---
title: "تفسير سورة الحجر - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/15/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/15/book/1469"
surah_id: "15"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الحجر - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/15/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الحجر - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/15/book/1469*.

Tafsir of Surah الحجر from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 15:1

> الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [15:1]

الْكِتَابِ
 قِيلَ فِيهِ : إِنَّهُ اِسْم لِجِنْسِ الْكُتُب الْمُتَقَدِّمَة مِنْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، ثُمَّ قَرَنَهُمَا بِالْكِتَابِ الْمُبِين.
 وَقِيلَ : الْكِتَاب هُوَ الْقُرْآن، جَمَعَ لَهُ بَيْن الِاسْمَيْنِ.

### الآية 15:2

> ﻿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [15:2]

رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ
 " رُبَّ " لَا تَدْخُل عَلَى الْفِعْل، فَإِذَا لَحِقَتْهَا " مَا " هَيَّأَتْهَا لِلدُّخُولِ عَلَى الْفِعْل تَقُول : رُبَّمَا قَامَ زَيْد، وَرُبَّمَا يَقُوم زَيْد.
 وَيَجُوز أَنْ تَكُون " مَا " نَكِرَة بِمَعْنَى شَيْء، وَ " يَوَدّ " صِفَة لَهُ ; أَيْ رُبَّ شَيْء يَوَدّ الْكَافِر.
 وَقَرَأَ نَافِع وَعَاصِم " رُبَمَا " مُخَفَّف الْبَاء.
 الْبَاقُونَ مُشَدَّدَة، وَهُمَا لُغَتَانِ.
 قَالَ أَبُو حَاتِم : أَهْل الْحِجَاز يُخَفِّفُونَ رُبَّمَا ; قَالَ الشَّاعِر :

رُبَمَا ضَرْبَة بِسَيْفٍ صَقِيل  بَيْن بُصْرَى وَطَعْنَة نَجْلَاء وَتَمِيم وَقَيْس وَرَبِيعَة يُثَقِّلُونَهَا.
 وَحُكِيَ فِيهَا : رَبَّمَا وَرَبَمَا، وَرُبَّتَمَا وَرَبَتَمَا، بِتَخْفِيفِ الْبَاء وَتَشْدِيدهَا أَيْضًا.
 وَأَصْلهَا أَنْ تُسْتَعْمَل فِي الْقَلِيل وَقَدْ تُسْتَعْمَل فِي الْكَثِير ; أَيْ يَوَدّ الْكُفَّار فِي أَوْقَات كَثِيرَة لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ; قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ.
 **وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :**أَلَا رُبَّمَا أَهْدَتْ لَك الْعَيْن نَظْرَة  قُصَارَاك مِنْهَا أَنَّهَا عَنْك لَا تُجْدِي وَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ لِلتَّقْلِيلِ فِي هَذَا الْمَوْضِع ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ فِي بَعْض الْمَوَاضِع لَا فِي كُلّهَا ; لِشَغْلِهِمْ بِالْعَذَابِ، وَاَللَّه أَعْلَم.
 قَالَ :" رُبَمَا يَوَدّ " وَهِيَ إِنَّمَا تَكُون لِمَا وَقَعَ ; لِأَنَّهُ لِصِدْقِ الْوَعْد كَأَنَّهُ عِيَان قَدْ كَانَ.
 وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِيّ أَبُو الْقَاسِم مِنْ حَدِيث جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ النَّار بِذُنُوبِهِمْ فَيَكُونُونَ فِي النَّار مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَكُونُوا ثُمَّ يُعَيِّرهُمْ أَهْل الشِّرْك فَيَقُولُونَ مَا نَرَى مَا كُنْتُمْ تُخَالِفُونَا فِيهِ مِنْ تَصْدِيقكُمْ وَإِيمَانكُمْ نَفَعَكُمْ فَلَا يَبْقَى مُوَحِّد إِلَّا أَخْرَجَهُ اللَّه مِنْ النَّار - ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " رُبَمَا يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ " ).
 قَالَ الْحَسَن " إِذَا رَأَى الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ دَخَلُوا الْجَنَّة وَمَأْوَاهُمْ فِي النَّار تَمَنَّوْا أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ.
 وَقَالَ الضَّحَّاك : هَذَا التَّمَنِّي إِنَّمَا هُوَ عِنْد الْمُعَايَنَة فِي الدُّنْيَا حِين تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى مِنْ الضَّلَالَة.
 وَقِيلَ : فِي الْقِيَامَة إِذَا رَأَوْا كَرَامَة الْمُؤْمِنِينَ وَذُلّ الْكَافِرِينَ.

### الآية 15:3

> ﻿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [15:3]

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
 **فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :**
 الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى :" ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا " تَهْدِيد لَهُمْ.
 " وَيُلْهِهِمْ الْأَمَل " أَيْ يَشْغَلهُمْ عَنْ الطَّاعَة.
 يُقَال : أَلْهَاهُ عَنْ كَذَا أَيْ شَغَلَهُ.
 وَلَهِيَ هُوَ عَنْ الشَّيْء يَلْهَى.
 " فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ " إِذَا رَأَوْا الْقِيَامَة وَذَاقُوا وَبَال مَا صَنَعُوا.
 وَهَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِالسَّيْفِ.
 الثَّانِيَة : فِي مُسْنَد الْبَزَّار عَنْ أَنَس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( أَرْبَعَة مِنْ الشَّقَاء جُمُود الْعَيْن وَقَسَاوَة الْقَلْب وَطُول الْأَمَل وَالْحِرْص عَلَى الدُّنْيَا ).
 وَطُول الْأَمَل دَاء عُضَال وَمَرَض مُزْمِن، وَمَتَى تَمَكَّنَ مِنْ الْقَلْب فَسَدَ مِزَاجه وَاشْتَدَّ عِلَاجه، وَلَمْ يُفَارِقهُ دَاء وَلَا نَجَحَ فِيهِ دَوَاء، بَلْ أَعْيَا الْأَطِبَّاء وَيَئِسَ مِنْ بُرْئِهِ الْحُكَمَاء وَالْعُلَمَاء.
 وَحَقِيقَة الْأَمَل : الْحِرْص عَلَى الدُّنْيَا وَالِانْكِبَاب عَلَيْهَا، وَالْحُبّ لَهَا وَالْإِعْرَاض عَنْ الْآخِرَة.
 وَرُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :( نَجَا أَوَّل هَذِهِ الْأُمَّة بِالْيَقِينِ وَالزُّهْد وَيَهْلِك آخِرهَا بِالْبُخْلِ وَالْأَمَل ).
 وَيُرْوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَامَ عَلَى دَرَج مَسْجِد دِمَشْق فَقَالَ :( يَا أَهْل دِمَشْق، أَلَا تَسْمَعُونَ مِنْ أَخ لَكُمْ نَاصِح، إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ كَثِيرًا وَيَبْنُونَ مَشِيدًا وَيَأْمُلُونَ بَعِيدًا، فَأَصْبَحَ جَمْعهمْ بُورًا وَبُنْيَانهمْ قُبُورًا وَأَمَلهُمْ غُرُورًا.
 هَذِهِ عَاد قَدْ مَلَأَتْ الْبِلَاد أَهْلًا وَمَالًا وَخَيْلًا وَرِجَالًا، فَمَنْ يَشْتَرِي مِنِّي الْيَوْم تَرِكَتهمْ بِدِرْهَمَيْنِ ! وَأَنْشَدَ :

يَا ذَا الْمُؤَمِّل آمَالًا وَإِنْ بَعُدَتْ  مِنْهُ وَيَزْعُم أَنْ يَحْظَى بِأَقْصَاهَاأَنَّى تَفُوز بِمَا تَرْجُوهُ وَيَكَ وَمَا  أَصْبَحْت فِي ثِقَة مِنْ نَيْل أَدْنَاهَا وَقَالَ الْحَسَن :( مَا أَطَالَ عَبْد الْأَمَل إِلَّا أَسَاءَ الْعَمَل ).
 وَصَدَقَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ! فَالْأَمَل يُكَسِّل عَنْ الْعَمَل وَيُورِث التَّرَاخِي وَالْتَوَانِي، وَيُعَقِّب التَّشَاغُل وَالتَّقَاعُس، وَيُخْلِد إِلَى الْأَرْض وَيُمِيل إِلَى الْهَوَى.
 وَهَذَا أَمْر قَدْ شُوهِدَ بِالْعِيَانِ فَلَا يَحْتَاج إِلَى بَيَان وَلَا يُطْلَب صَاحِبه بِبُرْهَانٍ ; كَمَا أَنَّ قِصَر الْأَمَل يَبْعَث عَلَى الْعَمَل، وَيُحِيل عَلَى الْمُبَادَرَة، وَيَحُثّ عَلَى الْمُسَابَقَة.

### الآية 15:4

> ﻿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ [15:4]

وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ
 أَيْ أَجَل مُؤَقَّت كُتِبَ لَهُمْ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.

### الآية 15:5

> ﻿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ [15:5]

مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ
 " مِنْ " صِلَة ; كَقَوْلِك : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَد.
 أَيْ لَا تَتَجَاوَز أَجَلهَا فَتَزِيد عَلَيْهِ، وَلَا تَتَقَدَّم قَبْله.
 وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى :" فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ " \[ الْأَعْرَاف : ٣٤ \].

### الآية 15:6

> ﻿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [15:6]

وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ
 قَالَهُ كُفَّار قُرَيْش لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِهَة الِاسْتِهْزَاء.

### الآية 15:7

> ﻿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [15:7]

لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
 ثُمَّ طَلَبُوا مِنْهُ إِتْيَان الْمَلَائِكَة دَلَالَة عَلَى صِدْقه.
 وَ " لَوْمَا " تَحْضِيض عَلَى الْفِعْل كَلَوْلَا وَهَلَّا.
 وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمِيم فِي " لَوْمَا " بَدَل مِنْ اللَّام فِي لَوْلَا.
 وَمِثْله اِسْتَوْلَى عَلَى الشَّيْء وَاسْتَوْمَى عَلَيْهِ، وَمِثْله خَالَمْته وَخَالَلْته، فَهُوَ خِلِّي وَخِلْمِي ; أَيْ صَدِيقِي.
 وَعَلَى هَذَا يَجُوز " لَوْمَا " بِمَعْنَى الْخَبَر، تَقُول : لَوْمَا زَيْد لَضُرِبَ عَمْرو.
 قَالَ الْكِسَائِيّ : لَوْلَا وَلَوْمَا سَوَاء فِي الْخَبَر وَالِاسْتِفْهَام.
 **قَالَ اِبْن مُقْبِل :**

لَوْمَا الْحَيَاء وَلَوْمَا الدِّين عِبْتُكُمَا  بِبَعْضِ مَا فِيكُمَا إِذْ عِبْتُمَا عَوَرِي يُرِيد لَوْلَا الْحَيَاء.
 وَحَكَى النَّحَّاس لَوْمَا وَلَوْلَا وَهَلَّا وَاحِد.
 وَأَنْشَدَ أَهْل اللُّغَة عَلَى ذَلِكَ :تَعُدُّونَ عَقْر النِّيب أَفْضَل مَجْدكُمْ  بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلَا الْكَمِيّ الْمُقَنَّعَا أَيْ هَلَّا تَعُدُّونَ الْكَمِيّ الْمُقَنَّعَا.

### الآية 15:8

> ﻿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [15:8]

وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ
 أَيْ لَوْ تَنَزَّلَتْ الْمَلَائِكَة بِإِهْلَاكِهِمْ لَمَا أُمْهِلُوا وَلَا قُبِلَتْ لَهُمْ تَوْبَة.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَوْ تَنَزَّلَتْ الْمَلَائِكَة تَشْهَد لَك فَكَفَرُوا بَعْد ذَلِكَ لَمْ يُنْظَرُوا.
 وَأَصْل " إِذًا " إِذْ أَنْ - وَمَعْنَاهُ حِينَئِذٍ - فَضُمَّ إِلَيْهَا أَنْ، وَاسْتَثْقَلُوا الْهَمْزَة فَحَذَفُوهَا.

### الآية 15:9

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [15:9]

قَالَ قُلْت : فِي أَيّ مَوْضِع ؟ قَالَ : فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل :" بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَاب اللَّه " \[ الْمَائِدَة : ٤٤ \]، فَجَعَلَ حِفْظه إِلَيْهِمْ فَضَاعَ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ :" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " فَحَفِظَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا فَلَمْ يَضِعْ.
 وَقِيلَ :" وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " أَيْ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنْ يَتَقَوَّل عَلَيْنَا أَوْ نَتَقَوَّل عَلَيْهِ.
 أَوْ " وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " مِنْ أَنْ يُكَاد أَوْ يُقْتَل.
 نَظِيره " وَاَللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس " \[ الْمَائِدَة : ٦٧ \].
 وَ " نَحْنُ " يَجُوز أَنْ يَكُون مَوْضِعه رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ وَ " نَزَّلْنَا " الْخَبَر.
 وَالْجُمْلَة خَبَر " إِنَّ ".
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون " نَحْنُ " تَأْكِيدًا لِاسْمِ " إِنَّ " فِي مَوْضِع نَصْب، وَلَا تَكُون فَاصِلَة لِأَنَّ الَّذِي بَعْدهَا لَيْسَ بِمَعْرِفَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ جُمْلَة، وَالْجُمَل تَكُون نُعُوتًا لِلنَّكِرَاتِ فَحُكْمهَا حُكْم النَّكِرَات.

### الآية 15:10

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ [15:10]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ
 الْمَعْنَى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك رُسُلًا، فَحَذَفَ.
 وَالشِّيَع جَمْع شِيعَة وَهِيَ الْأُمَّة، أَيْ فِي أُمَمهمْ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة.
 الْحَسَن : فِي فِرَقهمْ.
 وَالشِّيعَة : الْفِرْقَة وَالطَّائِفَة مِنْ النَّاس الْمُتَآلِفَة الْمُتَّفِقَة الْكَلِمَة.
 فَكَأَنَّ الشِّيَع الْفِرَق ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا " \[ الْأَنْعَام : ٦٥ \].
 وَأَصْله مَأْخُوذ مِنْ الشِّيَاع وَهُوَ الْحَطَب الصِّغَار يُوقَد بِهِ الْكِبَار - كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْأَنْعَام ".
\- وَقَالَ الْكَلْبِيّ : إِنَّ الشِّيَع هُنَا الْقُرَى.

### الآية 15:11

> ﻿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [15:11]

وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
 تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; أَيْ كَمَا فَعَلَ بِك هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فَكَذَلِكَ فُعِلَ بِمَنْ قَبْلك مِنْ الرُّسُل.

### الآية 15:12

> ﻿كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [15:12]

كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
 قَوْله تَعَالَى :" كَذَلِكَ نَسْلُكهُ " أَيْ الضَّلَال وَالْكُفْر وَالِاسْتِهْزَاء وَالشِّرْك.
 " فِي قُلُوب الْمُجْرِمِينَ " مِنْ قَوْمك ; عَنْ الْحَسَن وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا.
 أَيْ كَمَا سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوب مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ شِيَع الْأَوَّلِينَ كَذَلِكَ نَسْلُكهُ فِي قُلُوب مُشْرِكِي قَوْمك حَتَّى لَا يُؤْمِنُوا بِك، كَمَا لَمْ يُؤْمِن مَنْ قَبْلهمْ بِرُسُلِهِمْ.
 وَرَوَى اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد قَالَ : نَسْلُك التَّكْذِيب.
 وَالسَّلْك : إِدْخَال الشَّيْء فِي الشَّيْء كَإِدْخَالِ الْخَيْط فِي الْمِخْيَط.
 يُقَال : سَلَكَهُ يَسْلُكهُ سَلْكًا وَسُلُوكًا، وَأَسْلَكَهُ إِسْلَاكًا.
 وَسَلَكَ الطَّرِيق سُلُوكًا وَسَلْكًا وَأَسْلَكَهُ دَخَلَهُ، وَالشَّيْء فِي غَيْره مِثْله، وَالشَّيْء كَذَلِكَ وَالرُّمْح، وَالْخَيْط فِي الْجَوْهَر ; كُلّه فَعَلَ وَأَفْعَل.
 **وَقَالَ عَدِيّ بْن زَيْد :**
 وَقَدْ سَلَكُوك فِي يَوْم عَصِيب
 وَالسِّلْك ( بِالْكَسْرِ ) الْخَيْط.
 وَفِي الْآيَة رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَالْمُعْتَزِلَة.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى نَسْلك الْقُرْآن فِي قُلُوبهمْ فَيُكَذِّبُونَ بِهِ.
 وَقَالَ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَقَتَادَة الْقَوْل الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَر أَهْل التَّفْسِير، وَهُوَ أَلْزَم حُجَّة عَلَى الْمُعْتَزِلَة.
 وَعَنْ الْحَسَن أَيْضًا : نَسْلك الذِّكْر إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ ; ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ.

