل إليك تبليغ وكفاية في الموعظة والتذكير ومبلغ وموصل للناس إلى مراتب السعادة، قيل إن الإشارة إلى ما ذكره سبحانه من قوله : ولا تحسبن الله غافلا، إلى سريع الحساب  أي هذا فيه كفاية من غير ما انطوت عليه السورة، وقيل الإشارة إلى جميع السورة، وقيل إلى القرآن وبه قال ابن زيد، وفيه من المحسنات رد العجز على الصدر فقد افتتحت هذه السورة بقوله : كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور . 
 لِّلنَّاسِ  أي للكفار أو لجميع الناس على ما قيل في قوله وأنذر الناس، أي أنزل لتبليغهم إلى ما فيه رشدهم ونفعهم أي لإيصالهم إلى الخير  وَلِيُنذَرُواْ بِهِ  أي بالقرآن، قاله ابن زيد، وقرئ بفتح التحتية والذال المعجمة، يقال نذرت بالشيء أنذر إذا علمت به واستعددت له. 
 وَلِيَعْلَمُواْ  بالأدلة التكوينية المذكورة سابقا أو بالقرآن بما فيه من الحج  أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ  لا شريك له  وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُو الأَلْبَابِ  أي وليتعظ أصحاب العقول السليمة والأفهام الصحيحة. 
وهذه اللامات متعلقة بمحذوف، والتقدير وكذلك أنزلنا أو متعلقة بالبلاغ المذكور أي كفاية لهم في أن ينصحوا وينذروا ويعلموا بما أقام الله من الحج والبراهين وحدانيته سبحانه، وأنه لا شريك له، وليتعظ بذلك أرباب العقول التي تعقل وتدرك. 
---------------------

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/14.md)
- [كل تفاسير سورة إبراهيم
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/14.md)
- [ترجمات سورة إبراهيم
](https://quranpedia.net/translations/14.md)
- [صفحة الكتاب: فتح البيان في مقاصد القرآن](https://quranpedia.net/book/400.md)
- [المؤلف: صديق حسن خان](https://quranpedia.net/person/12782.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/14/book/400) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