### الآية 15:13

> ﻿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ [15:13]

وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
 أَيْ مَضَتْ سُنَّة اللَّه بِإِهْلَاكِ الْكُفَّار، فَمَا أَقْرَب هَؤُلَاءِ مِنْ الْهَلَاك.
 وَقِيلَ :" خَلَتْ سُنَّة الْأَوَّلِينَ " بِمِثْلِ مَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ مِنْ التَّكْذِيب وَالْكُفْر، فَهُمْ يَقْتَدُونَ بِأُولَئِكَ.

### الآية 15:14

> ﻿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ [15:14]

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ
 يُقَال : ظَلَّ يَفْعَل كَذَا، أَيْ يَفْعَلهُ بِالنَّهَارِ.
 وَالْمَصْدَر الظُّلُول.
 أَيْ لَوْ أُجِيبُوا إِلَى مَا اِقْتَرَحُوا مِنْ الْآيَات لَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْر وَتَعَلَّلُوا بِالْخَيَالَاتِ ; كَمَا قَالُوا لِلْقُرْآنِ الْمُعْجِز : إِنَّهُ سِحْر.
 " يَعْرُجُونَ " مِنْ عَرَجَ يَعْرُج أَيْ صَعِدَ.
 وَالْمَعَارِج الْمَصَاعِد.
 أَيْ لَوْ صَعِدُوا إِلَى السَّمَاء وَشَاهَدُوا الْمَلَكُوت وَالْمَلَائِكَة لَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْر ; عَنْ الْحَسَن وَغَيْره.
 وَقِيلَ : الضَّمِير فِي " عَلَيْهِمْ " لِلْمُشْرِكِينَ.
 وَفِي " فَظَلُّوا " لِلْمَلَائِكَةِ، تَذْهَب وَتَجِيء.
 أَيْ لَوْ كُشِفَ لِهَؤُلَاءِ حَتَّى يُعَايِنُوا أَبْوَابًا فِي السَّمَاء تَصْعَد فِيهَا الْمَلَائِكَة وَتَنْزِل لَقَالُوا : رَأَيْنَا بِأَبْصَارِنَا مَا لَا حَقِيقَة لَهُ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة.

### الآية 15:15

> ﻿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [15:15]

لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
 مَعْنَى " سُكِّرَتْ " سُدَّتْ بِالسِّحْرِ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك.
 وَقَالَ الْحَسَن : سُحِرَتْ.
 الْكَلْبِيّ : أُغْشِيَتْ أَبْصَارنَا ; وَعَنْهُ أَيْضًا عَمِيَتْ.
 قَتَادَة : أُخِذَتْ.
 وَقَالَ الْمُؤَرِّج : دِيرَ بِنَا مِنْ الدَّوَرَان ; أَيْ صَارَتْ أَبْصَارنَا سَكْرَى.
 جُوَيْبِر : خُدِعَتْ.
 وَقَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء :" سُكِّرَتْ " غُشِّيَتْ وَغُطِّيَتْ.
 **وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :**

وَطَلَعَتْ شَمْس عَلَيْهَا مِغْفَر  وَجَعَلَتْ عَيْن الْحَرُور تَسْكُر وَقَالَ مُجَاهِد :" سُكِّرَتْ " حُبِسَتْ.
 **وَمِنْهُ قَوْل أَوْس بْن حَجَر :**فَصِرْت عَلَى لَيْلَة سَاهِره  فَلَيْسَتْ بِطَلْقٍ وَلَا سَاكِره قُلْت : وَهَذِهِ أَقْوَال مُتَقَارِبَة يَجْمَعهَا قَوْلك : مُنِعَتْ.
 قَالَ اِبْن عَزِيز :" سُكِّرَتْ أَبْصَارنَا " سُدَّتْ أَبْصَارنَا ; هُوَ مِنْ قَوْلك، سَكَرْت النَّهْر إِذَا سَدَدْته.
 وَيُقَال : هُوَ مِنْ سُكْر الشَّرَاب، كَأَنَّ الْعَيْن يَلْحَقهَا مَا يَلْحَق الشَّارِب إِذَا سَكِرَ.
 وَقَرَأَ اِبْن كَثِير " سَكِرَتْ " بِالتَّخْفِيفِ، .
 وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
 قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : سُكِّرَتْ مُلِئَتْ.
 قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَالتَّخْفِيف وَالتَّشْدِيد فِي " سُكِّرَتْ " ظَاهِرَانِ، التَّشْدِيد لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّخْفِيف يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَاهُ.
 وَالْمَعْرُوف أَنَّ " سَكِرَ " لَا يَتَعَدَّى.
 قَالَ أَبُو عَلِيّ : يَجُوز أَنْ يَكُون سُمِعَ مُتَعَدِّيًا فِي الْبَصَر.
 وَمَنْ قَرَأَ " سَكِرَتْ " فَإِنَّهُ شَبَّهَ مَا عَرَضَ لِأَبْصَارِهِمْ بِحَالِ السَّكْرَان، كَأَنَّهَا جَرَتْ مَجْرَى السَّكْرَان لِعَدَمِ تَحْصِيله.
 وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ بِالتَّخْفِيفِ \[ مِنْ \] سُكْر الشَّرَاب، وَبِالتَّشْدِيدِ أُخِذَتْ، ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيّ.
 وَقَالَ النَّحَّاس : وَالْمَعْرُوف مِنْ قِرَاءَة مُجَاهِد وَالْحَسَن " سَكِرَتْ " بِالتَّخْفِيفِ.
 قَالَ الْحَسَن : أَيْ سُحِرَتْ وَحَكَى أَبُو عُبَيْد عَنْ أَبِي عُبَيْدَة أَنَّهُ يُقَال : سُكِّرَتْ أَبْصَارهمْ إِذَا غَشِيَهَا سَمَادِير حَتَّى لَا يُبْصِرُوا.
 وَقَالَ الْفَرَّاء : مَنْ قَرَأَ " سُكِّرَتْ " أَخَذَهُ مِنْ سُكُور الرِّيح.
 قَالَ النَّحَّاس : وَهَذِهِ الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة.
 وَالْأَصْل فِيهَا مَا قَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى، قَالَ : هُوَ مِنْ السُّكْر فِي الشَّرَاب.
 وَهَذَا قَوْل حَسَن ; أَيْ غَشِيَهُمْ مَا غَطَّى أَبْصَارهمْ كَمَا غَشِيَ السَّكْرَان مَا غَطَّى عَقْله.
 وَسُكُور الرِّيح سُكُونهَا وَفُتُورهَا ; فَهُوَ يَرْجِع إِلَى مَعْنَى التَّحْيِير.

### الآية 15:16

> ﻿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ [15:16]

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ
 لَمَّا ذَكَرَ كُفْر الْكَافِرِينَ وَعَجْز أَصْنَامهمْ ذَكَرَ كَمَال قُدْرَته لِيَسْتَدِلّ بِهَا عَلَى وَحْدَانِيّته.
 وَالْبُرُوج : الْقُصُور وَالْمَنَازِل.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوج الشَّمْس وَالْقَمَر ; أَيْ مَنَازِلهمَا.
 وَأَسْمَاء هَذِهِ الْبُرُوج : الْحَمَل، وَالثَّوْر، وَالْجَوْزَاء، وَالسَّرَطَان، وَالْأَسَد، وَالسُّنْبُلَة، وَالْمِيزَان، وَالْعَقْرَب، وَالْقَوْس، وَالْجَدْي، وَالدَّلْو، وَالْحُوت.
 وَالْعَرَب تَعُدّ الْمَعْرِفَة لِمَوَاقِع النُّجُوم وَأَبْوَابهَا مِنْ أَجَلّ الْعُلُوم، وَيَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى الطُّرُقَات وَالْأَوْقَات وَالْخِصْب وَالْجَدْب.
 وَقَالُوا : الْفَلَك اِثْنَا عَشَر بُرْجًا، كُلّ بُرْج مِيلَانِ وَنِصْف.
 وَأَصْل الْبُرُوج الظُّهُور وَمِنْهُ تَبَرُّج الْمَرْأَة بِإِظْهَارِ زِينَتهَا.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي النِّسَاء.
 وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة : الْبُرُوج النُّجُوم، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِهَا.
 وَارْتِفَاعهَا.
 وَقِيلَ : الْكَوَاكِب الْعِظَام ; قَالَهُ أَبُو صَالِح : يَعْنِي السَّبْعَة السَّيَّارَة.
 وَقَالَ قَوْم :" بُرُوجًا " ; أَيْ قُصُورًا وَبُيُوتًا فِيهَا الْحَرَس، خَلَقَهَا اللَّه فِي السَّمَاء.
 فَاَللَّه أَعْلَم.
 " وَزَيَّنَّاهَا " يَعْنِي السَّمَاء ; كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْمُلْك :" وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيح " \[ الْمُلْك : ٥ \].
 " لِلنَّاظِرِينَ " لِلْمُعْتَبِرِينَ وَالْمُتَفَكِّرِينَ.

### الآية 15:17

> ﻿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [15:17]

وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ
 أَيْ مَرْجُوم.
 وَالرَّجْم الرَّمْي بِالْحِجَارَةِ.
 وَقِيلَ : الرَّجْم اللَّعْن وَالطَّرْد.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَقَالَ الْكِسَائِيّ : كُلّ رَجِيم فِي الْقُرْآن فَهُوَ بِمَعْنَى الشَّتْم.
 وَزَعَمَ الْكَلْبِيّ أَنَّ السَّمَوَات كُلّهَا لَمْ تُحْفَظ مِنْ الشَّيَاطِين إِلَى زَمَن عِيسَى، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه تَعَالَى عِيسَى حَفِظَ مِنْهَا ثَلَاث سَمَوَات إِلَى مَبْعَث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَفِظَ جَمِيعهَا بَعْد بَعْثه وَحُرِسَتْ مِنْهُمْ بِالشُّهُبِ.
 وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس :( وَقَدْ كَانَتْ الشَّيَاطِين لَا يُحْجَبُونَ عَنْ السَّمَاء، فَكَانُوا يَدْخُلُونَهَا وَيُلْقُونَ أَخْبَارهَا عَلَى الْكَهَنَة، فَيَزِيدُونَ عَلَيْهَا تِسْعًا فَيُحَدِّثُونَ بِهَا أَهْل الْأَرْض ; الْكَلِمَة حَقّ وَالتِّسْع بَاطِل ; فَإِذَا رَأَوْا شَيْئًا مِمَّا قَالُوهُ صَدَّقُوهُمْ فِيمَا جَاءُوا بِهِ، فَلَمَّا وُلِدَ عِيسَى بْن مَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام مُنِعُوا مِنْ ثَلَاث سَمَوَات، فَلَمَّا وُلِدَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنِعُوا مِنْ السَّمَوَات كُلّهَا، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَد يُرِيد اِسْتِرَاق السَّمْع إِلَّا رُمِيَ بِشِهَابٍ ; عَلَى مَا يَأْتِي.

### الآية 15:18

> ﻿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [15:18]

وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ رُمِيَ بِالشُّهُبِ قَبْل الْمَبْعَث ; فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ نَعَمْ.
 وَقِيلَ لَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بَعْد الْمَبْعَث.
 وَسَيَأْتِي بَيَان هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي سُورَة " الْجِنّ " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
 وَفِي " الصَّافَّات " أَيْضًا.
 قَالَ الزَّجَّاج : وَالرَّمْي بِالشُّهُبِ مِنْ آيَات النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا حَدَثَ بَعْد مَوْلِده ; لِأَنَّ الشُّعَرَاء فِي الْقَدِيم لَمْ يَذْكُرُوهُ فِي أَشْعَارهمْ، وَلَمْ يُشَبِّهُوا الشَّيْء السَّرِيع بِهِ كَمَا شَبَّهُوا بِالْبَرْقِ وَبِالسَّيْلِ.
 وَلَا يَبْعُد أَنْ يُقَال : اِنْقِضَاض الْكَوَاكِب كَانَ فِي قَدِيم الزَّمَان وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، ثُمَّ صَارَ رُجُومًا حِين وُلِدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقَالَ الْعُلَمَاء : نَحْنُ نَرَى اِنْقِضَاض الْكَوَاكِب، فَيَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ كَمَا نَرَى ثُمَّ يَصِير نَارًا إِذَا أَدْرَكَ الشَّيْطَان.
 وَيَجُوز أَنْ يُقَال : يَرْمُونَ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَار مِنْ الْهَوَى فَيُخَيَّل إِلَيْنَا أَنَّهُ نَجْم سَرَى.
 وَالشِّهَاب فِي اللُّغَة النَّار السَّاطِعَة.
 وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَامِر الشَّعْبِيّ قَالَ : لَمَّا بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُجِمَتْ الشَّيَاطِين بِنُجُومٍ لَمْ تَكُنْ تُرْجَم بِهَا قَبْل، فَأَتَوْا عَبْد يَالِيل بْن عَمْرو الثَّقَفِيّ فَقَالُوا : إِنَّ النَّاس قَدْ فَزِعُوا وَقَدْ أَعْتَقُوا رَقِيقهمْ وَسَيَّبُوا أَنْعَامهمْ لِمَا رَأَوْا فِي النُّجُوم.
 فَقَالَ لَهُمْ - وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى - : لَا تَعْجَلُوا، وَانْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ النُّجُوم الَّتِي تُعْرَف فَهِيَ عِنْد فِنَاء النَّاس، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُعْرَف فَهِيَ مِنْ حَدَث.
 فَنَظَرُوا فَإِذَا هِيَ نُجُوم لَا تُعْرَف، فَقَالُوا : هَذَا مِنْ حَدَث.
 فَلَمْ يَلْبَثُوا حَتَّى سَمِعُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

### الآية 15:19

> ﻿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [15:19]

وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ
 أَيْ مُقَدَّر مَعْلُوم ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر.
 وَإِنَّمَا قَالَ " مَوْزُون " لِأَنَّ الْوَزْن يُعْرَف بِهِ مِقْدَار الشَّيْء.
 **قَالَ الشَّاعِر :**

قَدْ كُنْت قَبْل لِقَائِكُمْ ذَا مِرَّة  عِنْدِي لِكُلِّ مُخَاصِم مِيزَانه وَقَالَ قتادة : مَوْزُون يَعْنِي مَقْسُوم.
 وَقَالَ مُجَاهِد : مَوْزُون مَعْدُود ; وَيُقَال : هَذَا كَلَام مَوْزُون ; أَيْ مَنْظُوم غَيْر مُنْتَثِر.
 فَعَلَى هَذَا أَيْ أَنْبَتْنَا فِي الْأَرْض مَا يُوزَن مِنْ الْجَوَاهِر وَالْحَيَوَانَات وَالْمَعَادِن.
 وَقَدْ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي الْحَيَوَان :" وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا " \[ آل عِمْرَان : ٣٧ \].
 وَالْمَقْصُود مِنْ الْإِنْبَات الْإِنْشَاء وَالْإِيجَاد.
 وَقِيلَ :" أَنْبَتْنَا فِيهَا " أَيْ فِي الْجِبَال " مِنْ كُلّ شَيْء مَوْزُون " مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالنُّحَاس وَالرَّصَاص وَالْقَصْدِير، حَتَّى الزِّرْنِيخ وَالْكُحْل، كُلّ ذَلِكَ يُوزَن وَزْنًا.
 رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ الْحَسَن وَابْن زَيْد.
 وَقِيلَ : أَنْبَتْنَا فِي الْأَرْض الثِّمَار مِمَّا يُكَال وَيُوزَن.
 وَقِيلَ : مَا يُوزَن فِيهِ الْأَثْمَان لِأَنَّهُ أَجَلّ قَدْرًا وَأَعَمّ نَفْعًا مِمَّا لَا ثَمَن لَهُ.

### الآية 15:20

> ﻿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ [15:20]

وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ
 يُرِيد الدَّوَابّ وَالْأَنْعَام ; قَالَهُ مُجَاهِد.
 وَعِنْده أَيْضًا هُمْ الْعَبِيد وَالْأَوْلَاد الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ :" نَحْنُ نَرْزُقهُمْ وَإِيَّاكُمْ " \[ الْإِسْرَاء : ٣١ \] وَلَفْظ " مَنْ " يَجُوز أَنْ يَتَنَاوَل الْعَبِيد وَالدَّوَابّ إِذَا اِجْتَمَعُوا ; لِأَنَّهُ إِذَا اِجْتَمَعَ مَنْ يَعْقِل وَمَا لَا يَعْقِل، غُلِّبَ مَنْ يَعْقِل.
 أَيْ جَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِش وَعَبِيدًا وَإِمَاء وَدَوَابّ وَأَوْلَادًا نَرْزُقهُمْ وَلَا تَرْزُقُونَهُمْ.
 فَ " مَنْ " عَلَى هَذَا التَّأْوِيل فِي مَوْضِع نَصْب ; قَالَ مَعْنَاهُ مُجَاهِد وَغَيْره.
 وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ الْوَحْش.
 قَالَ سَعِيد : قَرَأَ عَلَيْنَا مَنْصُور " وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ " قَالَ : الْوَحْش.
 فَ " مَنْ " عَلَى هَذَا تَكُون لِمَا لَا يَعْقِل ; مِثْل " فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنه " \[ النُّور : ٤٥ \] الْآيَة.
 وَهِيَ فِي مَحَلّ خَفْض عَطْفًا عَلَى الْكَاف وَالْمِيم فِي قَوْله :" لَكُمْ ".
 وَفِيهِ قُبْح عِنْد الْبَصْرِيِّينَ ; فَإِنَّهُ لَا يَجُوز عِنْدهمْ عَطْف الظَّاهِر عَلَى الْمُضْمَر إِلَّا بِإِعَادَةِ حَرْف الْجَرّ ; مِثْل مَرَرْت بِهِ وَبِزَيْدٍ.
 وَلَا يَجُوز مَرَرْت بِهِ وَزَيْد إِلَّا فِي الشِّعْر.
 **كَمَا قَالَ :**

فَالْيَوْم قَرَّبْت تَهْجُونَا وَتَشْتُمنَا  فَاذْهَبْ فَمَا بِك وَالْأَيَّام مِنْ عَجَب وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " وَسُورَة " النِّسَاء ".

### الآية 15:21

> ﻿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [15:21]

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
 قَوْله تَعَالَى :" وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه " أَيْ وَإِنْ مِنْ شَيْء مِنْ أَرْزَاق الْخَلْق وَمَنَافِعهمْ إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه ; يَعْنِي الْمَطَر الْمُنَزَّل مِنْ السَّمَاء، لِأَنَّ بِهِ نَبَات كُلّ شَيْء.
 قَالَ الْحَسَن : الْمَطَر خَزَائِن كُلّ شَيْء.
 وَقِيلَ : الْخَزَائِن الْمَفَاتِيح، أَيْ فِي السَّمَاء مَفَاتِيح الْأَرْزَاق ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ.
 وَالْمَعْنَى وَاحِد.
 " وَمَا نُنَزِّلهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُوم " أَيْ وَلَكِنْ لَا نُنَزِّلهُ إِلَّا عَلَى حَسْب مَشِيئَتنَا وَعَلَى حَسْب حَاجَة الْخَلْق إِلَيْهِ ; كَمَا قَالَ :" وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْض وَلَكِنْ يُنَزِّل بِقَدَرٍ مَا يَشَاء " \[ الشُّورَى : ٢٧ \].
 وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة وَغَيْرهمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَام أَكْثَر مَطَرًا مِنْ عَام، وَلَكِنَّ اللَّه يُقَسِّمهُ كَيْف شَاءَ، فَيُمْطَر قَوْم وَيُحْرَم آخَرُونَ، وَرُبَّمَا كَانَ الْمَطَر.
 فِي الْبِحَار وَالْقِفَار.
 وَالْخَزَائِن جَمْع الْخِزَانَة، وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يَسْتُر فِيهِ الْإِنْسَان مَا لَهُ وَالْخِزَانَة أَيْضًا مَصْدَر خَزَنَ يَخْزُن.
 وَمَا كَانَ فِي خِزَانَة الْإِنْسَان كَانَ مُعَدًّا لَهُ.
 فَكَذَلِكَ مَا يُقَدِّر عَلَيْهِ الرَّبّ فَكَأَنَّهُ مُعَدّ عِنْده ; قَالَهُ الْقُشَيْرِيّ.
 وَرَوَى جَعْفَر بْن مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّهُ قَالَ : فِي الْعَرْش مِثَال كُلّ شَيْء خَلَقَهُ اللَّه فِي الْبَرّ وَالْبَحْر.
 وَهُوَ تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى :" وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا عِنْدنَا خَزَائِنه ".
 وَالْإِنْزَال بِمَعْنَى الْإِنْشَاء وَالْإِيجَاد ; كَقَوْلِهِ :" وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزْوَاج " وَقَوْله :" وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيد فِيهِ بَأْس شَدِيد " \[ الْحَدِيد : ٢٥ \].
 وَقِيلَ : الْإِنْزَال بِمَعْنَى الْإِعْطَاء، وَسَمَّاهُ إِنْزَالًا لِأَنَّ أَحْكَام اللَّه إِنَّمَا تَنْزِل مِنْ السَّمَاء.

### الآية 15:22

> ﻿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [15:22]

وَقِيلَ : يَجُوز اِسْتِثْنَاؤُهَا ; هُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ.
 الرَّابِعَة : لَوْ اُشْتُرِيَ النَّخْل وَبَقِيَ الثَّمَر لِلْبَائِعِ جَازَ لِمُشْتَرِي الْأَصْل شِرَاء الثَّمَرَة قَبْل طِيبهَا عَلَى مَشْهُور قَوْل مَالِك، وَيَرَى لَهَا حُكْم التَّبَعِيَّة وَإِنْ أُفْرِدَتْ بِالْعَقْدِ.
 وَعَنْهُ فِي رِوَايَة : لَا يَجُوز.
 وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ وَأَهْل الظَّاهِر وَفُقَهَاء الْحَدِيث.
 وَهُوَ الْأَظْهَر مِنْ أَحَادِيث النَّهْي عَنْ بَيْع الثَّمَرَة قَبْل بُدُوّ صَلَاحهَا.
 الْخَامِسَة : وَمِمَّا يَتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب النَّهْي عَنْ بَيْع الْمَلَاقِح ; وَالْمَلَاقِح الْفُحُول مِنْ الْإِبِل، الْوَاحِد مُلْقِح.
 وَالْمَلَاقِح أَيْضًا الْإِنَاث الَّتِي فِي بُطُونهَا أَوْلَادهَا، الْوَاحِدَة مُلْقَحَة ( بِفَتْحِ الْقَاف ).
 وَالْمَلَاقِيح مَا فِي بُطُون النُّوق مِنْ الْأَجِنَّة، الْوَاحِدَة مَلْقُوحَة ; مِنْ قَوْلهمْ : لُقِحَتْ ; كَالْمَحْمُومِ مِنْ حُمَّ، وَالْمَجْنُون مِنْ جُنَّ.
 وَفِي هَذَا جَاءَ النَّهْي.
 وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ ( نَهَى عَنْ الْمَجْر وَهُوَ بَيْع مَا فِي بُطُون الْإِنَاث.
 وَنَهَى عَنْ الْمَضَامِين وَالْمَلَاقِيح ).
 قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْمَضَامِين مَا فِي الْبُطُون، وَهِيَ الْأَجِنَّة.
 وَالْمَلَاقِيح مَا فِي أَصْلَاب الْفُحُول.
 وَهُوَ قَوْل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَغَيْره.
 وَقِيلَ بِالْعَكْسِ : إِنَّ الْمَضَامِين مَا فِي ظُهُور الْجِمَال، وَالْمَلَاقِيح مَا فِي بُطُون الْإِنَاث.
 وَهُوَ قَوْل اِبْن حَبِيب وَغَيْره.
 وَأَيّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ، فَعُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوز.
 وَذَكَرَ الْمُزَنِيّ عَنْ اِبْن هِشَام شَاهِدًا بِأَنَّ الْمَلَاقِيحَ مَا فِي الْبُطُون لِبَعْضِ الْأَعْرَاب :

مَنِيَّتِي مَلَاقِحًا فِي الْأَبْطُن  تُنْتَج مَا تَلْقَح بَعْد أَزْمُن وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيّ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدًا قَوْل الرَّاجِز :إِنَّا وَجَدْنَا طَرَدَ الْهَوَامِل  خَيْرًا مِنْ التَّأْنَان وَالْمَسَائِلوَعِدَّة الْعَام وَعَام قَابِل  مَلْقُوحَة فِي بَطْن نَاب حَامِل قَوْله تَعَالَى :" وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاء " أَيْ مِنْ السَّحَاب.
 وَكُلّ مَا عَلَاك فَأَظَلَّك يُسَمَّى سَمَاء.
 وَقِيلَ : مِنْ جِهَة السَّمَاء.
 " مَاء " أَيْ قَطْرًا.
 " فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ " أَيْ جَعَلْنَا ذَلِكَ الْمَطَر لِسُقْيَاكُمْ وَلِشُرْبِ مَوَاشِيكُمْ وَأَرْضكُمْ.
 وَقِيلَ : سَقَى وَأَسْقَى بِمَعْنًى.
 وَقِيلَ بِالْفَرْقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 " وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ " أَيْ لَيْسَتْ خَزَائِنه عِنْدكُمْ ; أَيْ نَحْنُ الْخَازِنُونَ لِهَذَا الْمَاء نُنْزِلهُ إِذَا شِئْنَا وَنُمْسِكهُ إِذَا شِئْنَا.
 وَمِثْله " وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاء مَاء طَهُورًا " \[ الْفُرْقَان : ٤٨ \]، " وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْض وَإِنَّا عَلَى ذَهَاب بِهِ لَقَادِرُونَ " \[ الْمُؤْمِنُونَ : ١٨ \].
 وَقَالَ سُفْيَان : لَسْتُمْ بِمَانِعِينَ الْمَطَر.

### الآية 15:23

> ﻿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ [15:23]

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ
 أَيْ الْأَرْض وَمَنْ عَلَيْهَا، وَلَا يَبْقَى شَيْء سِوَانَا.
 نَظِيره " إِنَّا نَحْنُ نَرِث الْأَرْض وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ " \[ مَرْيَم : ٤٠ \].
 فَمُلْك كُلّ شَيْء لِلَّهِ تَعَالَى.
 وَلَكِنْ مَلَّكَ عِبَاده أَمْلَاكًا فَإِذَا مَاتُوا اِنْقَطَعَتْ الدَّعَاوَى، فَكَانَ اللَّه وَارِثًا مِنْ هَذَا الْوَجْه.
 وَقِيلَ : الْإِحْيَاء فِي هَذِهِ الْآيَة إِحْيَاء النُّطْفَة فِي الْأَرْحَام.
 فَأَمَّا الْبَعْث فَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْد هَذَا فِي قَوْله :" وَإِنَّ رَبّك هُوَ يَحْشُرهُمْ ".

### الآية 15:24

> ﻿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ [15:24]

فَإِنْ جَاءَ بَعْد الزَّوَال وَنَزَلَ فِي الصَّفّ الْأَوَّل فَقَدْ فَاتَهُ فَضِيلَة أَوَّل الْوَقْت، وَحَازَ فَضِيلَة الصَّفّ الْأَوَّل وَمُجَاوَرَة الْإِمَام.
 وَهَكَذَا.
 وَمُجَاوَرَة الْإِمَام لَا تَكُون لِكُلِّ أَحَد، وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَام وَالنُّهَى ) الْحَدِيث.
 فَمَا يَلِي الْإِمَام يَنْبَغِي أَنْ يَكُون لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَته، فَإِنْ نَزَلَهَا غَيْره أُخِّرَ وَتَقَدَّمَ هُوَ إِلَى الْمَوْضِع ; لِأَنَّهُ حَقّه بِأَمْرِ صَاحِب الشَّرْع، كَالْمِحْرَابِ هُوَ مَوْضِع الْإِمَام تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ.
 قُلْت : وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْل عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : تَأَخَّرْ يَا فُلَان، تَقَدَّمْ يَا فُلَان ; ثُمَّ يَتَقَدَّم فَيُكَبِّر.
 وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْب أَنَّ الرَّجُل مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة لَيَخِرّ سَاجِدًا فَيُغْفَر لِمَنْ خَلْفه.
 وَكَانَ كَعْب يَتَوَخَّى الصَّفّ الْمُؤَخَّر مِنْ الْمَسْجِد رَجَاء ذَلِكَ، وَيَذْكُر أَنَّهُ وَجَدَهُ كَذَلِكَ فِي التَّوْرَاة.
 ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي نَوَادِر الْأُصُول.
 وَسَيَأْتِي فِي سُورَة " الصَّافَّات " زِيَادَة بَيَان لِهَذَا الْبَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
 الثَّالِثَة : وَكَمَا تَدُلّ هَذِهِ الْآيَة عَلَى فَضْل الصَّفّ الْأَوَّل فِي الصَّلَاة، فَكَذَلِكَ تَدُلّ عَلَى فَضْل الصَّفّ الْأَوَّل فِي الْقِتَال ; فَإِنَّ الْقِيَام فِي نَحْر الْعَدُوّ، وَبَيْع الْعَبْد نَفْسه مِنْ اللَّه تَعَالَى لَا يُوَازِيه عَمَل ; فَالتَّقَدُّم إِلَيْهِ أَفْضَل، وَلَا خِلَاف فِيهِ وَلَا خَفَاء بِهِ.
 وَلَمْ يَكُنْ أَحَد يَتَقَدَّم فِي الْحَرْب بَيْن يَدَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ كَانَ أَشْجَع النَّاس.
 قَالَ الْبَرَاء :( كُنَّا وَاَللَّه إِذَا اِحْمَرَّ الْبَأْس نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاع مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ).

### الآية 15:25

> ﻿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [15:25]

إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
 يَضَع كُلّ شَيْء مَوْضِعه

### الآية 15:26

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [15:26]

مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
 مُفَسِّر لِجِنْسِ الصَّلْصَال ; كَقَوْلِك : أَخَذْت هَذَا مِنْ رَجُل مِنْ الْعَرَب.

### الآية 15:27

> ﻿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [15:27]

مِنْ نَارِ السَّمُومِ
 قَالَ اِبْن مَسْعُود :( نَار السَّمُوم الَّتِي خَلَقَ اللَّه مِنْهَا الْجَانّ جُزْء مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَار جَهَنَّم ).
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس :( السَّمُوم الرِّيح الْحَارَّة الَّتِي تَقْتُل ).
 وَعَنْهُ ( أَنَّهَا نَار لَا دُخَان لَهَا )، وَالصَّوَاعِق تَكُون مِنْهَا، وَهِيَ نَار تَكُون بَيْن السَّمَاء وَالْحِجَاب.
 فَإِذَا أَحْدَثَ اللَّه أَمْرًا اِخْتَرَقَتْ الْحِجَاب فَهَوَتْ الصَّاعِقَة إِلَى مَا أُمِرَتْ.
 فَالْهَدَّة الَّتِي تَسْمَعُونَ خَرْق ذَلِكَ الْحِجَاب.
 وَقَالَ الْحَسَن : نَار السَّمُوم نَار دُونهَا حِجَاب، وَاَلَّذِي تَسْمَعُونَ مِنْ اِنْغِطَاط السَّحَاب صَوْتهَا.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ :( كَانَ إِبْلِيس مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاء الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُمْ الْجِنّ خُلِقُوا مِنْ نَار السَّمُوم مِنْ بَيْن الْمَلَائِكَة - قَالَ - : وَخُلِقَتْ الْجِنّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآن مِنْ مَارِج مِنْ نَار.
 قُلْت : هَذَا فِيهِ نَظَر ; فَإِنَّهُ يَحْتَاج إِلَى سَنَد يَقْطَع الْعُذْر ; إِذْ مِثْله لَا يُقَال مِنْ جِهَة الرَّأْي.
 وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِم مِنْ حَدِيث عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( خُلِقَتْ الْمَلَائِكَة مِنْ نُور وَخُلِقَ الْجَانّ مِنْ مَارِج مِنْ نَار وَخُلِقَ آدَم مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ ).
 فَقَوْله :( خُلِقَتْ الْمَلَائِكَة مِنْ نُور ) يَقْتَضِي الْعُمُوم.
 وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : مَارِج مِنْ نَار نَار لَا دُخَان لَهَا خُلِقَ مِنْهَا الْجَانّ.
 وَالسَّمُوم الرِّيح الْحَارَّة تُؤَنَّث ; يُقَال مِنْهُ : سُمّ يَوْمنَا فَهُوَ يَوْم مَسْمُوم، وَالْجَمْع سَمَائِم.
 قَالَ أَبُو عُبَيْدَة :( السَّمُوم بِالنَّهَارِ وَقَدْ تَكُون بِاللَّيْلِ، وَالْحَرُور بِاللَّيْلِ وَقَدْ تَكُون بِالنَّهَارِ ).
 الْقُشَيْرِيّ : وَسُمِّيَتْ الرِّيح الْحَارَّة سَمُومًا لِدُخُولِهَا فِي مَسَامّ الْبَدَن.

### الآية 15:28

> ﻿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [15:28]

مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
 مِنْ طِين

### الآية 15:29

> ﻿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [15:29]

فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ
 أَيْ خِرُّوا لَهُ سَاجِدِينَ.
 وَهُوَ سُجُود تَحِيَّة وَتَكْرِيم لَا سُجُود عِبَادَة.
 وَلِلَّهِ أَنْ يُفَضِّل مَنْ يُرِيد ; فَفَضَّلَ الْأَنْبِيَاء عَلَى الْمَلَائِكَة.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " هَذَا الْمَعْنَى.
 وَقَالَ الْقَفَّال : كَانُوا أَفْضَل مِنْ آدَم، وَامْتَحَنَهُمْ بِالسُّجُودِ لَهُ تَعْرِيضًا لَهُمْ لِلثَّوَابِ الْجَزِيل.
 وَهُوَ مَذْهَب الْمُعْتَزِلَة.
 وَقِيلَ : أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِلَّهِ عِنْد آدَم، وَكَانَ آدَم قِبْلَة لَهُمْ.

### الآية 15:30

> ﻿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [15:30]

فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
 قَوْله تَعَالَى " فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ أَجْمَعُونَ.
 إِلَّا إِبْلِيس " فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :
 الْأُولَى : لَا شَكَّ أَنَّ إِبْلِيس كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ; لِقَوْلِهِ :" مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد إِذْ أَمَرْتُك " \[ الْأَعْرَاف : ١٢ \] وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَار وَالِاسْتِعْظَام ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " بَيَانه.
 ثُمَّ قِيلَ : كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَة ; فَهُوَ اِسْتِثْنَاء مِنْ الْجِنْس.
 وَقَالَ قَوْم : لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَلَائِكَة ; فَهُوَ اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع.
 وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " هَذَا كُلّه مُسْتَوْفًى.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْجَانّ أَبُو الْجِنّ وَلَيْسُوا شَيَاطِين.
 وَالشَّيَاطِين وَلَد إِبْلِيس ; لَا يَمُوتُونَ إِلَّا مَعَ إِبْلِيس.
 وَالْجِنّ يَمُوتُونَ، وَمِنْهُمْ الْمُؤْمِن وَمِنْهُمْ الْكَافِر.
 فَآدَم أَبُو الْإِنْس.
 وَالْجَانّ أَبُو الْجِنّ.
 وَإِبْلِيس أَبُو الشَّيَاطِين ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ.
 وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " خِلَاف هَذَا، فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
 الثَّانِيَة : الِاسْتِثْنَاء مِنْ الْجِنْس غَيْر الْجِنْس صَحِيح عِنْد الشَّافِعِيّ، حَتَّى لَوْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِينَار إِلَّا ثَوْبًا، أَوْ عَشْرَة أَثْوَاب إِلَّا قَفِيز حِنْطَة، وَمَا جَانَسَ ذَلِكَ كَانَ مَقْبُولًا، وَلَا يَسْقُط عَنْهُ مِنْ الْمَبْلَغ قِيمَة الثَّوْب وَالْحِنْطَة.
 وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمَكِيلَات وَالْمَوْزُونَات وَالْمُقَدَّرَات.
 وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : اِسْتِثْنَاء الْمَكِيل مِنْ الْمَوْزُون وَالْمَوْزُون مِنْ الْمَكِيل جَائِز، حَتَّى لَوْ اِسْتَثْنَى الدَّرَاهِم مِنْ الْحِنْطَة وَالْحِنْطَة مِنْ الدَّرَاهِم قُبِلَ.
 فَأَمَّا إِذَا اِسْتَثْنَى الْمُقَوَّمَات مِنْ الْمَكِيلَات أَوْ الْمَوْزُونَات، وَالْمَكِيلَات مِنْ الْمُقَوَّمَات، مِثْل أَنْ يَقُول : عَلَيَّ عَشَرَة دَنَانِير إِلَّا ثَوْبًا، أَوْ عَشَرَة أَثْوَاب إِلَّا دِينَارًا لَا يَصِحّ الِاسْتِثْنَاء، وَيَلْزَم الْمُقِرّ جَمِيع الْمَبْلَغ.
 وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : الِاسْتِثْنَاء مِنْ غَيْر الْجِنْس لَا يَصِحّ، وَيَلْزَم الْمُقِرّ جُمْلَة مَا أَقَرَّ بِهِ.
 وَالدَّلِيل لِقَوْلِ الشَّافِعِيّ أَنَّ لَفْظ الِاسْتِثْنَاء يُسْتَعْمَل فِي الْجِنْس وَغَيْر الْجِنْس ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا.
 إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا " \[ الْوَاقِعَة :
 ٢٥ - ٢٦ \] فَاسْتَثْنَى السَّلَام مِنْ جُمْلَة اللَّغْو.
 وَمِثْله " فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ أَجْمَعُونَ.
 إِلَّا إِبْلِيس " وَإِبْلِيس مِنْ جُمْلَة الْمَلَائِكَة ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" إِلَّا إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه " \[ الْكَهْف : ٥٠ \] وَقَالَ الشَّاعِر :

وَبَلْدَة لَيْسَ بِهَا أَنِيس  إِلَّا الْيَعَافِير وَإِلَّا الْعِيس فَاسْتَثْنَى الْيَعَافِير وَهِيَ ذُكُور الظِّبَاء، وَالْعِيس وَهِيَ الْجِمَال الْبِيض مِنْ الْأَنِيس ; وَمِثْله قَوْل النَّابِغَة :حَلَفْت يَمِينًا غَيْر ذِي مَثْنَوِيَّة  وَلَا عِلْم إِلَّا حُسْن ظَنّ بِصَاحِبِ

### الآية 15:31

> ﻿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [15:31]

إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ
 قَوْله تَعَالَى " فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ أَجْمَعُونَ.
 إِلَّا إِبْلِيس " فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :
 الْأُولَى : لَا شَكَّ أَنَّ إِبْلِيس كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ; لِقَوْلِهِ :" مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد إِذْ أَمَرْتُك " \[ الْأَعْرَاف : ١٢ \] وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِكْبَار وَالِاسْتِعْظَام ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " بَيَانه.
 ثُمَّ قِيلَ : كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَة ; فَهُوَ اِسْتِثْنَاء مِنْ الْجِنْس.
 وَقَالَ قَوْم : لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَلَائِكَة ; فَهُوَ اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع.
 وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " هَذَا كُلّه مُسْتَوْفًى.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْجَانّ أَبُو الْجِنّ وَلَيْسُوا شَيَاطِين.
 وَالشَّيَاطِين وَلَد إِبْلِيس ; لَا يَمُوتُونَ إِلَّا مَعَ إِبْلِيس.
 وَالْجِنّ يَمُوتُونَ، وَمِنْهُمْ الْمُؤْمِن وَمِنْهُمْ الْكَافِر.
 فَآدَم أَبُو الْإِنْس.
 وَالْجَانّ أَبُو الْجِنّ.
 وَإِبْلِيس أَبُو الشَّيَاطِين ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ.
 وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " خِلَاف هَذَا، فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
 الثَّانِيَة : الِاسْتِثْنَاء مِنْ الْجِنْس غَيْر الْجِنْس صَحِيح عِنْد الشَّافِعِيّ، حَتَّى لَوْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِينَار إِلَّا ثَوْبًا، أَوْ عَشَرَة أَثْوَاب إِلَّا قَفِيز حِنْطَة، وَمَا جَانَسَ ذَلِكَ كَانَ مَقْبُولًا، وَلَا يَسْقُط عَنْهُ مِنْ الْمَبْلَغ قِيمَة الثَّوْب وَالْحِنْطَة.
 وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمَكِيلَات وَالْمَوْزُونَات وَالْمُقَدَّرَات.
 وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : اِسْتِثْنَاء الْمَكِيل مِنْ الْمَوْزُون وَالْمَوْزُون مِنْ الْمَكِيل جَائِز، حَتَّى لَوْ اِسْتَثْنَى الدَّرَاهِم مِنْ الْحِنْطَة وَالْحِنْطَة مِنْ الدَّرَاهِم قُبِلَ.
 فَأَمَّا إِذَا اِسْتَثْنَى الْمُقَوَّمَات مِنْ الْمَكِيلَات أَوْ الْمَوْزُونَات، وَالْمَكِيلَات مِنْ الْمُقَوَّمَات، مِثْل أَنْ يَقُول : عَلَيَّ عَشَرَة دَنَانِير إِلَّا ثَوْبًا، أَوْ عَشَرَة أَثْوَاب إِلَّا دِينَارًا لَا يَصِحّ الِاسْتِثْنَاء، وَيَلْزَم الْمُقِرّ جَمِيع الْمَبْلَغ.
 وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : الِاسْتِثْنَاء مِنْ غَيْر الْجِنْس لَا يَصِحّ، وَيَلْزَم الْمُقِرّ جُمْلَة مَا أَقَرَّ بِهِ.
 وَالدَّلِيل لِقَوْلِ الشَّافِعِيّ أَنَّ لَفْظ الِاسْتِثْنَاء يُسْتَعْمَل فِي الْجِنْس وَغَيْر الْجِنْس ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا.
 إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا " \[ الْوَاقِعَة :
 ٢٥ - ٢٦ \] فَاسْتَثْنَى السَّلَام مِنْ جُمْلَة اللَّغْو.
 وَمِثْله " فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ أَجْمَعُونَ.
 إِلَّا إِبْلِيس " وَإِبْلِيس مِنْ جُمْلَة الْمَلَائِكَة ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" إِلَّا إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه " \[ الْكَهْف : ٥٠ \] وَقَالَ الشَّاعِر :

وَبَلْدَة لَيْسَ بِهَا أَنِيس  إِلَّا الْيَعَافِير وَإِلَّا الْعِيس فَاسْتَثْنَى الْيَعَافِير وَهِيَ ذُكُور الظِّبَاء، وَالْعِيس وَهِيَ الْجِمَال الْبِيض مِنْ الْأَنِيس ; وَمِثْله قَوْل النَّابِغَة :حَلَفْت يَمِينًا غَيْر ذِي مَثْنَوِيَّة  وَلَا عِلْم إِلَّا حُسْن ظَنّ بِصَاحِبِ

### الآية 15:32

> ﻿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [15:32]

لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ
 أَيْ فِي أَلَّا تَكُون.

### الآية 15:33

> ﻿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [15:33]

قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ
 بَيَّنَ تَكَبُّره وَحَسَدَهُ، وَأَنَّهُ خَيْر مِنْهُ، إِذْ هُوَ مِنْ نَار وَالنَّار تَأْكُل الطِّين ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي " الْأَعْرَاف " بَيَانه.

### الآية 15:34

> ﻿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [15:34]

فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
 أَيْ مَرْجُوم بِالشُّهُبِ.
 وَقِيلَ : مَلْعُون مَشْئُوم.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلّه مُسْتَوْفًى فِي الْبَقَرَة وَالْأَعْرَاف.

### الآية 15:35

> ﻿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ [15:35]

وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ
 أَيْ لَعْنَتِي، كَمَا فِي سُورَة " ص ".

### الآية 15:36

> ﻿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [15:36]

قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
 هَذَا السُّؤَال مِنْ إِبْلِيس لَمْ يَكُنْ عَنْ ثِقَته مِنْهُ بِمَنْزِلَتِهِ عِنْد اللَّه تَعَالَى، وَأَنَّهُ أَهْل أَنْ يُجَاب لَهُ دُعَاء ; وَلَكِنْ سَأَلَ تَأْخِير عَذَابه زِيَادَة فِي بَلَائِهِ ; كَفِعْلِ الْآيِس مِنْ السَّلَامَة.
 وَأَرَادَ بِسُؤَالِهِ الْإِنْظَار إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ : أَجَلًا يَمُوت ; لِأَنَّ يَوْم الْبَعْث لَا مَوْت فِيهِ وَلَا بَعْده.

### الآية 15:37

> ﻿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [15:37]

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
 يَعْنِي مِنْ الْمُؤَجَّلِينَ.

### الآية 15:38

> ﻿إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [15:38]

إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
 قَالَ اِبْن عَبَّاس :( أَرَادَ بِهِ النَّفْخَة الْأُولَى )، أَيْ حِين تَمُوت الْخَلَائِق.
 وَقِيلَ : الْوَقْت الْمَعْلُوم الَّذِي اِسْتَأْثَرَ اللَّه بِعِلْمِهِ، وَيَجْهَلهُ إِبْلِيس.
 فَيَمُوت إِبْلِيس ثُمَّ يُبْعَث ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ " \[ الرَّحْمَن : ٢٦ \].
 وَفِي كَلَام اللَّه تَعَالَى لَهُ قَوْلَانِ :
 أَحَدهمَا : كَلَّمَهُ عَلَى لِسَان رَسُوله.
 الثَّانِي : كَلَّمَهُ تَغْلِيظًا فِي الْوَعِيد لَا عَلَى وَجْه التَّكْرِمَة وَالتَّقْرِيب.

### الآية 15:39

> ﻿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [15:39]

وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
 أَيْ لَأُضِلَّنَّهُمْ عَنْ طَرِيق الْهُدَى.
 وَرَوَى اِبْن لَهِيعَة عَبْد اللَّه عَنْ دَرَّاج أَبِي السَّمْح عَنْ أَبِي الْهَيْثَم عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ إِبْلِيس قَالَ يَا رَبّ وَعِزَّتك وَجَلَالك لَا أَزَال أَغْوِي بَنِي آدَم مَا دَامَتْ أَرْوَاحهمْ فِي أَجْسَامهمْ فَقَالَ الرَّبّ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَالَ أَغْفِر لَهُمْ مَا اِسْتَغْفَرُونِي ).

### الآية 15:40

> ﻿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [15:40]

إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
 قَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَأَهْل الْكُوفَة بِفَتْحِ اللَّام ; أَيْ الَّذِينَ اِسْتَخْلَصْتهمْ وَأَخْلَصْتهمْ.
 وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ اللَّام ; أَيْ الَّذِينَ أَخْلَصُوا لَك الْعِبَادَة مِنْ فَسَاد أَوْ رِيَاء.
 حَكَى أَبُو ثُمَامَة أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ سَأَلُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ فَقَالَ :( الَّذِي يَعْمَل وَلَا يُحِبّ أَنْ يَحْمَدهُ النَّاس ).

### الآية 15:41

> ﻿قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [15:41]

قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
 قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب :( مَعْنَاهُ هَذَا صِرَاط يَسْتَقِيم بِصَاحِبِهِ حَتَّى يَهْجُم بِهِ عَلَى الْجَنَّة ).
 الْحَسَن :" عَلَيَّ " بِمَعْنَى إِلَيَّ.
 مُجَاهِد وَالْكِسَائِيّ : هَذَا عَلَى الْوَعِيد وَالتَّهْدِيد ; كَقَوْلِك لِمَنْ تَهَدَّدَهُ : طَرِيقك عَلَيَّ وَمَصِيرك إِلَيَّ.
 وَكَقَوْلِهِ :" إِنَّ رَبّك لَبِالْمِرْصَادِ " \[ الْفَجْر : ١٤ \].
 فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : هَذَا طَرِيق مَرْجِعه إِلَيَّ فَأُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، يَعْنِي طَرِيق الْعُبُودِيَّة.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى عَلَيَّ أَنْ أَدُلّ عَلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم بِالْبَيَانِ وَالْبُرْهَان.
 وَقِيلَ : بِالتَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَة.
 وَقَرَأَ اِبْن سِيرِينَ وَقَتَادَة وَالْحَسَن وَقَيْس بْن عَبَّاد وَأَبُو رَجَاء وَحُمَيْد وَيَعْقُوب " هَذَا صِرَاط عَلَيَّ مُسْتَقِيم " بِرَفْعِ " عَلِيٌّ " وَتَنْوِينه ; وَمَعْنَاهُ رَفِيع مُسْتَقِيم، أَيْ رَفِيع فِي الدِّين وَالْحَقّ.
 وَقِيلَ : رَفِيع أَنْ يَنَال، مُسْتَقِيم أَنْ يُمَال.

### الآية 15:42

> ﻿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [15:42]

إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ
 أَيْ الضَّالِّينَ الْمُشْرِكِينَ.
 أَيْ سُلْطَانه عَلَى هَؤُلَاءِ ; دَلِيله " إِنَّمَا سُلْطَانه عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَاَلَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ " \[ النَّحْل : ١٠٠ \].
 وَهَذِهِ الْآيَة وَاَلَّتِي قَبْلهَا دَلِيل عَلَى جَوَاز اِسْتِثْنَاء الْقَلِيل مِنْ الْكَثِير وَالْكَثِير مِنْ الْقَلِيل ; مِثْل أَنْ يَقُول : عَشَرَة إِلَّا دِرْهَمًا.
 أَوْ يَقُول : عَشَرَة إِلَّا تِسْعَة.
 وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل : لَا يَجُوز أَنْ يُسْتَثْنَى إِلَّا قَدْر النِّصْف فَمَا دُونه.
 وَأَمَّا اِسْتِثْنَاء الْأَكْثَر مِنْ الْجُمْلَة فَلَا يَصِحّ.
 وَدَلِيلنَا هَذِهِ الْآيَة، فَإِنَّ فِيهَا اِسْتِئْتَاء " الْغَاوِينَ " مِنْ الْعِبَاد وَالْعِبَاد مِنْ الْغَاوِينَ، وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ اِسْتِثْنَاء الْأَقَلّ مِنْ الْجُمْلَة وَاسْتِثْنَاء الْأَكْثَر مِنْ الْجُمْلَة جَائِز.

### الآية 15:43

> ﻿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ [15:43]

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ
 يَعْنِي إِبْلِيس وَمَنْ اِتَّبَعَهُ.

### الآية 15:44

> ﻿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [15:44]

وَالشَّاكُّونَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَدْرُونَ أَنَّ لَهُمْ إِلَهًا أَوْ لَا إِلَه لَهُمْ، وَيَشُكُّونَ فِي شَرِيعَته أَنَّهَا مِنْ عِنْده أَمْ لَا.
 وَالْغَافِلُونَ عَنْ اللَّه هُمْ الَّذِينَ يَجْحَدُونَهُ أَصْلًا وَلَا يُثْبِتُونَهُ، وَهُمْ الدَّهْرِيَّة.
 وَالْمُؤْثِرُونَ شَهَوَاتهمْ عَلَى اللَّه هُمْ الْمُنْهَمِكُونَ فِي الْمَعَاصِي ; لِتَكْذِيبِهِمْ رُسُل اللَّه وَأَمْره وَنَهْيه.
 وَالشَّافُونَ غَيْظهمْ بِغَضَبِ اللَّه هُمْ الْقَاتِلُونَ أَنْبِيَاء اللَّه وَسَائِر الدَّاعِينَ إِلَيْهِ، الْمُعَذِّبُونَ مَنْ يَنْصَح لَهُمْ أَوْ يَذْهَب غَيْر مَذْهَبهمْ.
 وَالْمُصَيِّرُونَ رَغْبَتهمْ بِحَظِّهِمْ مِنْ اللَّه هُمْ الْمُنْكِرُونَ بِالْبَعْثِ وَالْحِسَاب ; فَهُمْ يَعْبُدُونَ مَا يَرْغَبُونَ فِيهِ، لَهُمْ جَمِيع حَظّهمْ مِنْ اللَّه تَعَالَى.
 وَالْعَاتُونَ عَلَى اللَّه الَّذِينَ لَا يُبَالُونَ بِأَنْ يَكُون مَا هُمْ فِيهِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، فَلَا يَتَفَكَّرُونَ وَلَا يَعْتَبِرُونَ وَلَا يَسْتَدِلُّونَ.
 وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا أَرَادَ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيث.
 وَيُرْوَى أَنَّ سَلْمَان الْفَارِسِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَة " وَإِنَّ جَهَنَّم لَمَوْعِدهمْ أَجْمَعِينَ " فَرَّ ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ الْخَوْف لَا يَعْقِل، فَجِيءَ بِهِ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه، أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَإِنَّ جَهَنَّم لَمَوْعِدهمْ أَجْمَعِينَ " ؟ فَوَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَقَدْ قَطَعَتْ قَلْبِي ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُون " \[ الْحِجْر : ٤٥ \].
 وَقَالَ بِلَال : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي مَسْجِد الْمَدِينَة وَحْده، فَمَرَّتْ بِهِ اِمْرَأَة أَعْرَابِيَّة فَصَلَّتْ خَلْفه وَلَمْ يَعْلَم بِهَا، فَقَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَة " لَهَا سَبْعَة أَبْوَاب لِكُلِّ بَاب مِنْهُمْ جُزْء مَقْسُوم " فَخَرَّتْ الْأَعْرَابِيَّة مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، وَسَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْبَتهَا فَانْصَرَفَ وَدَعَا بِمَاءٍ فَصُبَّ عَلَى وَجْههَا حَتَّى أَفَاقَتْ وَجَلَسَتْ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( يَا هَذِهِ مَالَك ) ؟ فَقَالَتْ : أَهَذَا شَيْء مِنْ كِتَاب اللَّه الْمُنَزَّل، أَوْ تَقُولهُ مِنْ تِلْقَاء نَفْسك ؟ فَقَالَ :( يَا أَعْرَابِيَّة، بَلْ هُوَ مِنْ كِتَاب اللَّه تَعَالَى الْمُنَزَّل ) فَقَالَتْ : كُلّ عُضْو مِنْ أَعْضَائِي يُعَذَّب عَلَى كُلّ بَاب مِنْهَا ؟ قَالَ :( يَا أَعْرَابِيَّة، بَلْ لِكُلِّ بَاب مِنْهُمْ جُزْء مَقْسُوم يُعَذَّب أَهْل كُلّ مِنْهَا عَلَى قَدْر أَعْمَالهمْ ) فَقَالَتْ : وَاَللَّه إِنِّي اِمْرَأَة مِسْكِينَة، مَا لِي مَال، وَمَا لِي إِلَّا سَبْعَة أَعْبُد، أُشْهِدك يَا رَسُول اللَّه، أَنَّ كُلّ عَبْد مِنْهُمْ عَنْ كُلّ بَاب مِنْ أَبْوَاب جَهَنَّم حُرّ لِوَجْهِ اللَّه تَعَالَى : فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ.
 " يَا رَسُول اللَّه، بَشِّرْ الْأَعْرَابِيَّة أَنَّ اللَّه قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهَا أَبْوَاب جَهَنَّم كُلّهَا وَفَتَحَ لَهَا أَبْوَاب الْجَنَّة كُلّهَا ).

### الآية 15:45

> ﻿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [15:45]

وَعُيُونٍ
 هِيَ الْأَنْهَار الْأَرْبَعَة : مَاء وَخَمْر وَلَبَن وَعَسَل.
 وَأَمَّا الْعُيُون الْمَذْكُورَة فِي سُورَة " الْإِنْسَان " : الْكَافُور وَالزَّنْجَبِيل وَالسَّلْسَبِيل، وَفِي " الْمُطَفِّفِينَ " : التَّسْنِيم، فَيَأْتِي ذِكْرهَا وَأَهْلهَا إِنْ شَاءَ اللَّه.
 وَضَمّ الْعَيْن مِنْ " عُيُون " عَلَى الْأَصْل، وَالْكَسْر مُرَاعَاة لِلْيَاءِ، وَقُرِئَ بِهِمَا

### الآية 15:46

> ﻿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ [15:46]

ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ
 قِرَاءَة الْعَامَّة " اُدْخُلُوهَا " بِوَصْلِ الْأَلِف وَضَمّ الْخَاء، مِنْ دَخَلَ يَدْخُل، عَلَى الْأَمْر.
 تَقْدِيره : قِيلَ اُدْخُلُوهَا.
 وَقَرَأَ الْحَسَن وَأَبُو الْعَالِيَة وَرُوَيْس عَنْ يَعْقُوب " اُدْخِلُوهَا " بِضَمِّ التَّنْوِين وَوَصْل الْأَلِف وَكَسْر الْخَاء عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول، مِنْ أَدْخَلَ.
 أَيْ أَدْخَلَهُمْ اللَّه إِيَّاهَا.
 وَمَذْهَبهمْ كَسْر التَّنْوِين فِي مِثْل " بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّة " \[ الْأَعْرَاف : ٤٩ \] وَشِبْهه ; إِلَّا أَنَّهُمْ هَاهُنَا أَلْقَوْا حَرَكَة الْهَمْزَة عَلَى التَّنْوِين ; إِذْ هِيَ أَلِف قَطْع، وَلَكِنْ فِيهِ اِنْتِقَال مِنْ كَسْر إِلَى ضَمّ ثُمَّ مِنْ ضَمّ إِلَى كَسْر فَيَثْقُل عَلَى اللِّسَان.
 " بِسَلَامٍ " أَيْ بِسَلَامَةٍ مِنْ كُلّ دَاء وَآفَة.
 وَقِيلَ : بِتَحِيَّةٍ مِنْ اللَّه لَهُمْ.
 " آمِنِينَ " أَيْ مِنْ الْمَوْت وَالْعَذَاب وَالْعَزْل وَالزَّوَال.

### الآية 15:47

> ﻿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [15:47]

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَوَّل مَا يَدْخُل أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة تَعْرِض لَهُمْ عَيْنَانِ، فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ فَيُذْهِب اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ مِنْ غِلّ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْعَيْن الْأُخْرَى فَيَغْتَسِلُونَ فِيهَا فَتُشْرِق أَلْوَانهمْ وَتَصْفُو وَجْههمْ، وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَة النَّعِيم ; وَنَحْوه عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
 وَقَالَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن : نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعَلِيّ وَالصَّحَابَة، يَعْنِي مَا كَانَ بَيْنهمْ فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ الْغِلّ.
 وَالْقَوْل الْأَوَّل أَظْهَر، يَدُلّ عَلَيْهِ سِيَاق الْآيَة.
 وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ :( أَرْجُو أَنْ أَكُون أَنَا وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر مِنْ هَؤُلَاءِ ).
 وَالْغِلّ : الْحِقْد وَالْعَدَاوَة ; يُقَال مِنْهُ : غَلَّ يَغِلّ.
 وَيُقَال مِنْ الْغُلُول وَهُوَ السَّرِقَة مِنْ الْمَغْنَم : غَلَّ يَغُلّ : وَيُقَال مِنْ الْخِيَانَة : أَغَلَّ يُغِلّ.
 **كَمَا قَالَ :**

جَزَى اللَّه عَنَّا حَمْزَة بِنْة نَوْفَل  جَزَاء مُغِلّ بِالْأَمَانَةِ كَاذِب وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي آلِ عِمْرَان.
 " إِخْوَانًا عَلَى سُرَر مُتَقَابِلِينَ " أَيْ لَا يَنْظُر بَعْضهمْ إِلَى قَفَا بَعْض تَوَاصُلًا وَتَحَابُبًا ; عَنْ مُجَاهِد وَغَيْره.
 وَقِيلَ : الْأَسِرَّة تَدُور كَيْفَمَا شَاءُوا، فَلَا يَرَى أَحَد قَفَا أَحَد.
 وَقِيلَ :" مُتَقَابِلِينَ " قَدْ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ الْأَزْوَاج وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِنَّ بِالْوُدِّ.
 وَسُرَر جَمْع سَرِير.
 مِثْل جَدِيد وَجُدُد.
 وَقِيلَ : هُوَ مِنْ السُّرُور ; فَكَأَنَّهُ مَكَان رَفِيع مُمَهَّد لِلسُّرُورِ.
 وَالْأَوَّل أَظْهَر.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس :( عَلَى سُرَر مُكَلَّلَة بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَد وَالدُّرّ )، السَّرِير مَا بَيْن صَنْعَاء إِلَى الْجَابِيَة وَمَا بَيْن عَدْن إِلَى أَيْلَة.
 " وَإِخْوَانًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال مِنْ " الْمُتَّقِينَ " أَوْ مِنْ الْمُضْمَر فِي " اُدْخُلُوهَا "، أَوْ مِنْ الْمُضْمَر فِي " آمِنِينَ "، أَوْ يَكُون حَالًا مُقَدَّرَة مِنْ الْهَاء وَالْمِيم فِي " صُدُورهمْ ".

### الآية 15:48

> ﻿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [15:48]

وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ
 دَلِيل عَلَى أَنَّ نَعِيم الْجَنَّة دَائِم لَا يَزُول، وَأَنَّ أَهْلهَا فِيهَا بَاقُونَ.
 أُكُلهَا دَائِم ; " إِنَّ هَذَا لَرِزْقنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَاد " \[ ص : ٥٤ \].

### الآية 15:49

> ﻿۞ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [15:49]

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
 هَذِهِ الْآيَة وِزَان قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام :( لَوْ يَعْلَم الْمُؤْمِن مَا عِنْد اللَّه مِنْ الْعُقُوبَة مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَد وَلَوْ يَعْلَم الْكَافِر مَا عِنْد اللَّه مِنْ الرَّحْمَة مَا قَنِطَ مِنْ رَحْمَته أَحَد ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَاتِحَة.
 وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُذَكِّر نَفْسه٠ وَغَيْره فَيُخَوِّف وَيُرَجِّي، وَيَكُون الْخَوْف فِي الصِّحَّة أَغْلَب عَلَيْهِ مِنْهُ فِي الْمَرَض.
 وَجَاءَ فِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى الصَّحَابَة وَهُمْ يَضْحَكُونَ فَقَالَ :( أَتَضْحَكُونَ وَبَيْن أَيْدِيكُمْ الْجَنَّة وَالنَّار ) فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ الْآيَة.
 ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ وَالْمَهْدَوِيّ.
 وَلَفْظ الثَّعْلَبِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : اِطَّلَعَ عَلَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبَاب الَّذِي يَدْخُل مِنْهُ بَنُو شَيْبَة وَنَحْنُ نَضْحَك فَقَالَ :( مَالكُمْ تَضْحَكُونَ لَا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ ) ثُمَّ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْد الْحِجْر رَجَعَ الْقَهْقَرَى فَقَالَ لَنَا :( إِنِّي لَمَّا خَرَجْت جَاءَنِي جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد لِمَ تُقَنِّط عِبَادِي مِنْ رَحْمَتِي " نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُور الرَّحِيم.
 وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَاب الْأَلِيم " ).
 فَالْقُنُوط إِيَاس، وَالرَّجَاء إِهْمَال، وَخَيْر الْأُمُور أَوْسَاطهَا.

### الآية 15:50

> ﻿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [15:50]

وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ
 هَذِهِ الْآيَة وِزَان قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام :( لَوْ يَعْلَم الْمُؤْمِن مَا عِنْد اللَّه مِنْ الْعُقُوبَة مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَد وَلَوْ يَعْلَم الْكَافِر مَا عِنْد اللَّه مِنْ الرَّحْمَة مَا قَنِطَ مِنْ رَحْمَته أَحَد ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَاتِحَة.
 وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُذَكِّر نَفْسه وَغَيْره فَيُخَوِّف وَيُرَجِّي، وَيَكُون الْخَوْف فِي الصِّحَّة أَغْلَب عَلَيْهِ مِنْهُ فِي الْمَرَض.
 وَجَاءَ فِي الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى الصَّحَابَة وَهُمْ يَضْحَكُونَ فَقَالَ :( أَتَضْحَكُونَ وَبَيْن أَيْدِيكُمْ الْجَنَّة وَالنَّار ) فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَزَلَتْ الْآيَة.
 ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ وَالْمَهْدَوِيّ.
 وَلَفْظ الثَّعْلَبِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : اِطَّلَعَ عَلَيْنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبَاب الَّذِي يَدْخُل مِنْهُ بَنُو شَيْبَة وَنَحْنُ نَضْحَك فَقَالَ :( مَالَكُمْ تَضْحَكُونَ لَا أَرَاكُمْ تَضْحَكُونَ ) ثُمَّ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْد الْحِجْر رَجَعَ الْقَهْقَرَى فَقَالَ لَنَا :( إِنِّي لَمَّا خَرَجْت جَاءَنِي جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد لِمَ تُقَنِّط عِبَادِي مِنْ رَحْمَتِي " نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُور الرَّحِيم.
 وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَاب الْأَلِيم " ).
 فَالْقُنُوط إِيَاس، وَالرَّجَاء إِهْمَال، وَخَيْر الْأُمُور أَوْسَاطهَا.

### الآية 15:51

> ﻿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ [15:51]

وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ
 ضَيْف إِبْرَاهِيم : الْمَلَائِكَة الَّذِينَ بَشَّرُوهُ بِالْوَلَدِ وَبِهَلَاكِ قَوْم لُوط.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرهمْ.
 وَكَانَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام يُكَنَّى أَبَا الضِّيفَانِ، وَكَانَ لِقَصْرِهِ أَرْبَعَة أَبْوَاب لِكَيْلَا يَفُوتهُ أَحَد.
 وَسُمِّيَ الضَّيْف ضَيْفًا لِإِضَافَتِهِ إِلَيْك وَنُزُوله عَلَيْك.
 وَقَدْ مَضَى مِنْ حُكْم الضَّيْف فِي " هُود " مَا يَكْفِي وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 15:52

> ﻿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ [15:52]

قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ
 أَيْ فَزِعُونَ خَائِفُونَ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا بَعْد أَنْ قَرَّبَ الْعِجْل وَرَآهُمْ لَا يَأْكُلُونَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي هُود.
 وَقِيلَ : أَنْكَرَ السَّلَام وَلَمْ يَكُنْ فِي بِلَادهمْ رَسْم السَّلَام.

### الآية 15:53

> ﻿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [15:53]

إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ
 أَيْ حَلِيم ; قَالَهُ مُقَاتِل.
 وَقَالَ الْجُمْهُور : عَالِم.
 وَهُوَ إِسْحَاق.

### الآية 15:54

> ﻿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [15:54]

فَبِمَ تُبَشِّرُونَي
 اِسْتِفْهَام تَعَجُّب.
 وَقِيلَ : اِسْتِفْهَام حَقِيقِيّ.
 وَقَرَأَ الْحَسَن " تُوجَل " بِضَمِّ التَّاء.
 وَالْأَعْمَش " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ أَلِف، وَنَافِع وَشَيْبَة " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّون وَالتَّخْفِيف ; مِثْل، " أَتُحَاجُّونَنِي " وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْلِيله.
 وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن " تُبَشِّرُونِّ " بِكَسْرِ النُّون مُشَدَّدَة، تَقْدِيره تُبَشِّرُونَنِي، فَأُدْغِمَ النُّون فِي النُّون.
 الْبَاقُونَ " تُبَشِّرُونَ " بِنَصْبِ النُّون بِغَيْرِ إِضَافَة.

### الآية 15:55

> ﻿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ [15:55]

فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ
 أَيْ مِنْ الْآيِسِينَ مِنْ الْوَلَد، وَكَانَ قَدْ أَيِس مِنْ الْوَلَد لِفَرْطِ الْكِبَر.
 وَقِرَاءَة الْعَامَّة " مِنْ الْقَانِطِينَ " بِالْأَلِفِ.
 وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَيَحْيَى بْن وَثَّاب " مِنْ الْقَنِطِينَ " بِلَا أَلِف.
 وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرو.
 وَهُوَ مَقْصُور مِنْ " الْقَانِطِينَ ".
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ لُغَة مَنْ قَالَ : قَنِطَ يَقْنَط ; مِثْل حَذِرَ يَحْذَر.
 وَفَتْح النُّون وَكَسْرهَا مِنْ " يَقْنَط " لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا.
 وَحُكِيَ فِيهِ " يَقْنُط " بِالضَّمِّ.
 وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ " قَنَطَ يَقْنَط " \[ و \] مَنْ فَتَحَ النُّون فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْن اللُّغَتَيْنِ، فَأَخَذَ فِي الْمَاضِي بِلُغَةِ مَنْ قَالَ : قَنَطَ يَقْنِط، وَفِي الْمُسْتَقْبَل بِلُغَةِ مَنْ قَالَ : قَنِطَ يَقْنَط ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ.

### الآية 15:56

> ﻿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [15:56]

قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
 أَيْ الْمُكَذِّبُونَ الذَّاهِبُونَ عَنْ طَرِيق الصَّوَاب.
 يَعْنِي أَنَّهُ اِسْتَبْعَدَ الْوَلَد لِكِبَرِ سِنّه لَا أَنَّهُ قَنَطَ مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى.

### الآية 15:57

> ﻿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ [15:57]

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
 لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ مَلَائِكَة - إِذْ أَخْبَرُوهُ بِأَمْرٍ خَارِق لِلْعَادَةِ وَهُوَ بُشْرَاهُمْ بِالْوَلَدِ - قَالَ : فَمَا خَطْبكُمْ ؟ وَالْخَطْب الْأَمْر الْخَطِير.
 أَيْ فَمَا أَمْركُمْ وَشَأْنكُمْ وَمَا الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ.

### الآية 15:58

> ﻿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ [15:58]

قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ
 أَيْ مُشْرِكِينَ ضَالِّينَ.
 وَفِي الْكَلَام إِضْمَار ; أَيْ أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكهُمْ.

### الآية 15:59

> ﻿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ [15:59]

إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ
 وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " لَمُنْجُوهُمْ " بِالتَّخْفِيفِ مِنْ أَنْجَى.
 الْبَاقُونَ : بِالتَّشْدِيدِ مِنْ نَجَّى، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم.
 وَالتَّنْجِيَة وَالْإِنْجَاء التَّخْلِيص.

### الآية 15:60

> ﻿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ۙ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ [15:60]

إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ
 " إِلَّا اِمْرَأَته " اِسْتَثْنَى مِنْ آل لُوط اِمْرَأَته وَكَانَتْ كَافِرَة فَالْتَحَقَتْ بِالْمُجْرِمِينَ فِي الْهَلَاك.
 وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّة قَوْم لُوط فِي " الْأَعْرَاف " وَسُورَة " هُود " بِمَا فِيهِ كِفَايَة.
 " قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ " أَيْ قَضَيْنَا وَكَتَبْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْبَاقِينَ فِي الْعَذَاب.
 وَالْغَابِر : الْبَاقِي.
 **قَالَ :**

لَا تَكْسَع الشَّوْل بِأَغْبَارِهَا  إِنَّك لَا تَدْرِي مَنْ النَّاتِج الْأَغْبَار بَقَايَا اللَّبَن.
 وَقَرَأَ أَبُو بَكْر وَالْمُفَضَّل " قَدَرْنَا " بِالتَّخْفِيفِ هُنَا وَفِي النَّمْل، وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ.
 الْهَرَوِيّ : يُقَال قَدَّرَ وَقَدَرَ، بِمَعْنًى.
 لَا خِلَاف بَيْن أَهْل اللِّسَان وَغَيْرهمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاء مِنْ النَّفْي إِثْبَات وَمِنْ الْإِثْبَات نَفْي ; فَإِذَا قَالَ رَجُل : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَة دَرَاهِم إِلَّا أَرْبَعَة إِلَّا دِرْهَمًا ; ثَبَتَ الْإِقْرَار بِسَبْعَةٍ ; لِأَنَّ الدِّرْهَم مُسْتَثْنًى مِنْ الْأَرْبَعَة، وَهُوَ مُثْبَت لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ مَنْفِيّ، وَكَانَتْ الْأَرْبَعَة مَنْفِيَّة لِأَنَّهَا مُسْتَثْنَاة مِنْ مُوجِب وَهُوَ الْعَشَرَة، فَعَادَ الدِّرْهَم إِلَى السِّتَّة فَصَارَتْ سَبْعَة.
 وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : عَلَيَّ خَمْسَة دَرَاهِم إِلَّا دِرْهَم إِلَّا ثُلُثَيْهِ ; كَانَ عَلَيْهِ أَرْبَعَة دَرَاهِم وَثُلُث.
 وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَة إِلَّا تِسْعَة إِلَّا ثَمَانِيَة إِلَّا سَبْعَة ; كَانَ الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي رَاجِعًا إِلَى مَا قَبْله، وَالثَّالِث إِلَى الثَّانِي فَيَكُون عَلَيْهِ دِرْهَمَانِ ; لِأَنَّ الْعَشَرَة إِثْبَات وَالثَّمَانِيَة إِثْبَات فَيَكُون مَجْمُوعهَا ثَمَانِيَة عَشَر.
 وَالتِّسْعَة نَفْي وَالسَّبْعَة نَفْي فَيَكُون سِتَّة عَشَر تَسْقُط مِنْ ثَمَانِيَة عَشَر وَيَبْقَى دِرْهَمَانِ، وَهُوَ الْقَدْر الْوَاجِب بِالْإِقْرَارِ لَا غَيْر.
 فَقَوْله سُبْحَانه :" إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ.
 إِلَّا آل لُوط إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ.
 إِلَّا اِمْرَأَته " فَاسْتَثْنَى آلَ لُوط مِنْ الْقَوْم الْمُجْرِمِينَ، ثُمَّ قَالَ :" إِلَّا اِمْرَأَته " فَاسْتَثْنَاهَا مِنْ آل لُوط، فَرَجَعَتْ فِي التَّأْوِيل إِلَى الْقَوْم الْمُجْرِمِينَ كَمَا بَيَّنَّا.
 وَهَكَذَا الْحُكْم فِي الطَّلَاق، لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا اِثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَة طَلُقَتْ اِثْنَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْوَاحِدَة رَجَعَتْ إِلَى الْبَاقِي مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهِيَ الثَّلَاث.
 وَكَذَا كُلّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا فَتَفَهَّمْهُ.

### الآية 15:61

> ﻿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ [15:61]

لا يوجد تفسير لهذه الأية

### الآية 15:62

> ﻿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [15:62]

قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
 أَيْ لَا أَعْرِفكُمْ.
 وَقِيلَ : كَانُوا شَبَابًا وَرَأَى جَمَالًا فَخَافَ عَلَيْهِمْ مِنْ فِتْنَة قَوْمه ; فَهَذَا هُوَ الْإِنْكَار.

### الآية 15:63

> ﻿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ [15:63]

قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ
 أَيْ يَشُكُّونَ أَنَّهُ نَازِل بِهِمْ، وَهُوَ الْعَذَاب.

### الآية 15:64

> ﻿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [15:64]

وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
 أَيْ فِي هَلَاكهمْ.

### الآية 15:65

> ﻿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ [15:65]

وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
 قَالَ اِبْن عَبَّاس ( يَعْنِي الشَّام ).
 مُقَاتِل.
 يَعْنِي صَفَد، قَرْيَة مِنْ قُرَى لُوط.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَقِيلَ : إِنَّهُ مَضَى إِلَى أَرْض الْخَلِيل بِمَكَانٍ يُقَال لَهُ الْيَقِين، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْيَقِين لِأَنَّ إِبْرَاهِيم لَمَّا خَرَجَتْ الرُّسُل شَيَّعَهُمْ، فَقَالَ لِجِبْرِيل : مِنْ أَيْنَ يُخْسَف بِهِمْ ؟ قَالَ :( مِنْ هَاهُنَا ) وَحَّدَ لَهُ حَدًّا، وَذَهَبَ جِبْرِيل، فَلَمَّا جَاءَ لُوط.
 جَلَسَ عِنْد إِبْرَاهِيم وَارْتَقَبَا ذَلِكَ الْعَذَاب، فَلَمَّا اِهْتَزَّتْ الْأَرْض قَالَ إِبْرَاهِيم :( أَيْقَنْت بِاَللَّهِ ) فَسُمِّيَ الْيَقِين.

### الآية 15:66

> ﻿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [15:66]

أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
 نَظِيره " فَقُطِعَ دَابِر الْقَوْم الَّذِينَ ظَلَمُوا ".
 \[ الْأَنْعَام : ٤٥ \] " مُصْبِحِينَ " أَيْ عِنْد طُلُوع الصُّبْح.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 15:67

> ﻿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ [15:67]

يَسْتَبْشِرُونَ
 مُسْتَبْشِرِينَ بِالْأَضْيَافِ طَمَعًا مِنْهُمْ فِي رُكُوب الْفَاحِشَة.

### الآية 15:68

> ﻿قَالَ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ [15:68]

فَلَا تَفْضَحُونِ
 أَيْ تُخْجِلُونِ.

### الآية 15:69

> ﻿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ [15:69]

وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ
 يَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ الْخِزْي وَهُوَ الذُّلّ وَالْهَوَان، وَيَجُوز أَنْ يَكُون مِنْ الْخَزَايَة وَهُوَ الْحَيَاء وَالْخَجَل.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي هُود.

### الآية 15:70

> ﻿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [15:70]

قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ
 أَيْ عَنْ أَنْ تُضَيِّف، أَحَدًا لِأَنَّا نُرِيد مِنْهُمْ الْفَاحِشَة.
 وَكَانُوا يَقْصِدُونَ بِفِعْلِهِمْ الْغُرَبَاء ; عَنْ الْحَسَن.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَعْرَاف.
 وَقِيلَ : أَوَلَمْ نَنْهَك عَنْ أَنْ تُكَلِّمنَا فِي أَحَد مِنْ النَّاس إِذَا قَصَدْنَاهُ بِالْفَاحِشَةِ.

### الآية 15:71

> ﻿قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [15:71]

قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ
 أَيْ فَتَزَوَّجُوهُنَّ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الْحَرَام.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان هَذَا فِي هُود.

### الآية 15:72

> ﻿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [15:72]

وَمَالِك حَمَلَ الْحَدِيث عَلَى ظَاهِره.
 قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ بِأَنَّ أَيْمَان الْمُسْلِمِينَ جَرَتْ مُنْذُ عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمنَا هَذَا أَنْ يَحْلِفُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى أَنَّ أَهْل الْمَدِينَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا إِذَا حَاكَمَ أَحَدهمْ صَاحِبه قَالَ : اِحْلِفْ لِي بِحَقِّ مَا حَوَاهُ هَذَا الْقَبْر، وَبِحَقِّ سَاكِن هَذَا الْقَبْر، يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَلِكَ بِالْحَرَمِ وَالْمَشَاعِر الْعِظَام، وَالرُّكْن وَالْمَقَام وَالْمِحْرَاب وَمَا يُتْلَى فِيهِ.

### الآية 15:73

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [15:73]

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ
 نُصِبَ عَلَى الْحَال، أَيْ وَقْت شُرُوق الشَّمْس.
 يُقَال : أَشْرَقَتْ الشَّمْس أَيْ أَضَاءَتْ، وَشَرَقَتْ إِذَا طَلَعَتْ.
 وَقِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى.
 وَأَشْرَقَ الْقَوْم أَيْ دَخَلُوا فِي وَقْت شُرُوق الشَّمْس.
 مِثْل أَصْبَحُوا وَأَمْسَوْا، وَهُوَ الْمُرَاد فِي الْآيَة.
 وَقِيلَ : أَرَادَ شُرُوق الْفَجْر.
 وَقِيلَ : أَوَّل الْعَذَاب كَانَ عِنْد الصُّبْح وَامْتَدَّ إِلَى شُرُوق الشَّمْس، فَكَانَ تَمَام الْهَلَاك عِنْد ذَلِكَ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَ " الصَّيْحَة " الْعَذَاب.

### الآية 15:74

> ﻿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [15:74]

وَرَجْلَة يَضْرِبُونَ الْبِيض ضَاحِيَة  ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَال سِجِّينًا

### الآية 15:75

> ﻿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ [15:75]

وَمِثْله قَوْل اِبْن عَبَّاس، :( مَا سَأَلَنِي أَحَد عَنْ شَيْء إِلَّا عَرَفْت أَفَقِيه هُوَ أَوْ غَيْر فَقِيه ).
 وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيّ وَمُحَمَّد بْن الْحَسَن أَنَّهُمَا كَانَا بِفِنَاءِ الْكَعْبَة وَرَجُل عَلَى بَاب الْمَسْجِد فَقَالَ أَحَدهمَا : أَرَاهُ نَجَّارًا، وَقَالَ الْآخَر : بَلْ حَدَّادًا، فَتَبَادَرَ مَنْ حَضَرَ إِلَى الرَّجُل فَسَأَلَ فَقَالَ : كُنْت نَجَّارًا وَأَنَا الْيَوْم حَدَّاد.
 وَرُوِيَ عَنْ جُنْدُب بْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيّ أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُل يَقْرَأ الْقُرْآن فَوَقَفَ فَقَالَ : مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّه بِهِ.
 فَقُلْنَا لَهُ : كَأَنَّك عَرَّضْت بِهَذَا الرَّجُل، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا يَقْرَأ عَلَيْك الْقُرْآن الْيَوْم وَيَخْرُج غَدًا حَرُورِيًّا ; فَكَانَ رَأْس الْحَرُورِيَّة، وَاسْمه مِرْدَاس.
 وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرو بْن عُبَيْد فَقَالَ : هَذَا سَيِّد فِتْيَان الْبَصْرَة إِنْ لَمْ يُحْدِث، فَكَانَ مِنْ أَمْره مِنْ الْقَدَر مَا كَانَ، حَتَّى هَجَرَهُ عَامَّة إِخْوَانه.
 وَقَالَ لِأَيُّوب : هَذَا سَيِّد فِتْيَان أَهْل الْبَصْرَة، وَلَمْ يَسْتَثْنِ.
 وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ قَالَ لِدَاوُد الْأَزْدِيّ وَهُوَ يُمَارِيه : إِنَّك لَا تَمُوت حَتَّى تُكْوَى فِي رَأْسك، وَكَانَ كَذَلِكَ.
 وَرُوِيَ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ دَخَلَ عَلَيْهِ قَوْم مِنْ مَذْحِج فِيهِمْ الْأَشْتَر، فَصَعَّدَ فِيهِ النَّظَر وَصَوَّبَهُ وَقَالَ : أَيّهمْ هَذَا ؟ قَالُوا : مَالِك بْن الْحَارِث.
 فَقَالَ : مَا لَهُ قَاتَلَهُ اللَّه ! إِنِّي لَأَرَى لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ يَوْمًا عَصِيبًا ; فَكَانَ مِنْهُ فِي الْفِتْنَة مَا كَانَ.
 وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَنَّ أَنَس بْن مَالِك دَخَلَ عَلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ مَرَّ بِالسُّوقِ فَنَظَرَ إِلَى اِمْرَأَة، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ عُثْمَان :( يَدْخُل أَحَدكُمْ عَلَيَّ وَفِي عَيْنَيْهِ أَثَر الزِّنَا ! فَقَالَ لَهُ أَنَس : أَوَحْيًا بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ لَا وَلَكِنْ بُرْهَان وَفِرَاسَة وَصِدْق ).
 وَمِثْله كَثِير عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.
 الثَّانِيَة : قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ :" إِذَا ثَبَتَ أَنَّ التَّوَسُّم وَالتَّفَرُّس مِنْ مَدَارك الْمَعَانِي فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ حُكْم وَلَا يُؤْخَذ بِهِ مَوْسُوم وَلَا مُتَفَرِّس.
 وَقَدْ كَانَ قَاضِي الْقُضَاة الشَّامِيّ الْمَالِكِيّ بِبَغْدَاد أَيَّام كَوْنِي بِالشَّامِ يَحْكُم بِالْفِرَاسَةِ فِي الْأَحْكَام، جَرْيًا عَلَى طَرِيق إِيَاس بْن مُعَاوِيَة أَيَّام كَانَ قَاضِيًا، وَكَانَ شَيْخنَا فَخْر الْإِسْلَام أَبُو بَكْر الشَّاشِيّ صَنَّفَ جُزْءًا فِي الرَّدّ عَلَيْهِ، كَتَبَهُ لِي بِخَطِّهِ وَأَعْطَانِيهِ، وَذَلِكَ صَحِيح ; فَإِنَّ مَدَارك الْأَحْكَام مَعْلُومَة شَرْعًا مُدْرَكَة قَطْعًا وَلَيْسَتْ الْفِرَاسَة مِنْهَا

### الآية 15:76

> ﻿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [15:76]

لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ
 أَيْ عَلَى طَرِيق قَوْمك يَا مُحَمَّد إِلَى الشَّام.

### الآية 15:77

> ﻿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [15:77]

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
 أَيْ لَعِبْرَة لِلْمُصَدِّقِينَ.

### الآية 15:78

> ﻿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ [15:78]

وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ
 يُرِيد قَوْم شُعَيْب، كَانُوا أَصْحَاب غِيَاض وَرِيَاض وَشَجَر مُثْمِر.
 وَالْأَيْكَة : الْغَيْضَة، وَهِيَ جَمَاعَة الشَّجَر، وَالْجَمْع الْأَيْك.
 وَيُرْوَى أَنَّ شَجَرهمْ كَانَ دَوْمًا وَهُوَ الْمُقْل.
 **قَالَ النَّابِغَة :**

تَجْلُو بِقَادِمَتَيْ حَمَامَة أَيْكَة  بَرَدًا أُسِفّ لِثَاته بِالْإِثْمِدِ وَقِيلَ : الْأَيْكَة اِسْم الْقَرْيَة.
 وَقِيلَ اِسْم الْبَلْدَة.
 وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْأَيْكَة وَلَيْكَة مَدِينَتهمْ، بِمَنْزِلَةِ بَكَّة مِنْ مَكَّة.
 وَتَقَدَّمَ خَبَر شُعَيْب وَقَوْمه.

### الآية 15:79

> ﻿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ [15:79]

فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ
 أَيْ بِطَرِيقٍ وَاضِح فِي نَفْسه، يَعْنِي مَدِينَة قَوْم لُوط وَبُقْعَة أَصْحَاب الْأَيْكَة يَعْتَبِر بِهِمَا مَنْ يَمُرّ عَلَيْهِمَا.

### الآية 15:80

> ﻿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [15:80]

وَعِنْد الشَّافِعِيّ أَجْزَأَهُ إِذَا صَلَّى فِي الْمَقْبَرَة فِي مَوْضِع لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَة ; لِلْأَحَادِيثِ الْمَعْلُومَة فِي ذَلِكَ، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( صَلُّوا فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا )، وَلِحَدِيثِ أَبِي مَرْثَد الْغَنَوِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :( لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُور وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا ).
 وَهَذَانِ حَدِيثَانِ ثَابِتَانِ مِنْ جِهَة الْإِسْنَاد، وَلَا حُجَّة فِيهِمَا ; لِأَنَّهُمَا مُحْتَمِلَانِ لِلتَّأْوِيلِ، وَلَا يَجِب أَنْ يُمْتَنَع مِنْ الصَّلَاة فِي كُلّ مَوْضِع طَاهِر إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا يَحْتَمِل تَأْوِيلًا.
 وَلَمْ يُفَرِّق أَحَد مِنْ فُقَهَاء الْمُسْلِمِينَ بَيْن مَقْبَرَة الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ إِلَّا مَا حَكَيْنَاهُ مِنْ خَطَل الْقَوْل الَّذِي لَا يُشْتَغَل بِمِثْلِهِ، وَلَا وَجْه لَهُ فِي نَظَر وَلَا فِي صَحِيح أَثَر.
 وَثَامِنهَا : الْحَائِط يُلْقَى فِيهِ النَّتْن وَالْعَذِرَة لِيُكْرَم فَلَا يُصَلَّى فِيهِ حَتَّى يُسْقَى ثَلَاث مَرَّات، لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَائِط يُلْقَى فِيهِ الْعَذِرَة وَالنَّتْن قَالَ :( إِذَا سُقِيَ ثَلَاث مَرَّات فَصَلِّ فِيهِ ).
 وَخَرَّجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيث نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْحِيطَان الَّتِي تُلْقَى فِيهَا الْعَذِرَات وَهَذَا الزِّبْل، أَيُصَلَّى فِيهَا ؟ فَقَالَ : إِذَا سُقِيَتْ ثَلَاث مَرَّات فَصَلِّ فِيهَا.
 رُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتُلِفَ فِي الْإِسْنَاد، وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 15:81

> ﻿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [15:81]

مُعْرِضِينَ
 أَيْ لَمْ يَعْتَبِرُوا.

### الآية 15:82

> ﻿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ [15:82]

آمِنِينَ
 أَيْ مِنْ أَنْ تَسْقُط عَلَيْهِمْ أَوْ تَخْرَب.
 وَقِيلَ : آمِنِينَ مِنْ الْمَوْت.
 وَقِيلَ : مِنْ الْعَذَاب.

### الآية 15:83

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ [15:83]

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ
 أَيْ فِي وَقْت الصُّبْح، وَهُوَ نَصْب عَلَى الْحَال.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الصَّيْحَة فِي هُود وَالْأَعْرَاف.

### الآية 15:84

> ﻿فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [15:84]

فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
 مِنْ الْأَمْوَال وَالْحُصُون فِي الْجِبَال، وَلَا مَا أُعْطُوهُ مِنْ الْقُوَّة.

### الآية 15:85

> ﻿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [15:85]

فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
 مِثْل " وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا " \[ الْمُزَّمِّل : ١٠ \] أَيْ تَجَاوَزْ عَنْهُمْ يَا مُحَمَّد، وَاعَفْ عَفْوًا حَسَنًا ; ثُمَّ نُسِخَ بِالسَّيْفِ.
 قَالَ قَتَادَة : نَسَخَهُ قَوْله :" فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ " \[ النِّسَاء : ٩١ \].
 وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ :( لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ وَبُعِثْت بِالْحَصَادِ وَلَمْ أُبْعَث بِالزِّرَاعَةِ ) ; قَالَهُ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد.
 وَقِيلَ : لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ، وَأَنَّهُ أُمِرَ بِالصَّفْحِ فِي حَقّ نَفْسه فِيمَا بَيْنه وَبَيْنهمْ.
 وَالصَّفْح : الْإِعْرَاض عَنْ الْحَسَن وَغَيْره.

### الآية 15:86

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [15:86]

الْعَلِيمُ
 بِأَهْلِ الْوِفَاق وَالنِّفَاق.

### الآية 15:87

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [15:87]

وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ
 فِيهِ إِضْمَار تَقْدِيره : وَهُوَ أَنَّ الْفَاتِحَة الْقُرْآن الْعَظِيم لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِأُصُولِ الْإِسْلَام.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَاتِحَة.
 وَقِيلَ : الْوَاو مُقْحَمَة، التَّقْدِير : وَلَقَدْ آتَيْنَاك سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي الْقُرْآن الْعَظِيم.
 **وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :**

إِلَى الْمَلِك الْقَرْم وَابْن الْهُمَام  وَلَيْث الْكَتِيبَة فِي الْمُزْدَحَم وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْد قَوْله :" حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى " \[ الْبَقَرَة : ٢٣٨ \]

### الآية 15:88

> ﻿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [15:88]

وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
 أَيْ أَلِنْ جَانِبك لِمَنْ آمَنَ بِك وَتَوَاضَعْ لَهُمْ.
 وَأَصْله أَنَّ الطَّائِر إِذَا ضَمَّ فَرْخه إِلَى نَفْسه بَسَطَ جَنَاحه ثُمَّ قَبَضَهُ عَلَى الْفَرْخ، فَجَعَلَ ذَلِكَ وَصْفًا لِتَقْرِيبِ الْإِنْسَان أَتْبَاعه.
 وَيُقَال : فُلَان خَافِض الْجَنَاح، أَيْ وَقُور سَاكِن.
 وَالْجَنَاحَانِ مِنْ اِبْن آدَم جَانِبَاهُ ; وَمِنْهُ " وَاضْمُمْ يَدك إِلَى جَنَاحك " \[ طَه : ٢٢ \] وَجَنَاح الطَّائِر يَده.
 **وَقَالَ الشَّاعِر :**

وَحَسْبك فِتْيَة لِزَعِيمِ قَوْم  يَمُدّ عَلَى أَخِي سَقَم جَنَاحَا أَيْ تَوَاضُعًا وَلِينًا.

### الآية 15:89

> ﻿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [15:89]

وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
 فِي الْكَلَام حَذْف ; أَيْ إِنِّي أَنَا النَّذِير الْمُبِين عَذَابًا، فَحَذَفَ الْمَفْعُول، إِذْ كَانَ الْإِنْذَار يَدُلّ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِع آخَر :" أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَة مِثْل صَاعِقَة عَاد وَثَمُود " \[ فُصِّلَتْ : ١٣ \].

### الآية 15:90

> ﻿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ [15:90]

كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ
 قِيلَ : الْكَاف زَائِدَة، أَيْ أَنْذَرْتُكُمْ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ; كَقَوْلِهِ :" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " \[ الشُّورَى : ١١ \] وَقِيلَ : أَنْذَرْتُكُمْ مِثْل مَا أَنْزَلْنَا بِالْمُقْتَسِمِينَ.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ، أَيْ مِنْ الْعَذَاب وَكَفَيْنَاك الْمُسْتَهْزِئِينَ، فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَغَوْا، فَإِنَّا كَفَيْنَاك أُولَئِكَ الرُّؤَسَاء الَّذِينَ كُنْت تَلْقَى مِنْهُمْ مَا تَلْقَى.
 وَاخْتُلِفَ فِي " الْمُقْتَسِمِينَ " عَلَى أَقْوَال سَبْعَة :
 الْأَوَّل : قَالَ مُقَاتِل وَالْفَرَّاء : هُمْ سِتَّة عَشَر رَجُلًا بَعَثَهُمْ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة أَيَّام الْمَوْسِم فَاقْتَسَمُوا أَعْقَاب مَكَّة وَأَنْقَابهَا وَفِجَاجهَا يَقُولُونَ لِمَنْ سَلَكَهَا : لَا تَغْتَرُّوا بِهَذَا الْخَارِج فِينَا يَدَّعِي النُّبُوَّة ; فَإِنَّهُ مَجْنُون، وَرُبَّمَا قَالُوا سَاحِر، وَرُبَّمَا قَالُوا شَاعِر، وَرُبَّمَا قَالُوا كَاهِن.
 وَسُمُّوا الْمُقْتَسِمِينَ لِأَنَّهُمْ اِقْتَسَمُوا هَذِهِ الطُّرُق، فَأَمَاتَهُمْ اللَّه شَرّ مِيتَة، وَكَانُوا نَصَّبُوا الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة حَكَمًا عَلَى بَاب الْمَسْجِد، فَإِذَا سَأَلُوهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : صَدَقَ أُولَئِكَ.
 الثَّانِي : قَالَ قَتَادَة : هُمْ قَوْم مِنْ كُفَّار قُرَيْش اِقْتَسَمُوا كِتَاب اللَّه فَجَعَلُوا بَعْضه شِعْرًا، وَبَعْضه سِحْرًا، وَبَعْضه كِهَانَة، وَبَعْضه أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ.
 الثَّالِث : قَالَ اِبْن عَبَّاس :( هُمْ أَهْل الْكِتَاب آمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ ).
 وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَة : هُمْ أَهْل الْكِتَاب، 
 وَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَهْزِئِينَ، فَيَقُول بَعْضهمْ : هَذِهِ السُّورَة لِي وَهَذِهِ السُّورَة لَك.
 وَهُوَ الْقَوْل الرَّابِع.
 الْخَامِس : قَالَ قَتَادَة : قَسَّمُوا كِتَابهمْ فَفَرَّقُوهُ وَبَدَّدُوهُ وَحَرَّفُوهُ.
 السَّادِس : قَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ : الْمُرَاد قَوْم صَالِح، تَقَاسَمُوا عَلَى قَتْله فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى :" تَقَاسَمُوا بِاَللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْله " \[ النَّمْل : ٤٩ \].
 السَّابِع : قَالَ الْأَخْفَش : هُمْ قَوْم اِقْتَسَمُوا أَيْمَانًا تَحَالَفُوا عَلَيْهَا.
 وَقِيلَ : إِنَّهُمْ الْعَاص بْن وَائِل وَعُتْبَة وَشَيْبَة اِبْنَا رَبِيعَة وَأَبُو جَهْل بْن هِشَام وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ بْن هِشَام وَالنَّضْر بْن الْحَارِث وَأُمَيَّة بْن خَلَف وَمُنَبِّه بْن الْحَجَّاج ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ.

### الآية 15:91

> ﻿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [15:91]

الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ
 هَذِهِ صِفَة الْمُقْتَسِمِينَ.
 وَقِيلَ : هُوَ مُبْتَدَأ وَخَبَره " لَنَسْأَلَنَّهُمْ ".
 وَوَاحِد الْعِضِينَ عِضَة، مِنْ عَضَّيْت الشَّيْء تَعْضِيَة أَيْ فَرَّقْته ; وَكُلّ فِرْقَة عِضَة.
 وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَتْ فِي الْأَصْل عِضْوَة فَنُقِصَتْ الْوَاو، وَلِذَلِكَ جُمِعَتْ عِضِينَ ; كَمَا قَالُوا : عِزِينَ فِي جَمْع عِزَّة، وَالْأَصْل عِزْوَة.
 وَكَذَلِكَ ثُبَة وَثِبِين.
 وَيَرْجِع الْمَعْنَى إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُقْتَسِمِينَ.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس :( آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ ).
 وَقِيلَ : فَرَّقُوا أَقَاوِيلهمْ فِيهِ فَجَعَلُوهُ كَذِبًا وَسِحْرًا وَكِهَانَة وَشِعْرًا.
 عَضَوْته أَيْ فَرَّقْته.
 **قَالَ الشَّاعِر - هُوَ رُؤْبَة - :**
 وَلَيْسَ دِين اللَّه بِالْمُعَضَّى
 أَيْ بِالْمُفَرَّقِ.
 وَيُقَال : نُقْصَانه الْهَاء وَأَصْله عَضْهَة ; لِأَنَّ الْعَضْه وَالْعِضِينَ فِي لُغَة قُرَيْش السِّحْر.
 وَهُمْ يَقُولُونَ لِلسَّاحِرِ : عَاضِهٌ وَلِلسَّاحِرَةِ عَاضِهَة.
 **قَالَ الشَّاعِر :**

أَعُوذ بِرَبِّي مِنْ النَّافِثَا  ت فِي عُقَد الْعَاضِه الْمُعْضِه وَفِي الْحَدِيث : لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَاضِهَة وَالْمُسْتَعْضِهَة، وَفَسَّرَ : السَّاحِرَة وَالْمُسْتَسْحِرَة.
 وَالْمَعْنَى : أَكْثَرُوا الْبُهْت عَلَى الْقُرْآن وَنَوَّعُوا الْكَذِب فِيهِ، فَقَالُوا : سِحْر وَأَسَاطِير الْأَوَّلِينَ، وَأَنَّهُ مُفْتَرًى، إِلَى غَيْر ذَلِكَ.
 وَنَظِير عِضَة فِي النُّقْصَان شَفَة، وَالْأَصْل شَفَهَة.
 كَمَا قَالُوا : سَنَة، وَالْأَصْل سَنَهَة، فَنَقَصُوا الْهَاء الْأَصْلِيَّة وَأُثْبِتَتْ هَاء الْعَلَامَة وَهِيَ لِلتَّأْنِيثِ.
 وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الْعَضْه وَهِيَ النَّمِيمَة.
 وَالْعَضِيهَة الْبُهْتَان، وَهُوَ أَنْ يَعْضَه الْإِنْسَان وَيَقُول، فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ.
 يُقَال عَضَهَهُ عَضْهًا رَمَاهُ بِالْبُهْتَانِ.
 وَقَدْ أَعْضَهْت أَيْ جِئْت بِالْبُهْتَانِ.
 قَالَ الْكِسَائِيّ : الْعِضَة الْكَذِب وَالْبُهْتَان، وَجَمْعهَا عِضُونَ ; مِثْل عِزَة وَعِزُونَ ; قَالَ تَعَالَى :" الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآن عِضِينَ ".
 وَيُقَال : عَضُّوهُ أَيْ آمَنُوا بِمَا أَحَبُّوا مِنْهُ وَكَفَرُوا بِالْبَاقِي، فَأَحْبَطَ كُفْرهمْ إِيمَانهمْ.
 وَكَانَ الْفَرَّاء يَذْهَب إِلَى أَنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ الْعِضَاة، وَهِيَ شَجَر الْوَادِي وَيَخْرُج كَالشَّوْكِ.

### الآية 15:92

> ﻿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [15:92]

وَاَلَّذِي يَظْهَر سُؤَاله لِلْآيَةِ وَقَوْله :" وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ " \[ الصَّافَّات : ٢٤ \] وَقَوْله :" إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابهمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابهمْ " \[ الْغَاشِيَة :
 ٢٥ - ٢٦ \].
 فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ تَعَالَى :" وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ " \[ الْقَصَص : ٧٨ \] وَقَالَ :" فَيَوْمئِذٍ لَا يُسْأَل عَنْ ذَنْبه إِنْس وَلَا جَانّ " \[ الرَّحْمَن : ٣٩ \]، وَقَالَ :" وَلَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه " \[ الْبَقَرَة : ١٧٤ \]، وَقَالَ :" إِنَّهُمْ عَنْ رَبّهمْ يَوْمئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ " \[ الْمُطَفِّفِينَ : ١٥ \].
 قُلْنَا : الْقِيَامَة مَوَاطِن، فَمَوْطِن يَكُون فِيهِ سُؤَال وَكَلَام، وَمَوْطِن لَا يَكُون ذَلِكَ فِيهِ.
 قَالَ عِكْرِمَة : الْقِيَامَة مَوَاطِن، يُسْأَل فِي بَعْضهَا وَلَا يُسْأَل فِي بَعْضهَا.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس :( لَا يَسْأَلهُمْ سُؤَال اِسْتِخْبَار وَاسْتِعْلَام هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ; لِأَنَّ اللَّه عَالِم بِكُلِّ شَيْء، وَلَكِنْ يَسْأَلهُمْ سُؤَال تَقْرِيع وَتَوْبِيخ فَيَقُول لَهُمْ : لِمَ عَصَيْتُمْ الْقُرْآن وَمَا حُجَّتكُمْ فِيهِ ؟ وَاعْتَمَدَ قُطْرُب هَذَا الْقَوْل.
 وَقِيلَ :" لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ " يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُكَلَّفِينَ ; بَيَانه قَوْله تَعَالَى :" ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمئِذٍ عَنْ النَّعِيم " \[ التَّكَاثُر : ٨ \].
 وَالْقَوْل بِالْعُمُومِ أَوْلَى كَمَا ذَكَرَ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 15:93

> ﻿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [15:93]

وَاَلَّذِي يَظْهَر سُؤَاله، لِلْآيَةِ وَقَوْله :" وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ " \[ الصَّافَّات : ٢٤ \] وَقَوْله :" إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابهمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابهمْ " \[ الْغَاشِيَة :
 ٢٥ - ٢٦ \].
 فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ تَعَالَى :" وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ " \[ الْقَصَص : ٧٨ \] وَقَالَ :" فَيَوْمئِذٍ لَا يُسْأَل عَنْ ذَنْبه إِنْس وَلَا جَانّ " \[ الرَّحْمَن : ٣٩ \]، وَقَالَ :" وَلَا يُكَلِّمهُمْ اللَّه " \[ الْبَقَرَة : ١٧٤ \]، وَقَالَ :" إِنَّهُمْ عَنْ رَبّهمْ يَوْمئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ " \[ الْمُطَفِّفِينَ : ١٥ \].
 قُلْنَا : الْقِيَامَة مَوَاطِن، فَمَوْطِن يَكُون فِيهِ سُؤَال وَكَلَام، وَمَوْطِن لَا يَكُون ذَلِكَ فِيهِ.
 قَالَ عِكْرِمَة : الْقِيَامَة مَوَاطِن، يُسْأَل فِي بَعْضهَا وَلَا يُسْأَل فِي بَعْضهَا.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس :( لَا يَسْأَلهُمْ سُؤَال اِسْتِخْبَار وَاسْتِعْلَام هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ; لِأَنَّ اللَّه عَالِم بِكُلِّ شَيْء، وَلَكِنْ يَسْأَلهُمْ سُؤَال تَقْرِيع وَتَوْبِيخ فَيَقُول لَهُمْ : لِمَ عَصَيْتُمْ الْقُرْآن وَمَا حُجَّتكُمْ فِيهِ ؟ وَاعْتَمَدَ قُطْرُب هَذَا الْقَوْل.
 وَقِيلَ :" لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ " يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُكَلَّفِينَ ; بَيَانه قَوْله تَعَالَى :" ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمئِذٍ عَنْ النَّعِيم " \[ التَّكَاثُر : ٨ \].
 وَالْقَوْل بِالْعُمُومِ أَوْلَى كَمَا ذُكِرَ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 15:94

> ﻿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [15:94]

وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
 أَيْ عَنْ الِاهْتِمَام بِاسْتِهْزَائِهِمْ وَعَنْ الْمُبَالَاة بِقَوْلِهِمْ، فَقَدْ بَرَّأَك اللَّه عَمَّا يَقُولُونَ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس :( هُوَ مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ " \[ التَّوْبَة : ٥ \] ).
 وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد : مَا زَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَخْفِيًا حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى :" فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر " فَخَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابه.
 وَقَالَ مُجَاهِد : أَرَادَ الْجَهْر بِالْقُرْآنِ فِي الصَّلَاة.
 " وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ " لَا تُبَالِ بِهِمْ.

### الآية 15:95

> ﻿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [15:95]

إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
 قَالَ اِبْن إِسْحَاق : لَمَّا تَمَادَوْا فِي الشَّرّ وَأَكْثَرُوا بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِاسْتِهْزَاء أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ.
 إِنَّا كَفَيْنَاك الْمُسْتَهْزِئِينَ.
 الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ".
 وَالْمَعْنَى : اِصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر وَلَا تَخَفْ غَيْر اللَّه ; فَإِنَّ اللَّه كَافِيك مِنْ أَذَاك كَمَا كَفَاك الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَكَانُوا خَمْسَة مِنْ رُؤَسَاء أَهْل مَكَّة، وَهُمْ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة وَهُوَ رَأْسهمْ، وَالْعَاص بْن وَائِل، وَالْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب بْن أَسَد أَبُو زَمْعَة.
 وَالْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث، وَالْحَارِث بْن الطُّلَاطِلَة، أَهْلَكَهُمْ اللَّه جَمِيعًا، قِيلَ يَوْم بَدْر فِي يَوْم وَاحِد ; لِاسْتِهْزَائِهِمْ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَسَبَب هَلَاكهمْ فِيمَا ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق : أَنَّ جِبْرِيل أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، فَقَامَ وَقَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرَّ بِهِ الْأَسْوَد بْن الْمُطَّلِب فَرَمَى فِي وَجْهه بِوَرَقَةٍ خَضْرَاء فَعَمِيَ وَوُجِعَتْ عَيْنه، فَجَعَلَ يَضْرِب بِرَأْسِهِ الْجِدَار.
 وَمَرَّ بِهِ الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث فَأَشَارَ إِلَى بَطْنه فَاسْتَسْقَى بَطْنه فَمَاتَ مِنْهُ حَبَنًا.
 ( يُقَال : حَبِنَ ( بِالْكَسْرِ ) ) حَبَنًا وَحُبِنَ لِلْمَفْعُولِ عَظُمَ بَطْنه بِالْمَاءِ الْأَصْفَر، فَهُوَ أَحْبَن، وَالْمَرْأَة حَبْنَاء ; قَالَهُ فِي الصِّحَاح ).
 وَمَرَّ بِهِ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة فَأَشَارَ إِلَى أَثَر جُرْح بِأَسْفَل كَعْب رِجْله، وَكَانَ أَصَابَهُ قَبْل ذَلِكَ بِسِنِينَ، وَهُوَ يَجُرّ سَبَله، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ خُزَاعَة يَرِيش نَبْلًا لَهُ فَتَعَلَّقَ سَهْم مِنْ نَبْله بِإِزَارِهِ فَخَدَشَ فِي رِجْله ذَلِكَ الْخَدْش وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَانْتَقَضَ بِهِ فَقَتَلَهُ.
 وَمَرَّ بِهِ الْعَاص بْن وَائِل فَأَشَارَ إِلَى أَخْمَص رِجْله، فَمَرَجَ عَلَى حِمَار لَهُ يُرِيد الطَّائِف، فَرَبَضَ بِهِ عَلَى شِبْرِقَة فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَص رِجْله شَوْكَة فَقَتَلَتْهُ.
 وَمَرَّ بِهِ الْحَارِث بْن الطُّلَاطِلَة، فَأَشَارَ إِلَى رَأْسه فَامْتَخَطَ قَيْحًا فَقَتَلَهُ.
 وَقَدْ ذُكِرَ فِي سَبَب مَوْتهمْ اِخْتِلَاف قَرِيب مِنْ هَذَا.
 وَقِيلَ : إِنَّهُمْ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى :" فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ " \[ النَّحْل : ٢٦ \] شَبَّهَ مَا أَصَابَهُمْ فِي مَوْتهمْ بِالسَّقْفِ الْوَاقِع عَلَيْهِمْ ; عَلَى مَا يَأْتِي.

### الآية 15:96

> ﻿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [15:96]

الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
 هَذِهِ صِفَة الْمُسْتَهْزِئِينَ.
 وَقِيلَ : هُوَ اِبْتِدَاء وَخَبَره " فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ".

### الآية 15:97

> ﻿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [15:97]

بِمَا يَقُولُونَ
 أَيْ بِمَا تَسْمَعهُ مِنْ تَكْذِيبك وَرَدّ قَوْلك، وَتَنَالهُ.
 وَيَنَالهُ أَصْحَابك مِنْ أَعْدَائِك.

### الآية 15:98

> ﻿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [15:98]

وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
 لَا خَفَاء أَنَّ غَايَة الْقُرْب فِي الصَّلَاة حَال السُّجُود، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام :( أَقْرَب مَا يَكُون الْعَبْد مِنْ رَبّه وَهُوَ سَاجِد فَأَخْلِصُوا الدُّعَاء ).
 وَلِذَلِكَ خَصَّ السُّجُود بِالذِّكْرِ قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : ظَنَّ بَعْض النَّاس أَنَّ الْمُرَاد بِالْأَمْرِ هُنَا السُّجُود نَفْسه، فَرَأَى هَذَا الْمَوْضِع مَحَلّ سُجُود فِي الْقُرْآن، وَقَدْ شَاهَدْت الْإِمَام بِمِحْرَابِ زَكَرِيَّا مِنْ الْبَيْت الْمُقَدَّس طَهَّرَهُ اللَّه، يَسْجُد فِي هَذَا الْمَوْضِع وَسَجَدْت مَعَهُ فِيهَا، وَلَمْ يَرَهُ جَمَاهِير الْعُلَمَاء.
 قُلْت : قَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْر النَّقَّاش أَنَّ هَاهُنَا سَجْدَة عِنْد أَبِي حُذَيْفَة وَيَمَان بْن رِئَاب، وَرَأَى أَنَّهَا وَاجِبَة

### الآية 15:99

> ﻿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [15:99]

وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
 فِيهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة : وَهُوَ أَنَّ الْيَقِين الْمَوْت.
 أَمَرَهُ بِعِبَادَتِهِ إِذْ قَصَّرَ عِبَاده فِي خِدْمَته، وَأَنَّ ذَلِكَ يَجِب عَلَيْهِ.
 فَإِنْ قِيلَ : فَمَا فَائِدَة قَوْله :" حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين " وَكَانَ قَوْله :" وَاعْبُدْ رَبّك " كَافِيًا فِي الْأَمْر بِالْعِبَادَةِ.
 قِيلَ لَهُ : الْفَائِدَة فِي هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ :" وَاعْبُدْ رَبّك " مُطْلَقًا ثُمَّ عَبَدَهُ مَرَّة وَاحِدَة كَانَ مُطِيعًا ; وَإِذَا قَالَ " حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين " كَانَ مَعْنَاهُ لَا تُفَارِق هَذَا حَتَّى تَمُوت.
 فَإِنْ قِيلَ : كَيْف قَالَ سُبْحَانه :" وَاعْبُدْ رَبّك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين " وَلَمْ يَقُلْ أَبَدًا ; فَالْجَوَاب أَنَّ الْيَقِين أَبْلَغ مِنْ قَوْله : أَبَدًا ; لِاحْتِمَالِ لَفْظ الْأَبَد لِلَّحْظَةِ الْوَاحِدَة وَلِجَمِيعِ الْأَبَد.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى.
 وَالْمُرَاد اِسْتِمْرَار الْعِبَادَة مُدَّة حَيَاته، كَمَا قَالَ الْعَبْد الصَّالِح : وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دُمْت حَيًّا.
 وَيَتَرَكَّب عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجُل إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتَ طَالِق أَبَدًا، وَقَالَ : نَوَيْت يَوْمًا أَوْ شَهْرًا كَانَتْ عَلَيْهِ الرَّجْعَة.
 وَلَوْ قَالَ : طَلَّقْتهَا حَيَاتهَا لَمْ يُرَاجِعهَا.
 وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْيَقِين الْمَوْت حَدِيث أُمّ الْعَلَاء الْأَنْصَارِيَّة، وَكَانَتْ مِنْ الْمُبَايِعَات، وَفِيهِ : فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( أَمَّا عُثْمَان - أَعْنِي عُثْمَان بْن مَظْعُون - فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِين وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْر وَاَللَّه مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُول اللَّه مَا يُفْعَل بِهِ ) وَذَكَرَ الْحَدِيث.
 اِنْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّه ! وَكَانَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز يَقُول : مَا رَأَيْت يَقِينًا أَشْبَه بِالشَّكِّ مِنْ يَقِين النَّاس بِالْمَوْتِ ثُمَّ لَا يَسْتَعِدُّونَ لَهُ ; يَعْنِي كَأَنَّهُمْ فِيهِ شَاكُّونَ.
 وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْيَقِين هُنَا الْحَقّ الَّذِي لَا رَيْب فِيهِ مِنْ نَصْرك عَلَى أَعْدَائِك ; قَالَهُ اِبْن شَجَرَة ; وَالْأَوَّل أَصَحّ، وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد وَقَتَادَة وَالْحَسَن.
 وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَقَدْ رَوَى جُبَيْر بْن نُفَيْر عَنْ أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( مَا أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَع الْمَال وَأَكُون مِنْ التَّاجِرِينَ لَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّك وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبّك حَتَّى يَأْتِيك الْيَقِين ".

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/15.md)
- [كل تفاسير سورة الحجر
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/15.md)
- [ترجمات سورة الحجر
](https://quranpedia.net/translations/15.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/15/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
